Subscribe:

Ads 468x60px

05 مارس، 2009

الحُرمة إذا لم تتعين


صحيفة الرؤية الكويتية الخميس 8 ربيع الأول 1430 – 5 مارس 2009
الحُرمة إذا لم تتعين - فهمى هويدى
بعدما أدت السيدة صاحبة محل تصفيف الشعر مناسك العمرة، قررت أن ترتدي الحجاب، وحين عادت إلى محل «الكوافير» الذي تملكه عنَّ لها أن تسأل عما إذا كان يجوز لها أن تصفف شعور غير المحجبات أم لا، بعدما أخبرتها صديقة لها بأن الأمر فيه شك، حينئذ لجأت إلى أحد المتحدثين التلفزيونيين في شؤون الدين. استفتته فأيد الشك وقال لها إنها إذا فعلت ذلك فإنها تسهم في ارتكاب إثم، من حيث إنها تساعد الزبونة السافرة على التبرج. المنهي عنه شرعا. وقال في ختام كلامه إنها ينبغي أن تتوقف عن تصفيف شعور غير المحجبات، وليس لها أن تقلق على إيراد محلها الذي يمكن أن يتأثر بسبب هذه الفتوى. لأن الرزق في النهاية على الله، الذي سيبارك لها في دخلها.
سئلت في الموضوع فقلت إنني أستطيع أن أقول رأيا فقط، إذ لست من أهل الفتوى. وكانت خلاصة رأيي أن مصففة الشعر تؤدي عملا شريفا ومباحا، وهي مسؤولة فقط عما تؤديه من عمل، وليست مسؤولة عما ستفعله «الزبونة» بعد ذلك، لأنه «لا تزر وازرة وزر أخرى» طبقا للنص القرآني.
استطرادا قلت إنني بشكل عام لست من دعاة المفاصلة بين الملتزمات وغير الملتزمات في المعاملات. أولا لأن حق الجميع في الاحترام والكرامة واجب في كل الحالات. وثانيا لأنني مقتنع بأن لدى كل إنسان بذرة خير يتعين الحفاوة بها واستنهاضها، وهو ما تعطله المفاصلة أو تصادره. وثالثا لأن التواصل بين الطرفين من شأنه أن يحقق فرصة الإعذار والتبليغ وتوسيع دائرة التعاون على البر والخير، الذي ليس مقصورا على طرف دون آخر، وهو المعنى الذي يضيؤه لنا الحديث النبوي القائل بأن الله لا ينظر إلى صوركم وأشكالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
أدري أنه في ساحة الدعوة الإسلامية توجد مدرسة كاملة قائمة على فكرة المفاصلة والإقصاء، وساعية باستمرار إلى الحذف وليس الإضافة أو الاحتواء، انطلاقا من احتكار التدين وإساءة الظن بالآخر. والضن عليه بالمودة والتقدير. وأحسب أن الذين يدعون إلى مقاطعة تصفيف شعور غير المحجبات من هذا الفريق الذي لم ينشغل لا بالتواصل ولا بالإضافة أو الاحتواء. ومن هؤلاء من يرتاب في الآخر المسلم حتى يصنفه بين أهل البدع تارة وبالفسق تارة أخرى، وبالكفر في نهاية المطاف. ومنهم من ينفر من غير المسلم، فلا يصافحه ولا يشاركه في طعام أو معاملة. ومنهم من يعتبر أن إعلان الحرب على العالم جهاد والموت دون ذلك استشهاد. إلى غير ذلك من الأفكار الغريبة التي ظهرت في بلادنا بعد أن تم تصحير الساحة الإسلامية بفعل عوامل كثيرة، حتى صارت جرداء لم يعد ينبت فيها غير الشوك والمر.
سألت مفتي مصر الدكتور علي جمعة في موضوع تصفيف شعر غير المحجبات، فأيدني فيما ذهبت إليه وأصّل المسألة في نقطتين، الأولى القاعدة الفقهية التي تقول بأن الحرمة إذا لم تتعين حلت، بمعنى أن التحريم إذا لم يحدده الشارع فالأصل في التصرف هو الحلال. الثانية تلخصها قاعدة أخرى تقول بأن كل ذي استعمالين فالعبرة فيه بالمستعمِل (بكسر الميم)، أي أن الشيء إذا كان له استعمالان، أحدهما مفيد والآخر ضار فلا يحكم عليه إلا إذا عرفنا أيهما اختار الشخص. وهو ما ينطبق على سلوكيات كثيرة، ومنها اشتغال النساء بمهنة تصفيف الشعر أو حياكة ثياب النساء وغير ذلك.. والله أعلم.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar