Subscribe:

Ads 468x60px

02 مارس، 2009

مبروك لفقراء مصر

صحيفة الرؤية الكويتية الاثنين 5 ربيع الأول 1430 – 2 مارس 2009
مبروك لفقراء مصر - فهمى هويدى
بحسن نية ظللت أتابع اهتمام الخطاب السياسي المصري بالفقراء، وبملف العدالة الاجتماعية في البلد، واعتبرت ذلك الاهتمام «اكتشافا» لملف سكتت عنه الحكومة طوال ربع القرن الأخير على الأقل، رغم أن شعار مكافحة الفقر والجهل والمرض مرفوع في بر مصر منذ بداية الأربعينيات على الأقل حتى احتل موقعا ثابتا في برامج الحكومات المتعاقبة.
وكان تفسيري أن القيادات السياسية المصرية عادت إلى الحديث في الموضوع خلال السنتين الأخيرتين، بعدما أدركت أن قطاعات عريضة من المجتمع بدأت تئن من شدة وطأة الغلاء وقسوة أعباء المعيشة، الأمر الذي ضاعف من أعداد الفقراء والمسحوقين، وأشاع بين الناس درجات متفاوتة من السخط والغضب.
فسرت الأمر في البداية بذات الدرجة من حسن النية، واعتبرت أن تكرار الحديث عن الفقر والعدالة الاجتماعية أريد به امتصاص غضب الناس وإقناعهم بأنهم لا يقفون وحدهم غارقين في المشكلة، ولكن السلطة تشعر بآلامهم. حتى لم تعد تفوت بيانا سياسيا إلا وتشير إليهم وتذكرنا بهم. وحين قام السيد جمال مبارك بزيارة لإحدى القرى الأشد فقرا في محافظة أسيوط، كنت على استعداد لتجاهل التساؤل عن الصفة التي جعلته يقوم بتلك الزيارة، وعن علاقة قرية «الزرابي» بمسؤوليته عن لجنة السياسات. بالتالي فإنني لم أتوقف عند هذه المسألة، معتبرا أن زيارة أي شخصية عامة لقرية فقيرة مثل «الزرابي» تعد لفتة جديرة بالحفاوة والتشجيع، على الأقل من حيث إنها تشعر فقراء القرية بأن السلطة في مصر الشقيقة إذا كانت قد غابت عنهم وتجاهلتهم، إلا أنها لم تنسهم ولاتزال تعرف لهم عنوانا.
في وقت لاحق أدركت أنني أفرطت في حسن الظن، وأن أحاديث اكتشاف الفقر في مصر، وزيارة جمال مبارك للقرية الأفقر في أسيوط، لم تكن بالبراءة التي تصورتها، وإنما كانت تمهيدا لشيء آخر لم يخطر لي على بال. فقد قرأت في أهرام السبت الماضي (28/2) أن صاحبنا أصبح يتحمل أمام الرأي العام المصري مسؤولية برنامج مكافحة الفقر في مصر. استعدت التساؤل السابق حول علاقة ذلك بمسؤوليته عن لجنة السياسات. وأثار انتباهي أن ما نشر حول هذه المهمة «الرسالية» لم يتحدث عن أي جهد للحكومة في معالجة تلك المشكلة المزمنة، التي لم تحل في مصر منذ حوالي سبعين عاما. واحترت أكثر حين عثرت في ثنايا الكلام المنشور على جملة تقول إن الحزب الوطني وحكومته وضعا مكافحة الفقر ضمن أولويات العمل في الفترة المقبلة، وهو تنويه أقرب إلى التقريع، لأنه يعني أن الموضوع لم يكن ضمن أولويات الطرفين خلال السنوات الثماني والعشرين الماضية.
خلاصة الكلام المنشور أن جمال مبارك ــ في آخر لقطة إعلامية ــ صار نصيرا للفقراء ومعقد الأمل في إنصافهم، وانتشالهم من البؤس الذي حل بهم في ظل «سابقيه»! وهو ما ذكرني بقصة «النبيل» عباس حليم في العصر الملكي، الذي رأس اتحاد العمال وأسس حزبا لهم، حتى اعتبر نصيرا للعمال والكادحين، ورغم التشابه في الوضع «الاجتماعي» بين الحالتين، فإن هناك فرقا بينهما يتعين إدراكه يتمثل في أمرين أساسيين: أولهما أن عباس حليم كان صاحب قضية دافع عنها طوال الوقت، وثانيهما أنه لم يكن لديه طموح سياسي، على العكس من جمال مبارك الذي لم نعرف أن له علاقة بالفقراء إلا أخيرا من أخبار الصحف، في حين أننا نعرف الكثير عن طموحه السياسي. وإذا صح الكلام الذي نشرته «الأهرام» عن تحمله مسؤولية نصرة الفقراء، فإنني لا أستبعد أن يكون أول ما يسأل عنه حين يبلغ بالخبر، هو عنوانهم ورقم هاتفهم المحمول و«الإيميل» الخاص بهم.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar