Subscribe:

Ads 468x60px

22 مايو، 2009

فتّش عن السياسة في الصحافة

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 28 جمادى الأول 1430 – 23 مايو 2009

فتّش عن السياسة في الصحافة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_22.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/879799.html

لست أشك في حسن نية الذين دعوا إلى إصدار ميثاق شرف للصحافة العربية، لكنني أشك كثيرا في أن يسهم الميثاق في الدفاع أو الحفاظ على شرف المهنة.

صحيح أننا لا ننكر أن ثمة انفلاتا وهبوطا في مستوى الحوار الصحافي. وأن النموذج الذي تقدمه الصحافة المصرية في هذا الصدد يبعث على الخزي والحزن، من حيث إنها في تعاملها مع المخالفين لا ترعى فيهم إلّاً ولا ذمة، إلا أن هذه مشكلة لا يحلها ميثاق الشرف الصحافي. الأمر الذي يسوغ لي أن أقول إننا نتفق على وجود المشكلة لكننا نختلف في حلها.

فكرة ميثاق الشرف طرحت في الاجتماع الأخير للأمانة العامة لاتحاد الصحافيين العرب، وكانت صدى لتنامي ظاهرة التجاوز والتدهور الذي أصاب لغة الخطاب الإعلامي، خصوصا في ظل الانقسام العربي الراهن. إذ دأبت بعض الأبواق على تجريح الطرف الآخر على نحو ذهب أبعد من نقد السياسات وتسفيهها، وبلغت حد النيل من الأشخاص والخوض في أوضاعهم وعلاقاتهم العائلية. وبذلك أصبحنا بصدد صحافة هابطة لا يقتصر أثرها على إفساد الذوق العام وتشويه المدارك، وإنما ذهبت إلى حد إفساد العلاقات بين المجتمعات والدول العربية الشقيقة.

عند تحليل الظاهرة نجد أن الإعلام بتأثيره الكبير وانتشاره الواسع أصبح إحدى الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها الأنظمة السياسية سواء في تحسين صورتها أو تصفية حساباتها. ولم يعد سرا أن جميع وسائل الإعلام «القومية» في مصر مثلا تخضع للتوجيه السياسي والأمني، سواء كانت صحفا أو قنوات تلفزيوينة أو محطات إذاعية.

وهذا التوجيه والاختراق الأمنيان حاصلان بدرجات متفاوتة في الأغلبية الساحقة من القنوات التلفزيونية والصحف الأخرى التي توصف بأنها خاصة ومستقلة. لذلك فليس من قبيل المصادفة أن تتبنى تلك المنابر موقفا واحدا وتكاد تقول كلاما واحدا فيما خص العديد من القضايا الكبيرة المثارة مثل «خلية» حزب الله والعلاقة مع إيران وحماس، والعلاقة مع الإخوان، والموقف من سورية وقطر.. الخ.

كذلك لم يعد سرا أن فرص التقدم والترقي في الصحافة القومية المصرية باتت مفتوحة على مصاريعها للصحافيين الأكثر ذوبانا في السياسات المتبعة والأكثر «تجاوبا» مع التوجهات الأمنية. وحين ساد هذا الانطباع وذاع أمره في المحيط الصحافي فإنه دفع أعدادا غير قليلة من الصحافيين إلى التنافس في إثبات الالتزام والولاء والتجاوب مع السياسات والتوجهات الصادرة من الجهات العليا، بعدما أصبح كل واحد منهم مقتنعا بأن دوره في «المكافأة» قادم يوما ما. وقد رأوا بأعينهم أن تلك المكافآت والجوائز توزع على زملائهم كل حين، خصوصا في مواسم تغيير القيادات الصحافية.

إذا صح ذلك التحليل، وأحسب أنه صحيح، فهو يعني أن المعارك التي تخوضها الصحف ضد الأشقاء، والأسلحة الفاسدة والكتابات الهابطة التي تستخدم فيها هي بالأساس معارك سياسية وليست صحافية، الأمر الذي يعني أن الصحافة في هذه الحالة مجرد وكيل وليس طرفا أصيلا، ومخاطبتها في هذه الحالة، من خلال ميثاق الشرف الصحافي، تغدو توجها نحو العنوان الغلط. الأمر الذي يعني أن السعي لإصدار ذلك الميثاق هو من قبيل إبراء الذمة وسد الخانة ليس أكثر.

إن المشكلة الحقيقية تكمن في هيمنة السياسة على الصحافة. الأمر الذي يستدعي بقوة ملف الحريات العامة، التي يشكل إطلاقها المدخل الحقيقي لعلاج أزمة الصحافة، صحيح أن لدينا مشكلة أخرى تتعلق بضعف وتراجع كوادر المهنة، التي أصبحت في بعض الأحيان مهنة من لا مهنة له.

إلا أن هذه تأتي في مرتبة تالية من الأهمية، علما بأن رفع يد السياسة عن الصحافة كفيل بتصحيح القصور في أوضاعها المهنية بمضي الوقت.

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن الصحافة ظالمة حقا لكنها مظلومة أيضا.

...................................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar