Subscribe:

Ads 468x60px

30 نوفمبر، 2008

بيان للناس -

صحيفة الدستور المصريه الأحد 2 ذوالحجة 1429 – 30 نوفمبر 2008
بيان للناس -فهمي هويدي –هام
fhoweidy@gmail.com
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_30.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/739517.html

يسألني بعض الأصدقاء والمحبين عن سبب الاختفاء التدريجي لمقالي الأسبوعي الذي اعتادت ان تنشره جريدة «الأهرام» كل ثلاثاء منذ 22 عاما.

وهو الموضوع الذي ما تمنيت ان اخوض فيه، ليس فقط بسبب اعتزازي بالجريدة التي انتسبت اليها وتعلمت فيها خمسين عاما، وليس ذلك لان في الأمر جانبا يتصل بشخصي وهو ما لا احب ان اشغل القارئ به، ولكن ايضا لاقتناعي بأن جرح الوطن في بلادنا اصبح اكبر من اي جريح، ولكن ازاء تعدد الاسئلة التي باتت تلاحقني حيثما ذهبت، فإنني سأروي الحكاية باختصار، آملا ان اطوي بذلك صفحتها وان نتعرض بعد ذلك الى ما هو أهم واجدى.

كل ما في الأمر اننا اختلفنا بدرجات متفاوتة خلال العقدين الأخيرين بسبب آرائي ومواقفي التي اعبر عنها فيما اكتب، كنت اعرف ان للاهرام سقفا في الكتابة. وهو ما احترمته وحرصت طوال الوقت على ان اتمسك باستقلالي في حدود ذلك السقف.

لكن المشكلة انني كنت ومازلت مقتنعا بأن الكتابة الحق هي الكتابة الناقدة، التي تعلن حربا لا هوادة فيها ضد الظلم والقبح والفساد. ولان الأمر في بلادنا كما تعلم، فقد وجدت نفسي مشتبكا باستمرار مع اوضاعنا الداخلية باختلاف دوائرها، الامر الذي ظل سببا ومصدرا دائماً للتوتر بيني وبين الجهات الرقابية في «الاهرام»، ولدى رئيس التحرير خطابات متعددة سجلت فيها ضيقي واحتجاجي على استمرار العبث في محتوى بعض المقالات وعناوينها، او منع نشرها لاسباب غير مفهومة أو مبررة.

انني لم أتوقف مرة واحدة عن كتابة مقال الثلاثاء طوال السنوات الاثنتين والعشرين الماضية، وخلال تلك السنوات تدخلت يد الرقيب مرات عديدة بالحذف الجزئي أو الكلي فيما كتبت، ولم يبلغني أحد أو يفسر لي لماذا ولمصلحة من كان الحذف. وظللت أؤثر الصمت طوال الوقت، مكتفيا بملاحظاتي التي كنت ارسلها بين الحين والآخر إلى رئيس التحرير. من ثم فإننا تعايشنا على مضض، فلا «الأهرام» كانت سعيدة بما كنت اكتب، ولا أنا كنت سعيدا بالعبث الذي ظلت تتعرض له كتاباتي بين الحين والآخر، ويبدو أن كتاباتي في «الدستور» رفعت من رصيد الضيق وعدم الرضا، فلم تكتف «الأهرام» بالتدخل فيما اكتب على صفحاتها ولكنها قررت ايضا ان تعاقبني على ما اكتبه خارجها.

آية ذلك انني تلقيت في الخامس عشر من سبتمبر الماضي رسالة مقتضبة من سطرين على ورقة بيضاء لا تحمل شعار الأهرام على غير العادة وقعها مسؤول صفحات الرأي بالجريدة، أبلغتني بأنه تم إلغاء عقدي مع «الاهرام». وانه منذ الثلاثاء 16/ 9 سيتم نشر مقالاتي كل اسبوعين بدلا من النشر الاسبوعي المستمر منذ 22 عاما. ابتلعت المفاجأة وفسرت الموقف والاسلوب الذي اتبع في ابلاغي به، بأنه تعبير عن نفاد رصيد التسامح لدى المؤسسة. مع ذلك فإنني صبرت وقبلت بالوضع الجديد، لسبب وحيد هو حرصي على الوفاء بحق قارئ «الاهرام» الذي تعلق بمقال الثلاثاء طوال العقدين الماضيين. ولكنني فوجئت بمنع مقالين تاليين احدهما عن فشل المصالحة الفلسطينية والثاني عن السودان. فكتبت رسالة الى رئيس مجلس ادارة المؤسسة أبلغته فيها بأن ما جرى ليس الا دعوة الى الفراق والمفاصلة التي اريد لي ان أُدفَع اليها.

ولذلك فإنني قررت ان اوقف التعامل بصفة نهائية مع «الاهرام» التي امضيت في رحابها خمسين عاما. اما مقال الثلاثاء الاسبوعي فهو مستمر سواء في مصر، او في سبع دول عربية تنشره بانتظام (كل دول الخليج اضافة الى الاردن ولبنان) وثلاث دول اخرى تنشره بغير انتظام (المغرب والسودان واليمن).. ولدي عرض بترجمته الى اللغة الاسبانية مازلت أدرسه.

في ختام رسالة سابقة قلت لرئيس مؤسسة الاهرام انه في بلادنا ثمة ضريبة يتعين على الكاتب المستقل ان يدفعها اذا ما اراد ان يدافع عن شرف قلمه وحريته في التعبير، وقد دفعت الكثير جراء ذلك، انا وغيري. لذلك فإنني استقبلت القرار الذي اتخذ بحقي بقلب مطمئن ونفس راضية، واثقا من انني لا أقف وحيدا لان معي ربي سيهديني، وانه في النهاية لن يصح الا الصحيح.
..................

29 نوفمبر، 2008

حضور هناك وغياب هنا

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 30 ذو القعدة 1429 – 28 نوفمبر 2008
حضور هناك وغياب هنا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_29.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/738603.html

تملكني شعور بالغيظ والحزن حين قرأت مقالاً لأحد الكتاب الاميركيين دعا فيه الى ترشيح فتاة عمرها الآن 13 عاماً لرئاسة الولايات المتحدة في عام 2044. أول ما خطر ببالي حين قرأت المقال انه بعد النجاح المفاجئ الذي حققه أوباما فإن كل من هب ودب في الولايات المتحدة اصبح يتطلع الى منصب الرئيس. الفتاة اسمها تاليا ليمان، وهي تلميذة بالصف الثامن بولاية «ايوا»، وحكايتها التي رواها كاتب المقال نيكولاس كريستوف تتلخص في الآتي: عندما ضرب اعصار كاترينا ولاية «أورليانز» في سنة 2005 كانت تاليا تبلغ من العمر عشر سنوات، وقد اثر فيها الحدث لدرجة انها حثت زملاءها الاطفال على ضرورة العمل على مد يد العون الى ضحايا الاعصار.

وتحمس الاطفال للفكرة حتى بدأوا حركة لجمع التبرعات من سكان الولاية لهذا الغرض، لفت تحركهم انظار كثيرين وبدأ الناس يتجاوبون مع حملة الاطفال، وظهرت تاليا في برنامج تلفزيوني (تو داي) مما اوصل فكرتها الى قطاع اوسع من الناس، ومكنها من جمع عشرة ملايين دولار لمصلحة ضحايا الاعصار. وقد شجعها النجاح الذي حققته على تأسيس حركة باسم «راندوم كيد» (أقرب ترجمة لها هي عطاء الجيل)، جعلت مهمتها مساعدة الحركات الاجتماعية الشابة في ترتيب الحملات وجمع الأموال لمصلحة المشروعات التنموية.

من خلال حركة «راندوم كيد» اصبح بمقدور الشباب ان يساهموا مع الآخرين في الانشطة الخيرية المشتركة، فقد نظمت الفتاة حملة على موقعها لبناء مدرسة بمنطقة عشوائية في كمبوديا، وساهم في تمويل هذه الحملة أطفال من 48 ولاية اضافة الى 19 دولة، في الوقت ذاته فإنها تعمل مع مجموعة من أطفال المدارس في سبع ولايات اميركية اخرى على تزويد القرى الأفريقية الريفية بالمياه العذبة، وهي ضيفة دائمة على المدارس الأخرى التي تطوف بها لمخاطبة تلاميذها والترويج لمشروعها. وبسبب الفكرة التي أطلقتها والنجاحات التي حققتها فإن منظمة «يونيسيف» للطفولة احتفلت بها قبل ايام وقدمت اليها ما أسمته «جائزة نوبل للاطفال».

ذكر الكاتب ان تحرك الاطفال نموذج للطاقة الكامنة في المجتمع القادرة على إحداث التغيير، وهناك آخرون الى جوارهم يتحركون في الاتجاه ذاته مستنهضين همم الشبان والفتيات لكي يشاركوا في مختلف الانشطة الخيرية التي من شأنها ان تنهض بالمجتمعات الفقيرة وتقف الى جوار المعوزين في أي مكان في العالم. وفي ظل هذه الإمكانات التي وفرتها ثورة الاتصال فإن هذا الدور مرشح للتنامي خلال القرن الواحد والعشرين، الأمر الذي سوف يفرز قيادات من نوع جديد، ستكون تاليا ليمان واحدة منهم بامتياز، وقد اعطاها صوته من الآن في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في العام 2044.

لعلك أدركت الآن سبب الغيظ الذي ينتاب واحدا مثلي وهو يقرأ هذا الكلام ويجد نفسه مدفوعاً الى المقارنة. صحيح أن بيننا من يدعي أنه صوت بدوره لانتخابات الرئاسة المصرية في العام 2044، إلا أن ما يعنيني شيء آخر هو الذي سرب اليّ الشعور بالحزن، ذلك أن تلك الحيوية التي دفعت الأطفال وليس الكبار وحدهم الى التحرك لمحاولة إغاثة ضحايا الاعصار وتقديم العون الى المجتمعات الفقيرة في العالم، هي ذاتها التي عرفتها مجتمعاتنا الاسلامية يوماً ما حين كان صغار المزارعين والتجار والمهنيين والحرفيين ينافسون كبار الملاك في وقف الأراضي على أعمال البر وخدمة المجتمع، وهو ما كشف عنه الدكتور ابراهيم غانم في دراسته حول «الأوقاف والسياسة في مصر» التي بينت ان اكثر من 90% من أوقاف الصعيد و80% من أوقاف الوجه البحري قدمها أولئك «الصغار»، وهي الظاهرة التي تراجعت كثيراً بعد ثورة عام 1952 ضمن ما تراجع من حضور للمجتمع امام تغول السلطة التي لم ترحم ولا تركت رحمة الله تنزل بالناس.

28 نوفمبر، 2008

مقعد عرفات لايزال شاغراً

صحيفة الدستور المصريه الخميس 29 ذو القعدة 1429 - 27 نوفمبر 2008
مقعد عرفات لايزال شاغراً - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_28.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/737686.html

في العام الرابع لوفاة الرئيس ياسر عرفات اصبح الحديث عن قيام اسرائيل بقتله بالسم أمراً متفقاً عليه، وليس ذلك وحسب، وإنما جرت الإشارة إلى الرئيس الأميركي جورج بوش ضمن الذين طالبوا بتغييره، ومن ثم التحريض على اغتياله، جنبا إلى جنب مع القائدين الاسرائيليين ارييل شارون وشاؤول موفاز. وإذا كان الحديث عن تسميم عرفات قد تردد خلال السنوات التي خلت الا أنها المرة الأولى التي يشار فيها صراحة إلى الرئيس الأميركي باعتباره واحدا من الذين دعوا إلى التخلص منه.

تأكيد تسميم الرئيس الفلسطيني وانتقاد دور الرئيس بوش في العملية، جاءا على لسان السيد ناصر القدوة رئيس مؤسسة عرفات (ابن شقيقته الذي كان مندوبا لفلسطين في الأمم المتحدة ثم وزيراً للخارجية لاحقاً) في تصريحات ادلى بها للوكالة الفرنسية يوم الاثنين الماضي 10- 11.

كان عرفات قد توفي في عام 2004 اثر اصابته بمرض غامض بعد محاصرته من جانب القوات الاسرائيلية طوال ثلاث سنوات في «المقاطعة» برام الله، وازاء تدهور حالته ثم نقله إلى احد مستشفيات باريس، حيث توفي هناك بعد عدة أسابيع.

وقتذاك كتبت مقالاً نشرته «الأهرام» في 30/11/2004 كان عنوانه «لا تغلقوا ملف عرفات» شككت في ملابسات موت الرجل، وكان احد الذين رجعت إليهم قبل كتابة المقال الدكتور اشرف الكردي طبيب الاعصاب المرموق ووزير الصحة الاردنية الاسبق، الذي ظل يشرف على حالة عرفات الصحية طوال الـ 25 سنة السابقة على وفاته. إذ كان يدعى إلى المقاطعة كلما ألم عارض بأبوعمار، كما كان يتصل به هاتفياً كل اسبوع للاطمئنان على صحته، وقد اثار انتباهه آنذاك انه في مرض موته الأخير لم يستدع من عمان الا في الأسبوع الثالث لمرضه وحين ذهب إلى رام الله فإنه وجد حوله أربعة أطباء تونسيين وخمسة مصريين وجميعهم كانوا يرونه لأول مرة، وحين التقاه سمع منه تفاصيل ما جرى له وشعر به، وإذ ادرك أن تشخيص حالته غير متيسر في رام الله، فإنه اقترح نقله إلى باريس وبعد ان تم ذلك لاحظ الدكتور الكردي انه استبعد بعد ذلك من الفريق المعالج فبقي في عمان يتابع حالته من خلال ما تنشره وسائل الاعلام المختلفة.

كنت قد تحدثت أيضاً بشأن أبوعمار مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس باعتبار انه نجا من محاولة تسميم اسرائيلية سابقة عام 1997، بعد الضغط على اسرائيل من خلال الملك حسين والرئيس كلينتون ومما قاله أبو الوليد انه بعد علمه بتدهور حالة عرفات وشكه في تسميمه اتصل هاتفياًً بمختلف قيادات السلطة الفلسطينية مطالبا اياهم بالتحرك والضغط على اسرائيل لانقاذ حياة الرجل من براثن السم، ولكنه فوجئ برد فاتر من جانبهم، اذا عبروا له عن رغبتهم في التهدئة وعدم تصعيد الموقف، وفسر ذلك بأن أولئك القادة المقبولين لدى الاسرائيليين لم يريدوا أن يفسدوا علاقتهم بشارون (رئيس الوزراء آنذاك) عن طريق اتهامه بالضلوع في مقتل الرئيس الفلسطيني، لأن من شأن ذلك تلغيم احتمالات المفاوضات التي ستجرى معه في المستقبل.

الطريف أنني حين كتبت هذا الكلام انتقده احد كبار الصحافيين المصريين واعتبره ترويجا غير مبرر لفكرة المؤامرة، ولا أعرف ان كان صاحبنا الذي لايزال يكتب يومياً إلى الآن لايزال عند رأيه أم لا؟! لكن الأهم من ذلك أن أبو وليد كان على حق في شكوكه لأن رفاق أبو عمار الذين يتمسحون في اسمه ويذرفون الدمع عليه الآن سارعوا إلى دفنه ولم يكترثوا بالتحقيق في ملابسات وفاته، واستعجلوا وراثته ومضوا بعيدا في التفاوض مع «اصدقائهم» الاسرائيليين، لكنهم لم يدركوا ان مقعده لايزال شاغراً، لانهم قفزوا اليه وصادروه لحسابهم منذ أربع سنوات.

26 نوفمبر، 2008

القمة النسائيه

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 27 ذو القعدة 1429 – 25 نوفمبر 2008
القمة النسائيه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_26.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/735726.html

يلح عليَّ منذ زمن سؤال ترددت في البَوْح به خشية سوء التأويل والفهم، خصوصاً في ظل التنامي المشهود لدوائر النمامين والخبثاء، الذين لم يعودوا يستقبلون أو يسمعون كلاما إلا وأخرجوه من سياقه، وأنزلوا آراءهم علي مقاصده، لكن هذه المرة لم أستطع أن أكتم السؤال أو أؤجل طرحه، سواء بسبب من ضعف مقاومتي مع التقدم في العمر، أو بسبب وقع الحدث الذي صادفته في الأسبوع الماضي، ذلك أنني وقعت علي صورة كبيرة لزوجات الحكام العرب في مؤتمرهن الذي عقد في «أبوظبي»، ووصف بأنه «قمة نسائية».. لا أخفي أن «السيدات الأوائل» ظهرن في أبهي صورة، واستعرضن في لقاء القمة أحدث الأزياء وتسريحات الشعر، وأفخر الثياب الوطنية، وأجمل المجوهرات وأغلاها، ذكرتني الصورة بما سمعته ذات مرة من زميلتنا الأستاذة إنجي رشدي ـ متعها الله، بالصحة والعافية ـ وهي من الجيل الذي سبقنا في الصحافة، إذ قالت إنه في عصر الملكية المصرية كان بالقصر الملكي «ترزي» مهمته تغيير شكل فساتين الأميرات، بحيث تستطيع الواحدة منهن أن تظهر بالفستان الواحد أكثر من مرة ترشيداً للإنفاق، وحتي لا تضطر الأميرة إلي شراء ثوب جديد في كل مرة، وهو التقليد الذي اختفي ضمن ما اندثر من أعراف العهود «البائدة».
أخرجني السؤال الملح من أجواء الصورة المنشورة وإسقاطاتها، فاستسلمت وقلت: ما جدوي تلك القمم النسائية التي أصبحت تحتل مساحات متزايدة في الإعلام الرسمي بكل بلد؟ بحيث بدا أن الصور الجماعية واللقاءات الشخصية هي أهم ما تسفر عنه تلك اللقاءات، ناهيك عن أننا لم نعرف كم تتكلف، خصوصاً أن زوجات الحكام العرب أصبحت لهن مراسم ومواكب وحاشية، وطقوس وبروتوكولات وإجراءات أمنية، لا تقل في أعبائها عما هو متبع مع أولئك الحكام، الذين لا نعرف أيضاً شيئاً عن تكاليف جولاتهم.
صار السؤال الكبير عن الجدوي، والأسئلة الأخري التي تولدت عنه، أكثر إلحاحا حين قارنت بين القمة «الرجالية» التي عقدت في دمشق والقمة النسائية التي عقدت في «أبوظبي»، ووجدت أن الأولي كانت محدودة الجدوي، ثم إنها كشفت عن هشاشة الوضع العربي وانقسامه العميق حول القضايا الأساسية، الأمر الذي دعاني إلي القول بأنه إذا كان ذلك هو حال القمة الرجالية بجلالة قدرها، فهل نتوقع جدوي تذكر من القمة النسائية؟لا أعرف ما الذي يدور في اجتماعات القمم النسائية؟
وهل وصلت إليها خلافات الرؤساء العرب أم لا؟ ومِن هؤلاء من نعرف أنه خاصم الآخر وتجنب الحديث معه أو مصافحته في أكثر من مناسبة علنية؟ وهو ما دعاني إلي التساؤل عما يدور بين زوجات أولئك الرؤساء في هذه الحالة، هل تخاصمن بدورهن؟ أم تجنبن الخوض في موضوع الخلاف؟ أم تفاهمن حول إصلاح ذات البين بين الأزواج المتخاصمين؟ وهي التداعيات التي أثارت لدي سؤالاً آخر عن إمكانية قيام القمة النسائية العربية بتنقية الأجواء العربية، وهو الأمل الذي إذا تحقق فسوف يعد إنجازاً كبيراً، يرشح النساء الأُوَل لما هو أبعد مما يقمن به حالياً.
لا أستطيع أن ألغي تماماً أي أثر لتلك الاجتماعات، ذلك أن توثيق العلاقات الشخصية بين زوجات الحكام أمر مفيد لا ريب، ثم إن ظهور السيدات الأُوَل في لقاءات دورية أو غير دورية يثبت حضوراً للمرأة العربية المهمشة نسبياً، والتي يتصور البعض في الخارج أنها مازالت تعيش في عالم «الحريم»، وربما ساعدت تلك اللقاءات علي تبادل الخبرات في مجالات العمل العام التي تباشرها أو تشرف عليها أولئك السيدات في أقطارهن، وربما أدي ذلك إلي التنسيق والتعاون بين تلك الأنشطة.
راودتني تلك الأفكار لبعض الوقت، لكنها لم تقنعني ببدعة «القمم النسائية» التي لا نظير لها في الغرب أو الشرق، إذ اعتبرت أن كل تلك الإيجابيات يمكن أن تتحقق بوسائل أخري، ولم يغير ذلك من اقتناعي بأن الإنجاز الحقيقي والأفضل هو ما تحققه كل سيدة أولي في بلدها وفي خدمة شعبها، لأن موقعها يمكنها من أن تفعل الكثير علي أرض الواقع، في حين أن إنجازات القمة النسائية لا تتجاوز كثيراً الظهور علي شاشات التليفزيون.

25 نوفمبر، 2008

مصر مطالبة بتحرك جاد فى افريقيا -ممنوع

مقال ممنوع من النشر فى الأهرام المصريه ومنشور فى الشرق القطريه و الخليج الاماراتيه و الوطن الكويتيه و مدونة مقالات فهمي هويدي و مدونة مقالات فهمي هويدي

الثلاثاء 27 ذو القعدة 1429 – 25 نوفمبر 2008

مصر مطالبة بتحرك جاد فى افريقيا -ممنوع –فهمي هويدي
(2 من 3)
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_1535.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/734744.html

ملف السودان الذي أهمل طويلا يستحق حوارا واسعا ومعمقا. وما
كتبته في الأسبوع الماضى بمناسبة زيارة الرئيس حسنى مبارك للخرطوم وجوبا - عاصمة الجنوب - فتح شهية بعض الخبراء المعنيين بالموضوع لكى يدلوا بشهاداتهم وآرائهم التى تجاهلناها طويلا. ومن هذه الشهادات افسحت المجال لمساهمتين من القاهرة والخرطوم لاثنين من كبار اولئك الخبراء، احدهما الدكتور السيد فليفل العميد السابق لمعهد البحوث والدراسات الإفريقية والثاني هو الدكتور حسن مكى عميد البحوث والدراسات العليا بجامعة افريقيا العالمية، حيث اجاب كل منهما من زاويته عن السؤال: ما العمل؟ - اليك نص شهادة الدكتور السيد فليفل. (فهمى هويدى)
أوافق على الضرورة القصوى لوضع السودان في أعلى أولويات السياسة الخارجية المصرية، وأن يكون ذلك وفق رؤية استراتيجية واضحة المعالم، وازعم أن الأعوام القليلة الماضية شهدت شيئا من ذلك، تمثل في وجود مصري ضمن القوات الأممية والافريقية في كل من إقليم جنوب السودان وإقليم دار فور، فضلا عن النهج التنموي الذي صاحب عودة الدور المصري إلى السودان، والذي جاءت زيارة الرئيس مبارك لتشهد افتتاح عدد من محطات المياه والكهرباء والمدارس والوحدات الصحية قدمتها مصر هدية للشعب السوداني الشقيق سواء في الإقليمين المذكورين أم في غيرهما.

ولكن الحقيقة التى يجب الاعتراف بها أن كل ذلك لا يعبر عن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، واضحة المعالم والأهداف. ذلك أننا رغم كثافة الوجود الإنساني والوجود التنموي والمشاركة في حل المشكلات، لسنا بين الأرقام الأولى من الفاعلين الدوليين فى السودان، علما ان أصحاب هذه الأرقام لا يشربون من ماء النيل، بل ليسوا أفارقة أصلا، ونحن هنا لا نتحدث عن الصين أو الولايات المتحدة، بل نتحدث عن إيران وتركيا على سبيل المثال.

إن وضع رؤية استراتيجية لدور مصر الافريقي، وفي القلب منه دور مصر بالسودان، يحتاج أولا لان يدرك المصريون أن عهد الاعتماد على العمل مستشاراً إقليميا للولايات المتحدة قد أدى إلى خسارة أرضية كانت واسعة، وقاعدة كانت راسخة لدور مصر الدولي بدوائره العربية والافريقية والإسلامية، فضلا عن دورها في دائرة الجنوب الجنوب التى عبر عنها الحياد الإيجابي وعدم الانحياز من قبل. أقول ذلك بعدما لاحت عدة مؤشرات دلت على إدراك القيادة المصرية لأهمية الانفتاح على شركاء الماضى القريب من روس وهنود وصينيين، بل وحتى فرنسيين، ربما حتى لا يفوتها قطار البناة الجدد لنظام عالمي متعدد الأقطاب، بعدما تراجع دور الولايات المتحدة وحلفائها، وتبين ان الذين كانوا اقل تضررا فى سياساتها هم أولئك الذين حافظوا على مسافة ثابتة بينهم وبينهما، الامر الذى أكد جدارة مقولاتنا الوطنية القديمة حول التنمية المستقلة، ليس فقط لما فيها من دفع لقوى الفعل الإنتاجي الوطني، ولا لما فيها أيضا من كرامة وحماسة وطنيتين، بل لأنه ثبت أنها طوق نجاه من أزمات الآخرين التى لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
(2)
إذا كنا قادرين على الفعل المستقل، وعلى التحرك كفاعل إقليمي مرعى الجانب، فإن الأمر يقتضي أن نوضح عدداً من المداخل والاقترابات، قبل أن نوغل في وضع الرؤى والاستراتيجيات. من هذه المداخل ما يلي:

*أولاً: إن مصر عليها أن تتحرك في إفريقيا كقوة إفريقية أصلية، وليس كقوة خارجية دولية، وإن هذا يقتضي مراجعة شاملة للهوية الوطنية والقومية والقارية في إطار التكامل النفسي الداخلي للمواطن المصري العربي الافريقي في آن.

* ثانيا: الإحساس العميق بإفريقيتنا يجعل القسم الأكبر من مصالحنا القومية والوطنية والمائية والدولية يستند إلى العروبة والافريقية والإسلام معاً، فافريقياً هى جماع دوائرنا الخارجية كلها. وهذا في حد ذاته يسقط حساسيات تاريخية كثيرة، كما يفتح الباب واسعا للاندماج العربي الافريقي، وينهي كثيرا من أوجه الصراع الثقافى، سواء الحقيقى منها، أو المدعى، والحادث منها نتيجة تفاعلات وطنية داخلية، أو المصطنع منها بالخارج.

* ثالثا: إن السودان هو حقا مدخل مصر والعرب لإفريقيا، لكنه بالنسبة لمصر هو مصلحتها القريبة والحياتية الحيوية، وهو كرامتها ومحور دورها المباشر عربياً وافريقياً وإسلامياً، فإذا لم تحفظ فيه مصالحها، فلا حديث بعدئذ عن أي دور في هذه الدوائر جميعا.
* رابعاً: إن انفراط عقد السودان هو مدخل مباشر لانفراط عقد عشرات الدول الافريقية، بل وحتى العربية ذلك أنه يؤذن بتفكك دول مثل أوغندا وكينيا وتنزانيا وإثيوبيا وتشاد، على نحو ما حصل في الصومال وليبيريا وسيراليون، ويحدث الآن في الكونغو. وعندئذ فإن على مصر أن تتوقع قدوم الملايين من المهاجرين، على النحو الذي تشكو منه أوروبا، وتصطنع له اتحاداً فى البحر المتوسط، من أجل وقف أو تنظيم الهجرة، تسخر فيه إمكانياتنا لحماية رفاهيتها، بعدما خربت بأيديها في مراحل الاسترقاق والاستعمار والاستلاب (خلال عصر الاستقلال الوطنى الافريقي منذ الستينيات) عن طريق إدارة الحروب الأهلية وتهريب السلاح وماس الصراع ونهب الموارد المنظم من خلال المرتزقة وشركات الأمن والشركات متعددة اللصوص الدوليين.
* خامساً: إن أي تحرك مصري اليوم- وإن بدا متأخرا مهما كانت الأسباب، ومهما كان صانعوها أو المتسببون فيها- يستند إلى رصيد قوى لهذا الوطن المميز، ذى البريق الحضاري النادر، بتراث هائل من إنجاز زعاماته التاريخية قادر على حرق المراحل، وتعويض ما فات، شريطة أن ينشغل الوطن بكل مؤسساته في عملية تعليم حقيقي لقياداته المسؤولة عن الاتجاه الافريقي، مقرونة بتدريب راق للمتنفذين في الميادين الافريقية، حسب التخصصات النوعية للعمل في المجالات التنموية المختلفة صحة وتعليما، استثمارا وتجارة، هندسة وزراعة، وكل مجال نملك فيه خبرة، وتحتاجنا افريقيا فيه، كأبناء بررة يلبون نداء الأم التى أرضعتهم ماء الحياة.
* سادسا: إن سؤالا كبيرا تجب الإجابة عنه: هل يمكن أن تضع جهة ما تصورا لدور مصري في السودان وافريقيا دون حوار وطني "حقيقي" بين الأكاديميين والمسؤولين في كافة الأجهزة وأهل الفكر والرأى؟ إن صياغة استراتيجية ما ليست مسؤولية جهة سيادية، ولكنه ترجمة لحاجة المجتمع المصري. وإن المرء ليشعر بقدر كبير من وخز الضمير- رغم ما قضاه من سنوات العمر عاكفا على الشأن الافريقي منبها ومحذرا وداعيا للاهتمام- من أن هذا الجيل من المصريين لم يترك شيئا من الإنجاز القومى للجيل التالي يقطع بها عقدين أو ثلاثة من الزمان، ريثما تواتيه الفرصة ليضيف هو نفسه لجيل قادم. وبحساب الإنجاز، علما ان جيلاً سبقنا ترك لنا السد العالي الذى تحمل زيادتنا السكانية في نحو نصف قرن من أقل من ثلاثين مليون مواطن إلى ثمانين مليون نسمة.
* سابعاً: إن العمل المصرى تجاه السودان وافريقيا يقتضى جهة تخطيط وإدارة، فى الأولى وعلى الأقل، وزير للشؤون السودانية، وفى الثانية المجلس الأعلى للشؤون الافريقية يرأسه الرئيس نفسه، ويكون أمينه العام وزيراً للشؤون الافريقية، بصلاحيات كاملة، فى إطار السياسة الخارجية. فإذا كان للجزر البريطانية، وزير للشؤون الأوروبية، وآخر للشؤون الافريقية، فاننى أتساءل لماذا نتقاعس نحن؟ •
ثامناً- إن أي حركة تجاه السودان وافريقيا يجب أن تحسب خطواتها بدقة، وتحدد القوى الفاعلة- سواء مع أو ضد المصلحة المصرية والعربية والافريقية- وكذلك التنظيمات والمؤسسات والتجمعات الخارجية والقارية والإقليمية. فثمة تفاعلات صنعها "أصدقاؤنا الأمريكان" قد تعوق حركتنا، وثمة فخاخ نصبت لأطراف عربية-أفريقية قد تصيبنا بنيران "صديقة"، وعلينا التحرك بسرعة. وعلى سبيل المثال فإن بعض القوى التى تصادفنا في القارة تفرض علينا حسابات دقيقة للمصالح مع أطراف كالصين والهند وإيران، لكنها تفرض علينا عدم التردد مطلقا في حسابات دقيقة للخسائر من التغلغل الإسرائيلي.
(3)
إنني أتمنى ان تقرأ جيدا التفاعلات الاستراتيجية التالية:
1ـ لدى الأمريكان مبادرة الشرق الأوسط الكبير وليس فيها السودان، ولديهم مبادرة القرن الأفريقي الكبير وليس فيها شمال السودان ولا مصر، ولديهم مبادرة خليج غينيا تشد دار فور إلى نطاق البترول في غرب القارة، ليصب في السيارات الأمريكية بترول افريقي بمعدل 25% من الاستهلاك الأمريكى قبل 2015. ولدى الأمريكان كذلك قيادة عسكرية جديدة لأفريقيا مقرها الآن في ألمانيا، وتبحث عن موطئ قدم لها في القارة، لكن القارة التى تعاني الضنك والجوع أبت كرامتها أن تقدمه لهم "رغم كل ادعاءات الصداقة" وإشارات الترغيب والترهيب.
2ـ ولدى فرنسا فرانكفونية ثقافية واقتصادية وسياسية، يفعلها ساركوزى بعدما أهملها شيراك في أواخر أيامه، ولديها أيضا مبادرة الاتحاد من أجل المتوسط، وهى تجذب دول شمال افريقيا إليها، وذلك على حساب الاتحاد المغاربي وتجمع الساحل والصحراء، وتجمع الكوميسا.

3ـ ولدى بريطانيا الكومنولث، فضلا عن التعلق بذيل الولايات المتحدة تعلق بلير ببوش، ولديها ركائز إقليمية مشتركة مع الأمريكان مثل غانا وأوغندا وكينيا وجنوب افريقيا ونيجيريا. فكيف بعنا مصالحنا، بيع القطاع العام، وركنا إلى صديق اعتاد بيع أصدقائه، ويحبذ جنوب أفريقيا ونيجيريا فى مجلس الأمن؟ أليس من حقنا أن نجرى مع الصديق حواراً استراتيجياً حقيقياً، وأن نصنع مثله مع هذه القوى الإقليمية الشقيقة وأن نتحرك لكى لا يملأ غيرنا ما يسِّميه فراغا، وهو فضاؤنا وأرضنا وكياننا.

4- على صعيد التفاعلات الإقليمية ماذا نحن فاعلون مع بناء الاتحاد الأفريقي، ومع مبادرة نيباد التنموية التى اعتمدت أفريقيا فيها على شراكة مع الغرب الذى أوردته الأزمة المالية موارد الاحتياج للبترودولارات الخليجية.إننى أتوقع فراغاً فى تمويل نيباد، فهلا طرحت مصر جديداً مفيداً للمبادرة بالتنسيق مع الأشقاء العرب؟ أم ستضيع هذه الفرصة المواتية؟

5- على صعيد المنظمات الإقليمية: الاتحاد المغاربى فى الشمال وس/ص بين دول الساحل فى الشمال ودول جنوب الصحراء، وكوميسا فى الشمال والشرق حتى الجنوب، وسادك فى الجنوب، وإيكواس فى الغرب، وايكاس فى الوسط: أليست مصر مدعوة لخطوات إيجابية فى جمع جهودها وتنسيقها فى إطار كل من الاتحاد المغاربى (حيث العرب)، وس/ص (الساحل والصحراء) حيث اللحمة العربية الأفريقية(الإسلامية) وكوميسا(حيث النيل)؟

وكيف ننقل حركتنا الاستراتيجية من تجمع لآخر برشاقة ويسر؟ وكيف تكون لنا حركة فاعلة ونحن نبيع أدواتنا الناجحة من الشركات العامة؟ وكيف نؤدى دورنا من خلال رجال الأعمال؟ ونسأل أى رؤية لهم؟ أى انتماء لهم؟ وقد أخذوا ولم يعطوا، واستدان أغلبهم ولم يسدد، واتجه أكثرهم غنى لدول النفط وأوروبا وإسرائيل، التى لا نكف عن التحذير من تغلغلها فى "ديارنا" الافريقية؟

وكيف ننسق بين وجودنا كقوة فاعلة فى كوميسا واتحاد شرق افريقيا الوليد الذى يبغى بناء "جمهورية شرق افريقيا" أو بالسواحيلية "جمهورى دالأفريقا مشارقه" وهى تسعى لجذب جنوب السودان إليها فى إطار افريقى غير متعاون مع الشمال العربى- الأفريقى، فماذا عن مصالحنا النيلية، وفرص التوسع فيها لصالح الأجيال القادمة فى هذه الحالة؟
وكيف ننسق أيضا مع تجمع (ايجاد) لدول القرن الافريقى، وهى التى نجح "شركاؤها" الأوروبيون فى إبقاء الصومال ممزقاً، وفرض رئيس صُنعَ فى أديس أبابا، ودعاها إلى وطنه لتقتل شعبنا العربى الافريقى فى الصومال وتوقع مجازر تعد أهوال دارفور قياساً لها "معسكر كشافة"؟ وماذا عن تجمع صنعاء الذى يضم اليمن والسودان وإثيوبيا، وتأثيره على اريتريا، وهى ركيزة مهمة فى الأمن والاستقرار فى البحر الأحمر والقرن الأفريقى؟

وماذا عن مبادرات حوض النيل، وحوض النيل الجنوبى، وحوض النيل الشرقى؟ وما صلتها بكل ما سبق؟ وماذا عن جمهورية جنوب افريقيا، التى تعد احد أهم الدول الركائز فى الحركة الأمريكية فى القارة، وعن جهدها لطرح نفسها فى مناطق أمننا القومي وهى لا تعرف عنها الشيء الكثير، ثم هى تنجح فى سحب تنزانيا من تجمع كوميسا، وهى دولة نيلية، كيف نتحرك للتصويب والتصحيح؟ وأى أوراق فى أيدينا؟ وماذا عن اتجاه جنوب افريقيا لعقد تحالفات جنوبية- جنوبية، مع قوى تطرح نفسها للعضوية الدائمة بمجلس الأمن مثل الهند فى الشرق والبرازيل فى أقصى الغرب؟ وما تأثير هذا التحرك على فرصنا نحن؟ ثم ما تأثير هذا التحرك على شد أطراف دول الاتحاد الأفريقي خارج القارة وخارج الاتحاد؟
د. السيد فليفل

هزيمة حضاريه وثقافيه

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 26 ذو القعدة 1429 – 24 نوفمبر 2008
هزيمة حضاريه وثقافيه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_8075.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/734739.html

كسَفنا وزير التعليم العالي، حين تعثر في قراءة كلمته التي ألقاها باللغة العربية نيابة عن رئيس الجمهورية في افتتاح مؤتمر مؤسسة الفكر العربي. حين اغتال اللغة في الصميم، الامر الذي سبب صدمة قاسية لضيوف المؤتمر. ذلك ان خطابه جاء حافلا بالاخطاء اللغوية الفجة والمشينة، حيث لم يصادف الرجل ساكنا الا وحركه. ولا فاعلا الا ونصبه ولا مفعولا الا ورفعه، ولا مجرورا الا ورفعه او نصبه. هذه الفقرة ليست من عندي، ولكني نقلتها نصا مع قليل جدا من التصرف مما كتبه الدكتور نبيل علي خبير البرمجيات والمثقف البارز في صحيفة «المصري اليوم» (عدد 22/ 11).

الذي حول الكسوف الى فضيحة، ان الذي قرأ الكلمة هو وزير التعليم العالي، الذي اذا كانت احاطته باللغة العربية بهذا المستوى البائس فما بالك بغيره من وزراء الزراعة او السياحة او التجارة مثلا، ثم ما بالك بمن دونه في وزارته ذاتها. ثم ان الرجل قرأها نيابة عن رئيس جمهورية مصر «العربية». الذي رعى المؤتمر. والى جانب هذا وذاك. فإنه ألقاها امام مؤتمر للفكر العربي يفترض ان المشاركين فيه لهم علاقة بثقافة الامة وعقلها ولغتها.

الحدث ليس مفاجئا، ولكنه كاشف لحقيقة مخجلة، خلاصتها ان النخبة التي تتصدر الواجهات المصرية في هذا الزمن مقطوعة الصلة بالثقافة العربية، بل ان الازدراء بالعربية ـ بل وبالانتماء العربي لدى البعض ـ هو من سمات هذه المرحلة وهو موضوع تطرقت اليه من قبل، ونبهت ان الازدراء باللغة تعبير عن احتقار الذات، ومن علامات الهزيمة الحضارية، التي هي أخطر من الهزيمة العسكرية، فأي بلد يمكن ان ينهزم عسكريا لكنه لا يسقط او ينكسر حضاريا وثقافيا، لكنه ان انهزم حضاريا فتلك هي القاصمة.

فيما كتبت من قبل في هذا المكان اشرت الى عجز وزير السياحة المصري عن الحديث بالفصحى في احد البرامج التلفزيونية، والى الاخطاء النحوية التي وقع فيها رئيس الوزراء احمد نظيف حين سمعته يلقي خطابا باحد المؤتمرات في دبي. والمأزق الذي وقع فيه وزير الثقافة ـ تذكر كلمة «الثقافة» ـ حين كان عليه ان يلقي كلمة في افتتاح احتفال بتقديم جائزة الشعر العربي. بهذه المناسبة اذكر ان وزير خارجية دولة الامارات الاسبق السيد احمد خليفة السويدي كان قد زار قبل عدة سنوات طلاب بلاده المبتعثين لدى الولايات المتحدة، وألقى فيهم كلمة. نبهه احد الذين استمعوها الى انه ارتكب خطأ لغويا اثناءها. وسمعت منه انه استشعر أسفا وخجلا شديدين بسبب ذلك. وحين عاد الى ابو ظبي استدعى مدرسا حفظه قواعد اللغة العربية، بما في ذلك ألفية ابن مالك في النحو. حيث ادرك الرجل انه لا يستطيع ان يكون وزيرا لخارجية دولة الامارات العربية في حين يخطئ في اللغة العربية.

المشكلة في مصر اكبر من الوزير، وهي حتما في تجليات الشعور بالهزيمة الحضارية والثقافية كما ذكرت. بالتالي فهي الى السياسة اقرب منها الى الثقافة. الامر الذي يعني اننا بصدد كارثة حقيقية، لا تهدد اللسان العربي في مصر فحسب، ولكنها تهدد ايضا البناء النفسي للاجيال الجديدة، التي انتقل اليها الازدراء بالعربية بصورة تلقائية. ووجدنا في مصر احدى المحطات التلفزيونية التي تكرس ذلك الازدراء، وتخاطب مشاهديها بعامية سقيمة ولقيطة، مقطوعة الصلة بلسان العرب، الامر الذي لا يمكن افتراض البراءة فيه او حسن النية.

ان المرء لا يستطيع ان يخفي شعوره بالخزي وهو يجد ان قيادات التعليم ومناهج المدارس ونظام التعليم ذاته، هذه العوامل كلها تهين اللغة العربية وتتآمر عليها بقصد او بغير قصد. ولا اعرف في هذه الحالة ان كان هؤلاء يدركون ام لا ان الذي ينهزم في هذه الحالة ليس اللغة العربية وحدها، ولكنه نحن جميعا. وارجو ان يتأمل هؤلاء ماذا فعل الاسرائيليون بالعبرية الميتة حين ارادوا لبلدهم ان تقوم له قيامة.

24 نوفمبر، 2008

«اكتشاف» في الوقت الضائع

صحيفة الدستور المصريه الحد 25 ذوالقعدة 1429- 23 نوفمبر 2008
«اكتشاف» في الوقت الضائع - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_24.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/733692.html

هل لابد أن يموت المرء حتي يعرف الناس قدره وقيمته؟.. هذا السؤال يخطر لي هذه الأيام، كلما قرأت المراثي التي نشرتها الصحف عن زميلنا الراحل الأستاذ صلاح حافظ، لم يبالغ الذين امتدحوه وتحدثوا عن فضائله كإنسان وكصحفي شريف وعفيف، لم يجامل ولم يداهن، واختار أن يقف طول الوقت بعيدا عن مواكب المنافقين والمهللين، ثم إنه ظل مهموماً بقضايا الوطن ومصير الأمة وحلمها، الأمر الذي دفعه إلي الوقوف في صف المدافعين عن الديمقراطية والحرية، والرافضين للتطبيع وأهله، والمنحازين إلي المقاومة والوحدة والاستقلال الوطني.
الذين كتبوا رثاءهم للرجل، قالوا هذا الكلام وأكثر منه، وأشادوا باستقامته ونزاهته وثباته، ومن ثم فإنهم أنصفوا الرجل وأعطوه حقه و«اكتشفوه» بعد مماته، حتي الذين خاصموه وتجاهلوه وأنكروا عليه في حياته، احترموه غائبا وذكروه بالخير، الأمر الذي يجدد السؤال الذي بدأت به الكلام: لماذا لابد أن يموت الرجل حتي يُنصف وينال حقه من التقدير؟!.
حين أصبح صلاح حافظ كاتبا محترما، فقد كان ذلك بقلمه وخلقه وموقفه، وحين انتخب أمينا عاما لنقابة الصحفيين المصريين، فإن ذلك كان انتخاب زملائه له، وحين تقلد منصب الأمين العام للصحفيين العرب، فقد كان ذلك تعبيرا عن تقدير الصحفيين العرب له، وحين كرمته نقابة الصحفيين المصريين، ومنح جائزة علي ومصطفي أمين وجائزة نادي دبي للصحافة، فإن ذلك ظل تعبيراً عن حفاوة مجتمع المهنة به.
الجهة الوحيدة التي لم تأبه به، ولم تقدره حق قدره كانت الدولة المصرية، ذلك أن الصفات التي خُلعت عليه، والخصال التي ذُكرت له، والقدرات التي اكتشفت فيه، والمواقف النبيلة التي نسبت إليه، ذلك كله كان يؤهله لأن يحتل موقعا متميزا في خريطة الإعلام المصري، بحيث يمكن توظيف تلك الفضائل والشمائل والقدرات في موقع متميز يهيأ له أو مؤسسة صحفية يتولي قيادتها، لكن الذي حدث كان العكس تماماً، إذ ظل صلاح حافظ واقفا في الخلاء مع غيره من الصحفيين المستقلين والشرفاء، وقد تجاهله الذين يرسمون الخرائط ويوزعون الحظوظ علي أبناء المهنة، حتي أزعم أن قائمة الفضائل التي وردت في مرثياته بعد وفاته، حسبت في حياته عليه وليس له، وظلت خصما ًمن رصيد حظوظه المهنية وليس إضافة إليها، وأكاد أتخيل أن بعض المسئولين الذين توافدوا علي سرادق العزاء فيه، وقالوا في حقه كلمات طيبة تعلي من شأنه، وتعبر عن فداحة الخسارة لغيابه، هؤلاء لم يفعلوا ما فعلوه إلا حين اطمأنوا أنه قد دفن فعلا، وأنه قد تم إحكام إغلاق القبر علي جثمانه، ليس لأن الرجل كان مخيفا أو مزعجا، ولكن لأنه كان مستقلا وشريفا.
حالة صلاح حافظ شهادة تفضح بعض عورات زماننا، فالرجل حين حظي بتقدير الناس وحبهم، لأنه ظل حتي آخر رمق متمسكاً باستقلاله وعفة قلمه، فإن السلطة تجاهلته ونفرت منه، الأمر الذي يسلط ضوءاً كاشفاً علي حظوظ الشرفاء في هذا البلد، الذين يتعين عليهم أن يدفعوا ثمن استقلالهم واعتزازهم بكرامتهم، في حين أن تلك الحظوظ توزع بسخاء لا حدود له علي الأتباع والمرضي عنهم، من أصحاب الولاءات الشخصية والارتباطات الأمنية، الذين يجيدون فنون النفاق ويتنافسون في الارتماء علي أعتاب السلطة والسلطان.
ستقول لي إن محبة الناس وتقديرهم فيهما الكفاية، وأنا أوافقك تماما، وأعتبر أن تلك هي الجائزة الكبري التي يمكن أن يفوز بها أي كاتب، ولكني أقول إن ذلك لا يقتضي بالضرورة أن يعيش الإنسان الشريف «شهيداً» في حياته، ولا يذكر له فضل أو تنتصب له قامة إلا بعد وفاته. صحيح أن صلاح حافظ ترك لأسرته سيرة عطرة فقط، لكنه ربما رقد مستريحا في قبره لو أنه استطاع أن يترك لهم شيئا آخر فوق ذلك، وهو ما لم يستطع أن يحققه في رحلة حياته. لقد مات فقيرا لأنه أراد أن يعيش شريفا، رحمه الله وأجزل له العطاء في الآخرة.

23 نوفمبر، 2008

أعلى مراحل الاستعباط

صحيفة الدستور المصريه السبت 24 ذو القعدة 1429 – 22 نوفمبر 2008
أعلى مراحل الاستعباط – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_23.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/732958.html

مساء الأربعاء الماضي (19 نوفمبر الجاري) أذاع التلفزيون المصري في نشرة أخبار القناة الأولى خبرا عن تنديد الأمم المتحدة بتدهور الأوضاع الإنسانية في غزة بسبب الحصار، مع تقرير حي تحدّث فيه مراسل التلفزيون عن مظاهر الشلل ونتائج انقطاع التيار الكهربائي ونفاد الوقود من القطاع. ولإثراء الموضوع، فإن مذيعة النشرة أجرت اتصالا هاتفيا مرتبا مع خبيرة بالموضوع مقيمة في لندن (اسمها دوناتيلا ردفيرا).

سألتها عن رأيها في الحصار على غزة، فقالت السيدة إنه جريمة ضد الإنسانية تنتهك مبادئ القانون الدولي الإنساني، لأن الحصار يوقع عقوبة جماعية على مليون ونصف مليون فلسطيني، لا ذنب لهم ولا علاقة لأغلبيتهم الساحقة بالاسباب التي أدت الى فرض الحصار، سألتها المذيعة عن كيفية ممارسة ضغط على إسرائيل من قبل الأمم المتحدة لكي تسمح بفتح المعابر وتزويد القطاع باحتياجات سكانه من الأغذية والأدوية وغير ذلك من مستلزمات الحياة الإنسانية، فردت السيدة ردفيرا بأن المشكلة تكمن في غياب الارادة السياسية لدى الدول المعنية بالموضوع. ذلك أن تلك الدول لم تعبّر عن درجة كافية من الحماس لرفع الحصار وفتح المعابر، وأشارت إلى مصر ودورها في إغلاق معبر رفح، ولكن المذيعة سارعت الى القول إن مصر فتحت المعبر لمرور بضع عشرات من المرضى (لحسن حظها، فإن ذلك حدث فعلا صباح يوم الأربعاء)، عند هذا الحد انتهى الخبر وانتقلت المذيعة إلى أخبار أخرى.

ما يثير الانتباه في المتابعة المصرية لما يجري في غزة، أن إعلامنا يمر بالحدث مرورا عاديا، وكأن الكارثة الحاصلة هناك واقعة في أميركا اللاتينية أو أفريقيا جنوب الصحراء، ولا يمكن أن يُفسَّر ذلك إلا بأنه من قبيل الاستعباط المتعمَّد. لأنني لا أتخيل أن يصل بنا العبط إلى الحد الذي يتحدث فيه الإعلاميون عن غزة دون أن يعلموا أنها على مرمى البصر، ودون أن يدركوا أن الحصار المفروض على القطاع ليس إسرائيليا فقط، ولكنه إسرائيلي ومصري أيضا.

في الوقت ذاته، لا نستطيع أن نتجاهل أن ثمة مباركة وتشجيعا لاستمرار الحصار وإحكامه من جانب قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله، التي اعتبرت أن معركتها الحقيقية لم تعد تحرير فلسطين، ولكن تحرير قطاع غزة من سلطة «حماس». بل إنها ذهبت إلى اعتبار «حماس» هي العدو الذي تصر على مقاطعته وترفض الحوار معه، في حين أن الإسرائيليين صاروا في نظرها «أصدقاء» يستمر الوصال معهم طوال الوقت، والاجتماع بهم مُرحَّب به في كل وقت. إذا أردنا أن نذهب إلى أبعد من المصارحة، فلابد أن نقرر أن السلطة الفلسطينية في رام الله لا تقف فقط موقف المبارك والمشجع، ولكنها تقوم أيضا بدور المشارك والمحرِّض. وليس سرا أن سلطة النقد في رام الله، عمدت خلال الشهر الأخير إلى وقف كل التحويلات المالية التي يقوم بها التجار في غزة لشراء مستلزمات المستشفيات بالقطاع،

وفي الوقت الراهن فإن لجنة الإغاثة الإنسانية التابعة لاتحاد الأطباء العرب تواجه مشكلة في توصيل الأضاحي إلى المحاصرين بمناسبة العيد، خصوصا بعدما أفتى د.علي جمعة مفتي مصر بأنه بسبب ظروف الحصار، فإن ذبح الأضاحي في غزة صار أولى منه في أي مكان آخر، وبمقتضى هذه الفتوى، فإن لجنة الإغاثة التي قررت فتح الأبواب لتلقي قيمة الأضاحي في مصر، ثم إتمام عملية الذبح في القطاع، أصبحت تواجه مشكلة في ترتيب المعاملات المالية مع التجار هناك، إضافة إلى مشكلة توصيل لحوم الأضاحي إلى مستحقيها، بعد إرسالها من أستراليا ونيوزيلندا والهند وهي البلاد التي تبين أن أسعار الأضاحي فيها أرخص من غيرها.

إننا لا نستطيع أن نستمر طويلا في ممارسة الاستعباط، فضلا عن أن ذلك السلوك لم يعد ينطلي على كثيرين ممن أصبحوا على وعي بأن كارثة غزة الحقيقية ليس مصدرها الاحتلال الإسرائيلي وحده، ولكنها تكمن أيضا في الضلوع المصري، وتآمر القيادة الفلسطينية في رام الله. وما لم يحل هذان الإشكالان فإن مطالبة المجتمع الدولي بالتدخُّل والضغط على إسرائيل لرفع حصارها تصبح أعلى مراحل الاستعباط.

22 نوفمبر، 2008

شرف المحاولة

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 23 ذو القعدة 1429- 21 نوفمبر 2008
شرف المحاولة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_22.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/732061.html

ينبغي ألا نذهب بعيدا في التفاؤل بحكم وقف بيع الغاز لإسرائيل، بحيث نتوقع أن تمتثل الحكومة وتسارع الى دراسة كيفية تنفيذ الحكم مع مستشاريها القانونيين، ليس فقط لأن الحكم قابل للاستئناف امام محكمة أعلى، ولكن ايضا لأن الحكومة بدورها «سيدة قرارها»، وليس من عادتها ان تنفذ أحكام المحاكم إذا لم تكن على هواها، فحزب العمل الذي صدر قرار بتجميده في سنة 2000 حصل حتى الآن على 13 حكما قضائيا بإلغاء قرار التجميد، ولكن الحكومة لم تقتنع بأن ذلك سبب كاف للرجوع عن قرارها. ولا ننسى ان المعتقلين السياسيين لا تنفذ بحقهم أحكام المحاكم التي تقرر اطلاق سراحهم، وفي حدود علمي فإن بعض أولئك المعتقلين من قررت المحاكم الافراج عنهم عشر و12 مرة، ومع ذلك لم ير أحد منهم النور.

لأن الأمر كذلك، فليس أمامنا سوى ان نحيي أولئك الرجال الوطنيين من مثقفي مصر، في مقدمتهم السفيران السابقان ابراهيم وامين يسري، الذين حملوا قضية بيع الغاز لإسرائيل الى القضاء، واستبسلوا في فضح خبايا تلك الصفقة المريبة والمشينة، كما ينبغي ان نحيي شجاعة القاضي المستشار محمد احمد عطية الذي اثبت ان في مصر قضاء نزيها لا يمتثل ولا يداهن. يكفينا ذلك في الوقت الراهن، لان اوضاعنا، التي تعرفها، لا تحتمل ما هو ابعد،

فان يستنفر بعض الشرفاء في مصر للدفاع عن حقوق شعبها وكرامتها، ويرفعوا مظلمتهم الى القضاء، فذلك امر جيد لا ريب. وان ينجح هؤلاء في اثبات حق بلدهم، ثم يصادفوا قاضيا من عجينة الشرفاء، فذلك شيء ممتاز، وان يصدر القاضي حكمه بما يرضي ضميره ويرضي الله، وهو يدرك ان حكمه يمثل سباحة ضد التيار، فذلك شيء عظيم، اما ان نتوقع ان تستجيب الحكومة لقراره، فذلك طمع اكثر من اللازم، لأن خبراتنا علمتنا ان غاية طموح الواحد منا ان ينصفه القضاء، لكن حين يتعلق الامر بالقضايا العامة، والسياسية خصوصا، فإن تنفيذ الحكم يظل مشكوكا فيه الى حد كبير، حيث المعتاد ان يكتفي صاحب الحق بشرف المحاولة، واعرف كثيرين من هذا الصنف من الناس الذين نالوا «الشرف»، لكنهم لم ينالوا حقوقهم. فكانوا كمن قبض الشيك، ثم عجز عن صرفه من البنك!

من باب الفضول سألت بعض أهل الخبرة: لماذا لم تستطع الحكومة ان تلعب في الحكم، وان تستخدم نفوذها الذي نعرفه لكي «تطبخ» المسألة بحيث لا يسبب لها الحكم حرجا أو يضعها في مأزق جديد؟

الرد جاء كالتالي: إن القاضي النزيه الذي لا يخشى في الحق لومة لائم لايزال موجودا في مصر، ولا غرابة من حيث المبدأ في ان يصدر واحد من هؤلاء حكما كهذا الذي بين ايدينا، لكن الحاصل في القضاء العادي اذا ما أريد التدخل في الحكم، ان الامر يرتب في مرحلة مبكرة، بحيث يتم التلاعب في التحقيقات التي تسبق توجيه التهمة وتكييف القضية (كما حدث في قضية العبارة حيث كانت تهمة صاحبها ممدوح اسماعيل انه لم يبلغ السلطات بغرق السفينة، واعتبرت القضية جنحة انتهت ببراءته)، وفي احيان اخرى تحال القضية الى قاض بذاته من «أهل الثقة» ليصدر حكمه على النحو المطلوب. اضافوا ان ذلك اذا حدث في القضاء العادي، فإن حدوثه اصعب في القضاء الاداري، لسبب جوهري هو انه مستقل عن وزارة العدل، التي ليس لها أن تتدخل في أوضاعه الادارية أو اختيار شاغلي مناصبه الرئيسية التي تتم بالاقدمية المطلقة.فرئيس المجلس هو الذي يجب ان يرأس المحكمة الادارية العليا، ونائبه الأول هو الذي يرأس الجمعية العمومية للفتوى والتشريع، ونائبه الثاني يرأس محكمة القضاء الإداري، والثالث يرأس قسم التشريع.. وهكذا.

الحكم الذي نحن بصدده نموذج آخر للحالات التي يكتفى فيها «بشرف المحاولة»، اذ سيُطعن فيه امام المحكمة الادارية العليا، وايا كان الحكم فإنه لن ينفذ لأسباب يطول شرحها، ويصعب الخوض فيها لان بعضها يتعلق بالدوائر الحمراء التي يشير اليها المرء على البعد ثم يسكت عن الكلام المباح، انتظارا لأوان يلوح فيه الصباح.

21 نوفمبر، 2008

حكم أحرج الحكومة

صحيفة الدستور المصريه الخميس 22 ذو القعدة 1429 – 20 نوفمبر 2008
حكم أحرج الحكومة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_21.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/731214.html

حكم القضاء الإداري بوقف تصدير الغاز لإسرائيل وبعض الدول الأخرى لم يحرج الحكومة فقط، وإنما أدانها أيضاً وشكك في نواياها، على نحو لو أخذ مأخذ الجد في أي بلد ديموقراطي، لأدى إلى سحب الثقة من الحكومة وإسقاطها، بل لعلي لا أبالغ إذا قلت إن محكمة القضاء الإداري فضحت تلك الصفقة المريبة، الأمر الذي يثير عددا من الأسئلة الكبيرة حول حقيقة الأطراف التي تقف وراءها وحجم النفوذ الذي يتمتع به هؤلاء، الذي دفع الحكومة إلى ارتكاب مجموعة من المخالفات الجسيمة للإسراع بعقد الصفقة وتمريرها من وراء ظهر مجلس الشعب.

وهو ما دفع مجموعة من العناصر الوطنية التي استفزها هذا السلوك إلى مقاضاة الحكومة ووزير البترول والطعن في تصرفاتهما، وشاءت المقادير أن تنظر القضية بمحكمة يرأسها قاض نزيه من جيل الرجال المحترمين الذين لم ينقرضوا من مصر بعد، فجاء حكمها مفاجئا في منطوقه وحيثياته، الأمر الذي أحرج الحكومة وأربكها، إذ في حين امتنع المتحدث الرسمي باسمها عن التعليق على الحكم محتجا بأنه لم يطلع على نصه، فإن الإعلام الرسمي حاول تشويهه، فقد ذكر شريط الأخبار الذي بثه التلفزيون أن المحكمة قررت وقف بيع الغاز لإسرائيل بأسعار تقل عن الأسعار العالمية وقيمته السوقية، وهو ما أبرزته أيضا الصحف القومية الثلاث على صفحاتها الأولى، وهذا لم يكن صحيحا لأن المحكمة أصدرت قرارها استنادا إلى وجود مخالفة دستورية وقانونية في عملية البيع، وليس بسبب انخفاض سعر بيع الغاز، الذي هو بمنزلة مسألة تقديرية،

وكان واضحا في معالجة الصحف القومية حرصها على التقليل من شأن الحكم والتأكيد على أن الحكومة ستطعن فيه، فعنوان الخبر في «الأهرام» كان كالتالي: «القضاء الدستوري يوقف بيع الغاز لإسرائيل وهيئة قضايا الدولة تستشكل»، أما «الأخبار» فقد قدمت الاستشكال على قرار المحكمة فقال عنوان الصفحة الأولى « إن هيئة قضايا الدولة سوف تستشكل في تنفيذ حكم وقف تصدير الغاز لإسرائيل»، أما «الجمهورية» التي أبرزت في قلب الصفحة الأولى ـ بالعناوين الحمراء ـ خبر افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي، فإنها نشرت في زاوية تحتية قرار المحكمة على النحو التالي: «الحكومة تتقدم باستشكال اليوم - القضاء الاداري أوقف بيع الغاز لإسرائيل بأسعار تقل عن السوق العالمية «!».

لقد مارس الإعلام القومي التدليس في عرض حيثيات الحكم، ولولا ضيق المساحة لأوردت النص الذي نشرت الصحف المستقلة خلاصة وافية له، لكن لا يفوتني أن أشير إلى نقطتين مهمتين فيه:

الأولى نص الحكم على أن الالتزام ببيع الثروات الطبيعية كان ينبغي أن يُعرض على مجلس الشعب ـ طبقا لنص الدستور ـ ولكن ذلك لم يحدث، وإنما تم التكتم على الأمر بحيث لم يعرف أحد مضمون عقد بيع الغاز أو شروطه. وهو ما يجعل قرار التفويض في البيع معدوما لمخالفته أحكام الدستور، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني.

النقطة الثانية أن القاضي انتقد السرعة المتناهية التي تمت بها عملية إنشاء شركة خاصة فوضت في البيع، ومنحها دون غيرها حق امتياز واحتكار الغاز المصدّر لإسرائيل، الامر الذي يثير التساؤل عن أسباب ذلك التزامن والتكتم الشديد الذي فرضته الادارة على العملية، مما يتعارض مع الشفافية ويخل بالثقة الواجب توافرها في تعاملات جهة الادارة».

وهذه العبارة الأخيرة منقولة من منطوق الحكم الذي أصدره القاضي، المستشار محمد أحمد عطية. وفيها إشارة كافية إلى الملابسات المريبة التي أحاطت بالموضوع.. ونكمل غدا بإذن الله.

20 نوفمبر، 2008

مسلسل نهب مصر!

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 21 ذو القعدة 1429 – 19 نوفمبر 2008
مسلسل نهب مصر!- فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_20.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/730285.html

نص عقد مشروع «مدينتي» الذي نُشر أول أمس يمثل فصلا واحدا في مسلسل نهب مصر.

صحيح أن المسلسل معروض علينا منذ عقدين من الزمان من خلال ما تنشره الصحف من أخبار وتقارير وما تتناقله الألسنة من روايات تتحدث عن صفقات الأراضي وبيع مؤسسات القطاع العام وتسهيلات البنوك وأذونات استيراد السلع الأساسية وتوكيلات الشركات العالمية وغير ذلك، إلا أن نشر عقد مشروع «مدينتي» يظل الحدث الأكثر إثارة في المسلسل.. لماذا؟ لأننا هنا لسنا بصدد أخبار وشائعات، يمكن التشكيك في صدقيتها، ولا يُستبعد أن تتعرض الوقائع فيها للزيادة أو النقصان، بسبب تعدد الرواة واختلاف أمزجتهم وأهوائهم.

إنما نحن بإزاء نص كامل للعقد، وصورة زنكوغرافية له، مكنتنا من أن نقرأه كلمة كلمة من سطره الأول: إنه في يوم الاثنين الموافق 1 أغسطس 2005، تم الاتفاق بين كل من هيئة المجتمعات العمرانية والشركة التي يمثلها المحاسب هشام طلعت مصطفى، إلى فقرته الأخيرة التي تم التوقيع عليها، ونصّت على تحرير العقد من ثلاث نسخ، وتحتها توقيع الطرفين. خلاصة العقد أن وزارة الإسكان الموقرة منحت السيد هشام 33 مليونا و600 ألف متر مربع من أرض مصرالمحروسة(؟)، وأعطته الحق وحده في امتلاك 1800 فدان مجاورة لها. ولم يحدد العقد ثمنا لتلك المساحة الكبيرة من الأرض، ولكنه نص على أن السيد هشام عليه أن يسدد قيمتها بطريقة عينية، وهي نسبة 7 ٪ من الوحدات السكنية التي يقيمها (وهو ما لم يتم، في حين أن صاحبنا باع الشركة التي يمثلها وطرح أسهمها في البورصة).

جريدة «الدستور» المصرية ذكرت أن السيد هشام الذي تسلّم الأرض بما يشبه الإهداء المجاني، لو باع متر الأرض بألف جنيه فقط، فإن ذلك يعني حصوله على ما لا يقل عن 34 مليار جنيه هدية من حكومة مصر ووزارة التعمير فيها. ولذلك لم يكن غريبا أن يصف النائب طلعت السادات، أحد المحامين في قضية سوزان تميم، العقد بأنه من المضحكات المبكيات، ومن أعجب عجائب الدنيا.

في حدود معلوماتي، فإن ذلك ليس العجيبة الوحيدة، ولكنه إحدى العجائب المسكوت عنها في بلادنا، التي أصبحت تتمدد فوق بحيرة هائلة من الفساد المروِّع. وأنا مغمض العينين أقطع بأن وزارة الإسكان لم تقدم على هذه الخطوة الصادمة من ذات نفسها، رغم أن سجلها في تبديد وإهدار الثروة العقارية للبلد متخم بالفضائح التي إذا كُشفت أمام الرأي العام، فإنها لا تُسقط وزيرا أو حكومة، ولكنها تُسقط نظاما بأكمله.

لذلك فإن القضية من هذه الزاوية تثير سؤالين أساسيين هما: كيف أُهديَ هشام طلعت مصطفى هذه المساحة الكبيرة ومن صاحب المصلحة المباشرة أو غير المباشرة في إبرام هذه الصفقة؟ أما السؤال الثاني فهو: كيف تصرّفت وزارة الإسكان في مجمل الثروة العقارية المصرية؟ ومن هم الذين اقتسموا فيما بينهم أرض «المحروسة»؟

في الأروقة كلام كثير ووقائع مذهلة تتحدث عن دور للأبناء والأصهار، واتصالات هاتفية تدخّلت في توزيع الأراضي ومجاملات لكبار المسؤولين بمن فيهم بعض الذين يجلسون على مقاعد الأجهزة الرقابية، التي يفترض أن تتولى محاربة الفساد وملاحقة الضالعين فيه، وإذا صح ربع هذا الكلام أو عشره فمعناه أن رجال السلطة المتحالفين مع رجال الأعمال نهبوا البلد ونحن غافلون، وأن الفساد الذي كان أحد أسباب تفجير ثورة يوليو، وما كان انحرافا ساذجا يتصاغر إلى جانب ما جرى في البلد بعد مضي نصف قرن بعد ذلك.

إذا قال قائل إن هذه نظرة سوداوية لا ترى سوى نصف الكوب الفارغ، فإنني أتوسّل إليه وعلى استعداد لأن أقبِّل يديه ووجنتيه إذا دلني على ما هو ملآن في الكوب، وإلى أن يتحقق ذلك، وأغلب الظن أنه سيستغرق وقتا طويلا، فهل هناك أمل في أن يجيب أحد على السؤالين اللذين ذكرتهما؟ وهل نحلم بأن يشكل مجلس الأمة، بعد التجديد التاسع عشر لرئيسه الدكتور سرور، لجنة تقصي حقائق مسلسل نهب مصر والكشف عن «كشوف البركة» الجديدة؟

19 نوفمبر، 2008

تأييد حَذِرللحظر

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 20 ذو القعدة 1429 – 18 نوفمبر 2008
تأييد حَذِرللحظر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_19.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/729478.html

عندي تأييد متحفظ لقرار حظر النشر في قضية الموسم المتهم فيها رجل الأعمال الشهير وضابط أمن الدولة السابق في قتل الفنانة اللبنانية، إذ رغم انني أحد ضحايا حظر النشر ولي سجل طويل يشهد بذلك وثقته بكتابي «مقالات محظورة» الأمر الذي يفترض أن يضعني في مقدمة الرافضين للحظر والمقاومين له، إلا أنني لا أخفي تعاطفاً مع القرار الذي اتخذ بشأن هذه القضية بالذات.

فقط لدي تحفظ عن بعض الأسباب التي ذكرت لتبرير الحظر، فقد نشرت بعض الصحف أمس ان سبب فرضه هو ان الشهادات والمرافعات من شأنها ان تأتي على ذكر بعض الشخصيات العربية المهمة، وهو ما لا يراد له ان يشيع بين الناس، حتى لا يساء الى تلك الشخصيات. وأنا لا أتردد في القول بأنه إذا كان هذا هو السبب فلا ينبغي ان يكون هناك حظر، لأن من شأن ذلك التستر على علاقات مريبة أو مشبوهة تورطوا فيها، وهذه ليست مهمة الإعلام الذي يتعين عليه في هذه الحالة ان يكشف تلك العلاقات بأدلتها بطبيعة الحال، لا أن يتستر عليها، خصوصاً أن لدينا ما يكفينا من مصادر الفساد بمختلف صوره واشكاله، السياسي والاقتصادي والإداري. ولسنا بحاجة الى حصص اضافية من الفساد الأخلاقي.

ولا يقولن احد ان للأمر علاقة من قريب أو بعيد بالتضامن العربي الذي سيكون في هذه الحالة من قبيل التعاون على الاثم المنهي عنه شرعاً، وليس تعاوناً على البر الذي نحن مدعوون اليه ومأمورون به.

تأييدي للحظر في هذه القضية بالذات يرجع الى امرين جوهريين، أولهما حاجتنا الى توفير جو مناسب لتحقيق العدالة في موضوع، خصوصاً بعدما بدا أن هناك ضغوطا قوية للتأثير في المحكمة أو الشهود أو الرأي العام، من خلال الإعلام أولاً والنشر ثانيا. ذلك اننا وجدنا برامج تلفزيونية عدة اعتبرت القضية فرصة لجذب المشاهدين وإثارة فضولهم، وتولى مقدمو تلك البرامج التحقيق في القضية واستدعاء المحامين للمرافعة فيها وفتح باب المناقشة الواسعة حولها، الأمر الذي لابد له ان يؤثر في الرأي العام والشهود ولا يضمن حياد المحكمة.

وقد وجدنا ان رأس المال المتوافر لدى بعض المتهمين لعب دوراً بتلك التعبئة سواء عن طريق الدفع بالمحامين الكبار لتقديم مرافعاتهم خلال البرامج التلفزيونية أو عن طريق المقالات المدفوعة التي نشرتها بعض الصحف أو حتى اصدار بعض المنشورات والكتب التي اعدت على عجل لنصرة رجل الأعمال الشهير وتبرئته، وقد ظهرت ثلاثة من تلك الكتب في الاسواق هذا الاسبوع.

وكنت قد حذرت في
وقت سابق في هذا المكان من تلك المحاكمات التلفزيونية واستشهدت بآراء نفر من كبار فقهاء القانون، الذين اعتبروا التوسع في نشر التحقيقات والمرافعات في الصحف عنصراً يمكن ان يؤثر في حياد القضاء، فضلاً عن انه يجعل من الرأي العام عنصراً ضاغطاً لا يخدم تحقيق العدالة في نهاية المطاف.

الأمر الثاني الذي شجعني على تأييد حظر النشر هو ما ذكرته
امس، وكتبته قبل إعلان قرار المحكمة والنائب العام، من ان اشغال الرأي العام بمثل هذه القضايا خصوصاً في ظل التأثير الهائل لوسائل الاعلام على الادراك العام، يمكن ان يصرف الانتباه عن أمور أكثر أهمية، واوثق صلة بمصير البلد ومصالحه العليا.

وكنت قد ضربت مثلاً لذلك بانشغال وسائل الاعلام المصرية، والمحطات التلفزيونية بوجه اخص، بقضية رجل الأعمال وقتل الفنانة اللبنانية وتجاهلها لإظلام غزة ومنع الوقود عنها واستمرار اسرائيل في تصفية عناصر المقاومة فيها، ومع الأسف فإن الصحف المستقلة وشبه المستقلة تورطت في هذا المسار وذهبت بعيدا في مسعى الاثارة لجذب القراء، حتى اصبحت الحوادث لا الاخبار تحتل موقعا بارزاً على صفحاتها الأولى والداخلية وهو ما ادى إلى تراجع اهتمامات القارئ وانكفائه على ما يشبع الفضول ويغذي نوازع الاثارة، في حين لا يضيف شيئاً يذكر إلى معارفه، خصوصاً هدم وطنه وأمته.

18 نوفمبر، 2008

لأجل السودان ومصر والعرب أجمعين -ممنوع

مقال ممنوع من الأهرام المصريه ومنشور فى الشرق القطريه والخليج الاماراتيه والوطن الكويتيه ومدونة مقالات فهمي هويدي ومدونة مقالات فهمي هويدي
الثلاثاء 20 ذو القعدة 1429 – 18 نوفمبر 2008
لأجل السودان ومصر والعرب أجمعين -ممنوع – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_1734.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/728603.html

أن يوضع السودان – وجنوبه بوجه أخص – ضمن أولويات السياسة الخارجية المصرية فهذا تطور مهم لا ريب. والأهم منه أن يتم ذلك وفق رؤية استراتيجية واضحة المعالم والأهداف.
(1)
طوال الأيام العشرة الأخيرة، ظل الاتصال الهاتفي مقطوعاً بين القاهرة والخرطوم. إذ كلما هاتفت مكتب الاتصالات الدولية طالبا محادثة بعض ممن أعرف في العاصمة السودانية، كان الرد في كل مرة أن الخط معطل، في حين أن الاتصال بأي مكان في الكرة الأرضية ظل متاحاً طول الوقت. وحين ذكرت ذلك لبعض الأصدقاء السودانيين في القاهرة، كان تعليق أحدهم أن انقطاع الخطوط الأرضية هو الأصل في حين أن اتصالها هو الاستثناء, وأضاف آخر ضاحكاً أن الاتصالات السلكية واللاسلكية تتمتع بحساسية عالية، جعلتها تتأثر كثيراً بأجواء السياسة، فالحرارة تسري فيها حين يسود الدفء تلك الأجواء والعكس صحيح. وحين غلَّطته مستنداً إلى دفء الأجواء الراهنة، كان رده أن الخروج من طور البرودة السابقة يحتاج إلى بعض الوقت، لأن التسخين بدأ أخيرا مع رحلة الرئيس مبارك إلى الخرطوم وجوبا.

48عاما مرت بين أول زيارة لرئيس مصري إلى جنوب السودان (الرئيس عبد الناصر في عام 60)، وبين الزيارة الثانية التي قام بها الرئيس مبارك في العاشر من شهر نوفمبر الحالي. الزيارة الأولى تمت في إطار اهتمام مصر المبكر بالدائرة الأفريقية التي اعتبر السودان الممر الرئيسي المؤدي إليها. خصوصاً أن السودان كان وقتذاك حديث العهد بالاستقلال (في عام 1956)، وإلى جانب ذلك فإن تواصل الشمال مع الجنوب كان قد بدأ ينشط، بعد أن أغلقه الإنجليز في وجه الشماليين طوال عشرين عاماً (بين عامي 1927و1947) بمقتضى "قانون المناطق المغلقة"، الذي أريد به فصل الجنوب عن الشمال، واستئصال أي تأثير عربي عليه، من جانب الشمال أو من جانب مصر. ومن غرائب ذلك القانون أنه منع الجنوبيين من استخدام أي إسم عربي، كما منعهم من ارتداء جلابيب الشماليين، وفي حين أشاع الانجليز بين الجنوبيين ثقافة كراهية الشماليين والعرب، الذين منعوا من دخول مناطق الجنوب، فإن تلك المناطق لم تستمر مفتوحة إلا للأجانب وارساليات التنصير.

قبل حملة الاحتلال البريطاني كان للمصريين وجودهم المهم الذي تمثل آنذاك في مكتبين لشئون الري في كل من ملكال وجوبا، ومن خلال المكتبين كانت الحكومة المصرية تباشر أنشطة أخرى متعددة في مناطق الجنوب. وفي كل الأحوال فان الاهتمام المصري بالسودان ظل متأثراً بتقلبات العلاقات السياسية بين القاهرة والخرطوم. وإلى عهد قريب فان الاهتمام الأكاديمي في مصر كان متقدما طول الوقت على الاهتمام العملي. إلا أن الأجهزة المعنية بالأمن القومي جددت اهتمامها في السودان خلال العامين الأخيرين.
(2)
هناك أكثر من متغير طرأ على السودان وجنوبه خلال الـ48سنة التي مرت بين الزيارتين. أحدها وأخطرها أن الجنوب أعطى حق تقرير المصير حسب اتفاقية نيفاشا التي عقدت في سنة 2005، وأنهت الحرب المستمرة منذ عقدين بين الحركة الانفصالية والحكومة. وبمقتضى تلك الاتفاقية يفترض أن تجرى انتخابات برلمانية في العام القادم، تسفر عن حكومة تشرف على استفتاء الجنوبيين، وتخيرهم بين البقاء في ظل دولة السودان أو الانفصال.

من تلك المتغيرات أيضاً أن الرئيس السوداني عمر البشير مهدد بالمحاكمة هو وعدد آخر من المسئولين السودانيين، أمام المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة الإبادة الجماعية في دارفور. في الوقت ذاته فإن مدة البرلمان الحالي تنتهي في شهر ديسمبر القادم (الدستور حدد له 4 سنوات ابتداء من عام 2005) وإذا لم تجر الانتخابات لتشكيل برلمان جديد فإن شرعية الحكم ستصبح مشكوكاً فيها. ذلك أننا سنكون بإزاء رئيس مطلوب وبرلمان معطل. الأمر الذي يترتب عليه إضعاف السلطة القائمة داخلياً وخارجياً. وحين يحدث ذلك في ظل استمرار التمرد في درافور والاستعداد لمرحلة يواجه فيها البلد شبح الانفصال، فذلك يعني أن كيان الدولة ذاته أصبح مهدداً بالخطر.

الملاحظ في هذا الصدد أن رياح الداخل تتجه إلى تأزيم الموقف وإضعاف الحكومة، لأن الأحزاب السودانية والحركة الشعبية لا تريد إجراء الانتخابات خلال الأشهر القادمة. وفي تقدير العارفين بما يجري في تلك الدوائر أن هذه التجمعات ليست جاهزة لخوض الانتخابات، فالأحزاب تعاني من الضعف الداخلي والحركة الشعبية تخشى من ظهور الانقسامات الحادة التي يجري تسكينها في الجنوب، والناشئة عن رفض قبائل المنطقة لتسلط وهيمنة قبيلة "الدنكا" المحتكرة للسلطة.

من التغيرات الأخرى التي تترقبها النخبة السودانية موقف الإدارة الأمريكية الجديدة. وقد أخبرني الدكتور غازي صلاح الدين مستشار الرئيس البشير، بأن الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما ينحدر من سلالة قبيلة "اللو" في جنوب السودان، وأن هذه القبيلة نزحت من جنوب السودان إلى كينيا، وكان أبوه حسين أوباما من بين أولئك النازحين. وللعلم فإن حكومة الجنوب أعلنت يوم 5 نوفمبر الحالي عطلة في كل الدوائر الرسمية ابتهاجاً بفوز أوباما. في رأي دوائر السلطة بالخرطوم أن فريق الرئيس الأمريكي الجديد المختص بالشأن الأفريقي منحاز إلى الحركة الشعبية، ومؤيد لانفصال الجنوب عن الشمال، الأمر الذي يجعلهم غير مطمئنين إلى موقف الإدارة الجديدة، وإن كانوا يؤثرون الانتظار إلى الربيع القادم الذي يتوقعون أن يتضح فيه موقفها الحقيقي إزاء السودان.

في مواجهة هذه المتغيرات، التي تضيق الخناق على حكومة الخرطوم، فإن حزب المؤتمر الحاكم يتمسك بإجراء الانتخابات البرلمانية لتفويت الفرصة على تعطيل دور البرلمان. وفي الوقت ذاته فإنه أطلق مع الآخرين مبادرة أهل السودان التي كان من نتائجها وقف القتال من جانب القوات الحكومية في دارفور.

وثمة إشارات تدل على أن الحكومة بصدد التراجع النسبي في موضوع محاسبة الذين اتهموا في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور، خصوصاً الاثنين اللذين ذكرهما مدعي المحكمة الدولية (أوكمبو)، وهما أحمد هارون وزير الدولة للشئون الإنسانية، وعلي كوشيب الذي يقدم باعتباره رئيس ميليشيا الجنجويد. وقد رفضت الحكومة السودانية تسليم الاثنين، مقابل عدم تقديم الرئيس البشير للمحاكمة، كما اقترح الرئيس الفرنسي ساركوزي في مبادرة له. لكنها لم تمانع مؤخراً في التحقيق معهما وانشأت لهذا الغرض نيابة خاصة لاستجواب المتهمين في الجرائم التي ارتكبت في دارفور، تمهيداً لمحاكمتهما وغيرها داخل السودان. وفي الوقت ذاته فإن حكومة الخرطوم بصدد اتخاذ إجراءات إدراج الاتفاقيات الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في القانون الجنائي السوداني.
(3)
لا يمكن التطرق إلى ملف جنوب السودان من أي زاوية، دون التطرق إلى دور إسرائيل فيه (حركة تحرير السودان في دارفور التي يقودها عبد الواحد نور الدين فتحت مكتباً في تل أبيب). ذلك أن الأصابع الإسرائيلية تعبث هناك منذ أكثر من خمسين عاماً، بحيث إننا إذا أردنا أن نتحدث عن حضور في الجنوب لأية جهة، فلا مفر من الاعتراف بأنه ما إن خرج الإنجليز من السودان عام 56، حتى كان الإسرائيليون أول الداخلين إليه. وذلك لا يعني أن الآخرين لم يكن لهم دور أو حضور في الجنوب، لأن تلك الأدوار كانت قائمة – بما فيها المصري – لكنها جميعاً كانت تالية في الترتيب والأهمية للدور الإسرائيلي.
هذا الدور وثَّقه ضابط الموساد الإسرائيلي السابق، العميد متقاعد موشى فرحى، في دراسة سبق أن أشرت إليها عنوانها: إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان. وقد قدمت الدراسة إلى مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا التابع لجامعة تل أبيب. وهي تروي بالتفصيل وبصراحة شديدة قصة وصول المخابرات الإسرائيلية إلى جنوب السودان، من خلال استراتيجية وضعها بن جوريون وجولدا مائير استهدفت الانتشار في قلب أفريقيا، والنفاذ إلى أثيوبيا والكونغو برازافيل ثم أوغندا وكينيا للوصول إلى جنوب السودان والتحالف مع حركة التحرير هناك التي كان يقودها جون جارانج. والهدف من ذلك هو حث الجنوبيين على الانفصال عن الشمال، لإضعاف السودان من ناحية، والضغط على مصر وإضعافها من ناحية ثانية. إذ المطلوب تهديد العمق الاستراتيجي لمصر. وفي الوقت ذاته الاقتراب من البحر الأحمر للحيلولة دون تحويله إلى بحيرة عربية، يمكن أن تهدد المصالح الإسرائيلية من خلال خنقها بحرياً واقتصادياً واستراتيجياً، وشل الحركة في ميناء إيلات.

تحدثت الدراسة عن خمس مراحل مر بها الدعم الإسرائيلي للتمرد في الجنوب، بدأت بتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية، وانتهت بمشاركة ضباط إسرائيليين مع الجنوبيين في الحرب ضد الشمال. ومرت بتزويدهم بالسلاح وإقامة معسكرات لتدريبهم في أثيوبيا وإسرائيل.

خلصت الدراسة في النهاية إلى أن جون جارانج توصل إلى اتفاق مع الإسرائيليين لإقامة دولة مستقلة في الجنوب، وطلب مستشارين إسرائيليين لتأمينها، كما أنه طلب من واشنطن التدخل لحمايته إذا ما هاجمته قوات جيش السودان، وقد صدرت تعليمات وزارة الدفاع الأمريكية إلى قواتها في كينيا وأريتريا بالتدخل في السودان إذا ما تطلب الأمر ذلك.

(4)
موضوع انفصال الجنوب عن الشمال في عام 2011 لم يعد احتمالاً مستبعداً في الخرطوم ولا لدى الدول المجاورة. وهو ما يمكن أن يفتح الأبواب لنزاعات وصراعات جديدة، سواء حول النفط أو داخل القبائل الجنوبية ذاتها. البعض يشكك في الانفصال لأن الجنوب لا موارد له غير النفط وليس له أي منافذ مباشرة إلى العالم الخارجي. وفي رأي هؤلاء أن هناك اتجاهات داخل الجنوب حريصة على البقاء ضمن السودان الواحد، وأغلب هؤلاء بين السكان القريبين من الشمال، التي دخلت في الإسلام وانتشرت بينها اللغة العربية، ويعول البعض على الدور المصري في مجال التعليم والاستثمار لإقناع الجنوبيين بأن البقاء في دولة الوحدة أنفع لهم.

أما إذا حدث الأسوأ وتم الانفصال فإن ذلك سوف يكون بمثابة زلزال يعين على انفراط الدولة القطرية وهزيمتها، كما يعلن عن هزيمة المشروع العربي والتحضير لإبعاد وطمس الوجود العربي في قلب أفريقيا، في تكرار لمأساة زنجبار التي فقدت هويتها العربية والإسلامية. الأمر الذي يترتب عليه أيضاً إغلاق أفريقيا في وجه العرب, ناهيك عن تهديده لقائمة طويلة من المصالح التي يتصل بعضها بمياه النيل ويتصل البعض الآخر بمختلف الثروات التي تزخر بها السودان. وفي حالة فتح ملف إعادة تقسيم مياه النيل، حين تصبح دول حوضه 11 "بدلاً من عشرة" فإن مصر ستجد نفسها في موقف دقيق وحرج، قد يؤدي إلى تقييد حريتها في إمكانية تحقيق أي توسع زراعى، خصوصاً إذا ما قام اتحاد شرق إفريقيا (وهو فكرة بريطانية قديمة) الذي يضم كينيا وأوغندا و تنزانيا. وفي هذه الحالة سيرشح جنوب السودان للانضمام إليه، ليصبح ذلك الاتحاد مهيمنا على منابع النيل.

لأجل كل ذلك ولكي نتجنب الأسوأ، فإن الحضور المصري في الجنوب أصبح أكثر إلحاحاً خلال العامين القادمين. بل انه غدا فرضاً لازماً لمصلحة السودان الموحد، ولمصلحة مصر، ولمصلحة الأمة العربية كلها. و تلك مسؤولية تتطلب رؤية أوسع و تحركا اشمل وأكثر جدية، ليس من جانب مصر و حدها و لكن من جانب كل معنى بالمستقبل العربي. وليت هذا الموضوع يدرج على جدول أعمال القمة الاقتصادية العربية القادمة التي يفترض أن تعقد بالكويت. واستشعر غصة حين أجد أن الجامعة العربية بحاجة لمن يذكرها بأن السودان في خطر، و أن أصداء ذلك الخطر لن تنسحب عليه وحده.

أفيقوا أيها السادة

صحيفة الدستور المصريه الإثنين 19 ذو القعدة 1429 – 17 نوفمبر 2008
أفيقوا أيها السادة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_18.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/728602.html

في حين ظل الإعلام المصري مشغولا بمحاكمة رجل الاعمال المتهم بقتل المطربة اللبنانية كانت غزة تختنق تحت وطأة الحصار الذي منع الوقود وقطع التيار الكهربائي عن القطاع وأدى الى وقف علاج عشرات المرضى الذين اصبحوا مشرفين على الموت. اضافة الى تجويع الفلسطينيين وإذلالهم، من خلال منع وصول الأغذية ومستلزمات الحياة الاساسية إليهم.

عدة جهات في العالم حذرت من الكارثة الانسانية في غزة، خصوصا منظمة «الاونروا» (غوث اللاجئين) ومنظمات أخرى أوروبية معنية بحقوق الإنسان، لكن هذه التحذيرات لم تجد لها صدى عندنا، على الأقل في أوساط اتخاذ القرار. فلا نحن قررنا ان نخفف من وقع الكارثة وفتحنا معبر رفح لتمكين المحاصرين من التزود ببعض احتياجاتهم من السوق المصرية، ولا نحن سمحنا للهيئات الإغاثية المصرية بتوصيل ما تقدر عليه من اغذية وادوية إلى الاهالي في القطاع، ولا نحن نددنا بوحشية الحصار وضغطنا على اسرائيل لكي تفتح المعابر المغلقة في وجه البضائع والمؤن.

وحين التزمنا الصمت ولم نحرك ساكنا، فإن اسرائيل تمادت فيما ذهبت اليه ولم تكتف بإحكام الحصار والاصرار على تركيع الفلسطينيين وتجويعهم، وإنما اطلقت قواتها الخاصة، التي توغلت في داخل القطاع وخطفت سبعة من النشطاء الفلسطينيين، ذلك انها اعتبرت الصمت العربي، والمصري بوجه اخص، ضوءا اخضر شجعها على ان تواصل القمع والعربدة، دون ان يساورها القلق من حدوث اي رد فعل عربي.

ليت الامر وقف عند هذا الحد، لأن الدور المصري تجاوز الاشتراك في الحصار وإغماض الأعين عن الجرائم الاسرائيلية التي ترتكب بحق المناضلين الفلسطينيين، وانما ذهب الى حد بذل جهد ملحوظ في تدمير الانفاق التي اضطر الفلسطينيون الى حفرها بأظافرهم للحصول على احتياجات الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة التي اصرت اسرائيل على حرمانهم منها. ولم يكن هناك تفسير بريء لبذل ذلك الجهد، الذي لم يعد يحتمل سوى تفسير واحد، هو مضاعفة الحصار وتضييق الخناق على الفلسطينيين لكسر صمودهم وسحق ارادتهم.

ثمة تفاصيل كثيرة في هذه الجريمة المستمرة سكت عنها الاعلام المصري، او لم يجد فيها مادة للاثارة تجذب الناس وتثير فضولهم. ولا أستبعد ان يكون الاعلام قد مل الحديث في الموضوع، حيث اصبح إظلام القطاع خبرا عاديا، وتوقف حياة مليون ونصف مليون مواطن امرا لا غرابة فيه، وتوقف المستشفيات عن علاج مرضى القلب والفشل الكلوي والاطفال المبتسرين، حدثا لا مفاجأة فيه.

اعتبر الاعلام ان تدمير حياة الفلسطينيين وإماتتهم هو الأصل وأن بقاءهم على قيد الحياة استثناء، وان يعيشوا بكرامة في وطنهم حلم بعيد المنال، وأمنية خرافية اقرب إلى الغول والعنقاء والخل الوفي. بسبب من ذلك فإن اعلامنا «الهادف» (؟!) وجد في موضوع محاكمة هشام طلعت مصطفى ومغامرة السكري وحكايات المطربة اللبنانية مادة اكثر جاذبية واثارة، لذلك فإنهم شغلونا باتصالات هشام والملايين التي أنفقها او عرضها لإشباع نزواته، وبقمصان السيد السكري وعمليات التجميل التي اجرتها المذكورة في شعرها ومواضع اخرى من جسمها، لتفتن اثرياء العرب وتدغدغ احاسيسهم المراهقة.

لا اظن ان اجراء المحاكمة في هذا التوقيت قصد به مداراة الموقف البائس الذي تقفه مصر، وصرف انتباه الناس عن فظاعة الكارثة الحاصلة في غزة، وان كنت أعذر انصار فكرة المؤامرة اذا قالوا بذلك، لكنني ارجح احتمال التسابق على الاثارة من جانب البعض وفساد الأجواء الذي سبب خللا في الرؤية وترتيب الاولويات لدى البعض الآخر، ولا استبعد ان يكون بين الاعلاميين فريق ثالث ممن يكرهون أمتنا ويوالون اعداءها في اعماقهم وان تخفوا وراء شعار «مصر اولا وليذهب الآخرون إلى الجحيم».

ليس عندي اي تبرير لهؤلاء ولا هؤلاء، لكنني فقط اقول انه اذا كان موقف السلطة بهذا الشكل الذي نراه، فإن سلوك الأخيرين يظل صدى طبيعيا له.

17 نوفمبر، 2008

نكسة نيويورك

صحيفة الدستور المصريه الأحد 18 ذو القعدة 1429 – 16 نوفمبر 2008
نكسة نيويورك – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_17.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/727826.html

حين كان مؤتمر الحوار بين الديانات والحضارات منعقداً في نيويورك بحضور عدد من القادة العرب، على رأسهم العاهل السعودي الملك عبدالله، كانت غزة غارقة في الظلام، والمعابر المؤدية إليها مُحكمة الإغلاق أمام صف طويل من الشاحنات المحمَّلة بالأغذية والأدوية، في استمرار لسياسة تجويع الفلسطينيين وإذلالهم.

وفي ذات القاعة التي جلس فيها الملك عبدالله وغيره من القادة العرب، كان هناك شمعون بيريز رئيس اسرائيل وتسيبي ليفني، لم يخل المؤتمر من مفارقات مخزية، إذ رغم انعقاده تحت شعار «حوار الأديان والثقافات»، فإنه وقف صامتا ومتجاهلا تماما لعملية الابادة المنظمة والبطيئة التي ترتكبها اسرائيل في غزة.

الأدهى من ذلك والأمرّ أن المتحدثين العرب لم يُشر احد منهم إلى جرائم الاحتلال الاسرائيلي، سواء المتمثلة في الحصار او في الغارات والمذابح التي تنفذها في غزة بين الحين والآخر، رغم أن اخبار تلك الجرائم كانت تملأ شاشات التلفزيون طوال انعقاد المؤتمر. كان محزناً أن خطاب العاهل السعودي لم يُشر إلى الحاصل في فلسطين، في حين ركّز كلامه على التنديد بالإرهاب، وكأن ما يجري هناك من مذابح وجرائم ليس إرهابا رغم أنه لو أشار الى الاحتلال في فلسطين والممارسات الاسرائيلية هناك لضرب اكثر من عصفور بحجر واحد. من ناحية لأنه سيسجل موقفا شريفا إزاء قضية العرب والمسلمين العادلة من فوق المنبر الدولي الذي وفره المؤتمر، ومن ناحية ثانية، فإنه كان سيخفف من الصدمة التي شعرنا بها حين وجدنا خادم الحرمين يجلس تحت سقف واحد مع بيريز وليفني، في تراجع نسبي عن الموقف السعودي المُعلَن على الأقل، الذي اعتاد ان يحتفظ بمسافة إزاء قضية التطبيع.

ما سكت عنه الملك عبدالله خاض فيه شمعون بيريز، الذي لم يفوت الفرصة، حين ارسل في كلمته رسالة غزل للمملكة رحب فيها بالمبادرة العربية التي اطلقها الملك عبدالله حين كان وليا للعهد، لكنه تحفّظ على وضع القدس، والفرق بين الكلمتين أن الأولى قالت للعرب والاميركيين ما يودون سماعه، اما الثانية فقالت للشعب الاسرائيلي ما يستريح إلى سماعه.

ماذا كانت نتيجة المهرجان الكبير؟ صحيح أن اعلانا صدر، تضمن تعهدا بتشجيع حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع، لكنه يظل وثيقة لم تُضِف شيئاً الى الوثائق المختلفة التي عالجت الموضوع، ولم تحترم واحدة منها في التعامل مع القضية الفلسطينية، لكن أحدا لا يستطيع ان يدّعي ان حوارا حدث، لا حول الديانات ولا حول الثقافات، وأن ما جرى كان مؤتمرا سياسيا في حقيقته، ومهرجانا خطابيا في ظاهره عبّر فيه المتحدثون عن أمنياتهم للمستقبل،

والى جانب ذلك برزت عنه ملاحظات من أهمها ما يلي:
- أن المتحدثين العرب جميعاً أكدوا تراجع أولوية القضية الفلسطينية في اهتماماتهم.
- أن السعودية خسرت نقطة حين أسقطت المسافة التي حرصت على إقامتها بين سياستها وبين عملية التطبيع وأجوائها، صحيح أن التطبيع لم يتم، لكن الحذر السعودي في الموضوع تراجع على نحو رحبت به الولايات المتحدة بطبيعة الحال، لكنه أثار درجات متفاوتة من الاستياء والإحباط في العالمين العربي والإسلامي.
- إن إسرائيل كانت الفائز الوحيد، فقد كسبت نقطة في اقترابها من السعودية، باشتراك الملك عبدالله وشمعون بيريز في المؤتمر، وكان الأخير محقا في وصفه بأن المؤتمر «نقطة تحوّل»، في الوقت نفسه فإن اسرائيل قدمت نفسها باعتبارها الدولة المسالمة التي تفتح ذراعيها للمبادرة العربية، في ذات الوقت الذي تواصل فيه خنق الشعب الفلسطيني وقمعه وتجويعه.

يبدو أنه قدر نيويورك أن تظل شاهدا على سوء تدبيرنا، مرة من خلال أحداث سبتمبر التي أطلق عليها تنظيم القاعدة «غزوة نيويورك»، ومرة ثانية من خلال المهرجان السياسي الخطابي الذي أريد به تحسين الصورة، لكنه أخفق واستحق أن يوصف بأنه «نكسة نيويورك».
...................

16 نوفمبر، 2008

حالة أيمن نور

صحيفة الدستور المصريه السبت 17 ذو القعدة 1429 – 15 نوفمبر 2008
حالة أيمن نور- فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_16.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/727005.html

إذا أردت أن تتعرف علي نموذج للخلل والغموض في القرار السياسي المصري، فقضية أيمن نور حالة تجسد الاثنين معًا، لا يقولن أحد إنها قضية جنائية عادية، أدين فيها شخص، وهو الآن ينفذ قرار القضاء بحقه، فذلك تشخيص غير دقيق، لا أعرف إنه كان ينطلي علي الأجانب الذين سمعوه كثيرًا أم لا؟، لكنه بالقطع لا يقنع أحدًا من الذين يعيشون في مصر، إذ نحن نعرف جيدًا أن اتهام بعض الناس والتحقيق معهم وإحالتهم إلي النيابة وتقارير الطب الشرعي المتعلقة بالأمور التي تخصهم، ثم الأحكام التي تدينهم، بل حتي معاملتهم داخل السجون، ذلك كله عادة ما لا يكون دائمًا بعيدًا عن السياسة وفي بعض الأحيان فإنه يظل داخلاً في السياسة، من أوله إلي آخره.
نحن نعرف أن الرجل رشح نفسه لمنصب رئيس الجمهورية في شهر يوليو عام 2005 وخلال الأشهر الخمسة التالية حدثت أمور كثيرة انتهت بالحكم عليه بالسجن بتهمة التزوير بعد خمسة أشهر تقريبًا في 22 /12/2005، ومنذ ذلك الحين وإلي الآن وهو وراء القضبان، مضربًا عن الطعام حينًا ومشتبكًا مع سجانيه حينًا آخر، ومريضًا محرومًا من العلاج أو مضيقًا عليه في ذلك في أحيان ثالثة، وإلي جانب تدمير سمعته وحياته المهنية والأسرية، فإن حزب الغد الذي أسسه تعرض لاختراقات أمنية أدت إلي تمزيقه، حتي قرأنا أخيرًا عن اقتحام البلطجية مقر الحزب -الذي هو مكتب أيمن- وإشعال الحريق فيه، وسط ملابسات مثيرة للدهشة والشك، وفي ذلك كله تابعنا بسالة زوجته في وقوفها إلي جواره، والدفاع عنه من فوق مختلف المنابر المحلية والدولية، وتحديها المستمر لمختلف قوي الضغط عليه وقهره، إلي غير ذلك من الملابسات المثيرة، التي تجعل الواحد منا يتساءل في دهشة ومرارة: لماذا كل ذلك؟
لأنني لا أجد سببًا معقولاً لإبقائه في السجن طول كل ذلك الوقت مع التنكيل به، وعدم إطلاق سراحه بعد انقضاء نصف المدة كما يحدث مع غيره من المحكومين، بمن فيهم الجواسيس ومرتكبو الجرائم المخلة بالشرف، فذلك يدفعني إلي الشك في أن يكون الإذلال وتصفية الحساب والانتقام وراء ما جري له، لست متأكدًا من ذلك، ولكنني أصبحت لا أستبعد ذلك الاحتمال لا لقوة الأدلة التي تثبته، ولكن لعدم وجود أدلة كافية تثبت «براءة» الإجراءات التي اتخذت بحقه، بل ذهبت بي الظنون إلي حد الشك في أنه أريد بمعاقبة أيمن نور أن يصبح أمثولة تحذر أي شخص من أن يفكر في ترشيح نفسه للرئاسة مرة أخري، وإذا ما فعلها فإن عليه أن يتحمل مسئولية فعلته التي لن يخرج منها سليمًا!
لقد أوذي أيمن نور كثيرًا ، لكنه استفاد كثيرًا أيضًا، ولست أشك في أن الذين فعلوا به ما فعلوه لم يتمنوا له خيرًا، لكنه أصبح قصة مصرية تروي في مختلف المحافل السياسية واجتماعات منظمة حقوق الإنسان، بل أصبح أيضًا موضوعًا مدرجًا علي أجندة العلاقات المصرية الأمريكية، ومثيرًا للجدل بين ممثلي البلدين.
لست أشك في أن الذين قمعوا أيمن نور ونكلوا به لم يتمنوا له شيئًا من ذلك، وربما ظنوا أنه سيظل واحدًا من الآلاف الذين يقضون أعوامهم داخل السجون، ويخرجون منها مدمرين وغير قادرين علي فعل أي شيء في الحياة، بل عاجزين عن التعامل مع المجتمع الذي غابوا عنه، لكن ذلك لم يحدث وأصبح أيمن نور وهو في السجن أكبر وأهم كثيرًا منه في خارجه.
لا أعرف إذا كانت هذه الافتراضات قد جالت بخاطر الذين أداروا ملف أيمن نور أم لا؟!، لكن الذي أعرفه جيدًا أن الرجل كسب الكثير مما جري، بقدر ما أنه خسر الكثير أيضًا، وخسائره كلها إنسانية ومادية، أما مكاسبه فسياسية بامتياز، بذات القدر فإنني لا أعرف أين كان ملف أيمن نور طوال السنوات التي خلت؟، لكنني أعرف أن الذين أداروا معركتهم ضده لم يتخذوا بحقه قرارًا واحدًا رشيدًا، كما لم يتسموا بالحكمة أو بُعد النظر، إن خوفي شديد من أن يكونوا قد تعاملوا بنفس الأسلوب مع ملفات أخري تتعلق بمصير البلد.

15 نوفمبر، 2008

مصر بيت الداء

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 16 ذو القعدة 1429 – 14 نوفمبر 2008
مصر بيت الداء - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_15.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/726112.html

أحدث عرض لفيلم التمديد الرئاسي الديمقراطي تم في الجزائر خلال اليومين الماضيين، ذلك إنه مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية والأخيرة - طبقاً للدستور - للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، كان من الطبيعي أن تثور التكهنات وتتعدد الأسئلة حول خلافته.
ولكن الرجل أراح الجميع من عناء البحث في الموضوع، حيث أجري خلال الأشهر الماضية بعض التعديلات علي الأجهزة والمؤسسات ذات الصلة في الدولة، علي نحو ينتهي بتغيير نص الدستور «المادة 74» مما يسمح له بالترشح لولاية ثالثة، وهو ما تحقق أمس الأول «12 – 11 »، حين وافقت علي التعديل أغلبية أعضاء البرلمان، ورغم أن الانتخابات الرئاسية ستجري بعد ستة أشهر تقريباً «في أبريل من العام المقبل»، فإننا نستطيع أن نطمئن أمة العرب، خصوصاً الشعب الجزائري الشقيق الذي أفزعته الأخبار التي ترددت عن صحة الرئيس بوتفليقة، وصدمته الشائعات التي تحدثت عن احتمال تركه لمنصبه إذا ما التزم بالدستور، إلي أن تلك الغمة قد زالت ولله الحمد، وأن إرادة الشعب نجحت في هزيمة الدستور، بالتالي فإن الرئيس بوتفليقة سينتخب مرة ثالثة، بل سيحقق فوزاً ساحقاً علي كل من تسول له نفسه أن ينافسه علي المنصب، وليس ذلك مجرد تخمين، ولكنه استقراء مبني علي متابعة دقيقة لأوضاع الانتخابات الرئاسية في العالم العربي، التي تحرص فيها الأجهزة المعنية علي ترتيب أمر نتائج الانتخابات «بمنتهي الشفافية»، في وقت مبكر يسبق أجراءها تحقيقاً للاستقرار، وتجنباً لاحتمالات القفز إلي المجهول.
يقولون إنه في مختلف بلاد الدنيا كل بلد له جيش إلا الجزائر، لأن العكس فيه هو الصحيح، حيث الجيش له البلد، بمعني أنه الذي يصنع السياسة ويصنع الرؤساء فيه، الأمر الذي يعني أن الجيش هو المنتج والمخرج الأصلي و«الحصري» لفيلم إعادة انتخاب بوتفليقة، باعتبار أن لقادته مصلحة في ذلك، ولعلمك فإن قادة الجيش في الجزائر هم أهم رجال الأعمال في البلد، وهم الذين يديرون عجلة الاقتصاد ويحتكرون استيراد سلعه الأساسية، ولكل واحد منهم إمبراطوريته الخاصة.
ما حدث في الجزائر ليس استثناء في العالم العربي، خصوصاً في جمهورياته التي صنفت يوماً ما باعتبارها «تقدمية»، ولكن حكامها تحولوا بمضي الوقت إلي «ملوك جدد»، تشبثوا بمقاعدهم وأعدوا أبناءهم لوراثتهم فمنهم من فعلها ومنهم من ينتظر.
وفي تونس تجري الآن حملة لانتخاب الرئيس بن علي للمرة الخامسة، بعد أن تم تعديل الدستور هناك، بحيث يتمكن الرئيس من البقاء في السلطة حتي آخر لحظة في حياته، وإذا كنت قد سمعت بهذه العبارة من قبل، فسيؤكد ذلك أننا بصدد حالة عربية لا حالة جزائرية أو تونسية أو ليبية أو يمنية.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل كان يمكن أن تستشري تلك الحالة في العالم العربي لو أن مصر قدمت نموذجاً جيداً لاحترام الدستور والممارسة الديمقراطية؟، خبرة نصف القرن الأخير علي الأقل دلت علي أن «الريادة» المصرية إذا ما قدمت نموذجاً إيجابياً، فإن ذلك يحدث أصداء قوية مماثلة في العالم العربي.
«هل تذكر سنوات المد القومي ورايات الكبرياء والعزة التي رفعتها مصر أثناءها؟» أما إذا قدمت نموذجاً سلبياً فإنه سرعان ما يترك بصماته السلبية علي مختلف جوانب المشهد العربي، لاحظ حالة العالم العربي بعد الانفتاح الاقتصادي والصلح مع إسرائيل والانكفاء علي الداخل في شعار مصر أولاً.
إذا صح ذلك الاستنتاج الذي سمعت تأييداً له في أكثر من عاصمة عربية فإنه يقودنا إلي معادلة مفادها أن مصر بيت الداء في الأمة، إذا استقام أمرها اعتدل العالم العربي ودبت فيه الروح وشاعت أمارات العافية - أما إذا انكسرت وهان أمرها انكسر العالم العربي وسري الوهن في أوصاله، لا أعرف حلاً للإشكال لكنني أتمني أن نتفق علي تشخيصه أولاً.

14 نوفمبر، 2008

الوقاية خير من العلاج

صحيفة الدستور المصريه الخميس 15 ذو القعده 1429- 13 نوفمبر 2008
الوقاية خير من العلاج – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_14.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/725622.html

دُعيت إلى حلقة تلفزيونية لمناقشة موضوع القنوات الهابطة وكيفية احتواء تأثيراتها السلبية في المجتمعات العربية. وكان ذلك بمناسبة انعقاد مؤتمر حول الموضوع شهدته الدوحة في الأسبوع الماضي، دعت إليه الشيخة موزة بنت ناصر قرينة أمير قطر، واشترك فيه نحو 300 من الخبراء والمتخصصين من العرب والأجانب.

وكان رأيي أن ثورة الاتصال قطعت أشواطاً بعيدة، بحيث جعلت عملية البث والتواصل بين البشر خارجة على السيطرة. وذلك مفيد سياسيا لأنه أتاح لكثيرين أن يتنفسوا بعيدا عن تحكم الأنظمة المستبدة، خصوصا في العالم العربي، وهي الأنظمة التي أزعجها كثيرا هذا التطور وما برحت تحاول إخضاع برامج التلفزيون لرقابتها، وكانت وثيقة تنظيم البث الفضائي التي أقرها أخيرا وزراء الإعلام العرب من أبرز تجليات هذه المحاولة.

صحيح أن الوثيقة تمسّحت في موضوع الأخلاق والفضائل، لكن عين الذين طبخوها كانت على السياسة، بدليل أنهم يشرفون على قنوات لم تقصر في إشاعة الخلاعة والميوعة بين الناس، واحتفظت بالخطوط الحمراء للأمور السياسية وحدها. قلت أيضا إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا يتمثل في كيفية الاحتفاظ بإيجابيات ثورة الاتصال ومحاصرة سلبياتها، وكيف يمكن ألا تؤثر جهود الحصار تلك على حرية الإعلام في التعبير عن هموم الناس وأحلامهم. وهو الحاصل الآن في الديموقراطيات العربية التي تدرس باستمرار كيف يمكن الحد من أضرار البث المفتوح، بعدما تبيّن أن البعض استخدموا تقنيات في ارتكاب الجرائم والاتجار بالبشر.

الصعوبة ليست فقط في إساءة استخدام عمليات البث، ولكنها تكمن أيضا في اختلاف ضوابط ومعايير القيم في المجتمعات المختلفة. ذلك أن مفهوم الأخلاق والآداب العامة، بل حتى مفهوم الأسرة ذاته، أصبح مختلفا تماما في الغرب عنه في العالم العربي وفي المقدمة منه الأقطار الخليجية. ينبغي أن نعترف بأننا لن نستطيع القضاء على المشكلة، ولكننا فقط نتمنى أن نخفف من أضرارها، ببساطة لأن كل ما يراقَب أو يُمنع في عالمنا العربي يظل في متناول الجميع، لأن الباحث عنه سيجده في قنوات أخرى متاحة للكافة. لذلك فإن الجهد الذي يُبذل في الوقاية ينبغي أن يكون أسبق وأن ينال اهتماما أكبر من ذلك الذي يُبذل في محاولة العلاج.

ما أقصده بالوقاية هو أن نسعى إلى تحصين الأجيال الجديدة بالقيم والسلوكيات والمعارف التي تجعلهم أقل عرضة للانحراف والاختراق. وهذا التحصين هو مسؤولية أطراف عدة تبدأ بالبيت وتنتهي بالمدرسة وتمر بوسائل الإعلام المحلية، التي تملكها أو تساهم فيها الدولة. والمشكلة أن هذه الأطراف الثلاثة لا تقوم بالدور الذي يفترض أن تنهض به في هذا الصدد، فالآباء والأمهات أصبحوا يلهثون وراء توفير متطلبات الحياة، ويعملون طوال النهار خارج البيت، والقادرون منهم تركوا أطفالهم لكي تتولى المربيات رعايتهم (على الأقل فذلك حاصل في أغلب دول الخليج)، وتكون النتيجة أن الأجيال الجديدة تتأثر بالتلفزيون والمربيات والأقران في الشارع. أما المدارس وأجهزة الإعلام الخاضعة لسلطات الدولة، فإنها لن تقوم بما عليها إلا إذا كانت الدول لديها إستراتيجية واضحة إزاء مسألة التربية والدفاع عن الهوية. ولأن هذه الإستراتيجية مغيبة في الغالب، فإن الأجيال الجديدة تُترك للتغريب والتلفزيون وتظل بلا حصانة.

على صعيد آخر فإن جهدا يجب أن يُبذل لتقديم برامج تلفزيونية مبتكرة وراقية تجذب الشباب والأجيال الجديدة إليها، وتصرفهم عن متابعة ما هو هابط ومبتذل في القنوات الأخرى.

أما وسائل العلاج الأخرى فينبغي أن تتوافق عليها قنوات البث في العالم العربي، من خلال حوارات خبرائها ووزارات الإعلام فيها، التي مازالت مشغولة بأمن الأنظمة، ولا تشغلها كثيرا مسألة أمن المجتمعات، وأثبتت التجربة أنها معنية بإخضاع الشعوب أكثر من عنايتها بتربيتها.

13 نوفمبر، 2008

الثابت الوحيد في السياسة

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 14 ذو القعدة 1429 – 12 نوفمبر 2008
الثابت الوحيد في السياسة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_13.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/724358.html

تبث بعض القنوات الفضائية العربية هذه الأيام فيلما دعائياً عن تونس عنوانه 21« عاما من التغيير »، اما مناسبته فهي حلول ذكرى تولي الرئيس زين العابدين السلطة في السابع من شهر نوفمبر عام 1987 . في الوقت ذاته نظمت في العاصمة التونسية عدة احتفالات بهذه المناسبة، كان من بينها عقد ندوة دولية حول موضوع المشاركة السياسية في عالم متغير، افتتحها الرئيس التونسي بخطاب اكد فيه على ضرورة تلك المشاركة، وتحدث عن المتغيرات الكثيرة التي طرأت على العالم في السنوات الاخيرة، خصوصا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وسقوط جدار برلين، وهي الندوة التي دعي اليها سياسيون وباحثون من 46 دولة.

وفي اطار هذه الاحتفالات نظمت مسيرة شارك فيها خمسة آلاف من الشباب التونسي هكذا قالت الصحف رفعت شعار «الولاء لبن علي والولاء لتونس » لاحظ الترتيب.

هذه الاجواء التي احتفلت بالمناسبة ليست بعيدة عن الحملة الانتخابية التي تمهد لتجديد انتخاب الرئيس التونسي لولاية خامسة في العام المقبل، بعد ان تم تعديل الدستور لتمكين الرئيس من الاستمرار في منصبه الى الابد ان استطاع، وبعد ان تم اجراء الترميمات اللازمة لقطع الطريق على اي منافسة حقيقية للرئيس، وتمكينه من الفوز بسهولة مع وجود منافسين صوريين. والهدف من كل ذلك هو اتاحة الفرصة لاستمرار «التغيير »، ومن ثم ضمان مسيرة النهضة والتقدم والازدهار التي يرفل فيها الشعب التونسي، الذي خصصت السلطة فيه مخبراً سرياً لمراقبة كل عشرة مواطنين، للاطمئنان على انهم منخرطون في عملية «التغيير .»

أدري ان اسئلة كثيرة سوف تخطر على بال بعض الخبثاء، احدها سأؤجل الحديث عنه لكن سأجيب عن سؤالك: لماذا لا يشمل التغيير الرئيس بن علي ذاته؟ وهو سؤال وجيه، والاجابة عنه سهلة وهي انه في كل بلد هناك ثوابت ومتغيرات كما ان في العقيدة هناك فرائض ونوافل، وانا واثق من رشدك الذي يرفض فكرة تغيير كل شيء في اي بلد، الامر الذي يهز قيمه ويهدد استقراره. لذلك فالثوابت امر لا مفر منه، والفرق بين بلد وآخر هو في طبيعة هذه الثوابت،
واذا كانت القيم الديموقراطية وحق الناس في المشاركة والمساءلة والتداول هي من الثوابت السياسية في بعض الاقطار الغربية بوجه اخص، الا أن لنا في العالم العربي خصوصيات يتعين احترامها. وهذه الخصوصيات معروفة في منظومة القيم الاجتماعية والاخلاقية، ومتعارف عليها في القيم السياسية، ومن ابرز ثوابت السياسة في بلدنا ان الرئاسة وقف على من طالها بالمصادفة أو بالعافية.وثبات شاغل المقعد في موقعه من الفرائض، وكل ما عدا ذلك من مواقع في محيط السلطة هو من السنن التي يستحب فيها التغيير ويكره فيها الثبات.

ما يثير الانتباه في المشهد التونسي ليس فقط هذا التمديد المقترح للرئيس بن علي، وانما ايضاً الجرأة في تسويغ ذلك التمديد، التي وصلت الى حد وصف احتكاره للسلطة وقمعه للمستقلين والمعارضين بأنه 21 عاما من التغيير، وكان بوسع من رفعوا ذلك الشعار ان يخففوا من وقع الكلمة حتى لا يصدموا المتلقي، فيتحدثوا عن التعمير أو التطوير او حتى التنوير، ولكنهم ذهبوا بعيدا وآثروا مصطلح التغيير، في تحد صريح لكل ما يعرفه المتابعون عن ممارسات النظام التونسي، بسجله المشهود في انتهاكات حقوق الانسان التي لا يخلو منها تقرير دولي او عربي عن الموضوع.

الطريف ان فيلم التغيير في تونس يعرض على الملأ في حين يتابع الناس التغيير الحاصل في الولايات المتحدة الاميركية، الامر الذي جاء كاشفا للفرق بين التغيير الحقيقي والتغيير المغشوش، ومؤكدا على ان قدرة المجتمع على تغيير رأس الدولة هو الحد الفاصل بين الحقيقة والزيف في الممارسة الديموقراطية.

السؤال المؤجل الذي في بالك لا يحتاج الرد فيه الى كلام كثير، أختصره في ان بيتنا من زجاج حقا، واننا كلنا في ذاك الهم شرق.

Delete this element to display blogger navbar