Subscribe:

Ads 468x60px

28 أبريل، 2009

عمر البشير في حوار صريح – المقال الاسبوعي

صحيفة الخليج الاماراتيه الثلاثاء 2 جمادي الأول 1430 - 28 أبريل 2009

عمر البشير في حوار صريح – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_28.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/863506.html

لقاء الرئيس عمر البشير يفتح الشهية لطرح كم من الأسئلة بعدد المشكلات والتحديات التي يواجهها السودان، وبحجم اللغط المثار حول سياساته في الداخل والخارج.

(1)

فالسودان ليس بلداً كبيراً فحسب ولكنه مشكلة كبيرة أيضاً، ذلك أننا نتحدث عن بلد هو الأكبر من حيث المساحة من أي دولة عربية وإفريقية أخرى (مساحته أكثر من مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع في حين أن مساحة مصر مثلا لا تزيد كثيراً على مليون كيلومتر مربع)، وسكانه البالغ عددهم 40 مليون نسمة هم نصف سكان مصر. أما مشكلته فهي متعددة الأوجه، فمن ناحية، له حدود مشتركة مع تسع دول عربية وإفريقية، الأمر الذي يجعل سيطرته على حدوده من المستحيلات، ومن ناحية ثانية، فإن أهله يتوزعون على 600 قبيلة، يتكلمون 115 لغة ولهجة محلية، تتفرع منها لهجات أخرى، وهذه القبائل يتحكم فيها زعماء محليون من شيوخ وسلاطين وأمراء، ولكل منهم عالمه الخاص، الذي لا علاقة له بالضرورة بالسلطة المركزية في الدولة. وطوال السنوات الماضية كنا نسمع عن الشمال والجنوب في السودان، لكننا لم نلاحظ أن هناك كيانات أخرى في كردفان ودارفور وبلاد النوبة. ثم إنه بلد غني، بمياهه ونفطه وغازه وغاباته ومعادنه التي تتراوح بين اليورانيوم والذهب والنحاس والفوسفور والمنجنيز والكروم.. إلخ. وإلى جانب ذلك فثروته الزراعية والحيوانية لا حدود لها، فالحديث عن 200 مليون فدان صالحة للزراعة و50 مليون رأس من الغنم والماعز، إضافة إلى 23 مليوناً من الأبقار و35 مليوناً من الإبل. وإلى جانب أهميته الاستراتيجية في المحيط الإفريقي، فإن إطلاله على البحر الأحمر بساحل طوله 644 كيلومتراً، ضاعف من تلك الأهمية. وتلك كلها عوامل جعلت السودان مطمعا للدول الكبرى وساحة لصراعاتها، ونقطة جذب للمتآمرين والمغامرين والمبشرين. بسبب كل ذلك لم تتوقف المشكلات في السودان منذ استقلاله في عام ،1956 ولأن الأقدار وضعته في موقع باب العالم العربي إلى إفريقيا، فإن ذلك كان سبباً آخر لمحاولة تفكيكه وإدامة إشعال نار الفتنة فيه، حتى لا يستقوي بموارده، على نحو يمكنه من أن يصبح صاحب دور في القارة، وهو ما يستكثره عليه الطامعون والمتربصون والمتآمرون.

(2)

كانت هذه الخلفية حاضرة في ذهني حين ذهبت للقاء الرئيس عمر البشير في بيته، ولم يغب عن بالي أن الرجل الذي يمسك بزمام السلطة منذ عشرين عاما، مطلوب أيضا للمحكمة الجنائية الدولية بسبب مشكلة هي جزء من مسلسل التآمر على السودان، وحين حسدته على ثباته وقوة أعصابه، استشهد في تعليقه بالآية الكريمة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” وبالحديث النبوي الذي يقول ما معناه إن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ينفعوا أو يضروا مخلوقا بشيء، فلن يلحقوا به إلا ما كتب الله له أو عليه.

لم أستغرب الرد، فقد كنت أعلم أنه حافظ للقرآن وله خلفيته الدينية التي حصلها منذ صغره حين كان حفظ القرآن أول ما يتعلمه أبناء جيله (من مواليد عام 1944). ولما صار رئيسا، فإنه ظل يواظب على أداء الفرائض الخمس من الفجر إلى العشاء في مسجد صغير مقام إلى جوار بيته الرئاسي، والذين يعرفونه يقولون إنه لا يزال متأثرا ببيئته الصوفية، رغم أنه تخرج في الكلية الحربية في عام النكسة (1967) وقدر له أن يشترك بعد ذلك في حرب العبور عام ،1973 وفي رحلته أعطى الدراسات العسكرية جزءا كبيرا من وقته، خصوصا أنه كان متخففا من الأعباء العائلية، حيث لم ينجب من زوجتيه (الثانية كانت زوجة شهيد من رفاقه) وعوض الإنجاب عن طريق تبني طفلين من أبناء الجنوب. في الوقت ذاته، فإنه انكب على دراسة الماجستير في العلوم العسكرية بكلية القادة والأركان في الخرطوم، وبعدها حصل على ماجستير العلوم العسكرية من ماليزيا، ثم حصل على زمالة أكاديمية السودان للعلوم الإدارية.

حين التقيته كان وفد سوداني قد غادر الخرطوم إلى “لاهاي” لحضور جلسة إحدى المحاكم الدولية التي تنظر نزاعا مع الجنوبيين حول حدود منطقة “أبيي” الغنية بالنفط خاصة.

وكان اثنان من المبعوثين الأمريكيين قد أنهيا زيارتهما للسودان. سألته عن المهمتين فقال إن القضية المرفوعة في “لاهاي” أريد بها رفع الظلم عن الإقليم الشمالي الذي اقتطعت مساحة واسعة من أرضه بغير حق وأدخلت ضمن حدود “أبيي”، كان سوء النية واضحا في هذه العملية. ولم يكن أمامنا سوى أن نلجأ إلى التحكيم الدولي لحل ذلك الإشكال. أما فيما يخص المبعوثين الأمريكيين فإن مهمتهما اقتصرت على أمرين، العلاقات الثنائية بين واشنطن والخرطوم، المجمدة والمسكونة بالتوتر، وموضوع المنظمات الإغاثية التي قررنا طردها من السودان بسبب أنشطتها المريبة والمعادية في دارفور (عددها 13 منظمة).

* ألم يتطرقا إلى القرار الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية؟

- لم يتحدثا في هذا الموضوع، لكننا فهمنا أن التعامل “الإيجابي” مع النقطتين اللتين جاءا لبحثهما من شأنه أن يوفر أجواء أفضل لتهدئة الضجة التي أثارها.

سألته عن نتائج الزيارتين فقال إن النتائج لم تظهر بعد، ولكن المقدمات تعطي انطباعاً مريحاً نسبياً، ففيما يخص المنظمات فإننا تمسكنا بقرارنا بإبعادها، لأن لدينا أدلة قوية تثبت تآمرها ضدنا وانتسابها إلى قوى الضغط الصهيونية. ولكننا كحل وسط لم نمانع في استقبال بدائل عن المنظمات الأمريكية التي طردت (عددها أربع والباقي منظمات أوروبية). أما فيما يخص العلاقات الثنائية، فإن إعادتها إلى مسارها الطبيعي تتطلب وقتا لم تتضح معالمه بعد.

استطرد الرئيس البشير قائلاً إن السودان لديه خبرة طويلة مع المبعوثين الأمريكيين، أكثرها غير مشجع، لأن المشكلة لا تكون في المبعوث القادم من واشنطن، ولكنها في القوى الضاغطة على القرار السياسي هناك. وفي السابق استقبلنا زوارا أمريكيين، قالوا لنا كلاما طيبا هنا وحين عادوا إلى بلادهم اضطروا إلى تغييره للحفاظ على مستقبلهم السياسي. وقد قلت لأحدهم مرة (اسمه السناتور دانتورس) إن من المبعوثين من يأتي إلى السودان في حين يكون تقرير الزيارة مكتوبا سلفا، وجاءنا مبعوث آخر كان معادياً لنا، لكنه حين حاورنا اقتنع بكلامنا. وحين تحسن موقفه أعفي من منصبه.

* سألته: هل هذا الشك ينسحب على المبعوثين الأخيرين؟

- قال: ينبغي أن ننتظر حتى نقيم النتائج. لكن ما نستطيع أن نقوله إنهما تحدثا بروح إيجابية، وجدناها تعبيرا عن الخطاب المتصالح والمنفتح الذي تقدمه الإدارة الجديدة في البيت الأبيض.

(3)

* هل هناك علاقة بين تأجيل الانتخابات العامة إلى شهر فبراير/شباط المقبل، وبين التخوف من انفصال الجنوب في استفتاء عام 2011؟

- لا علاقة بين الأمرين. فالتأجيل سببه أن ترتيبات إجراء الانتخابات الخاصة بالدوائر لم تتم، إضافة إلى أن نتائج التعداد السكاني لم ترض عنها حكومة الجنوب، التي تصر على أن تكون نسبة الجنوبيين 33%، في حين أن المسح الذي أشرفت عليه الولايات الجنوبية بين أن نسبتهم 21% فقط. ثم إننا لسنا قلقين من نتائج الاستفتاء الذي ارتضينا أن نحتكم إليه في الاتفاق الموقع معهم. وحتى الآن فهناك 40% من الجنوبيين يريدون البقاء في إطار الدولة الواحدة. وهذه النسبة تتزايد، خصوصاً في ظل الصراعات الحاصلة بين القبائل الجنوبية التي يرفض بعضها الخضوع لسلطان الحركة الشعبية. وهذه الصراعات لم تتوقف طيلة السنوات الأخيرة، وأحدثها ما وقع في جونجلي قبل أيام وأدى إلى مقتل 300 شخص على الأقل.

* من أين تأتي الجماعات المتمردة في دارفور بالسلاح؟

- هم يحصلون على سلاحهم من تشاد بحكم الصلات القبلية. وتشاد تحصل على السلاح من ليبيا. وقد تحدثنا مع الليبيين بهذا الخصوص، فكان ردهم أنهم يقدمون السلاح إلى الحكومة التشادية وليس إلى المتمردين.

* لماذا لم تعلنوا عن الغارات التي شنت ضد قوافل تهريب السلاح حين وقعت في شهر فبراير/شباط الماضي؟

- السبب أن أجهزتنا كانت تريد أن تتحقق من مصدر الغارتين ولم تتوصل إلى شيء، إلى أن أعلنت “إسرائيل” عن دورها في ذلك.

* هل كانت الحكومة السودانية على علم بعمليات التهريب؟

- السودان مفتوح على تسع دول ويتعذر ضبط حدوده تماما. وإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن ضبط حدودها مع المكسيك، فنحن نعذر إذا لم ننجح في إحكام الرقابة على الحدود، ونحن نعلم أن قبيلة الرشايدة المنتشرة في إريتريا والسودان ومصر تقوم بتهريب كل شيء عبر الحدود من الطعام إلى البشر والجمال مروراً بالسلاح. وقد علمنا من إخواننا في مصر أن ثمة سلاحاً يتم تهريبه عبر الصحراء لكننا لم نستطع أن نوقفه.

* إلى أي مدى تأثر السودان بالأزمة الاقتصادية العالمية؟

- تأثرنا ليس كبيراً ومقصور على عوائد النفط الذي انخفضت أسعاره ويشكل 40% من موارد الميزانية. ولكن ذلك لم يعطل شيئا من مشروعاتنا للتنمية. فقد ساعدتنا ظروف كثيرة على إنجاز الكثير من مشروعات البنية الأساسية، خاصة سد مروي وشبكة الطرق والجسور التي ربطت بين ضفتي النيل، وأصبح لدينا وفرة في الطاقة مكنتنا من توصيل الكهرباء إلى أنحاء السودان وكانت النتيجة أن السودان أصبح ترتيبه السادس بين الدول العشر الأسرع نمواً في العالم.

* ما مدى ما يقال من أن السودان أصبح منطقة جذب للاستثمارات الخارجية، بعد أن كان طارداً لها؟

- هذا الكلام صحيح، ولابد أن نعترف بالفضل في ذلك لجهتين: الصناديق العربية التي مولت العديد من المشروعات الكبيرة في السودان، والصين والدول الآسيوية الأخرى التي قدمت لنا خبرات ومعونات ساعدتنا على النهوض بالواقع السوداني. ذلك أننا بعدما حاربتنا الدول الغربية، فإننا فتحنا أبوابنا للصينيين ودعونا الماليزيين وجاءنا الهنود والباكستانيون والكوريون، حتى أصبحنا الدولة العربية الوحيدة التي انفتحت على الشرق.

* ما مدى صحة ما قاله وزير الزراعة في الحكومة الزبير بشير من أن الأمريكيين طلبوا من السودان عدم التوسع في زراعة القمح ليظلوا وحدهم الممسكين بهذا الملف؟

- ليست لدينا أوراق رسمية تثبت ذلك، لكنني لا أستبعده. لأنهم فعلوا نفس الشيء أثناء حكم الرئيس عبود، حيث أعطونا القمح والدقيق مجانا، وطلبوا منا ألا نزرع القمح في الولاية الشمالية.

(4)

سألته عن رأيه فيما يقال عن فتور العلاقات مع مصر بسبب حضوره قمة الدوحة التي سعت مصر لمنع عقدها ولأن القاهرة دعت إلى عقد مؤتمر دولي لأجل دارفور من دون علم الخرطوم أو استشارتها.

فقال إن العلاقات مع مصر ليست فاترة وليست حميمة، لكنها إيجابية مع ذلك، والتفاهم والفهم المتبادل قائم بين البلدين، وذلك هو الأهم. وبالمناسبة فإن السودان كان أول من دعا إلى عقد القمة بعد بدء العدوان على غزة، وقد اتصلت هاتفياً بالرئيس بشار الأسد لهذا الهدف، ولذلك فإن قطر حين عرضت استضافة القمة، فإننا كنا في مقدمة الملبين.

تطرق الحديث إلى مبادرة السلام العربية، فقال الرئيس البشير إنه من أنصار سحبها، لأنها لم ولن تؤدي إلى شيء، وأنه أبلغ الرؤساء العرب بذلك في أحد الاجتماعات المغلقة، ولولا حرص الخرطوم على عدم شق الصف العربي لكان لها موقف آخر.

قلت هل تعتبر السودان من دول الممانعة أم دول الاعتدال؟ فكان رده لا تنس أن السودان هي دولة “اللاءات” التي أعلنت في قمة الخرطوم بعد هزيمة 67 (لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف)، وهي مازالت على ذلك العهد إلى الآن. ولذلك فهي تقف مع المقاومة على طول الخط.

* قلت ما رأيك في الأزمة الحاصلة الآن بين مصر وحزب الله؟

- قال: نحن نثق في حزب الله وقيادته ونعتبره مقاومة شريفة جديرة بالحفاوة والتقدير. نعرف أنه لم يمارس أي أنشطة ضد أي دولة عربية أو غير عربية. ونأمل في احتواء الأزمة بأسرع ما يمكن، حتى لا ينصرف الاهتمام عن “إسرائيل” التي تمثل العدو الأساسي والأول للدول العربية.

سألته وأنا أهم بالمغادرة: هل في السودان معتقلون سياسيون؟ فقال: إن الدكتور حسن الترابي كان آخر المعتقلين وقد أطلق سراحه. قلت ما رأيك في موقفه المؤيد لقرار المحكمة الدولية؟ قال: إن الترابي عزل نفسه عن الإجماع الوطني، منذ استسلم لأحقاده الشخصية وتراجعت لديه أولوية المصالح العليا للوطن.

..........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar