Subscribe:

Ads 468x60px

08 فبراير، 2009

حظنا المهبب

صحيفة الرؤية الكويتيه الأثنين 15 صفر 1430 – 8 فبراير 2009

حظنا المهبب - فهمى هويدى

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/800031.html

هل هي قلة حظ أم قلة حيلة؟ هذا السؤال ثار عندي حينما قرأت كلام وزير المالية د.يوسف بطرس غالي، الذي تحدّث به أمام لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، وبدا فيه متشائما إلى الحد الذي دفعه إلى القول بأن حظنا في مصر «مهبب»، دعك الآن من فكرة أن يتهم الوزير «الحظ» في حكومة تضم وزيرا للتخطيط، لأنني أشك كثيرا في أن د.غالي على دراية بالأصل اللغوي للكلمة؛ لأن من معاني المهبب في اللغة أنه الذي غاب واختفى، وفي القاموس المحيط أنه إذا سُئل المرء أين هببت عنا؟ فالمراد أين غبت. وبهذا المعنى فإن كلام الوزير يمكن أن يعني أن مصر لم يكن لها حظ على الإطلاق. إلا أننى أعتقد أن الوزير قصد المعنى الاصطلاحي وليس اللغوي، وأنه أراد أن يقول إن حظ مصر سيئ، دلالة على قلة البخت والنصيب.
ولأن الرجل خفيف الظل وابن نكتة، فإنه قال لأعضاء مجلس الشعب في الجلسة ذاتها إن مصر ـ بحظها المذكور ـ أعطت درساً للعالم بسياستها الاقتصادية حين لجأت إلى تخفيض الجمارك على العديد من السلع والانفتاح على الاقتصاد العالمى؛ مخالفة بذلك الاتجاهات السائدة في العالم التي تلجأ بمقتضاها الدول إلى فرض إجراءات حمائية لإنتاجها المحلي، وهذه السياسة بمنزلة رد على العالم ـ هذا ما قال ـ سيكتشف الجميع في وقت لاحق أنه اختيار صحيح، تمنى د.غالى على الآخرين أن يحتذوا حذوه.
حين رجعت إلى من أعرف من أهل الاقتصاد، فإنهم قالوا إن هذا الكلام يتعذر أخذه على محمل الجد، سواء في الشق الخاص بحظ مصر «المهبب»، أو في الرد الذي زعمه على السياسات الاقتصادية التي اتبعت في العالم الخارجي، ومنهم من قال إن د.غالي حين لوّح بمسألة «الحظ» فإنه تبنى خطاب الحكومة التي رحّبت بالأزمة العالمية، وتعاملت معها بحسبانها «هدية من السماء» ومشجبا يمكن أن تعلق عليه كل الخطايا وتجليات الفشل. وهو ما يستدعي سؤالين جوهريين هما: كيف كان الوضع قبل أن تحل الأزمة؟، وهل كانت مصر متجهة حقا إلى النهوض واستعادة العافية؟ ثم جاءت الأزمة لكى تجهض هذا الأمل أم أن الوضع «المهبب» كان قائما قبلها؟ ثم إلى أى مدى أثرت الأزمة على التنمية في مصر؟ وهل أسهمت في إحداث ذلك التأثير أم لا، سياسة الاعتماد على الخارج وإهمال الاهتمام بالانتاج المحلي؟
الرد المفحم الذي وجهه وزير المالية إلى المخططين الاقتصاديين في أنحاء المعمورة المتمثل في الاتجاه إلى مزيد من الانفتاح على الخارج، وتجنب السياسات الحمائية، هو عند أهل الاختصاص نكتة غير لطيفة؛ لأن كلامه عن تخفيض الجمارك على السلع المستوردة يعني مباشرة ضرب المنتج المحلي، وتصفية الوحدات الإنتاجية المصرية واحدة بعد الأخرى، ثم إن الوزير وهو يخفض على بعض السلع، فرض رسوما إضافية على واردات بعض الخامات الأساسية التي تعتمد عليها الصناعة المحلية (جمارك الغزل، مثلا زادت بنسبة 25 ٪) الأمر الذي لابد أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار ما تنتجه من سلع.
أحد الخبراء قال لي: كيف يدعي الوزير تلك الريادة الاقتصاية في حين أن ثمة خللا مخيفا في الميزان التجاري ليس لمصلحة مصر؟
آية ذلك أنه طبقا للأرقام الرسمية، فإن قيمة الصادرات غير البترولية كانت في عام 2002/2003 ـ خمسة مليارات جنيه، وقيمة الواردات 12.5 مليار جنيه. وفي العام 2007/2008، وصلت الصادرات إلى 14.8 مليار جنيه، وقفزت الواردات إلى 143.2 مليار جنيه، وإذا قارنا نسبة الصادرات غير البترولية إلى إجمالي الناتج القومي المحلي، سنجد أنها في تونس 54 ٪، والمغرب 33 ٪، والأردن 52 ٪، وماليزيا 98 ٪، أما في مصر فهي لا تتجاوز 10 ٪. وهي مؤشرات تؤكد أننا بحاجة ملحة لأن نراجع أنفسنا ونتعلم، لا أن ندفن رؤوسنا في الرمال وندعي إعطاء الدروس للآخرين، في الوقت الذي نندب فيه حظنا «المهبب»!

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar