Subscribe:

Ads 468x60px

24 فبراير، 2009

موت السياسه فى مصر (المقال الاسبوعي)

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 29 صفر 1430 – 24 فبراير 2009

موت السياسه فى مصر – فهمي هويدي (المقال الاسبوعي)

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_6323.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/812732.html

الخبر السار أن العديد من الفئات في مصر أصبحت تنتفض وتلجأ الى الاضراب لكي تضغط على الحكومة دفاعاً عن مصالحها، أما الخبر المحزن فان مصالح الوطن لم تعد تجد قوة تغار عليها وتضغط بدورها للدفاع عنها.

(1)

أصبحت الاضرابات عنواناً ثابتاً على جدران مصر. حتى كدنا نسأل: من يضرب هذا الصباح؟. بالتالي فلم يعد السؤال هل يضرب الناس أم لا، ولكننا صرنا نسأل: من عليه الدور ومتى يتم ذلك؟. وهو تطور مهم جدير بالرصد والاثبات. ففي الأسبوع الماضي شهدت مصر أربعة اضرابات للصيادلة والمحامين وأصحاب وسائقي الشاحنات وعمال شركة جنوب الوادي للبترول. وحسب بيانات المرصد النقابي والعمالي في القاهرة، فان شهر يناير من هذا العام شهد 56 احتجاجاً بصور مختلفة، والى منتصف شهر فبراير سجل المرصد 32 احتجاجاً. وقبل ذلك، في عام 2007 شهدت مصر 756 احتجاجاً، تراوحت بين الاضراب والاعتصام والتظاهر وتقديم الشكايات الى الجهات المعنية في الحكومة. وهو ما لم يختلف كثيراً في العام الذي أعقبه (2008).

الظاهرة بهذا الحجم جديدة على المجتمع المصري، اذ باستثناء مظاهرات طلاب الجامعات التي عادة ما تقابل بقمع شديد أدى الى تراجعها في السنوات الأخيرة، فان التظاهر المعبر عن الاحتجاج والغضب لم يكن من معالم ثقافة المجتمع المصري خلال نصف القرن الأخير على الأقل لأسباب يطول شرحها. اذ خيم السكون على أرجاء مصر طيلة تلك المدة، فلم نسمع صوتاً غاضباً للمجتمع لا في الشأن الخاص لفئاته ولا في الشأن العام للبلد. وتعد مظاهرات 18و19 يناير التي خرجت في عام 1977 احتجاجاً على رفع الأسعار، وتمرد جنود الأمن المركزي في عام 1986 من التجليات الاستثنائية التي تؤيد القاعدة ولا تنفيها.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة حدث تحول مهم في حركة المجتمع المصري، اذ في حين لم نكن نسمع له صوتاً في الشأن الخاص أو العام، فاننا أصبحنا نسمع أصواتاً عدة لفئات فاض بها الكيل ولم تعد تحتمل قسوة الحياة. وهو ما أدى الى بروز الاهتمام بالشأن الخاص، مع استمرار السكون المخيم المحيط بملف الشأن العام، رغم توالي التحديات التي كانت تستوجب وقفة حازمة من جانب المجتمع. وقائمة تلك التحديات طويلة، اذ تراوحت بين تقنين تراجع الحالة الديموقراطية مع تغول المؤسسة الأمنية، وارتفاع مؤشرات الفساد في السلطة، وبيع الأصول المالية للبلد، واستشراء الهيمنة الأجنبية.. الخ.

أما لماذا خرجت الفئات المختلفة عن سكونها المعتاد، فرفعت صوتها محتجة وغاضبة في مواجهة الحكومة، فأغلب الظن أن ذلك راجع الى سببين جوهريين، أولهما وطأة الضغوط المعيشية التي أثقلت كاهل تلك الفئات، فأفقرت الطبقة الوسطى وسحقت الفقراء، مما دفع أغلب الغاضبين الى المطالبة بتحسين أحوالهم المادية. أما ثانيهما فيتمثل في سقوط حاجز الخوف من السلطة سواء لأنه »من طالت عصاه قلَّت هيبته«، كما يقول المثل العربي، أو بسبب الجرأة التي مارستها الصحف المعارضة والمستقلة في نقد السلطة وفضح ممارساتها، مما شجع آخرين على رفع أصواتهم الغاضبة والمحتجة دون وجل.

(2)

للشيخ محمد الغزالي مقولة أشرت اليها أكثر من مرة ذكر فيها أن انتهاك شرف البنت يقيم الدنيا ولا يقعدها في مجتمعنا، لكن العدوان على شرف الأمة لم يعد يحرك ساكنا فيها. وغني عن البيان أنه لم يكن يهوِّن من شأن انتهاك شرف البنت، لكنه كان يستهول السكوت على العدوان على شرف الأمة، مع ذلك فالمقولة تحتاج الى مراجعة. ذلك أن غضب الأسرة أو المجتمع الذي يحيط بها لأي عدوان على شرف بنتهم أمر طبيعي لا يحتاج الى تعبئة وتحريض أو احتشاد، فضلاً عن أن وسائل التعبير عن ذلك الغضب تلقائية ومحدودة، وهي بمقدور كل أحد.

أما الغضب لأجل العدوان على شرف الوطن فانه يحتاج الى ترتيب مختلف، فذلك أمر يتطلب تعبئة واحتشادا، فضلاً عن أنه يستوجب توفير أوعية تستقطب طاقات الغضب وتوظفها في الاتجاه الصحيح الذي يرد العدوان. وتلك مهمة القوى السياسية المختلفة التي تمثلها الأحزاب، باعتبار أن النخبة الوطنية هي المسؤولة عن تعبئة الرأي العام وقيادته. وهذه النقطة الأخيرة تجرنا الى صلب الموضوع الذي نحن بصدده.

ذلك أنه من الطبيعي أن يغضب الناس وأن يخرجوا عن أطوارهم عندما تضيق بهم سبل الحياة، ويتعلق الأمر بمتطلباتهم المعيشية. ولا ينبغي أن يتوقع أحد منهم أن يتظاهروا من تلقاء أنفسهم دفاعا عن الديموقراطية أو احتجاجا على الفساد أو تزوير الانتخابات أو غير ذلك من قضايا الشأن العام. وهم اذا فعلوها مرة تحت أي ظرف فانهم سوف يتفرقون بمجرد ظهور جنود الأمن المركزي بثيابهم السوداء وعصيهم الكهربائية، ولن يعودوا اليها مرة أخرى.

بكلام آخر فان الدفاع عن القضايا العامة المتعلقة بحاضر الوطن ومستقبله من المهام الأساسية للأحزاب السياسية باعتبارها الأوعية الشرعية الجامعة للقوى الوطنية. اذ يفترض أن تلك الأحزاب لم تكتسب شرعيتها الا بعد أن طرحت برامجها التي حددت فيها رؤيتها في حراسة الوطن والسهر على استقراره والسعي الى النهوض به. واذا جاز لنا أن نشبه المجتمع بالبشر، فان الجماهير هي الجسم بكل مكوناته، أما القوى الحية والنخبة السياسية فتشكل الرأس لذلك الجسم. ولا يستطيع الجسم أن يتحرك دون توجيه من الرأس الذي يحتوي على المخ.

أردت من كل ذلك أن أقول: اننا نظلم الناس ونحملهم أكثر مما يحتملون حين نتهمهم بالتقاعس عن القيام بواجب هو من مسؤولية الأحزاب السياسية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. واذا ما حدث ذلك التقاعس فعلينا أن نتساءل أولا عن وضع الرأس، قبل أن نحاكم استجابات الجسم.

(3)

اذا حاولنا تنزيل هذه الفكرة على الواقع، فسنجد أن مصر تشهد حالة سياسية نادرة. اذ فيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة سياسية. وفيها انتخابات برلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع ذلك فلا توجد أي مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة. والأحزاب لا تنشأ الا بموافقة أمنية بالدرجة الأولى، ومن ثم فانها تكتسب شرعيتها من تلك الموافقة وليس من التأييد الشعبي لها، الأمر الذي وضعنا بازاء هرم مقلوب، السلطة فيه هي التي تشكل الأحزاب، وليس الأحزاب هي التي تشكل السلطة.

ورغم عملية »الاخصاء« التي تتعرض لها الأحزاب والتي أصبحت شرطا لميلادها، فانها تتعرض للتكبيل بعد ذلك، بحيث لا يجوز لها ـ بمقتضى القانون ـ أن تتواصل مع المجتمع، فتقيم مهرجانا شعبيا أو لقاء جماهيريا خارج مقرها، الا بعد موافقة الأمن.

لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الأحزاب على ضعفها وقلة حيلتها تظل موضوعة تحت الرقابة طول الوقت. اذ المطلوب منها في حقيقة الأمر اما أن تظل جزءا من »الديكور« الديموقراطي. فتصبح شكلا بلا وظيفة أو مضمون. أو أن تتحول الى أجنحة للحزب الحاكم. وأي خروج عن هذا الاطار يعرض الحزب اما الى التجميد والمصادرة أو التفجير من الداخل، وما جرى لحزب العمل عبرة للآخرين. ذلك أن الحزب الذي أسسه الراحل ابراهيم شكري أراد أن يمارس دوره بشكل جاد وأن يمثل المعارضة الحقيقية، فصدر قرار تجميده في سنة 2000، وحين تم الطعن في قرار لجنة الأحزاب بالتجميد أمام مجلس الدولة، فان تقرير مفوض المجلس اعتبر القرار باطلا وغير دستوري وطالب بعودة الحزب، ولكن الحكومة لم تكترث بذلك. ورغم صدور 13 حكما من مجلس الدولة لاعادة اصدار جريدة »الشعب« الناطقة بلسان الحزب، فان الجهات الأمنية رفضت تنفيذ هذه الأحكام واحدا تلو الآخر.

واذا كان بوسع الحكومة أن تجمد أي حزب يحاول تجاوز الحدود المرسومة، فانها لا تعدم وسيلة لتفجير الأحزاب من الداخل وتغذية الانشقاقات فيها، وهو ما حدث مع أحزاب الغد والأحرار ومع حزب الوفد. اذ ثبت أن الانشقاقات التي وقعت داخل تلك الأحزاب لم تكن بعيدة عن أصابع الأجهزة الأمنية.

ما جرى مع الأحزاب تكرر مع النقابات المهنية. التي ربط القانون مستقبلها بقرار من رئيس محكمة استئناف جنوب القاهرة، الذي له حق تحديد مواعيد الترشح لمجالس تلك النقابات، بما يؤدي الى انتخاب رئيس كل نقابة ومجلس ادارتها. واذا ما امتنع ذلك القاضي عن تحديد المواعيد ـ بطلب من أجهزة الأمن ـ فان النقابة تجمد أو تستمر تحت الحراسة.

نموذج نقابة المهندسين الموضوعة تحت الحراسة منذ 18عاما فاضح في تجسيد هذه الحالة. اذ لأن ثمة قرارا أمنيا باخضاع النقابة وتأديبها، فان رئيس المحكمة المذكورة ظل يتهرب من تحديد موعد لانعقاد الجمعية العمومية للنقابة طيلة هذه المدة، والحاصل مع نقابة المهندسين تكرر مع نقابة أطباء الاسكندرية التي وُضعت بدورها تحت الحراسة، ومُنع أعضاؤها من ممارسة أي نشاط بداخلها. والى جانب ذلك فهناك 7 نقابات أخرى جُمدت فيها الانتخابات منذ16 عاما على الأقل، وهي تضم الفئات التالية: الأطباء والصيادلة والأسنان والبيطريون اضافة الى المعلمين والتجاريين والزراعيين.

الشاهد أن النظام القائم لم يكتفِ باحتكار السلطة فحسب، وانما عمد أيضا الى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو صوت في بر مصر فوق صوت الحزب الحاكم، من ثمَّ تطالب كل فعاليات المجتمع وقواه الحية بأن تصبح صدى لذلك الحزب ان لم تنضوِ تحت لوائه وتَذُبْ فيه.

(4)

في نهاية المطاف، وبعد57 عاما من الثورة على النظام الملكي واعلان الجمهورية أصبح المجتمع المصري جسما بلا رأس، ليس لدىّ حنين الى ذلك النظام، لكن ما جرى أن النظام الجمهوري فرغ من مضمونه.

اذ تم اختطافه واقصاء »الجمهور« منه عبر اضعاف وتصفية خلاياه الحية واحدة تلو الأخرى. في حين تحول الوطن الى »وقف«« سُلمت مقاليده ومفاتيحه الى فئة بذاتها أدارته وتوارثته جيلا بعد جيل. الاضعاف والتصفية أفضيا الى موت الحياة السياسية، مع الاعتذار للجنة السياسات. اذ تم تغييب مختلف المؤسسات المدنية الفاعلة، بحيث لم يبقَ في الساحة سوى المؤسسة الأمنية. ورغم امتلاء الفضاء المصري بالأحزاب الا أنك اذا رفعت عينيك عن الصحف ومددت بصرك في ذلك الفضاء، فلن ترى شيئا، لكنك ستلمح على البعد »خيال مآتة« تتقاذفه الرياح كتب عليه »الحزب الديموقراطي«. الأمر الذي قد يجعلك تنفجر في البكاء أو تستسلم لضحك هستيري يظل صداه يتردد في الفضاء بلا توقف.

حين يعلن موت الحياة السياسية فانه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن. اذ ينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون أولا، وأن تعود الحياة الى الرأس المعطَّل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع ثالثا، وبعد ذلك نتكلم في الموضوع.

.....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar