Subscribe:

Ads 468x60px

06 يناير، 2009

في زمن الفتنة (المقال الأسبوعي)

المقال الاسبوعى (بعد ترك فهمي هويدى الأهرام لمضايقات عديده ) منشور فى الدستور المصريه والشرق القطريه و الدستور الأردنيه والخليج الاماراتيه و الوطن الكويتيه و مدونة مقالات فهمي هويدي و مدونة مقالات فهمي هويدي

الثلاثاء 9 المحرم 1430 – 6 يناير 2009

في زمن الفتنة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/01/blog-post_06.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/1/770158.html

لا يفاجئنا الاجتياح الإسرائيلى، بقدر ما يصدمنا التفسخ العربي الذي يستدرجنا إلى فتنة لا قبل لنا بها، والوهن الذي كشف عن تناقضات تجعل الحليم حيراناً.

(١)
هل يعقل مثلا أن تنقض إسرائيل على غزة لتسحقها، وفى ذات الوقت ينطلق القصف الإعلامي العربي العربي، حتى يقول أحد المعلقين الإسرائيليين (زفاى باريل في هاآرتس ٢٩ / ١٢) إن من يتابع الإعلام المصري يخيل إليه أن المعركة بين مصر وحماس، وليس بين إسرائيل وحماس. لقد فطن أبو مازن إلى هذه المفارقة، فاصدر قراره بوقف الحملات الإعلامية بين فتح وحماس، بعد خمسة أيام من التراشق العبثي، الذي تبنت فيه بعض الأبواق في رام الله نفس مقولة السيدة تسفي ليفنى وزير خارجية إسرائيل وكوندوليزا رايس الوزيرة الامريكية، التي ما برحت تؤكد على أن حماس هى المسؤولة عما جرى. قرار أبو مازن كان عاقلا، وإن جاء متأخرا خمسة أيام، وان احتاج إلى تكملة تتمثل في وقف الحملات الأمنية أيضا وإطلاق أكثر من ٦٠٠ معتقل لديه.


ما حدث في الساحة الفلسطينية يستحق أن يحتذى في بعض الدول العربية الأخرى، وبوجه أخص في مصر والسعودية. وأرجو في هذا الصدد أن نلاحظ أمرين، الأول أن الانقضاض الإسرائيلى الراهن وإن أعلن عَّرابوه انه موجه ضد حماس، إلا أنه يستهدف فكرة المقاومة في أساسها. آية ذلك أن إسرائيل قبل أن تحاول قتل قادة حماس، حرصت على أن تشيع أكبر قدر من الدمار والترويع بين سكان القطاع. ناهيك عن أنها قبل الحملة العسكرية واصلت حصارها الإجرامي لغزة، لتجويع أهلها وتركيعهم، وإقناعهم بان في المقاومة مقتلهم وليس حلمهم أو عزتهم.


الأمر الثاني المهم أن مظاهرات الغضب التي خرجت في أنحاء العالم العربي والإسلامي تظل علامة صحة وعافية وإن تخللتها تجاوزات تفهم في سياق الانفعال والحماس الزائد. وحين أصاب الموقف المصري بعض رذاذ ذلك الانفعال، فانه ينبغي أن يستقبل من جانب القاهرة -شأنها في ذلك شان كل الكبار- بتفهم ورحابة صدر. علما بأنه يمكن تصويب التجاوزات بأسلوب مهذب ورصين يصوب ولا يصعد. ويحتوى ولا يشتبك. وللعلم فان الانتقادات التي وجهت إلى الموقف المصري يتردد أكثرها فى الصحف المصرية المستقلة والمعارضة، لكنها تقابل بصبر مقدَّر.

ومن الأمور التي تلفت النظر فى هذا السياق، أن نقد الموقف أو السياسة من جانب بعض المتظاهرين في الخارج، اعتبره البعض إساءة إلى مصر. وهو أمر يستحق إعادة النظر لكي يعطى حجمه الطبيعي. إذ لا ينبغي أن يختزل الوطن في قرار أو أشخاص بذواتهم، لأن مصر الباقية أكبر من كل ذلك. والذين يطوفون بأرجاء العالم العربى ويحتكون بالمشاعر العربية في كل مكان، يعون هذه الحقيقة جيدا. وكما أن هناك في مصر من ينتقد أوضاعا بذاتها في البلد، في حين لا يتردد في أن يفدى البلد بحياته، فان نفس الشئ حاصل في العالم العربي، حيث يقف محبو مصر والغيورون عليها في مقدمة ناقدي بعض أوضاعها، منطلقين في ذلك من أملهم في أن تستعيد عافيتها ودورها في تجسيد حلم الوطنيين العرب، الذين يستشعرون اليتم فى غيابها.


إن السياسة الأمريكية فى عهد الرئيس جورج بوش لقيت من النقد والتجريح ما لم يحدث في أى مرحلة أخرى، وبوش شخصيا تعرض للضرب بالحذاء في بغداد، ولم يقل احد إن شيئا من ذلك إهانة للولايات المتحدة، بل إن كثيرا من المثقفين الأمريكيين اعتبروا ممارسات بوش اكبر إساءة لأمريكا- وما حدث مع بوش يسرى بذات القدر مع نيكولا ساركوزى فى فرنسا وجوردن براون فى انجلترا وغيرهما من زعماء الدول الديمقراطية، التي تعتبر الاهانة الحقيقية أن يختزل الوطن في شخص أو سياسة بعينها.

(٢)
خذ أيضا ذلك الفصام المدهش الذي يعيش فى ظله العالم العربي الآن. فالجماهير العربية تقف كلها الآن في صف الغضب والنقمة على إسرائيل وما ترتكبه من جرائم يومية. بينما الأغلبية الساحقة في القمم العربية تعيش في واد آخر، يخيم عليه الهدوء والدعة، الأمر الذي يعطى انطباعا قويا بان المسافة شاسعة للغاية بين الجسم والرأس فى العالم العربي، وان التحام الاثنين بات ضرورة ملحة، حتى لا يبدو احدهما غريبا عن الآخر.


لقد سئلت أكثر من مرة في الفترة الأخيرة، لماذا لم يؤد الغضب العارم الذي يجتاح العالم العربي إلى تحريك السكون في بحر العرب الراكد. وكان ردى من شقين، اولهما إن غضب الشارع العربى والأصوات العالية التي تتردد فيه، اخترقت ذلك السكون، فأوصلت صوت الشارع إلى مسامع القادة العرب، كما انه كان ولا يزال لذلك الصوت صداه فى العالم الاسلامى، فضلا عن العالم الخارجي. والصور التى نشاهدها على شاشات التلفزيون صباح مساء - شكرا لقناة الجزيرة- دالة على أن صوت الغضب العربي لم يذهب سدى، وان هناك من يتسلم الرسالة فينتبه وينتفض متضامنا مع شعب غزة الصابر والصامد.


ولئن قيل إن الغضب لم يغير شيئا في المواقف العربية المعلنة - فان هذه الملحوظة تبدو صائبة تماما، ولكنها تكشف عن حقيقة أخرى يتعين الانتباه إليها، تشكل الشق الثاني فى اجابتى على السؤال سابق الذكر. هذه الحقيقة تتمثل في أن المجتمعات العربية ما زالت أضعف من أن تؤثر في القرارات السياسية التي تتعلق بمصيرها. إن شئت فقل إنها باتت عالية الصوت وقليلة الفاعلية. فهي تحدث ضجيجا ولا تغير واقعا. صحيح أن ذلك الضجيج يختزن فى أعماق الإدراك العربي، لكن ذلك المخزون قد يستغرق وقتا طويلا لكي يتحول من فكر إلى فعل. وهذه الثغرة لا سبيل إلى علاجها إلا من خلال الحل الديمقراطي الذى يفتح الأبواب لتقوية المجتمع بما يجعله شريكا في القرار وقوة ضغط حقيقية تعلق عليها آمال الإصلاح والتغيير، ذلك ان المناخ الديمقراطي الذى يفتح الأبواب واسعة لتنامي دور القوى السياسية والمؤسسات المدنية والمنظمات الأهلية. يوفر للمجتمع تلقائيا "العضلات" التي تمكنه من فرض إرادته، بحيث يصبح شريكا لا تابعا وفاعلا لا خانعا.

(٣)
خذ كذلك ما جرى حين أراد العرب أن يتواصلوا فيما بينهم لاتخاذ موقف إزاء المذبحة الاسرائيلية، فأدركوا انه لا سبيل إلى تحقيق ذلك الا إذا تمت الاستعانة «بصديق» من غير العرب. في الوقت ذاته اكتشفنا نحن «المشاهدون» العرب أن الأطراف الفاعلة التي تتحرك على المسرح السياسي العربي، كلها من غير العرب. إذ فوجئنا حين وقعت الواقعة أن ثمة فراغا عربيا هائلا، وان اللاعبين الحقيقيين في تلك الساحة الفارغة هم الجيران الأتراك والإيرانيون والإسرائيليون، إضافة الى القوى الغربية بمختلف مسمياتها.
لقد دعا الأتراك لإصلاح ذات البين بين المتخاصمين العرب، وحمل الدعوة التي فوجئت بها أنقرة السيد احمد ابو الغيط وزير الخارجية المصري، الذي قدم إليها أفكارا للتعامل مع الأزمة الراهنة، التي لم تكن تركيا طرفا فيها. وكان يمكن أن تنتقل هذه الأفكار مباشرة إلى دمشق والى قيادة المقاومة الفلسطينية، ولكن مصر وجدت نفسها أمام لحظة استثنائية لم تستطع فيها أن تخاطب تلك الأطراف العربية، فلجأت إلى الوسيط التركي، الذي لا سابق خبرة له بالتناقضات العربية العربية، وانحصرت خبرته فيما حققه من نجاح فى حل الصراعات التركية مع الجيران بمن فيهم سوريا والعراق وإيران.
اننى هنا أسجل المفارقة فقط، منبها إلى اننى لست ضد الوساطة التركية، لاقتناعى بان الوسيط التركي سيكون أكثر نزاهة واستقامة من وسطاء آخرين اخفوا تحيزاتهم عن الأعين، فافسدوا أكثر مما أصلحوا. ومن ثم اصطبحوا جزءا من المشكلة وليسوا جزءا من الحل. لقد تمنيت أن تتم الوساطة التركية في ظروف أفضل، ومع ذلك أدعوا إلى تشجعيها والتجاوب معها، لكن لا أعول عليها كثيرا، لان الأمور أشد تعقيدا وتركيا حديثة الخبرة بالخرائط والصراعات العربية-العربية.

(٤)
التناقضات ظهرت بصورة اشد وضوحا حين طرحت فكرة عقد القمة العربية للبحث فيما يمكن ان يفعله القادة العرب في مواجهة المذبحة الإسرائيلية. ذلك أن صيغة المحاور ظهرت على الفور في الأفق، ولاحت بوادرها أثناء اجتماع القمة الخليجية التي تمت في مسقط. ففى حين تحمس بعض القادة لانعقاد القمة العربية، فان آخرين عارضوا الاقتراح. وفيما علمت من بعض من شاركوا الاجتماع فإن المؤيدين تطلعوا إلى أن يتوافق الزعماء العرب على خطوات عملية في مواجهة العدوان، وتردد أن أحدهم راودته فكرة التلويح بسلاح النفط، من خلال اقتراح تخفيض إنتاجه أسوة بما جرى في عام ١٩٧٣، حين ذهب الملك فيصل رحمه الله الى أبعد، وقاد حملة وقف إنتاج النفط وتصديره إلى الدول الغربية، تعبيرا عن التضامن مع الرئيس أنور السادات.


الذين عارضوا الاقتراح انتقدوا رفض استمرار التهدئة، وحملوا حركة حماس المسؤولية عما جرى. وذهب احدهم إلى أنها وحزب الله يتحركان في إطار المشروع الإيراني. بل ان احد وزراء الخارجية انفعل أثناء المناقشة ووصف المقاومين فى حركة حماس بأنهم "شرذمة" لا تتوقف عن إثارة القلاقل في المنطقة.

فيما علمت أيضا فانه حين تصاعد الخلاف بين الطرفين، طرح اقتراح دعا الى الاسترشاد برأى احد الزعماء العرب في الموضوع. ورشحت شخصية خليجية من مؤيدي عقد القمة للقيام بالتشاور المطلوب. وحين تمت الاتصالات التمهيدية للقيام بالمهمة، فإن الرد جاء سلبياً، فلم يعقد اللقاء، وصرف النظر عن الاقتراح.


فى تلك الأثناء كانت الدعوة قد أطلقت لعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب ولم يكن باعثا على التفاؤل فى البداية ان يتحدد موعد الاجتماع بعد مضى أربعة أيام من وقوع المذبحة (بدأت يوم السبت والاجتماع عقد يوم الأربعاء)- وكانت وجوه بعض الوزراء الخارجين فى ختام الاجتماع وعلامات خيبة الأمل التي ظهرت عليها معبرة بشكل كاف عما دار في الجلسة المغلقة. ذلك أن الحوار الذي دار كان صورة مكبرة لما حدث في قمة مجلس التعاون الخليجي. ومن طريف ما حدث بعد الاجتماع إن أحد وزراء الخارجية العرب أجرى اتصالا هاتفيا بإحدى القنوات الفضائية لكى يعلن على شاشتها براءته من البيان الذي صدر باسم الوزراء.


أسوأ ما في البيان الذي خيب آمال الذين أحسنوا الظن بالاجتماع، خصوصا فى أعقاب الخطبة العصماء التي ألقاها السيد عمرو موسى فى بدايته، أن وزراء الخارجية نفضوا أيديهم من المشكلة وأجهضوا فكرة اجتماع القمة العربية. وكانت وسيلتهم إلى ذلك أنهم قرروا الاحتكام الى مجلس الأمن أولا، وقالوا في بيانهم أنهم إذا فشلوا فإنهم سيتشاورون فى مسألة القمة بعد ذلك. وهم أكثر العارفين بأن مهمتهم فاشلة، لأن الفيتو الأمريكى يتربص بإيقاف أى محاولة للتعبير المتوازن عن مظلومية الشعب الفلسطينى، وهو ما حدث بالفعل.


كانت النتيجة أن العرب عجزوا عن أن يخاطبوا بعضهم البعض فوسطوا تركيا. وتنصلوا من عقد القمة العربية بإحالة الأمر إلى مجلس الأمن. ثم راحوا يلومون المجلس لأنه تباطأ أو سوف في اتخاذ القرار الذي يريدونه، في حين أن المجلس اقتدى بهم، ولم يكن موقفه أفضل من موقفهم هم.

............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar