Subscribe:

Ads 468x60px

21 فبراير، 2009

الذين لا بواكي لهم

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 27 صفر 1430 – 22 فبراير 2009
الذين لا بواكي لهم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_6261.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/810776.html

رغم كل الكلام الذي قيل عن الاعتزاز بالسيادة الوطنية، واستبعاد دور السياسة في إطلاق سراح أيمن نور، فإن أحدا لا يستطيع أن ينكر أنه لولا الضغوط الخارجية لما رأى صاحبنا النور. والقول بغير ذلك إما أن يكون من قبيل العبط أو الاستعباط، وبين أيدينا دليل حاسم يؤيد صحة ذلك الادعاء، وهو أنه لايزال في السجون المتناثرة في أرجاء مصر آلاف من البشر قابعون هناك منذ سنوات لا يذكرهم أحد أو يسأل عنهم أحد. لا القانون حماهم، ولا القضاء، ولا المجتمع ممثلا في مؤسساته التشريعية أو منظماته الأهلية.

هؤلاء المسجونون والمعتقلون السياسيون لا يعرف لهم عدد، وقد تهرب وزير الداخلية ذات يوم من سؤال بخصوصهم، قائلا: إن الرقم متغير باستمرار. وهو عذر أقبح من ذنب، يوحي بأن طوابير الداخلين والخارجين من السجون والمعتقلات لا تتوقف. مع ذلك فالمنظمات الحقوقية تتحدث عن أرقام تراوحت بين ثلاثة وخمسة آلاف شخص، بعضهم صدرت ضدهم أحكام بالسجن، والبعض الآخر اعتقلوا استنادا إلى قانون الطوارئ، الذي يخول لوزير الداخلية حق اعتقال أي شخص لأي مدة زمنية دون أن يذكر لذلك أي سبب. صحيح أن ثمة ضوابط قانونية تنظم العملية، وهناك مدة زمنية لسريان أوامر الاعتقال. لكن ذلك كله لا قيمة له في التطبيق العملي، لأن الحكم النهائي والفاصل في مصير أي شخص يظل مرهونا بالقرار الأمني.

دعك الآن من تجربة أولئك المسجونين والمعتقلين وراء الأسوار. خصوصا أن تلك التجربة لم تسجل بعد. كما أنني لا أظن أنها يمكن أن تكتب في ظل الأوضاع الراهنة، بالرغم من أن هناك إشارات متواضعة عنها، منها كتاب محمد الدريني (معتقل سابق ودائم) الذي صدر بعنوان «عاصمة جهنم»، وربما يتاح لنا أن نعرف أكثر إذا ما تغيرت تلك الأوضاع، وهو ما حدث في المغرب بعد رحيل الملك الحسن الثاني، وقرر خلفه محمد السادس أن يفتح صفحة جديدة يصالح بها المجتمع، ويصحح أخطاء الماضي، الأمر الذي وفر مناخاً سمح لكثيرين أن يسجلوا شهاداتهم ويبوحوا بما جرى لهم، حتى أصدر هؤلاء أكثر من 20 كتابا فضحت معالم الوجه الخفي للنظام البوليسي الذي ساد في العهد السابق.

ما يهمنا في اللحظة الراهنة هو مصير أولئك المحتجزين، الذين نعلم أن أغلبيتهم الساحقة من الناشطين الإسلاميين. وهؤلاء بعضهم حكم عليه بالسجن في قضايا مختلفة منذ الثمانينيات والتسعينيات، وبعضهم معتقلون لأسباب متباينة ولم يقدموا للمحاكمة بعد. وبالمناسبة فليس لدي دفاع عن أفعال الذين أدينوا في قضايا تلك المرحلة، ولكن أدافع عن إنسانيتهم، وعن حقهم في أن يستردوا حريتهم بعدما قضوا مدة العقوبة التي أنزلت بحقهم.

من هذه الزاوية فإن المرء لا يخفي دهشته من استمرار احتجاز واحد مثل عبود الزمر الذي أمضى في السجن 20 سنة بالتمام والكمال، واستحق أن يطلق سراحه عام 2001، لكنه لايزال معتقلا منذ ذلك الحين وإلى الآن، لأن الأجهزة الأمنية لم ترض عنه، وهناك آخرون في مثل حالته، منهم طارق الزمر، وإلى جانب السجناء، فهناك مئات المعتقلين سواء بسبب انتمائهم إلى السلفيين أو إلى جماعة الإخوان، أو بسبب اشتراكهم في مظاهرات التضامن مع غزة. وهؤلاء الذين أنهوا محكومياتهم أو اعتقلوا لآرائهم ومواقفهم السياسية، مسكوت عليهم في الداخل والخارج، ولأنهم إسلاميون فهم من تلك الفئة المنبوذة التي لا بواكي لها.

صحيح أن بعض تقارير المنظمات الحقوقية في مصر تشير إليهم إشارات خجولة، لكننا نعرف أن ضغوط الداخل لا طائل من ورائها، لكن ضغوط الخارج تمارس دفاعاً عن أشخاص بمواصفات معينة، وليس عن قيم ومبادئ. ولأن هؤلاء القابعين في السجون والمعتقلات من الفئة سالفة الذكر، فإنهم لم يجدوا في أهل الخارج نصيراً يدافع عن حقهم في الحرية والكرامة.

لذلك فأضعف الإيمان في اللحظة الراهنة أن ندق الأجراس منبهين إلى وجودهم، ومشيرين إلى أنهم مواطنون قبل أن يكونوا إسلاميين، وأن الاعتداء على حرية وكرامة أي مواطن، هو في حقيقة الأمر اعتداء على الناس جميعاً، لأن السكوت عنه يمهد الطريق للعصف بكرامة كل مواطن.
...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar