Subscribe:

Ads 468x60px

30 يناير، 2009

عصر وليس شخصاً

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 4 صفر 1430 – 30 يناير 2009
عصر وليس شخصاً - فهمي هويدي
هل وزير الإسكان السابق مسئول متهم بالفساد، أم أنه جزء من ظاهرة الفساد المستشري في مصر؟
هذا السؤال من وحي البلاغ الذي قدمه إلي النائب العام 47 نائباً في مجلس الشعب، اتهموا فيه المهندس محمد إبراهيم سليمان بالتربح من منصبه وتوزيع أراضٍ وشقق وفيللات وعطاءات تقدر قيمتها بمليارات الجنيهات علي أقاربه وشركائه، خلال فترة الـ 12 عاماً التي قضاها في منصبه. وهذا الكلام ليس جديداً، لأن الرجل منذ ترك الوزارة وهو يلاحق باتهامات ولغط من ذلك القبيل. ورغم أن جهاز الكسب غير المشروع أبرأ ذمته في وقت سابق، إلا أن اللغط حوله لم يتوقف. ومن الواضح أن أعضاء مجلس الشعب الذين استمروا في ملاحقته يئسوا من محاسبته من خلال المجلس أو أجهزة الدولة الأخري، فلم يجدوا مناصاً من تقديم بلاغهم إلي النائب العام، معززاً بالوثائق والمستندات التي بحوزتهم.

لقد أعلن أن النائب العام شكّل لجنة لفحص تلك الوثائق ودراسة الموضوع، الأمر الذي يقتضي الانتظار والتعامل مع الرجل بحسبانه مجرد متهم، الأصل فيه البراءة حتي يثبت العكس، وحتي ينتهي البحث إلي شيء محدد، فإن هناك أسئلة تستحق أن تكون محلاً للبحث والتحري، أحدها ذلك السؤال الذي بدأت به الكلام، واعتبره مفتاحاً مهماً لفهم طبيعة العصر الذي نعيشه، لكني سأقدم عليه تساؤلاً آخر يتعلق بممارسات الوزير خلال توليه منصبه، ذلك أن معلوماتي التي تلقيتها من مصادر موثوقة ولديها أدلة تثبت كلامهم، أنه ما من مسئول في قيادات الدولة المصرية إلا وتربح بدوره من «الوزير».

هناك استثناءات لا ريب، لكنها نادرة بحيث لا تكاد تذكر، وبودي لو أن بحث الملف لم يقتصر علي دراسة الوثائق المقدمة، المتعلقة بأقارب الوزير وأصهاره وشركائه، ولكنه شمل أيضاً قوائم توزيع الأراضي الجديدة والعقارات، وكيف استأثر كبار المسئولين ورجال الأعمال النافذين بتلك الأراضي، التي كانت تُعرض عليهم أولاً بأبخس الأثمان، وبتسييرات في الدفع لا تصدق، ثم يُطرح ما تبقي منها بعد ذلك للبيع.

لا أريد أن أقلل من شأن ما نُسب إلي الوزير من تصرفات جامل فيها أقاربه وشركاءه، لكنني أدعو إلي توسيع الدائرة بحيث تُراجع أيضاً قوائم المنتفعين بالأراضي الجديدة، في القاهرة الجديدة والحزام الأخضر بمحافظة 6 أكتوبر، والساحل الشمالي والبحر الأحمر والأراضي الواقعة علي جانبي طريق القاهرة - الإسماعيلية والقاهرة - الإسكندرية.

ذلك أن استعراض قوائم المشترين سيكشف عن حقيقة مروعة خلاصتها أنه إذا كان بعض رجال الأعمال قد نهبوا البنوك وهربوا إلي الخارج، فإن كبار رجال السلطة في مصر نهبوا الثروة العقارية للبلد وقعدوا علي «تلها».

سمعت شهادة مثيرة في هذا الصدد من أحد رؤساء الوزارة السابقين، ممن رفضوا الاستجابة للغواية وقنع بشقة متوسطة رفض أن يغيرها، وحين عُيّن في منصبه فإنه اقترض لكي يجدد أثاث بيته ويعيد طلاءه، ولعل هذه الشهادة وحدها يمكن أن تسلط ضوءاً قوياً علي الأساليب التي اتُبعت لنهب أراضي البلد، وقوائم الأسماء المدهشة التي اشتركت في العملية، وكيف انضم كبار المسئولين إلي نادي المليونيرات بعدما تولوا مناصبهم واشتركوا في عملية النهب، حيث وزعت عليهم بأسعار زهيدة قطع الأراضي بمساحاتها الشاسعة، ثم بيعت بعض تلك الأراضي بملايين الجنيهات، الأمر الذي مول بناء القصور وضاعف من الأرصدة البنكية في داخل مصر وخارجها، وأحدث بالتالي «ثورة تصحيح» في تاريخ الأسرة ومسارها.

هذه الصورة تقودنا إلي إجابة السؤال الأساسي الذي طرحته في البداية. ذلك أن الوزير السابق يظلم إذا حوسب وحده علي التربح والتجاوز لأن الإنصاف والعدل يفرضان علي من يريد أن يحارب الفساد حقاً أن يحاسب أيضاً طابوراً طويلاً من المسئولين في البلد، أطول مما يتخيل أي أحد. ولأن المسألة ليست شخصاً ولكنها عصر ومرحلة، فإنني أجازف بالقول بأن الرجل لن يحاسب علي شيء مما نُسب إليه، وأنه سيخرج كالشعرة من العجين، إلا إذا رؤي التضحية به في إخراج مستجد لفيلم «النزاهة».

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar