Subscribe:

Ads 468x60px

27 مارس، 2009

كوميديا التفويض

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 1 ربيع الثانى 1430- 28 مارس 2009

كوميديا التفويض – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_27.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/838222.html

عجز الكاتب الأميركي مارك توين عن استخدام سلاح السخرية الهائل الذي يجيده، حين صدمته الممارسات التي تورطت فيها القوات الأميركية عند اجتياح الفلبين عام 1901م. إذ وجد أن تلك الممارسات الفظيعة تمت تغطيتها بعبارات بليغة عن التحرير والهدف النبيل والمهمة الرسالية. وبرر موقفه بقوله إن قائد القوات الأميركية في تلك الحملة، الجنرال فردريك فانستن هو المسؤول عن العجز الذي أصابه، لأنه ما من سخرية باتت قادرة على أن تعطي ذلك الرجل حقه، بعدما تجسدت فيه حتى أصبح يحتل قمتها.

هذه الخلفية خطرت لي حين تابعت جلسة مجلس الشعب يوم الاثنين الماضي 23-3، التي ناقشت موضوع تفويض رئيس الجمهورية في عقد صفقات شراء السلاح، إعمالا للنص الدستوري (المادة 108) الذي يقضي بأنه عند الضرورة وفي الأحوال الاستثنائية وبناء على تفويض من مجلس الشعب لرئيس الجمهورية أن يصدر قرارات لها قوة القانون، على أن يكون التفويض لمدة محددة.

الموضوع كان في ظاهره بسيطا وسهلا للغاية، فالقانون الذي أدخل صفقات السلاح في نطاق التفويض الممنوح للرئيس صدر في عام 1972، في أجواء العمل على إزالة آثار عدوان 67، وحرب الاستنزاف التي أعقبته. إذ منذ ذلك الحين وحتى الآن، نحو 40 عاما، والرئيس ينفرد بعقد صفقات السلاح، في غياب أي رقابة برلمانية. وحين طرح موضوع تجديد هذا التفويض كان السؤالان اللذان خيما على المناقشة هما: هل مازالت الضرورة والأحوال الاستثنائية قائمة حتى الآن؟ ثم، ألا يعد استمرار التفويض طوال هذه المدة انتقاصا من حق البرلمان في الرقابة وعدوانا على سلطاته الدستورية؟

إلى هنا والكلام جاد ومعقول، لكن الكوميديا بلغت ذروتها في الرد على السؤالين. في البداية قدمت لجنة الدفاع والأمن القومى، التي يفترض أن تكون الأكثر اعتناء بالموضوع، تقريرها الذي أعلنت فيه استقالتها من المهمة. إذ قالت ما خلاصته إن الدنيا تغلي من حول مصر وأمنها مهدد، الأمر الذي يتطلب اتخاذ قرارات سريعة وفي سرية تامة، ويقتضي استمرار العمل بتفويض الرئيس في شراء السلاح لثلاث سنوات قادمة (تنتهي عام 2012).

تحدث كثيرون من أعضاء الحزب الوطني في هذا الاتجاه، مؤكدين أنه ما لم يتم التفويض المذكور فإن كارثة ما ستحل بالبلد، حيث سينكشف أمنها القومي وسنصبح جميعا في حيص بيص. وزاد أحد الأعضاء من جرعة التنبيه إلى الخطر، حين قال إن حكومة متطرفة يجرى تشكيلها الآن في إسرائيل. وسيشغل ليبرمان منصب وزير الخارجية، وهو الذي هدد بضرب السد العالي وإعادة احتلال سيناء لتهجير الفلسطينيين إليها. الأمر الذي يعزز أهمية منح التفويض للرئيس للتعامل مع تداعيات هذا الموقف (زكريا عزمى).

قال آخرون إن التفويض ضرورة، وإن المسألة ليست سهلة، فالرئيس مبارك مسؤول عن أمن مصر وأمن المنطقة وأمن أفريقيا وهو حريص على السلم والأمن العالمي (كمال الشاذلى)،

وإننا بصدد الاستفتاء على حب مصر، ومن يعارض التفويض يكن مشكوكا في ولائه للبلد (محمود خميس)،

وقال ثالث إن التفويض يعد تعبيرا عن الثقة في حكمة الرئيس مبارك (مفيد شهاب)

ويبعث برسالة تحية إلى قائد ديموقراطية مصر الحديثة (أحمد عز).

أضاف خامس أننا نسلم للرئيس أرواحنا، فلماذا نعترض على تسلمه لكمية من الحديد؟ (العمدة أبوالحسن).

لم يتطرق أحد إلى موضوع عمولات السلاح ربما اطمئنانا إلى مصيرها، لكن أصوات المعترضين ضاعت وسط الهرج السائد، خصوصا قول أحدهم إننا نشتري السلاح من نفس البلد الذي يبيع لإسرائيل والادعاء بالحاجة إلى السرية باطل من أساسه (محمد شردي)،

وقال آخر إننا لم نعرف بالضبط ما إذا كنا في حالة حرب أم سلم، أيام غزة قالت الحكومة إن مصر في حالة سلم، والآن تقولون إننا في خطر وفي حالة حرب (سعد عبود).

انتهت الجلسة بموافقة الأغلبية على التفويض، الأمر الذي أعاد إلى ذهني كلام مارك توين، فتساءلت هل هناك سخرية يمكن أن تعطي ذلك المشهد حقه؟

...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar