Subscribe:

Ads 468x60px

31 أكتوبر، 2008

ليته ماتكلم!

صحيفة الدستور المصريه الخميس ا ذو القعدة 1429 – 30 أكتوبر 2008
ليته ماتكلم! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_31.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/714081.html

الذين يقدرون البابا شنودة ويعتزون ببعض مواقفه الوطنية، تصيبهم بعض تصريحاته بالحيرة، فتلجم ألسنتهم وتكاد تجمد مشاعرهم الدافئة نحوه،

وبعض ما قاله يوم الاثنين الماضي 27 /10 على شاشة التلفزيون المصري (في برنامج «اتكلم» الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، يعد نموذجا لتلك التصريحات اذ حين سئل عن رأيه في محاضرة الأنبا توماس أسقف القوصية وعضو المجمع المقدس، التي ألقاها في معهد هيودسون بالولايات المتحدة (المرتبط بالمحافظين الجدد وإسرائيل) فانه تحدث باقتضاب مثيراً ثلاث نقاط هي: ان المحاضرة تاريخية وتتحدث عن تاريخ المسيحيين في مصر منذ عهد الفراعنة وأنه لم يقرأها جيدا (كلمة كلمة) وان كاتبا من بلدة الأسقف يحرض المسلمين عليه بسببها.

لم أصدق ما سمعته من البابا شنودة لأول وهلة، فكذبت أذني واتصلت ببعض من أعرف هاتفيا للتأكد من حقيقة ما قاله، فتلقيت ردودا شاركتني الحيرة والدهشة وأكدت أن الكلام صدر فعلا عن البابا ولأن كثيرين ربما نسوا تفاصيل المحاضرة التي ألقاها الأنبا توماس في شهر يوليو الماضي أجدني مضطرا إلى تلخيصها لتبيان خطورة الأفكار والآراء التي تتضمنها ليس فقط على نسيج الجماعة الوطنية المصرية ولكن أيضا على تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية الوطني والمشرف وكنت قد أشرت الى مضمون تلك المحاضرة في هذه الزاوية (يوم 22 يوليو) في تعليق كان عنوانه :
طعنة للجماعة الوطنية. تساءلت في ختامه عن موقف عقلاء المثقفين الأقباط منها، وعبرت عن دهشتي إزاء سكوتهم على ما جاء فيها.

لقد اعتبر الأنبا توماس أن أكبر معضلتين تواجهان المجتمع المسيحي في مصر هما التعريب والأسلمة وقال إن القبطي يشعر بالإهانة إذا قيل له انه عربي كما أن الاقباط يشعرون بالخيانة من جانب إخوانهم في الوطن (يقصد المسلمين) بعدما أماتوا ثقافتهم وسرقوا فنونهم وزوروا تاريخ مصر. وإن الأقباط يترقبون اليوم الذي تعود فيه البلد إلى جذورها القبطية. مما قاله الأنبا توماس أيضا إن الأقباط يتعرضون للاعتداء والاضطهاد في مصر وإن من حقهم الدفاع عن أنفسهم الأمر الذي يسوغ لهم طلب التدخل الأميركي لحمايتهم...الخ.

هذا الكلام الخطير الذي ينسف أسس التعايش حين ينقل عن أسقف القوصية، فان أول ما يتوقعه المواطن العادي أن يتم التحقق من صدوره عن الرجل، من خلال الرجوع إلى نص المحاضرة وتسجيلاتها، وإذا ثبت صحة الكلام المنقول فلا أقل من أن يسأل الرجل كنسيا على الاقل، ويطالب بإيضاح موقفه، ومن واجب الكنيسة أن تحدد موقفها بدورها مما ثبت صدوره عن عضو مجمعها المقدس إساءة منه للبلد بأسره وللكنيسة بوجه أخص.

وحين لا يحدث شيء من ذلك، فلابد أن يصاب المرء بالدهشة، أما حين يصف البابا هذا الكلام بأنه «تاريخ» فإن ذلك لا يحيرنا فقط، وإنما يصدمنا ايضا، وستتضاعف الدهشة حين تسمع من البابا أنه لم يقرأ محاضرة الأنبا توماس كلمة كلمة، في حين أنه كان يتابع أثناء مرضه في أميركا تفصيلات ما جرى في بني سويف بين العرب ورهبان دير ابو فانا.

كما أننا لا بد أن نستغرب أنه من بين حوالي مئة تعليق نشرتها الصحف المصرية خلال الحديث على محاضرة الأنبا توماس، فإنه غمز في واحد واختصه بالذكر، حين قال إن كاتبا من بلدة الأسقف يحرض المسلمين عليه ولان بلدة الأسقف هي القوصية، فان الكاتب القبطي المعروف الوحيد فيها هو جمال أسعد وقد كان أحد المئة الذين انتقدوا الأسقف من منطلق وطني وعروبي صرف. وكان كلامه دفاعا عن وحدة الجماعة الوطنية وتعزيزا للتعايش بين المسلمين والأقباط وليس تحريض المسلمين على القمص، في حين تبدو إشارة البابا وكأنها تحريض للأقباط على الرجل المعروف بنزاهة مواقفه الوطنية، فضلاً عن أن الغضب والاستفزاز من كلام الأنبا توماس لا يحتاجان إلى تحريض من أحد.

إن مقام البابا واحترامنا له يمنعاننا من الذهاب الى أبعد من التعبير عن الاستياء مما صدر عنه في برنامج «اتكلم» ..ليته ما تكلم!

30 أكتوبر، 2008

تعداد أقباط مصر

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 29 شوال 1429 – 29 أكتوبر 2008
تعداد أقباط مصر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_30.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/713042.html

الطريقة التي أبرزت بها الصحف حديث البابا شنودة عن عدد الاقباط في مصر تثير اكثر من علامة استفهام، فقد نقلت عنه قوله ان عددهم 12 مليونا، ثم اضافت انه قال في حوار تلفزيوني اجري معه ان الكنيسة تعرف اعداد الارثوذوكس المصريين عن طريق «كشوف الافتقاد» التي تعد بمنزلة تعداد داخلي لكل اسرة مسيحية. ومن ثم فبوسعها معرفة عدد الاقباط «ولا يهمنا العدد المعلن».

وان لوحظ ان البابا شنودة لم يتطرق الى الرقم في الحوار التلفزيوني الذي تم بثه اول من امس، فلا تفسير لذلك سوى انه تحدث عن الرقم في الاسكندرية اثناء لقاء كنسي تم هناك، ولكن المحرر المختص ضم ما قاله على شاشة التلفزيون مع تصريحاته في الاسكندرية، ثم صاغ الخبر بالصورة التي أُبرزت على الصفحة الاولى في الجريدة.

واذا صح ذلك، فانها تصبح المرة الاولى التي يتدخل فيها البابا في هذا الشأن. ويعلن رفضه الاعتراف بالاحصاءات التي أجرتها الحكومة، كما اعلن في السابق رفضه الاعتراف باحكام الطلاق التي تقضي بها المحاكم في شأن الاقباط الارثوذوكس. وهي مواقف لها دلالتها المسكونة بروح الندية والتحدي، التي تشيع جوا من التوتر وعدم الارتياح في علاقة الكنيسة بالدولة. قضية تعداد السكان هي التي تهمنا في اللحظة الراهنة، لانها تعيد فتح ملف مسكون باللغط والالتباس والمبالغات غير المبررة.

واذا كانت هذه هي المرة الاولى التي يعلن فيها البابا رقما للاقباط، إلا انها ليست المرة الاولى التي يمارس فيها الاجتهاد في الموضوع. وهو ما سجله وفصّل فيه المستشار طارق البشري في كتابه عن «الجماعة الوطنية»، الذي نشر ضمن سلسلة كتاب الهلال، اذ اشار الى المزايدات في المسألة التي أوصلت عدد الاقباط الى 15 مليونا (المؤتمر القبطي الذي عقد في زيوريخ عام 2004)، في حين ان مجمع الآباء الكهنة قال في سنة 77 ان عددهم سبعة ملايين، وكان التعداد الرسمي الذي أجري في سنة 76 قد اظهر ان عددهم نحو مليونين ومائة ألف شخص (اصبحوا مليونين و83 ألفا في تعداد عام 86).

ذكر المستشار البشري ان نتائج التعداد التي اعلنت في عام 76 اثارت ضجة عبر عنها اقباط المهجر، وكانت لها اصداؤها في جهات عدة، ولذلك تشكلت لجنة لتقصي حقائق التعداد في مجلس الشعب. ضمت اربعة اعضاء، بينهم اثنان من الاقباط. وفي جلسة مهمة عقدت في 98/6/15 شرح الفريق جمال عسكر رئيس جهاز التعبئة والاحصاء، ملابسات اجراء التعداد، الذي تساوت نسبة المسلمين والمسيحيين في خطوات اجرائه، وكان أحد المسؤولين عنه في الوجه البحري وكيل وزارة قبطيا هو السيد موريس حنا غبريال. وقال ان نسبة المسلمين والمسيحيين لم تتغير طوال 80 سنة (اول تعداد اجري في سنة 1897) وشرح بالارقام كيف ان كل الطوائف المسيحية كانت تدخل في التعداد.

ففي حين ان نسبتهم كانت في الاصل بحدود 6.3 ٪، ولكنها ارتفعت الى اكثر من 8 ٪ نتيجة ضم جيش الاحتلال الانجليزي (خلال السنوات من 1917 الى 1937)، وتراجعت تلك النسبة بعد عام 1960 حتى وصلت الى 5.87 ٪ في تعداد عام 1986، بسبب هجرة الاجانب والمتمصرين من البلاد بعد ثورة 1952، ونتيجة لاتساع نطاق الهجرة المسيحية شبه المنظمة الى اميركا وكندا واستراليا بعد حرب عام 1967.في حديثه الى لجنة تقصي الحقائق قال الفريق عسكر ان البابا شنودة كان في زيارة للولايات المتحدة، التقى خلالها الرئيس جيمي كارتر الذي ابلغه بأنه يعرف ان عدد الاقباط في مصر 8 ملايين.

وابدى رئيس جهاز التعبئة تعجبه ودهشته ان يكون الرئيس الاميركي قد قام بعدّ المسيحيين في مصر حتى وصل الى هذه النتيجة، متجاهلا حقيقة ان كل التعدادات التي اجريت منذ عام 1897 كانت معدلاتها ثابتة بين المسلمين والمسيحيين في حين كان الانجليز والفرنسيون هم المشرفين عليها، وقد كان رئيس الاحصاء يوما ما قبطيا هو حنين بك حنين

. انني اخشى اذا فتح هذا الملف ان يثير لغطا لا حدود له، ويضيف الى واقعنا احتقانا نحن في غنى عنه، علما بأن القضية الاهم هي الدفاع عن حق المواطنة والمساواة للجميع بلا استثناء. اذ حين نعترف بذلك، فان الامر لن يختلف كثيرا، سواء كان عدد الاقباط 50 شخصا ام عشرة ملايين.

29 أكتوبر، 2008

سمعة مصر فى إسطنبول

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 28 شوال 1429 – 28 أكتوبر 2008
سمعة مصر فى إسطنبول – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_1163.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/712282.html

الحضور المصري في لقاء إسطنبول كان مميزا ولافتا للأنظار، على الأقل من حيث الكم، فحين يمثل البلد 300 من رجال الأعمال الناشطين في مختلف المجالات والمحافظات، فذلك مؤشر ليس فقط على تنامي دور القطاع الخاص، وإنما على طموحات العاملين فيه ايضا. ذلك أنهم جميعاً جاءوا الى ذلك المنتدى الدولي يبحثون عن فرص للتواصل والمعرفة.

ولا أعرف إذا كان لحجم المشاركة المصرية الكبرى في المؤتمر علاقة بالانعكاسات المحتملة للأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المصري أم لا، لكن ما أعرفه أن تلك المشاركة لها أهميتها الخاصة في الظروف الراهنة. فهو لابد أن يتأثر بما جرى، وهو في حاجة إلى دفع عجلة الاقتصاد بكل وسيلة ممكنة، وإذا كانت الانهيارات المتتالية للبورصة والأزمة الحاصلة في أوروبا قد دفعت بعض المستثمرين إلى تحويل أموالهم إلى الخارج، فمن الطبيعي والمنطقي أن تسعى مصر إلى محاولة جذب آخرين إلى السوق المصري.

وإذا تذكرت أن المنتدى الدولي لرجال الأعمال أقيم أصلا لتحقيق التعاون بين رجال الأعمال في دول منظمة المؤتمر الإسلامي، فإن مد الجسور المصرية في ذلك الاتجاه يمثل تطورا مهما في السياسة الاقتصادية الخارجية، ذلك أن مصر في الاقتصاد كما في السياسة، متجهة الى الغرب وليس إلى الشرق، وذلك أوضح ما يكون في السياحة، المصممة كلها لكي تستقبل السائح الغربي، في حين أسقطت من اهتمامها تماما السياح القادمين من العالم الإسلامي.

ولولا القفزة الكبرى التي حققتها الصين التي اقترنت بالأسعار الزهيدة التي هي بمقدور كل فرد، لما دخلت السلع الآسيوية إلى الاسواق المصرية والعربية. وقد سبقتنا تركيا إلى تطوير إستراتيجيتها الاقتصادية كما ذكرت امس، ورتبت أهدافها بحيث وضعت دول الجوار على رأس القائمة، وبعدها دول العالم الإسلامي، تليها أفريقيا التي تتحرك فيها بفاعلية مشهودة في الوقت الراهن. ولا تسألني عن إستراتيجينا أو أولوياتنا لأنني لا أعرف إن كانت لدينا إستراتيجية اقتصادية ـ أو سياسية ـ أم لا، كما أنني أعرف أن العشوائية في حياتنا لم تنجُ منها أولوياتنا على مختلف الأصعدة.

لا أستبعد أن يكون حجم الحضور المصري الكثيف مرتباً لإقناع منظمي المؤتمر بأهمية عقد دورته القادمة في القاهرة، بعدما طاف بدول أخرى منها ماليزيا وجنوب أفريقيا والسعودية وأبوظبي، وقد قوبل الاقتراح المصري بحماس ملحوظ، حيث صوتت لمصلحته 11 دولة في حين صوتت ثلاث دول فقط لمصلحة عقد الاجتماع في طهران.

وكان حضور وزير التجارة المصري م.محمد رشيد الى المؤتمر إشارة إلى أن مصر الرسمية تدعم الفكرة، رغم أن استضافة القاهرة لم تكن بحاجة إلى جهد كبير، ذلك أن مصر لاتزال تحتل مكانة خاصة في العالم العربي والإسلامي، ولحسن الحظ فإن أغلب رجال الأعمال في العالم الإسلامي لايزالون يذكرون مصر الكبيرة والعزيزة، ولم يحتكوا بمصر المغتصَبة والمنهوبة.

وأرجو أن تنجح الأطراف المعنية في مصر في تنظيم مؤتمر العام المقبل الذي قد يصل عدد المشاركين فيه إلى ثلاثة آلاف شخص (هذا العام حضر مؤتمر إسطنبول 2300 رجل أعمال). بعد التصويت وانتهائه عبّرت بعض الوفود عن قلقها من تدخل جهاز الأمن المصري في قوائم المشاركين، بما قد يؤدي إلى منع البعض من الحضور على الأقل، فهذا ما سمعت من الفلسطينيين والإيرانيين والعراقيين والجزائريين إذ رغم أن المشاركين ليسوا من أهل السياسة، إلا أنهم يخشون من السمعة التي تجاوزت الحدود أو أعطت انطباعا للمقيمين في الخارج بأننا نعيش في ظل دولة بوليسية، الكلمة الأخيرة فيها للتقارير السرية والقوائم السوداء،

وعندما ترددت هذه الانطباعات أمامي في إحدى الجلسات فإنني لم أكذب، وخجلت من ذكر الحقيقة!

في فراغنا يتقدمون

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 27 شوال 1429 – 27 أكتوبر 2008
في فراغنا يتقدمون – فهمي هويدي
كلما زرت تركيا عدت منها بمشاعر الدهشة والحزن، الدهشة لأنهم يخططون ويتحركون وينجزون كل حين، والحزن لأننا نملك الكثير، لكن حركتنا تتسم بالعشوائية، وحصيلة الإنجاز إن وُجِدت، فإنها لا تكاد تمثل تقدما إلى الامام. حضرت في اسطنبول منتدى الاعمال الدولي، استجابة لدعوة حرصت على تلبيتها لكي أعرف كيف يفكر رجال الأعمال في العالم الإسلامي في ظروف الأزمة المالية الراهنة.
وأثار انتباهي في البداية أن رجال الأعمال الفلسطينيين قد أقاموا بدورهم منتدى خاصا بهم، عقد أول اجتماعاته في اليوم السابق على افتتاح منتدى الأعمال الدولي. وإذا سألت لماذا يذهب واحد مثلي ليس له في المال أو الأعمال الى ملتقيات من هذا القبيل، فردي اختصره في السؤال التالي: من منا ظل بعيدا عن الاقتصاد، بعدما أُجبرنا على متابعة تطوراته، حتى أصبحت مصطلحاته ومفرداته ومؤشراته مقررة علينا جميعا، وصرنا نتلقى فيها دروسا في نشرات الأخبار صباح ومساء؟
من الأفكار التي ترددت بقوة في المؤتمر وحوارات المشاركين (2300 رجل أعمال معهم 24 وزيرا من أنحاء العالم الاسلامي) أن ما جرى يعزز ثقة المسلمين في نظامهم الاقتصادي الذي يجرِّم الربا ويشجع على المرابحة، خصوصا بعدما تبين أن فوائد القروض العقارية كانت احد أسباب الكارثة التي بدأت بالـولايات المتحدة ولا يزال صداها يتردد في أنحاء العالم. وإذ تحدث البعض عن تكاتف الدول الغربية من أجل تجاوز الأزمة، فإن الدول العربية والإسلامية أصبحت أحوج ما تكون إلى مراجعة نظامها الاقتصادي وتطويره، وإلى مد جسور التعاون فيما بينها، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لتخفيف تأثير الأزمة العالمية على اقتصادياتها. كانت تركيا تقدِّم نفسها باعتبارها نموذجا اقتصاديا ناجحا للنهوض والانتشار، حيث اصبح ترتيبها السابع عشر بين الدول الصناعية في العالم، كما أصبحت القوة الاقتصادية السادسة في اوروبا. وقد استطاعت أن تصل بصادراتها الى 200 دولة بقيمة 200 مليار دولار، والى جانب ذلك فإنها تسهم في تنفيـذ مشروعات للإعمـار في 7 دولة بقيمة 110 مليارات دولار.
ولفت نظري أن تركيا تتجه بصادراتها الى الجنوب بصورة تدريجية، فقبل عام كانت صادراتها تتجـه إلى دول الاتحـاد الاوروبي بنسبة 57 ٪، وقد انخفضت الى 48 ٪ هذا العام، في الوقت الذي زادت صادراتها الى العالم العربي خلال العام الاخير بنسبة 44 ٪، وقد احتلت صادراتها الى دولة الامارات رأس القائمة، حتى أصبحت اكبر شريك تجاري لها، حيث تضاعفت الصادرات 4 مرات خلال السنتين الأخيرتين.
قال الأتراك إنهم منذ سنة 2000 وضعوا ثلاث أولويات لنشاطهم الاقتصادي الخارجي، فاحتلت دول الجوار المرتبة الأولى، وبعدها الدول العربية والإسلامية، ثم الدول الأفريقية، وان كانوا قد قطعوا أشواطا طيبة في علاقاتهم مع دول الجوار والعالم العربي والإسلامي، فإنهم انفتحوا هذا العام على أفريقيا، وأنجزوا الكثير معها حتى أن الحكومة التركية قررت فتح عشر سفارات جديدة لها في أنحاء القارة، حين وجدوا أن السوق هناك مفتوحة بشكل كامل، واكتشفوا أن إقامة السفارات العشر كلفتهم أعباء مالية تقل عما تتكلفه سفارة واحدة في أوروبا.
حينما سمعت هذا الكلام، ظللت أردد بين الحين والآخر: إن هذه أسواقنا في مصر، فتحناها ونشطنا فيها حينا من الدهر، ثم انسحبنا منها بصورة تدريجية، وتمدد الأتراك في فراغنا، ولا غرابة في ذلك، لأن الذي حدث في الاقتصاد كان انعكاسا للسياسة التي انسحبنا منها، فتقدم غيرنا ليملأ الفراغ الذي تركناه، وكانت النتيجة أننا عجزنا عن النهوض بالبلد واستقلنا من النهوض بالدور في الدوائر المحيطة بنا، وذلك لعمري سبب كاف للشعور بالحزن والغم. وغدا نواصل.

28 أكتوبر، 2008

أخيرا ارجنكون في القفص

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 28 شوال 1429- 28 أكتوبر 2008
أخيرا ارجنكون في القفص – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_28.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/711453.html

تسجل تركيا هذه الأيام صفحة جديدة في تاريخها‏,‏ بعدما أمسكت بأهم خيوط الحكومة الخفية‏,‏ التي ظلت تتحكم في مصير البلد طوال نصف القرن الأخير علي الأقل‏.
‏‏(1)‏ هو زلزال سياسي بكل المعايير‏,‏ تلمس أصداءه فور وصولك الي استنبول‏,‏ التي تجري علي أرضها محاكمة العصر‏.‏ اذ لايزال كثيرون غير مصدقين ان كابوس الحكومة الخفية الممثلة في منظمة أرجنكون بصدد الزوال‏.‏ وهي التي ظلت تتربص بالحياة السياسية منذ منتصف القرن الماضي‏,‏ محركة عددا من الأحداث الكبيرة أو الغامضة‏,‏ التي ظلت تهز البلاد وتصدم الرأي العام بين الحين والآخر‏,‏ من الانقلابات العسكرية الاغتيالات والتصفيات‏,‏ مرورا بزرع المتفجرات وإطلاق المظاهرات‏.
‏وصلت الي استنبول مع بدء المحاكمة الكبري‏(‏ الأثنين‏10/20)‏ التي جرت بضاحية سيلفيري بالقسم الأوروبي من استنبول‏.‏ ومن الواضح أن الحكومة حرصت علي أن تطلع الرأي العام أولا بأول علي تفاصيل القضية‏,‏ حتي يعرف الجميع حقيقة ما كان يجري في تركيا خلال العقود الخمسة السابقة‏,‏ فنشرت علي موقع بالانترنت أسماء كل المتهمين‏(84‏ حتي الآن وقد ألقي القبض علي‏25‏ آخرين في الأسبوع الماضي‏).‏ كما نشرت لائحة الادعاء المقدمة ضدهم التي وردت في‏2500‏ صفحة‏.‏ وقيل إن هناك‏5‏ ملايين وثيقة تؤيد الادعاءات والجرائم المنسوبة اليهم‏.‏
أكثر ما أثار الانتباه في قائمة المتهمين أن علي رأسهم ثلاثة من جنرالات الجيش المتقاعدين‏,‏ ورئيس جامعة استنبول السابق وأحد كبار الصحفيين‏.‏ إضافة إلي أعداد من رجال الجيش والشرطة‏,‏ والقوميين المتطرفين المنخرطين في منظمة حماية الأفكار الاتاتوركية‏.‏ وأي متابع للمحاكمة التركية يعرف أن القبض علي الجنرالات خط أحمر‏,‏ باعتبار أن الاصل في النظام السائد ان يقبض الجنرالات علي البلد وعلي المواطنين‏.‏ وكان لابد أن تحدث معجزة خارقة حتي يحدث العكس‏.‏‏
(2)‏وحدهم المتابعون للحالة التركية ـ فضلا عن عموم الاتراك بطبيعة الحال ـ الذين يدركون دلالة إلقاء القبض علي الجنرالات ومحاكمتهم‏.‏ ذلك أن الجيش هناك محاط بهالة من القداسة‏,‏ وجنرالاته يعتبرون أنفسهم ورثة أتاتورك وحماة العلمانية والاوصياء علي الجمهورية‏.‏ لكن دولة الجيش لم تستمر وسلطانهم تراجع بمضي الوقت‏,‏ خصوصا بعدما اشترط الاتحاد الأوروبي علي تركيا ان تقلص دور الجيش في الحياة السياسية‏,‏ حتي أصبحت الاغلبية في مجلس الأمن القومي للسياسيين المدنيين‏,‏ وحين غلت يد العسكر عن القرار السياسي‏,‏ صار المجتمع أكثر جرأة في التعامل معهم‏.‏
تجلت تلك الجرأة حين أصدر رئيس الاركان الحالي بيانا هاجم فيه بشدة الصحف التي انتقدت إهمال الجيش في الدفاع عن أحد المراكز الحدودية في جنوب شرقي البلاد‏,‏ كان قد تعرض لهجوم من قبل حزب العمال الكردستاني في بداية الشهر الحالي‏,‏ وحينذاك رد عليه رئيس تحرير صحيفة طرف أحمد الطاق بمقال عنيف كان عنوانه من أنت أيها الجنرال حتي تهددنا؟ كان المقال جريئا في مفرداته وفي لغته‏,‏ فلم يسبق ان خوطب الرجل بصفته جنرالا‏.‏ إذ كان يشار اليه عادة باعتبار الباشا‏(‏ القائد‏)‏ أو رئيس الأركان‏,‏ كما لم يسبق لأحد ان سأله من أنت‏,‏ ولا بماذا تهددنا بل إن الكاتب سخر منه حين سأله عما إذا كان سيوجه طائراته النفاثة اف‏16‏ لقصف مقر جريدة طرف؟ في الوقت ذاته فان الصحف انتقدت بشدة قائد القوات البرية لانه مشغول بلعب الجولف أثناء مراسم دفن أحد الجنود الذي قتلته غارة حزب العمال الكردستاني علي المركز الحدودي‏.‏‏
(3)‏كنت قد سمعت بمنظمة‏(‏ ارجنكون‏)‏ قبل أحد عشر عاما‏,‏ حيث حدثني عنها أحد الخبراء المتخصصين في ملفها‏,‏ وقد طلب مني حينئذ ألا أذكر اسمه‏,‏ ونشرت في‏21‏ مايو‏1997‏ مقالا كان عنوانه الحكومة الخفية في تركيا‏,‏ ركز علي نفوذ الجيش في الخريطة السياسية‏,‏ باعتباره الحليف الرئيسي للمنظمة‏,‏ قيل لي إن كلمة ارجنكون لها رنينها الخاص في الذاكرة التركية‏,‏ اذ تقول الاسطورة ان الصينيين حين هاجموا القبائل التركية اثناء وجودها في وسط آسيا‏,‏ موطنها الاصلي‏,‏ فانهم سحقوهم وقضوا عليهم‏,‏ بحيث لم يبق من الجنس التركي إلا عدد قليل من الناس‏,‏ احتموا بواد عميق باسم ارجنكون وهناك ظلوا مختفين ومتحصنين سنين عددا‏,‏ تكاثروا خلالها حتي ضاق بهم المكان‏,‏ ولم يعرفوا كيف يخرجون منه‏,‏ حتي ظهر في حياتهم الذئب الأغبر الذي دلهم علي طريق الخروج‏,‏ ومن ثم أتيح لهم ان ينفتحوا علي العالم ويقيموا دولتهم الكبري‏.‏ وإذ اصبح الذئب الأغبر رمزا عن القوميين الأتراك فان كلمة ارجنكون أصبحت رمزا للحفاظ علي الهوية وبقاء الجنس اذ لولاه لاندثر الأتراك ولم يعد لهم وجود‏.
‏في مقال الحكومة الخفية الذي نشر لي قبل أحد عشر عاما استعرت عنوانا رئيسيا نشرته صحيفة يني شفق آنذاك تساءلت فيه‏:‏ من صاحب القرار في تركيا؟ ذلك أن رئيس الوزراء انذاك كان نجم الدين اربكان زعيم حزب الرفاه الاسلامي‏,‏ لكن رئاسة الأركان نازعته سلطته وظلت تمارس ضغوطها عليه حتي اضطرته للاستقالة في نهاية المطاف‏.‏
تحدثت في المقال عن أنني حاولت أن أتحري حقائق ذلك العالم الخفي الذي يتحكم في الحياة السياسية التركية‏.‏ ونقلت عن بعض الباحثين الاتراك الذين لقيتهم قولهم لي‏:‏ لا تجهد نفسك كثيرا في محاولة التعرف علي الحقيقة‏,‏ لأنها لا تستعصي علي المراقب القادم من الخارج فحسب‏,‏ وأنما تستعصي علي الأتراك أنفسهم‏..‏ الذين يعرفون أن الخفي منها والمجهول أكثر من المعلوم‏.‏‏
(4)‏ منذ صعود القوي ذات الخلفية الاسلامية الي مواقع متقدمة في الحياة السياسية التركية استنفر العلمانيون المتطرفون قواهم وأصبح شغلهم الشاغل هو كيفية قطع الطريق عليهم وإفشال تجربتهم‏,‏ باعتبارهم يمثلون تهديدا مباشرا للعلمانية والتراث الكمالي‏.‏ وأصبحت هذه المهمة أحد أهداف منظمة ارجنكون‏,‏ التي تتعدد الأقوال في منشئها‏,‏ فمن قائل انها امتداد لجماعة الاتحاد والترقي التي خلعت السلطان عبدالحميد وقضت علي الخلافة الأسلامية‏,‏ وقائل إنها كانت ذراعا لحلف الناتو الذي انضمت اليه تركيا في بداية الخمسينيات‏,‏ وانها كانت ضمن المنظمات التي شكلتها المخابرات المركزية في أوروبا لمكافحة الشيوعيين في مرحلة الحرب الباردة‏,‏ لكن الذي لا يختلف عليه احد أن أصابعها كانت هناك في أغلب القلاقل والاضطرابات التي شهدتها تركيا‏.‏ وانها انتشرت في مختلف مفاصل الدولة حتي قدر أحد الخبراء اعضاءها بنحو‏40‏ ألف شخص‏.‏
ثمة حادث وقع في شهر نوفمبر من عام‏1996‏ يسلط الضوء علي مدي قوة وانتشار تلك المجموعة الخطيرة‏,‏ ذلك أن سيارة مرسيدس سوداء كانت تسير مسرعة علي أحد طرق غرب تركيا‏,‏ فخرجت عليها سيارة شحن كبيرة صدمتها وقتلت ثلاثة من ركابها‏,‏ أحدهم كان مدير الأمن السابق لمدينة استنبول‏,‏ والثاني أحد زعماء المافيا الخطرين والمطلوبين محليا ودوليا‏,‏ والثالثة ملكة جمال سابقة لتركيا كانت عشيقة الثاني‏.‏ أما الرابع الذي جرح فقط فقد كان شيخ عشيرة كرديا يتمتع بالحصانة البرلمانية‏,‏ في التحقيق تبين ان المجموعة كانت قادمة من أزمير‏,‏ عقب اجتماع عقدته مع وزير الداخلية في الحكومة‏,‏ وان السيارة كانت تحمل سلاحا‏,‏ وحيث قدمت الاستخبارات تسجيلاتها التي تتبعت بها بعض ركاب السيارة‏,‏ تبين ان السيدة تانسو شيللر نائبة الوزراء في الحكومة كانت علي اتصال مع واحد منهم‏,‏ هي وزوجها الذي لا يقل أهمية عن ذلك ان القضية تمت لفلفتها حيث اختفت البصمات من ملف القضية‏,‏ وصدرت احكام مخففة لحق الذين اتهموا فيها وأفلتت احدي خلايا منظمة ارجنكون من العدالة‏.‏ وكان أحد الأسباب التي أدت إلي ذلك ان الحكومة كانت ضعيفة في مواجهة الجيش‏(‏ رئيس الاركان وقتذاك احتج ورفض مساءلة مدير الدرك‏,‏ معتبرا ان ذلك من اختصاص الجيش وحده‏).‏
هذه المرة وقعت المصادفة في ظل وضع اختلفت فيه موازين القوة في تركيا‏.‏ فقد دأبت بعض الأبواق الاعلامية علي اتهام الحكومة بأنها تسعي لتطبيق الشريعة في البلاد‏,‏ وكان ذلك مبررا لتنظيم بعض مظاهرات الاحتجاج باسم الدفاع عن العلمانية‏.‏ في هذه الاجواء القيت قنبلتان علي فناء صحيفة الجمهورية المتطرفة‏(‏ مدير تحريرها متهم في القضية‏),‏ للإيحاء بأن الاسلاميين يريدون تخويفها‏.‏ وبعد ذلك قتل أحد المحامين قاضيا في المحكمة العليا‏,‏ وقال القاتل في التحقيق إنه أقدم علي فعلته لأن الرجل من معارضي السماح للمحجبات بالدراسة في الجامعة‏,‏ وبطبيعة الحال فان الابواق العلمانية استشهدت بما جري‏,‏ وراحت تحذر من مغبة السياسة التي تتبعها الحكومة‏.‏
الحادثان وقعا في السنة الماضية‏,‏ التي كانت أجهزة الأمن تراقب خلالها شقة سكنية في ضاحية العمرانية باستنبول‏,‏ وحين اقتحمت الشقة وجدت فيها مخزنا للاسلحة وعدة وثائق بالغة الأهمية‏.‏ إذ اكتشفت أن بها قنابل من نفس الطراز الذي ألقي علي صحيفة الجمهورية‏,‏ وعثرت علي صورة لقاتل القاضي مع أحد الجنرالات المتقاعدين‏,‏ وصورة أخري لقائد الشرطة العسكرية السابق‏,‏ الذي يعد أحد اهم خمسة قيادات عسكرية في البلاد‏,‏ وصورة لجنرال ثالث مع مؤسس جمعية الدفاع عن الأفكار الاتاتوركية وكانت تلك الوثائق هي الخيوط الأولي التي تتبعتها أجهزة الأمن والتحقيق التي كشفت عن حلقات أخري في التنظيم الجهنمي‏,‏ واشارت الي علاقة لارجنكون بحزب العمال الكردستاني الانفصالي الداخل في صراع مع حكومة أنقرة‏.‏ وهناك شكوك يرددها البعض عن علاقة لعبدالله أوجلان بالتنظيم‏(‏ حماه كان مسئولا كبيرا في الاستخبارات‏)‏ الذي يكتشف فيه جديد كل يوم لا أحد يعرف بالضبط حجم الجزء الغاطس منه‏.‏
أحد الخبراء قال لي انهم لا يستبعدون أن يرد التنظيم بتوجيه ضربة من أي نوع للحكومة التي دخلت معهم في مواجهة مكشوفة لأول مرة في التاريخ التركي المعاصر‏.‏ وقد تأتي الضربة من حركة مفاجئة داخل الجيش‏,‏ ولا يستبعد ان يتعرض رئيس الوزراء أردوجان للاغتيال‏,‏ كما لا يستبعد ان يلقي رئيس الجمهورية عبدالله جول المصير ذاته‏,‏ بحيث يتكرر معه ما جري مع الرئيس الاسبق توركوت اوزال‏,‏ الذي تتواتر الروايات عن أن تنظيم ارجنكون قام بتسميمه عام‏1993,‏ لكن الأهم في الأمر أن ارجنكون أصبحت اخيرا في قفص الاتهام‏,‏ وأن المحاكمة بدأت منذ اسبوع وقد تستمر لسنة أو سنتين‏.‏

27 أكتوبر، 2008

الهجرة داخل الوطن

صحيفة الدستور المصريه الأحد 26 شوال 1429 – 26 أكتوبر 2008
الهجرة داخل الوطن – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_27.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/710570.html

حين وجه مذيع قناة الجزيرة سؤالا إلى وزير السياحة المصري بلغة عربية فصيحة، فإن الوزير رد عليه بالعامية ولم يستطع ان يخاطبه باللغة نفسها، صحيح ان المذيع جميل عازر كان متمكنا من الفصحى بحكم خبرته الطويلة في الاذاعة البريطانية الناطقة بالعربية، التي تتشدد في إلزام المذيعين بقواعد اللغة، الا ان الوزير كان معبرا بدوره عن حالة عناصر النخبة في مصر الذين اصبحوا يجيدون اللغات الاجنبية، الانجليزية بوجه أخص، في حين يتعثرون في الحديث بالعربية الفصحى.

شهدت مؤتمرا في دبي حضره رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف، وألقى فيه كلمة مكتوبة، التقطت أذني فيها أربعة أخطاء نحوية، وحين وجه اليه رئيس الجلسة الأميركي الجنسية سؤالا باللغة الانجليزية، فإنه رد بطلاقة أثارت الانتباه، حتى بدا وكأن الانجليزية وليست العربية هي لغته الأم. وفي احتفال أقيم بأحد فنادق القاهرة الكبرى لتقديم جائزة الشعر للفائزين بها، وقف السيد فاروق حسني ليلقي كلمة الافتتاح، ولكنه لم يستطع وهو وزير للثقافة أن يتكلم بالفصحى لأكثر من ثلاث دقائق، وكانت عباراته ركيكة ومرتبكة، الأمر الذي اضطره الى إنهاء كلامه بسرعة، خصوصا ان مستمعيه كانوا جميعا من المهتمين بالشعر واللغة العربية.

الظاهرة تدعو إلى القلق، ليس فقط لان النخبة يعانون من الفقر في حصيلتهم اللغوية العربية، ولكن ايضا لانهم افراز نظام تعليمي وحالة ثقافية لم يحترم أي منهما لغة البلد الذي ينتمون اليه، ووجدوا في اجادتهم للغات الاجنبية تميزا لا يحصله الذين اكتفوا بالفصحى، وحتى لا يساء فهم كلامي فإنني تماما مع الاحاطة باللغات الاجنبية واجادتها، بشرط واحد هو الا يكون ذلك على حساب تعلم الفصحى والتمكن منها.

الادهى من ذلك والأمر ان هذه النخب التي نعيب عليها الضعف في التعامل مع الفصحى، يبدو انهم افضل حالا من اجيال جديدة ليست ضعيفة في الفصحى ولكنها جاهلة بها في الاساس، ذلك انه في ظل انهيار العملية التعليمية في مصر، فإن كل القادرين على إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة لم يترددوا في إلحاقهم بها، في الوقت ذاته، فإن نسبة كبيرة من تلك المدارس تركز على التعليم بالانجليزية، وتعتبر ذلك ميزة وعنصر جذب لأولياء الأمور الذين يعتبرون أن التمكن من الانجليزية يهيئ لأبنائهم فرصا أفضل في المستقبل. وإزاء ذلك فمن الطبيعي ان تخرج لنا هذه المدارس اجيالا مقطوعة الصلة باللغة الأم، قد لا تجهل الفصحى فحسب، ولكنها تحتقرها أيضا.

إن السؤال الذي يطرح نفسه، في هذه الحالة هو: أين دور الحكومة؟ وما موقف السياسة التعليمية من هذه الظاهرة؟ اننا لا نكاد نجد موقفا واضحا من هذه المسألة، كما اننا لا نلمس اثرا لسياسة تعليمية حازمة، تعنى بتربية الاجيال الجديدة تربية سوية تصقل شخصيتها وتعتبر الاعتزاز باللغة من مظاهر الكبرياء الوطني والاعتزاز بالذات، والعكس صحيح بطبيعة الحال، لان احتقار اللغة هو من مظاهر احتقار الذات.

والامر كذلك فلعلي لا أبالغ اذا قلت ان تدهور أوضاع اللغة والازدراء بها هو في حقيقته تعبير عن الهزيمة الحضارية، وقد نبهنا ابن خلدون الى ان المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب، ليس في سلوكه وعاداته فحسب، ولكن في لغته ايضا. وقديما قيل ان اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال، الامر الذي اذا صح فإنه يدلنا على ان المشكلة ليست في ألسنة اعوجت ولغة تدهورت، وإنما هو استسلام للهزيمة والانكسار، وشعور باليأس من الحاضر والمستقبل، يدفع البعض الى الهجرة خارج الوطن، ويدفع آخرين الى الهجرة مع الاستمرار في داخل الوطن.

26 أكتوبر، 2008

وساطة قطر في دارفور

صحيفة الدستور المصريه السبت 25 شوال 1429 – 25 أكتوبر 2008
وساطة قطر في دارفور – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_26.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/709725.html

حين علمت ان قطر قدمت مبادرة لحل مشكلة دارفور كان اول ما خطر ببالي سؤالان: اين مصر؟ واين الجامعة العربية؟ ليس لدي تحفظ عن المبادرة القطرية، التي تظل خطوة مرحبا بها في كل الاحوال. لذلك فتساؤلي لا ينصب على الحضور القطري بقدر ما انه يعبر عن الحيرة الممتزجة بالاستنكار ازاء غياب الآخرين. والمبادرة التي تناقلت اخبارها وكالات الانباء تظل نافلة وتطوعا من جانب قطر، اذا ادتها ربحت واذا انصرفت عنها فلا لوم عليها ولا تثريب.

اما الجهد المصري ودور الجامعة العربية فهما من الفرائض التي تخصم من رصيد الاثنتين اذا تقاعستا عن ادائهما. مصر لانها دولة كبرى لها مسؤولياتها ازاء اشقائها في المنطقة، والجامعة العربية لانها قائمة على الشأن العربي ومعبرة ـ في ميثاقها على الأقل ـ عن مصالح واشواق الأمة العربية. حتى يكون تشخيصنا أكثر دقة فإن غياب مصر والجامعة العربية ليس مقصورا على مشكلة دارفور وحدها، وانما هو تعبير عن غياب الاثنتين عن مجمل القضايا العربية المصيرية، الامر الذي احدث فراغا هائلا في الساحة العربية، اغرى دولة مثل قطر بمحاولة سد بعض ثغراته.

وهذه المحاولة تجلت في الوساطات القطرية في لبنان واليمن وفلسطين والصومال واخيرا في السودان. ولا يفوتنا ان نذكر هنا انه حين تعاملت مصر بجفاء مع اسماعيل هنية وقت رئاسته لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، بحيث لم يقابله سوى وزير الخارجية المصري لدقائق معدودة، فإن قطر ارسلت الى القاهرة طائرة خاصة لتحمله الى الدوحة، وخرج اميرها الشيخ حمد بن خليفة لاستقباله في المطار. ومازالت قطر تفتح أبوابها لمختلف الاطراف الفلسطينية، في حين ان مصر تستقبل كل من هب ودب من الشرق والغرب، بمن فيهم رجل مثل سمير جعجع يداه ملطختان بدم الفلسطينيين واللبنانيين، ومازالت ابوابها مغلقة امام قادة «حماس» في غزة، بحيث لم يعودوا يدخلونها الا للقاء مسؤولي الأجهزة الامنية دون غيرهم.

الاجابة عن السؤال «اين مصر؟» لم تعد صعبة، بعدما اصبحت استقالتها من «الدور» امرا شائعا بين المتابعين والمحللين. لكن المشكلة في حالة دارفور انها لا تتعلق بالمكانة فحسب، وانما بالمكان ايضا. اعني انها لا تعد خصما من دور مصر كدولة كبرى فقط، وانما تمس صميم الامن القومي المصري. ذلك ان السودان ليس جيبوتي او موريتانيا في بعدهما الجغرافي عن مصر، ولكنه بلد لصيق بمصر تمر به مياه النيل التي هي شريان الحياة في البلد، بالتالي فإن كل استقرار للسودان يمثل امانا لمصر، وكل اضطراب او قلق له تأثيره السلبي على مصالحها العليا. ان مختلف الشواهد تدل على ان مصر الراهنة تخلت عن دورها الاقليمي، ولم توجه الاهتمام الواجب ازاء امنها القومي، واصبح شاغلها الاول هو وضعها الداخلي، وترتيب انتقال السلطة في المستقبل، الامر الذي ادى الى تراجع كل ما عدا ذلك من اهتمامات.

ايضا لم تعد صعبة الاجابة عن السؤال «أين الجامعة العربية؟» لانك اذا تابعت تحركات امينها العام فستلاحظ انه يتحرك وفق اجندة تفرض اولوياتها حسابات ليست عربية خالصة ولكن دولية ايضا، ففي حين لا تحظى المصالحة العربية او الموضوع الفلسطيني او موضوع دارفور او الاحتراب الاهلي في اليمن باهتمامه، فإننا وجدناه يركز على لبنان والعراق والمشاركة في المحافل الدولية. وهذه ليست مصادفات بطبيعة الحال، ولكنها أولويات تستجيب للضغوط الدولية التي تقودها الولايات المتحدة التي لها حساباتها الخاصة، التي اصبحت اولويات ما سمي بمحور الاعتدال في المنطقة.

وربما كانت هذه «مصادفة» لا تخفى دلالتها، فمادامت الدول العربية الكبرى ملتزمة بإطار تلك الحسابات، فلا مانع من ان تتحرك قطر وتنطلق في أرجاء العالم العربي لتحل مشكلاته.

25 أكتوبر، 2008

معتدلون ومتطرفون

صحيفة الدستور المصريه 24 شوال 1429 – 24 أكتوبر 2008
معتدلون ومتطرفون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_25.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/708849.html

بح صوتي طوال العقدين الأخيرين وأنا أحاول إقناع المهتمين بموضوع التطرف والارهاب بمسألتين. الأولى ان الناس لا يولدون متطرفين او ارهابيين، ولكنهم يصبحون كذلك بفعل عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة. الثانية ان التطرف والارهاب ليسا مقصورين على الافراد والجماعات، ولكن هناك انظمة ومؤسسات رسمية تمارس التطرف والارهاب ايضا وعلينا اذا كنا جادين في مواجهة الظاهرة ان نتصدى لها في مختلف مصادرها ومضامينها.

أعدت هذا الكلام على مسامع باحث جاء الى القاهرة من بروكسل موفدا من احدى الجامعات ليدرس ظاهرة التطرف والارهاب في مصر وبعض الاقطار العربية الاخرى ولاحظت ان الرجل متأثر بالتعبئة الاعلامية بأكثر من تأثره بالدراسات والقرارات التي وقع عليها.

اذ بدا من اسئلته وتعليقاته ان الصورة النمطية للارهابي او المتطرف التي روج لها الاعلام مسيطرة على ادراكه الى حد كبير. فهو يتجه ببصره دائماً الى الجماعات والمنظمات الاهلية، معتبرا ان كل متدين مشروع متطرف او ارهابي، وان اللحية والعمامة والجلباب الأبيض هي من العلامات المميزة للمتطرف، وأبدى اهتمامه بما قلته عن ان هناك انظمة متطرفة، وان سياساتها تسهم الى حد كبير في تفريخ سلوكيات التطرف او الارهاب لدى الناس.

كانت زيارته هي الأولى لمصر، ولذلك وجدت نفسي مضطرا الى ان اشرح له خلفيات كثيرة، منبها الى ان الظاهرة انحسرت في مصر الى حد كبير، وان قدومه لدراستها في الوقت الراهن ينطبق عليه المثل اللبناني الذي يتحدث عن رجل قرر ان يؤدي فريضة الحج في حين بدأ الناس يعودون منه.

قلت له ان ثمة فرقا بين التطرف والارهاب. فالاول وقوف في الطرف وانحياز الى الاشد والأكثر عسرا في التعاليم، وهو اختيار ينحاز اليه المرء فيلزم نفسه به، وقد يلزم محيطه العائلي ايضا. اما الارهاب فهو يمثل مرحلة ابعد كثيراً واخطر وذلك ان الفرد في هذه الحالة يتجاوز محيطه الخاص الى العام، ثم انه في تجاوزه ذاك يلجأ الى العنف في محاولة فرض تشدده او مشروعه على الآخرين.

اضفت ان التطرف يصبح خياراً مطروحا حين تنغلق ابواب الاعتدال وان الارهاب يبرز كخيار في الأفق حين تنسد ابواب التغيير السلمي، وفي الحالتين تبرز البنية الثقافية والسياسية كعنصر مهم ومؤثر الى حد كبير في الجنوح نحو التطرف او الارهاب. الدليل على ذلك ان تيارات التطرف والارهاب تنخر في المجتمعات التي ترفرف عليها رايات الحرية والتسامح بحيث تصبح شذوذا واستثناء على القاعدة. في حين تنمو وتزدهر في المجتمعات التي تعاني من القهر والقمع. وفي التجربة المصرية فإن جماعات التكفير والتغيير بالعنف ولدت داخل السجون، وكانت من اصداء سياسة القهر وعمليات التعذيب التي طالت الناشطين.

لفت نظر صاحبنا الى اننا في مصر نعيش وضعا تراجعت فيه جماعات التطرف والارهاب، في حين ظلت السلطة مصرة على موقفها المتشدد الذي يتجلى في لجوئها الى القمع وممارسة العنف في التعامل مع الناشطين، وكثيرة هي المرات التي يحاول فيها الناشطون التعبير عن آرائهم بالتظاهر او الاعتصام او المشاركة في الانتخابات في ظل القانون ومن خلال القنوات الشرعية. ولكن هذه المحاولات لا تقابل من جانب الاجهزة الامنية الا بأساليب البطش التي تتراوح بين الاعتداء بالضرب والاعتقال والمحاكمة. وهو ما يضعنا امام مشهد يمارس فيه الناشطون اعتدالا يلتزمون فيه بحدود القانون، في حين تمارس اجهزة الأمن تطرفا وارهابا يعتدي على القانون وينتهك أبسط حقوق الانسان.

24 أكتوبر، 2008

لماذا أوباما وليس ماكين؟

صحيفة الدستور المصريه الخميس 23 شوال 1429 – 23 أكتوبر 2008
لماذا أوباما وليس ماكين؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_24.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/708076.html

لا أخفي تعاطفي مع المرشح الديموقراطي باراك أوباما، رغم انني لست طرفا في معركته، كما ان صوتي لا يقدم أو يؤخر في حظوظه، واذ لاحظت ان الرجل يحظى بتأييد واسع في بلادنا، فإنني حاولت ان اتحرى السبب في ذلك. صحيح ان ثمة اهتماما عالميا بالانتخابات الرئاسية الأميركية، يرجع إلى قمة الحضور الاميركي في الساحة الدولية والى تأثير الاعلام الاميركي في العالم الخارجي، اضافة إلى الاسلوب المتبع في اجراء الانتخابات الرئاسية، الذي يستغرق امدا طويلا، ويعرض المرشحون مناظرات واختبارات تجذب اهتمام الجميع، إلا أن هذه اسباب تفسر بدرجة أو أخرى الاهتمام العالمي بأي انتخابات اميركية، لكنها لا تجيب عن السؤال: لماذا الانحياز إلى أوباما في العالمين العربي والاسلامي؟

أزعم أن من أهم الأسباب التي جعلت الاغلبية في عالمنا تؤيده انه بديل عن الرئيس الحالي دبليو جورج بوش، اعني ان الرصيد السيئ للرئيس الحالي - لا تفهمني خطأ من فضلك - دفع الاغلبية إلى الترحيب بأي بديل له، ليس بالضرورة حفاوة بأوباما ولكن كراهة في بوش، والى عهد قريب فإن سمعة الرئيس بوش كانت قد وصلت إلى الحضيض في العالمين العربي والاسلامي، وجاء الانهيار المالي في الولايات المتحدة ليجهز على ما تبقى للرجل من رصيد داخل بلاده ذاتها، وهذا الرصيد البائس الذي خلفه بوش وبطانته لم يعبئ الناس ضده فحسب، ولكنه ألقى بظلاله على المرشح الجمهوري الذي يريد ان يخلفه.

وأستبعد ان يكون لونه الاسود وأصوله الافريقية، وكونه ينتمي إلى الأقلية العرقية، من العوامل التي أثارت تعاطفنا معه. ورغم انه تنصل من ابيه «حسين»، ولم يفوت فرصة دون ان يعلن انه تعمد كاثوليكيا، وان ولاءه للكنيسة لا شبهة فيه، الا ان وجود الاب في خلفية الصورة ربما كان سببا آخر للتعاطف معه في العالم الاسلامي.

في برنامج أوباما ما يشجع على التصويت لمصلحته، سواء موقفه الداعي إلى التفاوض المباشر بغير شروط مع سورية وايران، أو دفاعه عن الحريات المدنية في داخل الولايات المتحدة، التي انتهكت في عهد بوش بدعوى مقاومة الارهاب، أو التزامه بالانحياز إلى الديموقراطية في تعامله مع العالم الخارجي. وهو الالتزام الذي تحللت منه ادارة بوش، حين غضت الطرف عن انتهاكات حقوق الانسان في بعض الدول «الصديقة»، مقابل تضامنها معه في الحرب المزعومة ضد الارهاب.

هذه العوامل تجعلنا نتعاطف مع الرجل ونتمنى له الفوز في الانتخابات، لكن النقطة الوحيدة التي لا نستطيع ان نراهن عليه فيها هي موقفه من إسرائيل، ذلك انه يمكن ان يختلف عن بوش فيما سبق من عناوين، وفي غيرها ايضا، الا ان مصلحة إسرائيل تظل الثابت الوحيد في السياسة الأميركية، مهما اختلفت العهود والميول السياسية، وليس ذلك مجرد استنتاج يتوصل اليه المرء من متابعته لتصريحات الرجل وكلمته امام منظمة «ايباك» التي تمثل اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، ولكن هذا الموقف عبر عنه صراحة اثنان من أركان فريق أوباما للسياسة الخارجية، هما مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة ومارتن انديك الديبلوماسي وسفير أميركا السابق لدى إسرائيل، اذ حين قاما بجولة في الشرق الأوسط اثناء اعدادهما ورقة تتعلق بسياسته ازاء الشرق الأوسط، فإنهما اجتمعا مع نفر من المثقفين العرب الذين أثاروا معهما موضوع إسرائيل واحتلالها الأراضي العربية، ودورها في عدم استقرار المنطقة، وكان ردهما حين سمعا الكلام ان كل شيء يمكن مراجعته في برنامج الرئيس الجديد، باستثناء الموقف من إسرائيل، وبالتالي فلا داعي لطلب المستحيل والتعلق بأمل لا يمكن تحقيقه.

هذا الكلام صحيح من وجهة النظر الاميركية، لكننا نعرف أنه في السياسة لا يوجد «آخر كلام»، وانما بوسع صاحب أي قضية أن يكسبها اذا توافرت له عناصر القوة التي تمكنه من تحقيق مراده، من هذه الزاوية فالعيب ليس في أوباما، ولكنه في «جماعتنا» الذي فرطوا في اسباب القوة، واختاروا ان يتسولوا الحق لا ان يقرضوه أو ينتزعوه.

23 أكتوبر، 2008

من يجرؤ على المنافسة؟

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 22 شوال 1429 - 22 أكتوبر 2008
من يجرؤ على المنافسة؟ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_23.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/707256.html

الحكم والسياسة في تونس مشغولان بقصة تجدد في اذهاننا صورة الديموقراطية المزورة في العالم العربي، التي تحرص على الاجراءات والاشكال والديكورات في حين لا تبقي على شيء من القيم الديموقراطية ووظائفها.

خلاصة القصة أن تونس تستعد لانتخابات رئاسية في شهر نوفمبر من العام القادم. ولأن هذه الانتخابات يراد لها ان تكون تجديدا لبيعة الرئيس الحالي زين العابدين بن علي، الذي يحكم البلاد منذ عام 1987، فالمطلوب أن يتنافس على المنصب مع آخرين. بشرط واحد أن يكون هو الفائز في نهاية المطاف.

ولأن هذا الفيلم يتكرر منذ واحد وعشرين عاما، فإن الإخراج هذه المرة اختلف قليلا، حيث سمح لزعماء الأحزاب وحدهم بالترشح للانتخابات، ورغم أنهم مواطنون شأنهم شأن غيرهم ممن ينبغي ان تتاح لهم فرصة التنافس على المنصب، إلا أن تعديلا دستوريا نص على ان يكون الترشح مقصورا على رؤساء الاحزاب، ولأن هذه النصوص يجري تفعيلها على أيدي «الترزية» الذين أصبحوا يحتلون موقعا متميزا في عالم السياسة والقانون، ولابد أنك سمعت برواج بضاعتهم في مصر وغيرها، فقد أريد بهذا النص استبعاد أحد أبرز المعارضين للرئيس بن علي، هو السيد احمد نجيب الشابي الرئيس السابق للحزب الديموقراطي التقدمي المعارض.

مع ذلك، فقد رشح الشابي نفسه منافسا للرئيس، وبدأ في تنظيم حملته الانتخابية رغم أنف السلطات التي فرضت حصارا عليه واتخذت تدابير عدة لتأديبه لأنه تجرأ وحاول أن يخرج عن النص المكتوب للفيلم الانتخابي. اقام الشابي موقعا لحملته الانتخابية على شبكة الانترنت، وعلى احدى صفحات الموقع نشر صورا للشخصيات التي تزكيه وتسانده، كان من بينها صورة له والى جواره نقيب الصحافيين الحالي ناجي البغوري، الأمر الذي أربك السلطات التونسية وأثار حفيظتها.. لماذا؟ لأن الحكومة وهي تحكم قبضتها على المجتمع، فإنها حرصت على أن تكون قيادات المجتمع المدني من رجالها الموثوق بهم. وهو تقليد متبع في أنظمة الديموقراطية العرجاء، التي ترحب بمؤسسات المجتمع المدني في العلن، لكنها تلحقها بالحكومة في السر.

المشكلة التي فجّرتها الصورة يختزلها السؤال التالي: كيف يكون البغوري نقيبا للصحافيين ويظهر في صورة تعطي انطباعا بأنه مؤيد لرجل يعارض الرئيس زين العابدين ويحاول منافسته في الانتخابات؟ ذلك أن النظام يعتبر قيادات المجتمع المدني من رجاله الموثوق بهم، وما أقدم عليه نقيب الصحافيين يخل بهذه القصة ويجرح ولاءه للرئيس.

كان حل الإشكال بسيطا، أن يُضغط على ناجي البغوري لكي يصدر بيانا يتبرأ فيه من الصورة، ويعلن على الملأ أنه لم يرتكب جرم تأييد منافس للرئيس وهو ما حدث. ذلك أن الرجل ما لبث أن أصدر بيانا جرى تعميمه وإبرازه في مختلف وسائل الإعلام قال فيه: فوجئت بحشر صورتي مع السيد أحمد نجيب الشابي في موقع حملته الانتخابية على شبكة الإنترنت ضمن مجموعة من الشخصيات تحت عنوان: «صور مريدي احمد نجيب الشابي»، وتم ذلك دون علم مني، وشدد البغوري في بيانه على أن النقابة تؤكد على عدم وقوفها إلى جانب أي مرشح للانتخابات الرئاسية، استنادا الى استقلاليتها عن كل الاطراف. وبعد اعلان البيان ذكر موقع الشابي أن البغوري تعرض لضغوط من جانب السلطات لكي يعلن عدم مساندته لترشح الشابي، مضيفا «إننا نفهم الضغوطات التي تعرض لها ونقدر موقفه».

انتهى المشهد عند هذا الحد، لكن عرض الفيلم الديموقراطي لايزال مستمرا، حيث يتقدم الرئيس زين العابدين بن علي قائمة المرشحين، معلنا على الملأ أنه يرحب بالمنافسة، وأنه مصرّ على نزاهة وشفافية الانتخابات، والاحتكام الى صناديق الانتخابات، في الوقت ذاته تقف العناصر الوطنية والديموقراطية حائرة ومترددة، لأنها تعرف جيدا أن النتيجة معلومة سلفا، وأن منافسة الرئيس باهظة التكلفة، وان الثمن فيها يدفع بلا مردود.

إن الفيلم معروض في أغلب العواصم العربية، وحتى الآن فإنه حقق نجاحا كبيرا، رغم أنه حافل بالمشاهد الفاضحة!

22 أكتوبر، 2008

في التحرش الجنسي والسياسي

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 21 شوال 1429 - 21 أكتوبر 2008
في التحرش الجنسي والسياسي– فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_22.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/706402.html

أصبحت قضية التحرش الجنسي موضوعا للحوار اليومي في وسائل الإعلام المصرية بعد الذي جرى أثناء عيد الفطر، حيث تجمع بضع عشرات من الشبان في إحدى ضواحي القاهرة، وتهجموا على بعض الفتيات العابرات، ولم تكن هذه هي المرة الأولى، لأن القاهرة شهدت حادثا مماثلا في العام الماضي، ذلك غير الممارسات الفردية التي تقع بين الحين والآخر، وهو ما دعا البعض إلى اعتبار التحرش الجنسي ظاهرة عامة في مصر حتى إن إحدى المنظمات النسائية ركبت الموجة، وبالغت كثيرا في الأمر، وذهبت إلى أن ثلثي الرجال في مصر مارسوا التحرش، وأن ٪83 من النساء تعرضن له.

وهي أرقام مشكوك في دقتها، لأن التقديرات العالمية تشير إلى أن ما بين 20 و40 ٪ من النساء يتعرضن للتحرش في أكثر المجتمعات انفتاحا، ولا يعقل أن تصل نسبة النساء اللائي يتعرضن للتحرش في مصر إلى 83 ٪ رغم أنها بلد محافظ بصورة نسبية. وقد وجدت أن د.هدى بدران خبيرة العلوم الاجتماعية ورئيسة رابطة المرأة العربية تشاركني ذلك الشك، حين أعلنت عن رأيها المعارض لتلك الأرقام في أكثر من محفل ومناسبة.

لست في وارد مناقشة النسبة، لكن ملاحظتي الأساسية على المناقشات التي دارت حول الموضوع أنها ركزت على بعض الجوانب من دون غيرها في الموضوع فقد تحدث البعض عن معاناة شبابنا من الكبت الجنسي، وعن الإثارة في الأزياء وفيما تعرضه وسائل الإعلام من أفلام ومسلسلات تحريضية، وتحدث آخرون عن النظرة الذكورية التي تهيمن على المجتمع. وطالب البعض بتفسير التزامن بين انتشار مظاهر التدين في المجتمع وتحول التحرش إلى ظاهرة فيه، كما نبه كثيرون إلى أن ثمة قصورا تشريعيا في التعامل مع المشكلة، حيث لا يوجد نص يعاقب على التحرش الجنسي في أماكن العمل أو التحرش من خلال توجيه الألفاظ الجارحة.. إلخ.

هناك أسباب أخرى عامة لم تأخذ حقها في المناقشات الدائرة، منها مثلا انهيار سلطة القانون وضياع هيبة الشرطة، لأن أولئك الشباب الذين يتجمهرون في الشوارع في المناسبات المختلفة لاعتراض طريق الفتيات، لو أنهم يدركون أن في البلد قانونا يطبَّق وشرطة تحمي النظام العام، لما لجأوا إلى ما يقومون به،

من تلك الأسباب أيضا انتشار البطالة بين الشباب، الأمر الذي يجعل التسكع في الشوارع عملا وحيدا يقومون به، منها كذلك غياب دور كل من المدرسة والبيت في التربية والتوجيه، فالمدارس أصبحت لا تعنى بالتعليم (الذي يتم خارجها من خلال الدروس الخصوصية)، كما أنها لم تعد تعنى بالتربية، أما البيت فإن دوره في التوجيه صار معطلا أيضا بسبب استغراق الأب والأم في الركض وراء توفير متطلبات العيش من خلال العمل في الصباح والمساء، الأمر الذي يترتب عليه أن نسبة غير قليلة من الأجيال الجديدة أصبحت تربى إما في الشارع أو من خلال التلفزيون، وما أدراك ما هو؟!

من ناحية أخرى، فإن الاجيال الجديدة من الشباب لم تعد تجد المثل الاعلى الحميد الذي يحتذى. فالصحف حافلة بفضائح النخب ومغامرات عناصرها، كما أن منظومة القيم اهتزت في أعينهم بحيث أصبح لاعب كرة القدم أو المطرب هو النموذج الذي يتطلعون إليه.

ملاحظتي الأخيرة أن اهتمامنا بالتحرش الجنسي في محله، إذا ما أعطي حجمه الحقيقي، ونوقشت فيه الأسباب العامة والخاصة، لكن لم أفهم لماذا لا نولي التحرش السياسي نفس الدرجة من الاهتمام، رغم أن الأول تتعرض له فئات محدودة في المجتمع، في حين أن الثاني يعاني منه المجتمع بأسره، فمثلا في استمرار الطوارئ والمحاكمات الاستثنائية والقمع والمصادرة والتعذيب والانحياز إلى السياسات الغربية في حصار غزة وفي لبنان والعراق،

وهو المنطق المعوج الذي استنكره الشيخ محمد الغزالي ذات مرة حين قال «إن هتك عرض فتاة في بلادنا يقيم الدنيا ولا يقعدها، لكن الاعتداء على شرف الوطن والأمة لا نحرك له ساكنا».

21 أكتوبر، 2008

مراجعات هناك وتراجع هنا- ممنوع

مقال ممنوع من النشر فى الأهرام المصريه ونشر فى الشرق القطريه والخليج الاماراتيه والوطن الكويتيه ومدونة مقالات فهمي هويدي ومدونة مقالات فهمي هويدي

الثلاثاء 21 شوال 1429 – 21 أكتوبر 2008
مراجعات هناك وتراجع هنا- ممنوع -فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_21.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/705711.html

لم يعد هناك شك في أن العالم مقبل على تحولات ومراجعات مهمة، ليس هناك ما يدل على أن العالم العربي سيكون جزءاً منها.
(1) بعض هذه التحولات ماثل تحت أعيننا الآن، فانهيار الاقتصاد الأمريكي، أفقد الولايات المتحدة سيطرتها على الأسواق العالمية، وانهى دورها كقوة اقتصادية عظمى، الأمر الذي فتح باب الاجتهاد في أسس النظام الرأسمالي والفكر الليبرالي، وأعاد إلى الواجهة مبدأ تدخل الحكومات في الاقتصاد وأهمية دور القطاع العام، في حين وجه ضربة قاضية إلى الإدعاء الذي استمر طويلاً، مؤكداً أن الأسواق قادرة على ضبط نفسها بصورة تلقائية.

ما هو اقتصادي في التحولات والمراجعات أصبح معلوماً للكافة، من خلال الكتابات اليومية والحوارات المفتوحة حول الأزمة الراهنة واحتمالاتها، التي أعادت إلى الأذهان شبح أزمة الكساد الكبير الذي ضرب الولايات المتحدة عام 1919م، كما أعادت مناقشة أفكار كارل ماركس في كتابه "رأس المال"، وكتاب أوزوالد شبنجلر حول "أفول الغرب".

إلى جانب مناقشة الأفكار فإن مراجعات السياسات شملت جانباً يهم العالم العربي، ودوله النفطية بوجه أخص. ذلك أن الأزمة التي تمر بها الولايات المتحدة. فتحت أعين خبرائها على أهمية إعادة النظر في سياسة الاعتماد على النفط المستورد الذي وصلت أسعاره في النصف الأول من العام الحالي إلى معدلات أثقلت كاهل المواطن الأمريكي. ذلك أن الولايات المتحدة تستهلك ما يزيد على 20 مليون طن برميل يومياً، يتم استيراد 12 مليوناً منها. ووفق الأسعار التي سجلت في النصف الأول من العام الحالي (2008) فإن الولايات المتحدة ظلت تحول لحساب الدول المصدرة للنفط حوالي بليون و300 مليون دولار في اليوم. أي ما يعادل 475 مليار دولار في السنة. الأمر الذي نبه الخبراء إلى أن ذلك وضع يتعذر استمراره خصوصاً ان الأزمة مرشحة للاستمرار لعدة سنوات قادمة.

هذه الخلفية الضاغطة على الاقتصاد والسياسة في الولايات المتحدة، دفعت المخططين إلى التحذير من خطورة استمرار الوضع الراهن، والدعوة إلى الإقلال من الاعتماد على النفط المستورد، الذي يعلم الجميع أن عمره محدود (لا يتجاوز ما بين عقد أو عقدين). ذلك أنه إلى جانب الضغط على الموازنة الأمريكية، فإن الخبراء الأمريكيين تحدثوا عن أن المبالغ الكبيرة التي تحول إلى الدول المنتجة للنفط وفرت لها قوة اقتصادية، جعلتها قادرة على تحدي الإدارة الأمريكية. على الأقل فذلك حدث مع روسيا وفنزويلا وإيران.
وللدبلوماسي الأمريكي المخضرم ريتشارد هولبروك مقالة مهمة في هذا الصدد، نشرتها مجلة السياسة الخارجية (فورين افيرز) في عدد أول سبتمبر الماضي. (للعلم فإن عدة شركات كبرى لصناعة السيارات أعلنت أنها خلال سنتين أو ثلاث ستنتج سيارات تعمل بالطاقة الكهربائية ولا تعتمد على النفط، في مقدمة هذه الشركات فولكس واجون ورينو وشيفروليه و بي. ام.دبليو)
(2) في بداية الشهر الحالي قدم بول وولفويتز رئيس مجلس مستشاري الأمن الدولي بالخارجية الأمريكية ونائب وزير الدفاع السابق دراسة وقع عليها 17 من الباحثين في الشؤون الاستراتيجية، تحدثت عن أن الصين تمثل التحدي الحقيقي والخطر الذي يهدد الولايات المتحدة في القرن الحالي. واستندت في ذلك إلى التنامي الملحوظ في موازنتها وقدرتها العسكرية والتقدم الذي أحرزته على صعيد التسلح النووي (ذكرت الدراسة أن لدى الصين مائة رأس نووية على الأقل)، إضافة إلى محاولتها الانتشار خارج حدودها من خلال قواعدها العسكرية ومشروعاتها الاقتصادية وهذا التحذير من القوة العسكرية الصينية لم يغفل قوتها الاقتصادية المتعاظمة.
هذه الإشارة إلى دور الصين و"خطرها"، حين يتبناها رجل من مهندسي غزو العراق ظل طول الوقت يحذر من خطر الإرهاب، ويعتبره التحدي الأكبر للولايات المتحدة، تعني فيما تعني أن ثمة تحولاً في ترتيبات الأولويات في دوائر صنع القرار الأمريكية. علماً أننا سمعنا هذا العام تصريحات أمريكية تحدثت عن أن الحرب ضد العراق اختارت الجبهة الغلط في مواجهة الإرهاب، وأن مخططي تلك الحرب كان ينبغي أن يتجهوا إلى أفغانستان وليس العراق.
وفي الوقت الذي تطلق فيه تلك التصريحات لتغطية الانسحاب الأمريكي من العراق. ومحاولة الخروج من مستنقعه، فإن الدول الأوروبية تبذل جهداً موازياً للخروج من مستنقع أفغانستان، وسحب قواتها من ذلك البلد الذي تورطت قواتها فيه أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وما برحت تبحث عن مخرج من هذه الورطة.
مثل هذه الإشارات إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الحرب على الإرهاب لم تعد تمثل أولوية فى الأجندة الغربية. وهو ما تم التوصل إليه من خلال المراجعات التي تمت في دوائر صنع القرار في عواصم الغرب.
من التحولات المهمة التي شهدها العام الحالي أيضاً عودة الروح إلى الدور الروسي، الذي توارى خلال السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي. وهذه العودة تمثلت في الجهد المبذول لتحديث القوات المسلحة، والإعلان عن إطلاق صاروخ بعيد المدى قادر على اختراق أنظمة الدفاع الأمريكية. كما تمثلت في حملة التأديب الروسية لجورجيا، وذهبت إلى حد إجراء مناورات روسية فنزويلية، وتحرك موسكو في أمريكا اللاتينية لدرجة دفعت نائب رئيس الحكومة الروسية إيجور سيشين إلى توجيه ”نصيحة“ إلى واشنطن دعاها فيها إلى الكف عن الاعتقاد بأن أمريكا اللاتينية هي بمثابة "حديقة خلفية" للولايات المتحدة، ترتب لها حقوقاً خاصة فيها. إلى غير ذلك من الشواهد التى لا تعيدنا حقاً إلى سنوات الحرب الباردة، ولكنها على الأقل لا تعزز احتمالات تحقيق الوفاق الدولي وتقسيم مناطق النفوذ بين الجانبين.
(3) يتعذر على المرء أن يستعرض فى الحيز المتاح مختلف مظاهر التغير في الخرائط السياسية وموازين القوى التي تتحرك في ظلال الأزمة الاقتصادية الراهنة، لكن أكثر ما يعنينا فيها أمران، أولهما وجودها كحقيقة تتشكل على الأرض، وثانيهما تأثيرها على العالم العربى. أما الأولى فقد ثبتت شواهدها بالفعل. وما ذكرته تواً يمثل بعض مظاهر ذلك الوجود. وأما الثانية فهي ما تحتاج منا إلى بعض التحليل، الذي يساعدنا على المضي فيه الملاحظات التالية:

إن الولايات المتحدة ما زالت تتعامل مع العالم العربي باعتباره حديقة خلفية لها. تتمتع فيه بكلمة مسموعة تفوق في تأثيرها كلمتها في أمريكا اللاتينية. عند الحد الأدنى فإن الخرائط السياسية في أمريكا اللاتينية. أفرزت مجموعة من الأنظمة التي جهرت بتمردها على الإملاءات الأمريكية، حتى مدت جسورها مع موسكو على النحو الذي سبقت الإشارة إليه، في حين أن العالم العربي لم يشهد تطوراً مماثلاً، حيث تظل "موالاة" السياسة الأمريكية هي الأصل، حتى أصبحت بعض الخطوات والتحركات السياسية التي تتم في العالم العربي محكومة بطبيعة الأضواء الصادرة من واشنطن، وما إذا كانت حمراء أم خضراء أم صفراء. وهو ما تجلى مثلاً في القمة العربية بدمشق، التي كان لواشنطن رأيها حتى في مستوى تمثيل بعض الدول العربية بالمؤتمر.

إن العلاقات المتأرجحة بين واشنطن وموسكو لها تأثيرها في خرائط المنطقة. فإذا اتجهت إلى التفاهم فإن ذلك قد يؤدي إلى الاعتراف بالمصالح الاستراتيجية لروسيا مع بعض الدول ذات العلاقات التاريخية معها. مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر. أما إذا اتجهت تلك العلاقات إلى التفاقم والتخاصم. فإن ذلك سيدفع موسكو إلى التصرف بصورة منفردة ومحاولة إثبات وجودها بوسائل أخرى، بحيث تعود روسيا إلى تعزيز وجودها في قاعدة طرطوس البحرية السورية، وإلى مد جسورها مع الجزائر والسودان، وقد تكرر زيارات اسطولها للموانئ الليبية (رغيد الصلح- الحياة اللندنية 16-10)

من الواضح أن السياسة الأمريكية بصدد إجراء محاولة للتفاهم مع عناصر المقاومة في المنطقة التي فشلت في القضاء عليها خلال ما سمي بسنوات الحرب ضد الإرهاب. وهو الحاصل مع حركة طالبان في أفغانستان، والمقاومة المسلحة في العراق، والمحاكم الإسلامية في الصومال. والرسالة الشفوية التي أبلغت إلى حماس في الأسبوع الماضي تدخل في هذا السياق. وهي إذا كانت لا تعد من قبيل الضوء الأخضر بسبب التحفظات الاسرائيلية، إلا أنها تمثل ضوءاً أصفر عند الحد الأدنى.

إن الإدارة الأمريكية الراهنة تتأهب لإخلاء البيت الأبيض للوافد الجديد الذي سيتم انتخابه في الشهر القادم، وإذا صحت التوقعات بفوز المرشح الديمقراطي باراك أوباما، فأغلب الظن أن سياسة المواجهة العسكرية التي اتبعها الرئيس بوش سوف تتراجع، لتحل محلها سياسة التفاهم المباشر أولاً. وهو ما أعلنه أوباما فيما يخص إيران وسوريا على الأقل.
فى كل الاحوال فان الموقف الامريكى من الصراع العربي - الإسرائيلي لن يتغير في جوهره ومقاصده، وما قد يتغير هو وسائله فقط. وهذه هي الرسالة التي نقلها إلى الأطراف المعنية بعض أعضاء فريق أوباما للسياسة الخارجية، الذين قاموا بجولة في بعض العواصم العربية في بداية العام، أثناء إعدادهم لبرنامج أوباما فيما يخص السياسة الخارجية.
(4) فيما هو ظاهر على الأقل، فلا تكاد توجد دلائل على أن فكرة "المراجعة" واردة في الخطاب السياسي العربي، سواء فى الشأن الداخلي او الخارجى. أذ يظل السكون سيد الموقف، او الجمود ان شئت الدقة. ذلك أن المراجعة لا تنطلق من فراغ، ولكنها ثمرة تفاعل الخلايا الحية في جسم المجتمع. وهي الحيوية التي توفر للمجتمع قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات وكفاءة في تجاوزها، وتحويل الصدمة إلى فرصة كما يقول الصينيون. لهذا السبب فإنني لست مع المهللين الذين احتفوا في العالم العربي باعصار الانهيار الاقتصادي. وقلت في مقام آخر ان المجتمعات الغربية تتمتع بحيوية تمكنها من تجاوز الأزمة، وان الذين يجيدون السباحة لا يخشى عليهم من الغرق. وان الفرق بيننا وبينهم أننا لا نجيد السباحة، ولا نريد ان نتعلمها. ولذلك فإننا سرعان ما نغرق في شبر المياه، كما يقول المثل العامي في مصر. يجب الا ننسي أن الخائبين وحدهم الذين يعلقون نجاحهم على سقوط غيرهم، لأنهم في هذه الحالة يعتبرون انتظار المصادفات السعيدة خيارهم الوحيد. وهو خيار العاجزين والمفلسين في كل حين.

قال لي مسؤول أمريكى متقاعد من وظيفته الحساسة انه حضر في واشنطن حلقة مناقشة حول الأوضاع السياسية في أهم الأقطار العربية، واشترك في المناقشة مسؤول أمني كبير في تلك الدولة. وبعد استعراض الخيارات المختلفة التي طرحت أفكاراً عن المشاركة والاحتواء. جاء الدور على المسؤول العربي الذي كان من رأيه أنه لا سبيل إلى تحقيق شيء من ذلك، وحين سئل ما العمل إذن؟ كان رده أن الاستئصال هو الحل، ولا بديل عن استمرار العمل للقضاء على تلك الفئة العصية على الاخضاع. وهو ما فوجئ به المحاورون، فتبادلوا النظرات وانهوا الجلسة في هدوء.

إن الجمود السياسى في أجواء الحركة السريعة التي يشهدها العالم في تحولاته ومراجعاته لا يعد استقراراً ولا ثباتاً، ولكنه يخرجنا من موقع الفعل إلى دائرة الصدى. ثم إنه يصبح تراجعاً وارتداداً إلى الوراء، يوسع المسافة ليس فقط بيننا وبين المجتمعات التى تنشد العافية وتتحرى اسبابها، ولكن أيضاً بين المجتمعات والأنظمة في بلادنا ذاتها.

20 أكتوبر، 2008

حضور أفضل منه الغياب

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 20 شوال 1429 - 20 أكتوبر 2008
حضور أفضل منه الغياب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_20.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/705414.html

لا أستطيع أن أفترض البراءة في الحضور المصري الملحوظ في بيروت خلال الأسابيع الأخيرة، الذي تمثل في زيارات بعض الشخصيات اللبنانية المثيرة للجدل للقاهرة «جعجع - جنبلاط».. وزيارة وزير الخارجية المصري للعاصمة اللبنانية، كما تمثل في اشتراك شيخ الأزهر والمفتي في افتتاح أكبر مسجد أقامه الحريري في وسط بيروت.. بذات القدر فإنني لا أستطيع أن أفترض البراءة في الحضور المصري المفاجئ في بغداد، الذي تزامن مع وصول ممثل للجامعة العربية وعدد آخر من سفراء الدول العربية إلي العاصمة العراقية.
لي أكثر من حجة تؤيد شكوكي، أولاها، أن الأصل في العمل السياسي بشكل عام هو عدم البراءة، حيث علمتنا خبرات طويلة أنه لا شيء في السياسة المعاصرة يتم لوجه الله، وإنما لابد أن يكون هناك غرض وقصد يرمي إليه القرار السياسي، نبيلاً كان أو شريرًا..
حجتي الثانية، أننا في مصر نفتقد إلي الهمّة في الأداء الدبلوماسي بشكل عام ومع العالم العربي بوجه خاص، ذلك أن مصر منذ وقعت اتفاقيات كامب ديفيد قبل ثلاثة عقود ضعفت علاقاتها مع العالم العربي، في حين ارتفعت فيها الأصوات الداعية إلي الانكفاء علي الذات، وإعطاء الأولوية للشأن الداخلي ، وهي النغمة التي تزايدت في السنوات الأخيرة، حتي أفرزت في نهاية المطاف مدرسة في الخطاب السياسي ترفع شعار «نحن أولاً ولا شأن لنا بالآخرين» وكانت نتيجة ذلك أن خرجت مصر من ساحات عمل كثيرة في العالم العربي، حتي غدا حضورها أمراً استثنائيًا يثير الحيرة والتساؤل.
الحجة الثالثة التي أستند إليها في شكوكي؛ أن أكثر ملفات المنطقة الحساسة تُحسم خارج إطار وزارة الخارجية، وتصدر في شأنها التوجيهات من جهات عليا، ينسحب ذلك علي ملفات سوريا ولبنان والسودان وفلسطين وليبيا وإيران.
الحجة الرابعة، أن مصر بعدما استقالت من دورها كدولة رائدة في المنطقة العربية وكشقيق أكبر للجميع نأت بنفسها بصورة تدريجية عن تحمل مسئوليات الموقعين وتحولت إلي طرف في مشكلات العالم العربي ينحاز في الصراعات ولا يستعلي فوقها، وهي لم تقف عند ذلك الحد، وإنما أصبحت أغلب قراراتها وثيقة الصلة بحسابات وضغوط الدول الكبري ذات المصالح في العالم العربي.
لهذه الأسباب فإنني لم أستطع أن أفسر تنشيط الدور المصري في لبنان والعراق بمثابة يقظة مفاجئة، أرادت من خلالها مصر أن تستعيد حضورها بعد طول غياب، ذلك أن أي مراقب للشأن العربي لا يستطيع أن يقتنع بوجود تلك اليقظة في بلدين عربيين بالتحديد، في حين ينتفي ذلك الوجود في ساحات أخري تمس صميم الأمن المصري، والسودان ودارفور نموذج له دلالته في ذلك.
حين استوضحت الأمر ممن أعرف من الخبراء قيل لي صراحة إن التحرك المصري ليس خالصًا حقًا لوجه الله، ولا استهدف تحقيق المصالح العربية العليا، ولكن الهدف منه هو مواجهة الحضور الإيراني المادي في العراق والسياسي في لبنان، وأن الحاصل مع لبنان بوجه أخص أريد به أيضًا تعبئة الجماهير اللبنانية والسُّنية في المقدمة منها لمساندة فريق «14آذار» الموالي للغرب الذي يقوده سعد الحريري وسمير جعجع ووليد جنبلاط وآخرون، خصوصًا أن الجميع يحشدون صفوفهم الآن استعدادًا للانتخابات التي ستجري في شهرمايو من العام القادم، من ثم فإن افتتاح مسجد الأمين في بيروت كان في حقيقته مهرجانًا انتخابيًا لفريق «14 آذار»، استخدم فيه شيخ الأزهر ومفتي مصر.
قيل لي أيضًا إن ترتيب تلك الزيارات تم استجابة لضغوط سعودية، نجحت في التغلب علي التردد المصري في استقبال سمير جعجع زعيم القوات اللبنانية، بسبب سجله الحافل بجرائم القتل التي مارسها ضد اللبنانيين «رشيد كرامي و 29 ضابطًا معه» وضد الفلسطينيين في مذبحة صبرا وشاتيلا ، إضافة إلي تآمره مع الإسرائيليين ضد عناصر المقاومة.
إن الحضور المصري في بغداد وبيروت اعتبر خصمًا من رصيد مصر وليس إضافة إليه، لأنه من قبيل الحضور الذي يغدو الغياب فيه أفضل وأكرم.

19 أكتوبر، 2008

أبوالغيط مرة أخرى

صحيفة الدستور المصريه الأحد 19 شوال 1429 – 19 أكتوبر 2008
أبوالغيط مرة أخرى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_8979.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/704415.html

كلما تكلم السيد أحمد أبو الغيط ـ وزير الخارجية ـ عن الشأن الفلسطيني وضعت يدي علي قلبي، وتمنيت أن يتحدث كرجل يشرف الدبلوماسية المصرية ويحفظ لها مقامها، إذ منذ قال الرجل تعليقاً علي اجتياز الفلسطينيين المحاصرين في غزة معبر رفح إن من يدخل إلي الحدود المصرية بذلك الأسلوب ستكسر رجله، وأنا أتوجس شراً من حديثه في الموضوع الفلسطيني، وتضاعف هذا الشعور عندي عندما نقل إليّ صديق أن السيد أبو الغيط قال في مقام آخر إنه يريد أن يتراجع عن حكاية كسر الرجل، مفضلاً أن يتحدث عن كسر الرقبة، لأن الرجل يمكن جبرها وعلاجها، أما كسر الرقبة فهي القاضية!
لست متأكداً من هذه المقولة الأخيرة، وإن كنت لا أستبعدها ـ للأسف الشديد ـ لأنه في حديث الأول لم يكن ودياً علي الإطلاق، حيث دفعنا إلي إساءة الظن بموقفه، خصوصاً حين تذكرنا أن إسحاق رابين ـ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ـ قال شيئاً من هذا القبيل، حين تحدث عن تكسير عظام الفلسطينيين أيام الانتفاضة.صدمتنا في كلام السيد أبو الغيط تكررت في الحوار الذي أجرته معه قناة الـ «بي بي سي» العربية، واعتبر فيه أن حركة حماس لا شرعية لها في قطاع غزة، وأن مصر هي البلد الوحيد القادر علي تحقيق الوساطة بين الفلسطينيين، وأن من يبحث عن وساطة غير مصرية لا يفكر إلا في الدولار الأمريكي وما سيجنيه من ربح مادي نتيجة لذلك، ووصف موقف حماس في موضوع إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المختطف جلعاد شاليط بأنه تعبير عن التشدد، كما أنه جزء من مناورة سياسية تقوم بها.
استغربت كلام السيد أبو الغيط لأنه احتفظ بموقفه المخاصم وغير المحايد في الموضوع، وأحد أسباب الاستغراب أن الرجل قال هذا الكلام في الوقت الذي تحاول فيه مصر أن ترتب أمر المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، خصوصاً فيما بين حركتي فتح وحماس، ذلك أن أحد أبسط شروط نجاح الوساطة أن يكون الوسيط محايداً، ومحتفظاً في العلن علي الأقل بمسافة واحدة إزاء كل الأطراف، لكن السيد أبو الغيط أطاح بكل ذلك، وتبين بالكامل موقف أركان السلطة الفلسطينية في رام الله، ما قاله لم يختلف إطلاقاً عما يتحدث به الغلاة في حركة فتح.
لقد ذكر السيد أبو الغيط أن حكومة حماس في غزة لا شرعية لها، وأنها طردت السلطة الفلسطينية من القطاع، ولا أعرف لماذا تجاهل حقيقة أن في فلسطين المحتلة شرعيتين وليس شرعية واحدة، فأبو مازن منتخب وله شرعية، كما أن حكومة حماس منتخبة بدورها ولها أغلبيتها التي مازالت مستمرة في المجلس التشريعي، وإذا لم يكن السيد أبو الغيط يريد أن يعترف بنتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في عام 2006 فإنه يضع نفسه في مربع واحد مع الجناح المتطرف في السلطة الذي تبني الموقف ذاته منذ اللحظات الأولي لظهور نتائج الانتخابات،

كما أنني استغرب جداً قول الوزير إن حماس طردت السلطة من القطاع، لأن السلطة لايزال معترفاً بها هناك، ولايزال أبو مازن يخاطب ويذكر في وسائل الإعلام بالقطاع باعتباره رئيساً للسلطة، أما الحسم الذي تم فإنه كان موجهاً من الحكومة الشرعية ضد الأجهزة الأمنية التي تآمرت عليها، وأنا أفهم أن يقول هذا الكلام واحد مثل محمد دحلان أو رشيد أبو شباك وغيرهما من قادة الأجهزة التي تآمرت علي الحكومة، لكني لم أفهم لماذا يتطوع به وزير الخارجية المصري،

أما الأكثر مدعاة للدهشة فهو أن السيد أبو الغيط حمّل حماس المسئولية عن تعطيل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير، ولم يذكر شيئاً عن مماطلة إسرائيل ورفضها إطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين، وقد أفهم أيضاً أن تتبني وزيرة خارجية إسرائيل هذا الموقف، لكني عاجز عن فهم العوامل التي أدت إلي صدوره عن الوزير المصري، وفي الفم ماء كثير، أما في القلب فشعور بالخزي والحزن لا حدود له.

18 أكتوبر، 2008

زيارات أم كوابيس

صحيفة الدستور المصريه السبت 18 شوال 1429 - 18 أكتوبر 2008
زيارات أم كوابيس - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_8554.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/703878.html

أتمني أن تقوم جهة ما في مصر برصد أصداء الزيارات التي يقوم بها كبار المسئولين إلي المواقع المختلفة في المحافظات وليت الرصد يكون شفافاً وأمينًا، بحيث يُطلع المعنيين بالأمر «لا نطمع في إخبارنا بطبيعة الحال» علي نتائجها الحقيقية، وما إذا كانت مفيدة أم ضارة

أدري أن الصحف لم تقصر في متابعة تلك الزيارات، بالكلمة والصورة والتعليق الذي يحاول إقناعنا بأنها «فتوحات» في عالم السياسة، لكن هذا النوع من التغطية هو بالضبط ما ينبغي أن ننحيه جانبًا، ليس فقط لأنه في الأول والآخر «كلام جرايد» لا ينبغي أن يُحمل دائمًا علي محمل الجد

وليس فقط لأن الصحف القومية وغيرها من الأبواق الرسمية تنقل إلي الناس ما يريد أن يقوله المسئول الزائر لا ما يريد أن يعرفه القارئ، ولكن أيضًا لأن القائمين علي تلك المنابر ممن لا تجوز شهادتهم في هذا الشأن، لأن شرعيتهم مستمدة من قدرتهم علي تزييف الشهادات السياسية

ما دعاني إلي الخوض في هذا الموضوع أمران أولهما : أنني كثيرًا ما حاولت أن أرصد المجتمعات التي يقوم فيها كبار المسئولين بزياراتهم الميدانية والمفاجئة لمواقع العمل في الظروف العادية، وكانت أهم ملاحظة خرجت بها أنه كلما ضعفت مؤسسات المجتمع كلما كان وجود كبار المسئولين بأنفسهم متكررًا في مواقع العمل، فرئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو حتي الوزير ليس مطلوبًا منه أن يفتتح جسرًا أو يزور مصنعًا أو مستشفي، ولكن يفترض أن هناك جهاز إدارة يباشر التنفيذ، وقيادات محلية تفتتح ومؤسسات شعبية ورقابية تحاسب، أما القيادات العليا فمهمتها سياسية وتخطيطية، ونزولها إلي مواقع العمل لا يحدث إلا في الظروف غير العادية

الأمر الثاني والأهم : أن زيارات المسئولين الكبار في بلادنا تحاط بإجراءات أمنية مبالغ فيها، وبعملية تزييف واسعة النطاق، ذلك أن المسئول لا يلتقي عادة إلا بثلاث فئات من الناس هم : رجال الإدارة الذين يدينون له بالولاء، ورجال الحزب الحاكم لفهم من المهللين والمنتفعين، وعناصر أمن الدولة الذين يرتدون الثياب المدنيةإلي جانب تزوير المستقبلين والمحاورين فإنه يتم أيضًا تزوير الواقع ذاته،

وهوما يذكرنا بقصة السيدة لورا بوش قرينة الرئيس الأمريكي، التي زارت الإسكندرية قبل عامين وتضمن برنامجها تفقد إحدي المدارس، فما كان من مديرية التعليم إلا أن غيرت أعضاء هيئة التدريس والتلاميذ في يوم الزيارة، واستجلبت من مدرسة أخري مدرسات وتلاميذ يليق مظهرهم بمقام الزائرة، وهذا الذي حدث مع الضيفة الأمريكية يتكرر دائمًا مع زيارات المسئولين الكبار، إذ يتم إخفاء العورات وراء أستار عالية، كما يتم طلاء الواجهات، حتي لا يري الزائر ما يؤذي بصره أو يكدر خاطره، وتكون النتيجة أنه لا يري الناس الحقيقيين ولا يري الواقع علي حقيقته، وإلي جانب ذلك فإن رجال الأمن يحولون زيارته إلي كابوس، فيمنعون أناسًا من الخروج، ويحتجزون آخرين في أقسام الشرطة ويغلقون الشوارع التي تعترض الموكب، ويطردون الباعة الجائلين ويغلقون المحال التجارية المطلة علي الشوارع التي يمر بها في حين يطالبون أصحاب السيارات الخاصة بوضعها في أماكن بعيدة وإلا ألقت بها شرطة المرور في الخلاء، حتي إذا غادر الزائر الكبير المدينة أو القرية فإن الناس يتنفسون الصعداء، ويعتبرون ما جري همًا وانزاح

لديَّ رسائل كثيرة عبَّرت عن الضيق بمثل هذه الزيارات، تلقيتها في أعقاب أكثر من زيارة تمت مؤخرًا، الأمر الذي أقنعني بأن الإنجاز الوحيد الذي تحققه دعائي بالدرجة الأولي، وأن أولئك الأكابر لا يخاطبون المجتمع في زياراتهم، ولكنهم يخاطبون الإعلام ويثبتون حضورًا مفتعلاً علي صفحات الصحف وشاشات التليفزيون ، في حين يثيرون سخط الناس، ويبتعدون عنهم ولا يقتربون منهم ويضحكون علي أنفسهم ولا يضحكون علينا، وهو اقتناع أرجو أن تثبت الدراسة المنشودة أنه غير صحيح.

هوان مضاعف

صحيفة الدستور المصريه الخميس 16 شوال 1429 – 16 أكتوبر 2008
هوان مضاعف - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_18.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/703250.html

استغربت الدعوة التي وجهها نائب رئيس جامعة القاهرة، لشؤون البحث العلمي الى العالم المصري الدكتور مصطفى السيد، الذي حصل على أرفع وسام علمي أميركي في علاج السرطان، لكي يستكمل أبحاثه في المعهد القومي للأورام بالقاهرة، وكانت الحجة التي أوردها في دعوته هي مصدر الاستغراب والدهشة، إذ طبقاً لما نشر على لسانه (في 3-10) فإن نائب رئيس الجامعة الدكتور حسين خالد، الذي كان مديراً سابقاً لمعهد الأورام، ذكر أن العالم المصري الأميركي أجرى تجارب علاج السرطان على الحيوانات فقط. وأضاف إن إجراء تلك التجارب الإكلينيكية على الإنسان عملية صعبة في الولايات المتحدة، لذلك فإنه عرض استضافته في القاهرة لكي يجري تجاربه على المرضى المصريين، بمشاركة فريق عمل من أساتذة المعهد.

ولإقناعنا بوجاهة الفكرة وتوافر الفرصة المناسبة لإجراء تلك التجارب ذكر الدكتور حسين خالد ان معهد الأورام مثقل بالمرضى، وأنه يستقبل سنوياً 20 ألف مريض سرطان جديد، إضافة الى المرضى القدامى الذين يتلقون العلاج فيه بانتظام. ظاهر الخبر لا يبعث على القلق فها هو عالم مصري مرموق أجرى أبحاثاً حققت نجاحاً مدهشاً في الولايات المتحدة، ولكن تبين أن ثمة صعوبة تعترض استكمال تلك الأبحاث هناك، فتقدم نائب رئيس جامعة القاهرة لكي يزيل تلك الصعوبة، وعرض عليه ان يواصل عمله الكبير في مصر، التي هي أولى بتشجيعه واحتضانه،

لكن هذه البراءة تتراجع حين يعيد المرء قراءة الخبر مرة ثانية، حيث يدرك ان العالم المصري اجرى تجاربه في الولايات المتحدة على الحيوانات فقط، وحقق نجاحه على هذا المستوى، ولأن مواصلة التجارب على الإنسان هي العنصر الحاسم في إثبات ذلك النجاح، فإنه كان عليه ان يخضع عدداً من مرض السرطان للعلاج الذي اكتشفه، وهذه مسألة ليست سهلة هناك، لأن إجراء التجارب الإكلينيكية على البشر في هذه الحالات له اشتراطات لا أول لها ولا آخر، تدور حول ضمان ألا تتم المخاطرة بحياة المريض بأي ثمن، ليس فقط لأن فشل العلاج الجديد وتعريض أي مريض للوفاة جراء ذلك يمكن ان يحمّل الجهة التي تجري التجارب بتعويضات تصل الى ملايين الدولارات، ولكن ايضاً لأن كرامة الإنسان الأميركي مصونة لا تمس، وقيمته أغلى من أن تجعله حقلاً للتجارب العلمية الخطرة، من ثم فلا غضاضة في إجراء مثل هذه التجارب على الحيوانات، أما الإنسان الأميركي فلا، وإذا كان لابد من إجرائها قبل توفير الضمانات والاشتراطات التي تحمي المواطن الأميركي، فليبحث العلماء عن إنس من جنس آخر أرخص، ويأخذوا راحتهم في إجراء تجاربهم عليه.

الاقتراح الذي قدمه نائب رئيس جامعة القاهرة يرشح المرضى المصريين ليكونوا حقل تجارب العلاج الجديد، والغرض في هذا الصدد صريح ولا يحتمل اللبس ولا يضع قيوداً على التجارب المفترضة سوى موافقة لجان البحوث العلمية المتخصصة ولجنة أخلاقيات البحث العلمي. وهي كما نعلم موافقات تتم على الورق وأحياناً من خلال الاتصال الهاتفي، هو عرض لا يخلو من إغراء، فسعر المواطن المصري أرخص إذا ما قورن بالأميركي، ثم إن مرضى السرطان عندنا كثيرون، والضغط على معهد الأورام يفوق طاقة استيعابه واحتماله، وإذا تمت التضحية ببعض المصابين بالمرض اثناء العلاج فالخسائر لن تكون كبيرة، ولن يزعج ذلك أحدا في السلطة التي ما برحت تشكو من الزيادة المستمرة في عدد السكان.

لست أشك في حسن نية نائب رئيس الجامعة، وأغلب الظن أنه لم يدرك ان اقتراحه يعبر عن الإقرار بدونية المواطن المصري ورخص سعره، وتلك مشكلة بحد ذاتها، لأن الإقرار بالدونية وقلة قيمة الإنسان اصبح أمراً عادياً يسلم به حتى كبار المسؤولين في البلد، وهو أمر يضاعف شعور الواحد منا بالهوان، حين يجد أن التراجع لم يصب حجم البلد ووزنه فحسب، وإنما ضرب قيمة الإنسان المصري ايضاً.

17 أكتوبر، 2008

إهانة للذاكرة الوطنية

صحيفة الدستور المصريه الخميس 16 شوال 1429 – 16 أكتوبر 2008
إهانة للذاكرة الوطنية - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_17.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/702513.html

لو كنا في بلد آخر يحترم نفسه وتاريخه وذاكرة شعبه لحاسب وزير الثقافة وحاكمه سياسياً، هو ومن أذن له بافتتاح معرض في باريس يحتفي باحتلال نابليون لمصر، ويتستر علي الجرائم التي ارتكبها هو وجيشه بحق المصريين، طوال 38 شهراً قضتها حملته البائسة وهي تعيث فساداً في طول البلاد وعرضها.
المشهد يبعث علي الخجل والخزي من نواح متعددة، فالصحف المصرية نشرت في الأسبوع الماضي أن السيد فاروق حسني وزير الثقافة سافر إلي باريس لحضور افتتاح معرض حول نابليون في مصر بعنوان: «أضواء وظلال» وتحدثت عن أن مصر أسهمت بسبع وأربعين قطعة أثرية عن الحياة في مصر قبل وبعد حملة بونابرت، ونقلت الصحف عن مدير معرض العالم العربي في باريس قوله: إن العرض يسجل معالم وصور وآثار المواجهة والتعاون بين فرنسا والعالم العربي خلال الحملة الفرنسية علي مصر في عام 1798.
عنوان المؤتمر لم يكن «أضواء وظلال» لأن العنوان الحقيقي كان «نابليون في مصر» وكلمتا أضواء وظلال كانتا عنواناً فرعياً ولا أستطيع أن أفترض البراءة في إغفال هذه الإشارة، وتعمد تخفيف إيقاع العنوان لدي القارئ والحرص علي ألا يعدم العنوان الأساسي.
أدري أن نابليون لا يزال شخصية أسطورية في فرنسا، وأن أمجاد «الحقيقة والوهمية» العسكرية لاتزال، تلهب الخيال والوجدان لدي الجماهير الفرنسية، علي نحو كاد يطغي علي صورة الرجل الذي ما أن عاد من مصر «في عام 1799» حتي استولي علي السلطة وقمع الحريات العامة، حين ألغي الانتخابات وأغلق الصحف، وتحول إلي ديكتاتور مستبد، قاد بلاده إلي الخراب بعد أن توج نفسه إمبراطوراً.
هذا شأن الفرنسيين، وهم أحرار فيه بطبيعة الحال، لكن نابليون في مصر ليس أكثر من قائد مغامر، احتل البلد واجتاح جيشه مدنه وقراه، ولم يتردد في ارتكاب كل الجرائم الموجهة ضد الإنسانية لكي يضمن لجيشه السيطرة ويعزز قبضته علي البلد المحتل، فقام بتدمير القري وإحراقها وقتل وصلب كل من اعترض طريق جيشه أو رفض الانصياع لأوامره في الجباية أو الاستسلام وفي الوقت ذاته فإن هؤلاء لم يكفوا عن نهب ثروات البلد واغتصاب نسائه، والعربدة في أنحائه، وهذا السجل الأسود عرضته الدكتورة ليلي عنان ـ أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة في ثلاثة كتب صدرت قبل عشر سنوات تقريباً في سلسلة «كتاب الهلال» وقد أقدمت علي تأليفها حين تنادي بعض المثقفين «الفرانكوفونيين في عام 1998 إلي «الاحتفال» بمرور 200 سنة علي الحملة الفرنسية علي مصر، رفض الدعوة التي استفزت أغلب المثقفين الوطنيين، الذين اعتبروا الاحتفال بهذه المناسبة إهانة للذاكرة المصرية وعملا شاذًا ومشينًا، باعتبار أنه لا يمكن بأي معيار أن يحتفل بلد بذكري احتلاله واغتصابه.
الفكرة المهينة والمشينة تغطيها بعض الأكاذيب التي روجت لدور تنويري قامت به الحملة الفرنسية في مصر. وقد ردد نفر من المثقفين تلك الأكاذيب، وأشار إليها وزير الثقافة، حين قال إن الحملة كانت لها جوانبها «المضيئة»، التي مهدت لنهضة محمد علي باشا، وهذه فكرة غاية في الغرابة من حيث المبدأ، لأن الاحتلال يظل جريمة بغرض النظر عن أي «إضاءات» يستصحبها. وبالمناسبة فإن أمثال تلك «الاضاءات» المزعومة كانت الذريعة التي أطلقها الساسة الأوروبيون تبريرًا لاحتلالهم بلادنا، بحجة «تحضيرها». ولذلك أطلقوا علي حملاتهم وصف الاستعمار من العمران، ولا أحد ينكر أنهم فعلوا أشياء إيجابية، وهذه لم تكن لوجه الله ولا لخدمة الأهالي، ولكنها كانت موجهة أساسًا لخدمة جيوشهم وتسهيل إقامتهم وتحركاتهم (السكك الحديدية التي أقاموها دليلاً علي ذلك). وهذا بالضبط ما فعله الفرنسيون في مصر، حين أحضروا معهم مطبعة لطبع منشوراتهم ثم أخذوها معهم أثناء المغادرة، وأسسوا المعهد العلمي ثم أغلقوه أثناء رحيلهم، أما اكتشافهم لحجر رشيد والأحرف الهيروغليفية، فقد تم بالمصادفة التي لم يكن لهم فيها فضل أو قصد.
إن وزير الثقافة أبدي استعدادًا مرنًا لتجاهل ذلك كله، والتغاضي عن إهانة الذاكرة المصرية، لكي يعزز فرصته في الفوز برئاسة اليونسكو، وهو عذر أقبح من ذنب. وخطأ ينبغي ألا يمر دون مُساءلة أو حساب.

16 أكتوبر، 2008

وجع دماغ ديموقراطي

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 15 شوال 1429 – 15 أكتوبر 2008
وجع دماغ ديموقراطي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_16.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/702140.html

حالنا مع الديموقراطية كحال المصريين حين فوجئوا بالحملة الفرنسية على بلدهم في نهاية القرن الثامن عشر،وهي التجربة التي كانت أول احتكاك للغرب بالعالم الإسلامي. ذلك أنهم جميعا بُهروا بأداء الفرنسيين في نظامهم العسكري وتقدمهم العلمي، وقد كان الجبرتي،المؤرخ الشهير، واحدا من أولئك المبهورين، حتى كتب يقول في يوميات الحملة إنه من عجائب الفرنجة أنهم إذا قال لهم كبيرهم «مارش »فإنهم يمشون!

شيء من هذا القبيل نستشعره الآن حين نرى في البلاد الديموقراطية أن رؤساءهم عندما تنتهي ولايتهم يمشون، أو أن هناك مرشحين للرئاسة يُستَدعَون أمام الرأي العام فيُمتحنون ويخُتبرون. أو أن الانتخابات تجري فلا تعُرف نتائجها إلا بعد انتهاء فرز الأصوات، ولا يحُتجز المرشحون المعارضون في المعتقلات والسجون، الى غير ذلك من العجائب التي نقرأ عنها في ذلك الكوكب الآخر الذي لا ننتمي إليه.

ولئن كانت تلك العجائب شائعة في الديموقراطيات المختلفة، إلا أن عجائب الأميركيين تنفرد بأمور لا نظير لها في البلاد الأخرى. من ذلك مثلا أنهم حين تقارب ولاية ساكن البيت الأبيض على الانتهاء، فإن المجتمع ينشغل بمعركة المتنافسين على المنصب، لكن جهاز الإدارة ينشغل بشيء آخر إضافي هو: كيف يمكن ترتيب أمر الفترة الانتقالية ما بين انتخاب الرئيس الجديد في الرابع من شهر نوفمبر وبين تسلمه السلطة قبل ظهر العشرين من شهر يناير التالي؟ وهي مدة 77 يوماً يكون الرئيس المغادر خلالها كالبطة العرجاء، عاجزا عن اتخاذ أي قرار مهم، في حين يظل الرئيس المنتخب واقفا بالباب ينتظر الدخول، بمعنى أن الرئيس القائم يصبح غائباً في حقيقة الأمر، والرئيس القادم لا يكون حاضرا يصرف الأمور على النحو الذي يريد.

صحيح أن ذلك يحدث في كل انتخابات رئاسية، لكن الفترة الانتقالية القادمة أكثر حساسية من أي فترة سابقة بسبب تنامي الهواجس الأمنية لدى الأجهزة الأميركية، بسبب أحداث 11 سبتمبر التي وقعت في مستهل عهد الرئيس بوش الذي تقول التقارير الصحافية إنه وقتذاك لم يكن قد فرغ من تشكيل فريقه للأمن القومي، وإنما كان قد عين 30 ٪ فقط من أعضاء ذلك الفريق رغم مضي ثمانية أشهر على تنصيبه. المرشحان الديموقراطي والجمهوري عُينِّ كل منهما من الآن وقبل شهر من الانتخابات ممثله في قيادة الفريق الذي سيتولى إدارة المرحلة الانتقالية، أوباما اختار جوني بوديستا الذي كان كبير موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وهو أستاذ في القانون، قالت «نيويورك تايمز » إنه أسس مركزا يعد بمنزلة حكومة منفى تنتظر أن يستعيد الديموقراطيون السلطة، أما ماكين فقد اختار لرئاسة فريقه وليام تيمونز صاحب الخبرة الطويلة في ذلك المجال، وكان قد عمل مع كل الرؤساء الجمهوريين قبل ذلك، منذ ريتشارد نيكسون.

ذكرت «نيويورك تايمز » أن مسؤولين في البيت الأبيض اجتمعوا مع ممثلي كل من أوباما وماكين لمناقشة تفاصيل الإجراءات المطلوبة في المرحلة الانتقالية، والتي على فريق المرشح الفائز أن يباشرها فور ظهور النتائج. وكان بوش قد طلب من الكونجرس في فبراير الماضي اعتماد 35 مليون دولار لتمويل المرحلة الانتقالية، بينها 8.5 ملايين دولار لإدارة الخدمات العامة التي توفر المكاتب وأجهزة الكمبيوتر والهواتف ونفقات السفر لفريق عمل تلك المرحلة، ولكن الكونجرس لم يتجاوب مع الطلب، معتبرا أن الرئيس الفائز عليه أن يستخدم التبرعات الانتخابية لتمويل تلك الفترة، وطبقا لقانون الانتخابات فإن كل مرشح مطالب بأن يستخرج تصريحات أمنية لأعضاء محتملين في الإدارة الانتقالية قبل موعد الانتخابات العامة لمساعدتهم في أداء مهمتهم، وقد رشح كل من أوباما وماكين فريقا يضم 100 شخص لهذه الغاية.

وللعلم فإن الرئيس الجديد في الولايات المتحدة عليه أن يعيِّن حوالي 1100 موظف حكومة في أجهزة الدولة المختلفة، لكي يحقق الانسجام بين مختلف العناصر التي تمثل إدارته، وهناك تفاصيل كثيرة في هذا الصدد أرهقتني متابعتها، حتى ضقت بها ذرعا في نهاية الأمر، وأدركت أن الديموقراطية تسبب وجعا حقيقيا للدماغ أراحتنا منه أنظمتنا العتيدة، بحيث أبقت على كل شيء ساكنا ومحنطا، في البيت الأبيض وفي فريق العمل.

15 أكتوبر، 2008

مراجعات رأسماليه

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 14 شوال 1429 – 14 أكتوبر 2008
مراجعات رأسماليه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_15.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/700638.html

إن القطاع العام المحبط والذي لا يحظي بما يستحقه من اهتمام وتمويل، بحاجة لأن يعاد النظر في وظيفته ودوره من جديد، علي نحو يثبت حضوره، ويرد إليه اعتباره وكبرياءه، لأن التجربة أثبتت أن هناك مهام معينة لا يمكن أن تتحمل مسئوليتها سوي الحكومة، هذه العبارة لم يقلها ماركسي أواشتراكي، أو واحد من أعداء الرأسمالية والشامتين فيها، ولكنها صادرة عن «فرانسيس فوكوياما»، أستاذ الاقتصاد السياسي، والمفكر الأمريكي البارز، الذي ذاعت شهرته خلال السنوات الأخيرة، منذ أطلق مقولته عن «نهاية التاريخ» في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وقد جاءت كلماته تلك في مقالة نشرتها له مجلة «نيوزويك» في عددها الأخير «14/10»حول دروس وعبر انهيار الاقتصاد الأمريكي.
هذا الرأي الذي يطالب باستدعاء القطاع العام ويشدد علي أهمية تدخل السلطة في المجال الاقتصادي، نموذج للمراجعات الحاصلة الآن في تقييم التجربة الرأسمالية، والتي امتدت لتشمل فكرة العولمة إلي جانب إعادة النظر في مجمل التفكير الاقتصادي الذي ساد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وهي المراجعات التي تتفق علي أن الصورة التقليدية للرأسمالية التي تنطلق من أن السوق يصحح نفسه بنفسه لم يعد لها محل الآن، تمامًا بقدر ما أن تدخل الدولة في الاقتصاد أصبح أمرًا مسلمًا به.
وإذا كان هناك اتفاق علي أن «الأصولية الرأسمالية» أثبتت فشلها، إلا أن صيغتها الجديدة أوالمعدلة لم تتبلور بعد، وسيكون هذا الموضوع هو محور دراسة المنتدي العالمي لإعادة النظر في الرأسمالية، الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي ساركوزي.
كما انطفأت فكرة الرأسمالية المفرطة، وانهارت سمعة الاقتصاد الأمريكي، فإن فكرة العولمة التي ظل كثيرون يهللون لها ويعتبرونها قفزة إلي الأمام في تاريخ العالم، فقدت بريقها أيضًا، حتي قال جورج سوروس -الملياردير ورجل الأعمال الشهير- إن نموذج العولمة وإزالة القيود قد انهار، ونقلت «نيوزويك» عن أنجيلا ميركل -مستشارة ألمانيا الاتحادية- قولها إنها كانت ومازالت تعارض الفكرة القائلة بأن العولمة من شأنها أن تضعف الحكومات، وقد أثبتت التجربة أنه لم يعد هناك غني عن وجود حكومات قوية.
من المفارقات أنه في حين تتعدد الأصوات وتتواتر الدعوات المطالبة بزيادة فاعلية دور الحكومة، بعدما أدرك الجميع فداحة الثمن الذي يدفعه المجتمع جراء غياب ذلك الدور، فإننا نشهد في مصر تراجعًا ملموسًا لدور الدولة في مختلف المجالات، بما في ذلك المجالات الثلاثة الأساسية، التعليم والصحة والإسكان، وإلي جانب ذلك فكلنا نعلم الذي جري في القطاع العام الذي رفعت الحكومة شعار اغتياله والتخلص منه، وتم تجاهل الأصوات التي دعت إلي ترشيده بإعادة النظر في مجالاته وتنشيط دوره، فيما ينبغي أن تنهض الدولة به لخدمة مصالحها العليا ورعاية للفئات الضعيفة والمهمشة في المجتمع.
إن الأصوليين الذين يرفعون شعارات الليبرالية والرأسمالية، في طبعاتها التي أسهمت في وقوع الزلزال الراهن، أصبحوا مطالبين بأن ينحوا شعاراتهم جانبًا ليقولوا لنا أي ليبرالية أو رأسمالية يريدون، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الأصوليين الذين تعلمنا ألا نكتفي باللافتات التي يرفعونها والشعارات التي يهتفون بها، وإنما أدركنا أننا قبل أي كلام معهم، يجب أن نتساءل عن التفصيلات والعناوين المدرجة تحت الشعار، التي تدلنا علي محتواه الحقيقي ومقاصده التفصيلية، ينطبق ذلك علي الذين يقولون «الإسلام هو الحل» بقدر ما ينطبق علي الذين يرفعون صوتهم عاليًا مبشرين بأن الليبرالية أو الرأسمالية هي الحل، أما الذين يصرون علي إقناعنا بأن الرأسمالية الأمريكية مازالت نموذجًا، وأن الأزمة الاقتصادية الراهنة نتجت عن قدرة الرأسمالية الفائقة علي إنتاج الوفرة دون أن يفسروا لنا لماذا حدث ما حدث، فإنهم يقدمون لنا نموذجًا لتعصب الأصوليين الليبراليين الذين يحلمون بأن يحولوا مصر إلي «إمارة» ليبرالية ورأسمالية غامضة الوسائل والأهداف يجرونها وراءهم علي طريق الندامة.

Delete this element to display blogger navbar