Subscribe:

Ads 468x60px

22 يناير، 2009

هدنة لا مصالحة

صحيفة الدستور المصريه الخميس 25 المحرم 1430 – 22 يناير 2009
هدنة لا مصالحة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/01/blog-post_22.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/1/784749.html

لم آخذ على محمل الجد الأنباء التي تحدثت عن مصالحة عربية في قمة الكويت، وإن تمنيت لهذه المصالحة أن تحدث بما يؤدي إلى «تطبيع» العلاقات بين الدول العربية، وذلك أنني لم اتصور انه يمكن أن تكون الخلافات العربية عميقة حول ثلاثة ملفات على الأقل هي: فلسطين ولبنان وايران، ثم تسوى تلك الخلافات على مائدة الغداء، بعدها يخرج القادة المختلفون وقد صفت قلوبهم وأصبحوا صفا واحداً،

وهو إن صح فإنه لا يفسر الا بأحد احتمالات ثلاثه:
ان تكون الخلافات بين اولئك القادة في أمور شكلية وتافهة، في حين أنهم متفقون حول «الموضوع».
أو أن يكونوا من اصحاب «الكرامات» التي يشاع انها تتوافر لأناس غير عاديين يقومون بافعال ضد العقل والمنطق تفوق قدرة العقل العادي على الاستيعاب.
أو أن يكون الذين دعوهم الى مأدبة الغداء قد أضافوا مخدرا من أى نوع الى الطعام الذى أكلوه مما أدى الى تغييبهم عن الوعى وتحويل اللقاء الى جلسة أنس وفرفشه جعلت القاده ينسون مابينهم ويخرجون مبتهجين ومتعانقين.

ولأن شيئا من ذلك لم يحدث حتى الآن على الأقل فإننا نستطيع ان نقول بثقة ان غاية ما حققته مأدبة الغداء انها كسرت الجليد المتراكم بين القادة المتخاصمين، بحيث سمحت لهم بأن يتبادلوا الأحاديث والابتسامات. وارجو أن يكون ذلك قد استصحب إعادة «الحرارة» إلى خطوط الهواتف المقطوعة على الأقل بين سورية وقطر من جانب ومصر والسعودية من جانب آخر، وتلك خطوة طيبة لا ريب، تستحق الحفاوة والتشجيع، لكننا لا ينبغي ان نحملها بما لا تحتمل.

اذا استخدمنا مصطلحات المرحلة، فإن ما جرى هو مجرد هدنة تم خلالها وقف القتال (السياسي والإعلامي) وسحب القوات (ميليشيات القصف الإعلامي)، ولكن التصالح لم يتم بما يسمح «للمعابر» ان تعود إلى حالتها الطبيعية بين الجانبين، ذلك ان ما جرى كان اتفاقا على تحسين الشكل والصورة دون المضمون والمواقف الاساسية، وإلى أن يؤدي تحسين الشكل أو ترميمه إلى الاتفاق حول الموضوع والمواقف الاساسية فينبغي أن نتعامل مع الانقسام باعتباره مانعا لايزال مستمراً ولم يتعرض لأي تغيير جوهري، لماذا؟

أزعم أن الخلاف الحقيقي واقع في النهج والرؤية السياسية، وأنه بات من التناقض والعمق بحيث يتعذر الالتقاء عند نقطة وسط إزاءه. إذا أخذنا الملف الفلسطيني مثلا، سنجد ان هناك فريقا ينحاز إلى المفاوضات والتسوية السياسية وفريقا آخر يدرك ان المفاوضات لن توصل إلى شيء ـ وهو ما ثبت عمليا ـ وأنه لا مفر من المقاومة باختلاف اشكالها، والامتناع عن الانصياع للعدو هو الحد الادني لها.

هذان موقفان ليسا مختلفين فحسب ولكنهما متعاكسان ومتعارضان تماما، وإذا ذهبنا إلى ابعد في سبر اغوار ذلك الخلاف سنكتشف ان الولايات المتحدة الأميركية تقف وراء دعاة التفاوض الرافضين للمقاومة وسنجد أن ايران تؤيد معسكر المقاومة، وسنجد أن الأولين يتهمون الآخرين بأنهم ينفذون سياسات قوى اقليمية (هي ايران)، في حين انهم انفسهم يقفون على الأرضية الأميركية.

هذا التحليل إذا صح ـ واغلب الظن انه صحيح ـ فهو يعني ان المصالحة الحقيقية يمكن أن تتم في حالة واحدة هي: ان يجري الحوار على أرضية عربية مستقلة تستلهم ضمير الأمة وتعبر عن شرفها، ولا تستقوي بأي طرف خارجي، اقليميا كان أم دوليا، ولأن ذلك مما لا يلوح في الأفق المنظور فأغلب الظن ان المصالحة سواء الفلسطينية أو العربية لن يقدر لها ان تتم، وان غاية ما يمكن أن نطمح إليه في الوقت الراهن إقامة «تهدئة» أو «هدنة» بين الجانبين يتوقف فيها القتال. وليتنا نتسامح مع بعض «الأنفاق» الواصلة بين الطرفين، علها تساعد على تثبيت الهدنة وإطالة أمد التهدئة حتى يأذن ربك بفرج من عنده.
...............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar