Subscribe:

Ads 468x60px

18 فبراير، 2009

كسبت الحكومة.. وخسر الوطن

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 23 صفر 1430 – 18 فبراير 2009
كسبت الحكومة.. وخسر الوطن - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_18.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/807467.html

حين تنجح الحكومة في إلحاق الهزيمة بتيار الاستقلال في انتخابات نادي قضاة مصر، فإن ذلك يُعد خصما من رصيدها، وليس إضافة إليه. ذلك أن الإلحاح على إسقاط رموز ذلك التيار، والحرص على إلحاق النادي بعربة السلطة التنفيذية يطفئ منارة أضاءت سماء البلد حينا من الدهر، فشرّفت الوطنيين وأرشدت الحائرين، ومنحت أملا في المستقبل للمحبَطين والمتشائمين.

لقد كانت مشكلة النادي، وجريمته التي لم تغفر له، أنه اختار أن يدافع عن كرامة ورسالة السلطة القضائية، ورفض طوال الوقت أن يكون ذيلا للسلطة التنفيذية. إذ التزم القائمون عليه بحدود رسالة القضاة التي حددها الدستور، وتمثلت في رعاية الحقوق والحريات في المجتمع.

كان العام 2005 فاصلا في مسيرة النادي، إذ وقعت فيه ثلاثة أحداث مهمة،

كان أولها (في الشهر الخامس) تعديل المادة 76 من الدستور، الخاصة بشروط الترشح لرئاسة الجمهورية، وهو التعديل الذي جاء معيبا، وتفوح منه رائحة عدم البراءة.

الحدث الثاني (في الشهر التاسع) تمثل في انتخابات رئاسة الجمهورية،

أما الحدث الثالث، فكان الانتخابات النيابية (في الشهر الحادي عشر)، وقتذاك أعلن على الملأ أن تلك الانتخابات التي شهدت تجاوزات عدة، كان التزوير أبرزها، تمت كلها تحت الإشراف القضائي. وهو صحيح من الناحية الشكلية، لكنه لم يكن دقيقا من الناحية العملية، لأن الأجهزة الأمنية كانت المشرف الحقيقي على الانتخابات في أغلب الدوائر. أقلق ذلك القائمين على أمر النادي، الذين خشوا أن يُتَّهموا بالتواطؤ أو العجز. فدعوا إلى وقفة احتجاجية صامتة أمام دار القضاء العالي، أرادوا بها أن يغسلوا أيديهم من التجاوزات التي وقعت، وأن يعلنوا على المجتمع أن الأوضاع القائمة لا تمكنهم من أن يمارسوا إشرافا حقيقيا على الانتخابات يضمن حياديتها ونزاهتها.

هذه الرسالة التي وجهها نادي القضاة أغضبت الحكومة، وتضاعف غضبها حين دعا النادي إلى إلغاء حالة الطوارئ ورفض إحالة المدنيين إلى المحاكمة العسكرية، كما تحفَّظ على تدخلات وغوايات وزارة العدل للقضاة التي تهدف إلى استمالتهم والتأثير عليهم. إلى غير ذلك من المواقف التي صبَّت في وعاء الدفاع عن كرامة الوطن وكرامة القضاة. عندئذ خاصمت الحكومة النادي وأعلنت الحرب عليه، رغم أنه يمثل إحدى سلطات الدولة الثلاث. فقطعت عنه الموارد المالية التي كانت تقدَّر بنحو 5 ملايين جنيه سنويا. وألغت وزارة العدل انتداب موظفيها الذين كانوا يعملون بالنادي، الأمر الذي أدى إلى تعجيزه ماليا وإداريا.

وحين عُيِّن وزير جديد للعدل في عام 2006، فإن مجلس إدارة النادي هنأه بمنصبه وطلب الاجتماع معه، لكنه رفض أن يلتقي بهم.لم تتوان الحكومة في إسقاط ممثلي تيار الاستقلال بمختلف الأساليب والحيل، واستخدمت في ذلك إمكاناتها المادية وضغوطها السياسية والتلويح بالغوايات المختلفة، التي تدور حول تحسين الأحوال المعيشية من خلال صرف البدلات والتوسع في الانتدابات والإعارات وغير ذلك. كان المطلوب باختصار أن يُعاد تشكيل النادي لكي يكفَّ عن الانشغال بكرامة الوطن والقضاة، بحيث ينحصر دوره في حدود الدفاع عن مصالح القضاة، التي تملك الحكومة مفاتيحها. الأمر الذي يعني من الناحية العملية ربط تلك المصالح بالتوافق مع الحكومة، ومن ثم ضم النادي إلى بيت الطاعة السياسية، وبالأخص فك الارتباط بينه وبين ملف الحقوق والحريات العامة.

حققت الحكومة نجاحا في معركة انتخابات نادي قضاة الإسكندرية، وألقت بكل ثقلها في انتخابات النادي الأكبر في القاهرة، وكان التدخل بالضغوط والغوايات أشد في الثانية، وهو ما سجَّله مرصد حالة الديموقراطية التابع لجمعية النهوض بالمشاركة المجتمعية،

وعندما تحقق المراد بحضور مساعدي الوزير وعناصر موالاة السلطة، هللت الأبواق الإعلامية الرسمية لـ «الانتصار الكبير» الذي كسبت فيه الحكومة نقطة، وخسر الوطن منبرا وحصنا. وهو ما يثير أسئلة عديدة، أحدها السؤال التالي: ألا يُعد تدخُّل الحكومة بهذه القوة والسفور في انتخابات القضاة، دليلا يؤيد ما يقال عن تدخُّلها في أحكام القضاة؟

وغدا ـ بإذن الله ـ لنا كلام آخر في هذا الموضوع.
.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar