Subscribe:

Ads 468x60px

22 مارس، 2009

خبرة ليست للتصدير

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 26 ربيع الأول 1430 – 23 مارس 2009

خبرة ليست للتصدير – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_5425.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/834018.html

هل صحيح أن الخبرة المصرية في التعليم قابلة للتصدير إلى الخارج؟ هذا السؤال خطر لي حين قرأت في ذلك الصباح خبرا عن اجتماع وزير التعليم المصري د.يسري الجمل، مع نظيره الأفغاني فاروق وارداك. حيث بحثا أوجه التعاون المشترك، وتبادل الخبرات في مجال التعليم، وطبقا للكلام المنشور فإن د.الجمل عرض على ضيفه الأفغاني التجربة المصرية الموضوعة لتخريج طلاب مزودين بالمهارات الحياتية. ويبدو أن الوزير نجح في إبهار الضيف حتى خرج الرجل من الاجتماع لكي يقول للصحافيين إن التجربة المصرية «تعد نموذجا رائعا يمكن الاستفادة منه». (أهرام الجمعة 3/20 الجاري)، الأمر الذي أثار فضولي، لأنني لم أتصور أن الخبرة المصرية في مجال التعليم بالذات يمكن أن تنفع أي بلد آخر، وآخر ما خطر لي على بال أن يقول قائل إنها تعد نموذجا رائعا يمكن الإفادة منه.

ما أزعجني في الموضوع ليس أن يقول الوزير الأفغاني هذا الكلام، ولكن أن يصدقه ويأخذه على محمل الجد، بحيث يبدأ في اقتباس الخبرة المصرية في مجال التعليم. حتى تمنيت أن يكون الكلام الذي صدر عنه من قبيل المجاملات المجانية، التي يمتدح بمقتضاها الضيف مضيفيه بكلام يريحهم ويرد لهم مقابل استضافته خلال الزيارة، مثلما يحدث مع زوار آخرين كثيرين.كما أنني خشيت أن نصدق بدورنا الكلام، بحيث نعتبره شهادة نرد بها على تحفظات الناقدين.

ذلك أنك لو سألت أي مواطن مصري عادي عن خبرته مع التعليم الحكومي. فإنك ستفتح على نفسك بابا للشكوى المرة يتعذر إغلاقه. إذ الانطباع العام أن المدارس الحكومية في مصر لم تعد تعلّم أحدا، وأن التعليم الحقيقي إما أن يتم في المدارس الخاصة أو من خلال الدروس الخصوصية، حتى ان بعض المعلمين أصبحوا يستأجرون شققا وطوابق في بعض البنايات لإعطاء الدروس للطلاب خارج المدرسة. وبات معروفا أن التلاميذ ينقطعون عن الذهاب إلى مدارسهم الحكومية في النصف الثاني من العام الدراسي، لكي يتفرغوا للمذاكرة، بعدما اقتنعوا بأن ذهابهم إلى المدارس بمنزلة مضيعة للوقت، خصوصا في سنوات الشهـادات التي تتطلـب مجاميـع عاليـة.

لا تسأل عن أحوال المباني المدرسية ولا عن أحوال المدرسين البائسة، لكنك لن تستطيع أن تنكر أن تسريب الامتحانات والغش أثناءها والعبث بالنتائج النهائية، أصبح من سمات الخبرة المصرية التي ينبغي أن نسترها لا أن نصدرها. ليست هذه هي كل الصورة بطبيعة الحال، ولكنها بعض ملامحها الكارثية. وهي التي لا ينفرد بها التعليم، لكنها شملت قطاع الخدمات خصوصا الصحية منها. ذلك أن الدولة المصرية خلال العقود الثلاثة الأخيرة لم تتخل عن مشروعها السياسي فقط، وإنما تخلت أيضا وبصورة تدريجية عن مسؤولياتها تجاه المجتمع.

بالتالي، فكما أن دورها تراجع في العالم العربي، فإن ذلك التراجع تحقق بذات القدر على الصعيد الداخلي، فانهارت الخدمات تباعا، وكان أهم تقدم حدث خلال تلك المرحلة من نصيب الأجهزة الأمنية التي تعززت قدراتها بقدر تعاظم دورها في المجتمع.

لا أستبعد أن يكون الوزير الأفغاني قد رتبت له زيارات لبعض المدارس المعدة لاستقبال الضيوف، التي يستعار لها تلاميذ ومدرسون مستحمون ومهندمون من جهات أخرى (كما حدث أثناء زيارة قرينة الرئيس الأميركي السابق لمدينة الإسكندرية قبل عامين). ولذلك أقلقني ما ورد في الخبر المنشور من أن بعض رجال التعليم في أفغانستان سيدعون إلى مصر للتعرف على التجربة التعليمية على الطبيعة، لأن ذلك لو حدث فربما أفسد الفيلم كله. لأنهم سوف يكتشفون أن الوضع في مصر يختلف عنه في أفغانستان في الدرجة فقط وليس في النوع.

وسأكون مسـرورا لا ريب إذا علمت أن الأمر كله مجرد «كلام جرايد»، وأنه لا الوزير الأفغاني قال ما نسب إليه، ولا زيارة رجال التعليم الأفغان لها أصل من الحقيقة، وأن الخبر ليس أكثر من موضوع للإنشاء دبجه موظف في العلاقات العامة يريد أن يستجلب رضى الوزير وليس لتخطي دوره في الترقية.

................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar