Subscribe:

Ads 468x60px

31 يوليو، 2008

اللعب بالقضاء

صحيفة الدستور المصريه الخميس 28 رجب 1429 - 31 يوليو 2008
اللعب بالقضاء - فهمي هويدي

اتصل بي أحد القضاة هاتفياً قائلاً: إن القضاء أصبح من ضحايا عبّارة الموت، وحين سألته كيف؟! كان رده أنه استخدم لتبرئة مالك العبّارة وتبييض صفحته، وتحمل أمام الرأي العام وزر هذه الفضيحة، دون أن ينتبه كثيرون إلي أن الأسلوب الذي اتبع في تقديم القضية حاصر القاضي، بحيث لم يدع له فرصة التعامل مع موضوعها الأساسي المتمثل في قتل أكثر من ألف مواطن مصري بسبب الإهمال والفساد، بالتالي لم يكن أمامه سوي الحكم ببراءة ممدوح إسماعيل وفريقه، وكانت النتيجة أن القضاء ذبح وتمت التضحية به لصالح الرجل، حتي بدا للرأي العام أن المتهم والجاني هما القاضي وليس المتسبب في الكارثة.

كنت قد أشرت أمس إلي هذا المعني، حين نبهت إلي أن تحقيقات النيابة وجهت إلي ممدوح إسماعيل تهمة التقصير في الإبلاغ عن غرق السفينة، مما أدي إلي التراخي في إنقاذ ركابها، من ثم تم استبعاد كل ما يتعلق بسوء حالة السفينة وقصور إجراءات السلامة والأمن فيها، والفساد الذي سمح بتشغيلها وهي بحالتها البائسة، مما أدي إلي وقوع الكارثة، وهذا التكييف لا يختلف كثيراً عن حالة الرجل الذي قتل آخر، فقدم إلي المحاكمة بتهمة إطلاق أعيرة نارية في داخل المدن، واستبعدت من القضية جريمة القتل وحمل السلاح دون ترخيص!

صحيح أنه كان بوسع القاضي أن يعالج القصور في التكييف القانوني للقضية ووضع الجرم في إطاره الصحيح، من خلال ما يعرف عند القانونيين بإعادة القيد والوصف، لكنه لم يفعل ذلك لسبب أو لآخر، صحيح أيضاً أن الباب يظل مفتوحاً لرفع دعاوي تطلب التحقيق في التهم التي تم تجاهلها، ولم يقدم بشأنها المتسبب في الكارثة، إلا أن ما يهمنا في السياق الذي نحن بصدده الآن، هو مبدأ اللعب في التحقيقات والقضايا بشكل عام، التي تمارس السلطة التنفيذية من خلالها هيمنتها علي السلطة القضائية وعدوانها المستمر علي استقلالها، وهي مسألة خطيرة تتعدد شواهدها، فضلاً عن أن ما جري في قضية العبارة يدل عليها، وكما ذكرت أمس فإنه حين تم توجيه التحقيق في مسار معين استبعد عناصر الإدانة في القضية، فقد ترتب علي ذلك تبرئة الجاني الذي لا تخطئ أي عين أ دلة إدانته، وكله بالقانون!

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

إن قانون السلطة القضائية يجعل النيابة العامة تابعة لوزير العدل، الأمر الذي يفتح الباب لإمكان تحكم السلطة التنفيذية في مسار التحقيقات، في الوقت ذاته فإن وزير العدل هو المسئول عن التفتيش القضائي، الذي يراقب أعمال القضاة ويحاسبهم، ويوقع الجزاءات التأديبية عليهم، وهو الذي يسهم في تعيين رؤساء المحاكم الابتدائية، وهؤلاء تفوضهم الجمعيات العمومية في تشكيل الدوائر، وذلك ـ كله ـ يعني أن السلطة التنفيذية ـ من خلال وزير العدل ـ أصبحت لها اليد الطولي في ممارسات السلطة القضائية.

في السابق كانت بعض الأنظمة تلجأ إلي تعليق الدستور وتعطيل القوانين، لتضمن إطلاق يدها في التعامل مع المجتمعات، لكن حين تزايد الوعي بقيمة القانون والحريات العامة في حقوق الإنسان، فإن تلك الأنظمة طورت من أسلوبها في ممارسة السلطة المطلقة، عن طريق التلاعب بالدساتير والقوانين، وإعادة صياغتها بما يلائم أهواءها ويلبي مطالبها، بالتالي فإن الاستبداد لم يعد مضطراً لتعليق الدستور أو القانون، وإنما بات يصمم الاثنين علي النحو الذي يروق له، بحيث يمارس الاستبداد في ظل حماية الاثنين.

إن شئت فقل إن التعديلات التي تجريها الدولة في هذه الحالة تقنن الاستبداد وتضفي عليه شرعية، بحيث يصبح رفضه أومقاومته خروجاً علي الشرعية.

هذه الخلفية تفسر لنا الكثير مما يجري في ساحة القضاء، الذي لم تتوقف الجهود الرامية إلي بسط هيمنة السلطة التنفيذية عليه، بما يحوله إلي عصا في يدها بدلاً من أن يظل ميزاناً لإحقاق الحق وإقامة العدل، وهي أيضاً تفسر لنا سر الأزمة والتوتر المستمرين بين وزير العدل ـ ومن ورائه السلطة التنفيذية ـ ونادي القضاة الذي يحاول الحفاظ علي استقلال السلطة القضائية، وما تبقي منه.

30 يوليو، 2008

بعد البراءة.. من المسئول إذن؟

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 26 رجب 1429 –29 يوليو 2008

بعد البراءة.. من المسئول إذن؟ - فهمى هويدى

حكم البراءة الذي صدر لصالح مالك العبّارة التي قتلت ألف مصري لا يشكل صدمة للمجتمع فقط، ولكنه بمثابة صفعة قوية أيضاً، مسكونة بالازدراء والإهانة لثمانين مليون مصري، من حقهم الآن أن يتساءلوا: إذا كان المسئولون عن الشركة مالكة العبارة قد تمت تبرئتهم من قتل ألف مواطن، فمن المسئول عن قتلهم إذن؟

هل يعقل أن يكون الرد ـ بعد سنتين من البحث والتقصي والمرافعة ـ أن الحادث قيد ضد مجهول، وأن دماء الألف مواطن أهدرت وأرواحهم أزهقت وأجسامهم التي نهشتها أسماك القرش، دون أن يكون هناك مسئول عن كل ذلك؟

هل يعقل أن يصدر حكم بالحبس ستة أشهر علي رئيس تحرير «الدستور» لأنه تحدث عن صحة الرئيس، في حين أن يبرأ المتسببون في قتل ألف مواطن مصري؟

هل يعقل أن تعلن براءة المتسببين في تلك الجريمة البشعة وكبيرهم حر طليق في لندن منذ سنتين، في حين يلقي في السجون والمعتقلات شباب 6 أبريل الذين كانت كل جريمتهم أنهم رفعوا علم مصر وخرجوا في مسيرة تحتفل بذكري ثورة 23 يوليو؟

ما حدث في القضية لا يصدق، وكما قيل بحق فإن ألف حكم بالبراءة لا يمكن أن يغلق الملف أو يغسل دماء الألف مصري أو يطوي أحزان أهلهم وذويهم، وفي كل الأحوال فإن الحكم بملابساته المختلفة من شأنه أن يهز ثقة الناس في القضاء، ويقنعهم بأنه لم يعد الوسيلة التي يعتمد عليها لا في إقرار العدل ولا في استجلاء الحقيقة.

إن الطريقة التي نشر بها «الأهرام» الخبر أمس تشي بمدي الشعور بالصدمة والخجل من الحكم، فقد جاء نشره في ذيل الصفحة الأولي، بعد الحوار الفلسطيني ومباراة الأهلي والزمالك ونتائج المرحلة الأولي للتنسيق ووفاة يوسف شاهين، التي احتل خبرها قلب الصفحة الأولي، حيث أبرزت عناوينه علي أربعة أعمدة، وتحته علي مساحة مضغوطة وبعناوين أصغر، لم يبرز الأهرام خبر البراءة، وإنما كان عنوانه كالتالي: النائب العام يطعن علي براءة ممدوح إسماعيل و5 متهمين.


لقد فضل «الأهرام» أن يذكر علي الصفحة الأولي خبر الطعن بالاستئناف الذي صدر عن النائب العام، معتبراً أن الحكم بالبراءة هو التالي في ترتيب الأهمية، مع أنه الأخطر الذي صدم الرأي العام، وأصاب بالذهول كل من تابع القضية، ولا شك أن مسارعة النائب العام إلي إصدار بيانه خطوة طيبة ربما أراحت البعض وامتصت غضبهم، باعتبارها تعطي أهالي الضحايا أملاً في مراجعة الحكم بما يجعله أكثر إنصافاً، لكنني لا أخفي توجساً من هذه الخطوة، ذلك أنه ليس من المعتاد أن يصدر النائب العام بياناً إلي الرأي العام يتحدث فيه عن الطعن بالاستئناف في حكم قضائي بعد ساعتين من صدوره، وإذا كان بيانه قد انتقد الحكم واعتبر أنه احتوي فساداً في الاستدلال، وقصوراً في التسبب وتعسفاً في الاستنتاج، فمعني ذلك أنه أطلع علي الحكم فور صدوره إن لم يكن قبل صدوره، وقام بدراسته، واستخلص من الدراسة هذه المطاعن، وهذا التعجل في الإعلان عن الطعن، والتركيز في عنوان الصفحة الأولي بالأهرام، يرجح أن المقصود به هو امتصاص غضب الرأي العام وصدمته.

صحيح أن الأخبار المنشورة تحدثت عن أن النائب العام طلب تحديد جلسة عاجلة لنظر الطعن، إلا أن ذلك الموعد لم يحدد، وقد يستغرق الأمر عدة أشهر أخري، تكون العاصفة خلالها قد مرت، الأمر الذي لا يستبعد معه أن يصبح الغاضبون أكثر استعداداً لتقبل حكم الاستئناف في الموضوع، حتي إذا قضي بتأييد البراءة.

في ذهني وأنا أبدي هذه الملاحظة تجربة مصنع «إجريوم» في دمياط، الذي أثار زوبعة انحنت لها الحكومة علي نحو أوحي لجماهير الدمايطة بأن رفضهم إقامة المصنع حسم الأمر لصالحهم، ولكن الجميع فوجئوا قبل أيام بتصريح رئيس الوزراء الذي أعطي انطباعاً بأن المصنع سيقام في دمياط أيضاً، محتجاً في ذلك بأن من شأن اعتراض الأهالي أن يعوق حركة الاستثمار في البلد، لذا لزم التذكير والتنويه.
غداً لنا كلام آخر في الموضوع.



عاصـفة عـلي تركيا

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 26 رجب 1429 – 29 يوليو 2008
عاصـفة عـلي تركيا-‏ فهمي هـويدي

لا تكف تركيا عن ادهاشنا حتي في السياسة بصراعاتها التي لا تهدأ‏,‏ حتي جعلت المحكمة الدستورية تنظر الان في محاكمة رئيس الجمهورية بتهمة تهديد نظام الدولة التي يدير شئونها‏!‏

‏(1)‏هي بلد المفاجآت السياسية بامتياز‏,‏ الامر الذي دعا سليمان ديميريل رئيس الجمهورية الاسبق الي القول بانك في تركيا لا تستطيع ان تعرف ماذا سيحدث خلال الاربع والعشرين ساعة التالية‏.‏ لذلك فلا غرابة في ان تكون احدي اهم مشكلات الصحفيين هناك انهم يجدون انفسهم مضطرين للركض و اللهاث طوال الوقت وراء مسلسل الاحداث التي لا تستكين‏.‏

احدث حلقات ذلك المسلسل وقعت امس‏((‏ الاثنين‏)‏ حين بدات المحكمة الدستورية في نظر دعوي المطالبة باغلاق الحزب الحاكم و حرمان قياداته من العمل السياسي‏,‏ في مقدمتهم رئيس الجمهورية المنتخب و رئيس الوزراء‏.‏ و في الوقت ذاته يجري الاعداد لمحاكمة‏88‏ شخصا آخرين يشتبه في انتسابهم الي اخطر منظمة في التاريخ التركي المعاصر‏,‏ بتهمة الاعداد للقيام بانقلاب ضد الحكومة في العام القادم‏.‏المشهد من الخارج يبدو صراعا بين حزب العدالة و التنمية الذي يلاحق قادته و اعضاؤه بتهمة خلفيتهم الاسلامية‏,‏ و بين قوي التطرف العلماني‏.‏ لكنه في حقيقته صراع بين نخبة محدودة احتكرت السلطة منذ ثمانين عاما‏,‏و بين المجتمع الذي اعرض عنها و صوتت اغلبيته للطرف الذي اقتنعت بانه الاصدق في التعبير عنه‏.‏ الباحث التركي البروفيسور محمد التان وصف ما تشهده البلاد الآن بانه انتقال في الجمهورية التركية الاولي الي الجمهورية الثانية‏.‏

الاولي هي دولة‏'‏ الاتحاد و الترقي‏',‏ و تلك المنظمة السرية التي اطاحت بنظام السلطان عبد الحميد الثاني‏,‏ بواسطة المؤامرات السرية‏,‏ ثم حكمت تركيا منذ مطلع القرن العشرين الي قيام الجمهورية‏.‏ ويعتقد الاستاذ التان و معه عدد من المثقفين الديمقراطيين ان جمعية الاتحاد و الترقي تناسلت و استمرت منذ حكم اتاتورك و حلفائه الي يومنا هذا‏.‏ و هي تقوم علي عقيدة نخبوية تزدري الشعب و تعادي الدين‏,‏ و تحصر امتياز الحكم في نخبة ضعيفة ذات رسالة تبشيرية تنويرية‏.‏ و لاجل الحفاظ علي امتيازات حكمها‏,‏ فانها لا تتورع عن استخدام كافة الوسائل المشروعة و غير المشروعة‏.‏ اما الجمهورية الثانية فهي التي تطوي تلك الصفحة فتستبدل حكم الشعب بحكم النخبة المحتكرة‏,‏ و تتصالح مع الدين و لا تعاديه‏.‏

‏(2)‏في شهر مارس الماضي قدم المدعي العام التركي عبد الرحمن يلشن قايا طلبا الي المحكمة الدستورية العليا دعا فيه الي حظر حزب العدالة والتنمية الحاكم‏,‏ و منع‏71‏ شخصا من قياداته واعضائه من ممارسة النشاط السياسي لمدة‏5‏ سنوات بتهمة استهداف النظام العلماني و محاولة قلبه‏.‏ قدم الرجل‏17‏ ملفا الي المحكمة حفلت بالادلة و القرائن التي استند اليها في دعواه‏.‏ وكان منها اخبار نشرتها الصحف تحدثت عما يلي‏:‏ اتجاه الحكومة الي تجميع الحانات التي تبيع الخمور في اماكن معينة بالمدن‏-‏ منع بلدية استنبول اعلانات مايوهات البكيني في الميادين العامة‏-‏تخصيص حافلة ركاب لطالبات ثانوية الائمة و الخطباء في استنبول‏_‏ تصريحات اردوغان‏(‏ رئيس الوزراء‏)‏ بعد قرار المحكمة الاوروبية بشان حظر الحجاب‏,‏ التي قال فيها ان موضوع الحجاب يجب ان يسال فيه العلماء‏-‏ اتهام رئيس بلدية من اعضاء الحزب الحاكم بانه روي ذات مرة طرفة‏(‏ نكتة‏)‏ عن اتاتورك ـ قول رئيس البرلمان السابق بولنت ارينج بانه لا يؤمن بالعلمانية بشكلها المطبق في تركيا‏.‏رغم ان هذه الادعاءات المضحكة كلها انبنت علي اخبار نشرتها الصحف التي هي احدي ادوات الصراع‏,‏ الا ان المدعي العام استند اليها في اتهام الحزب الحاكم بانه يسعي الي تقويض النظام العلماني و يعمل بصورة خفية علي اقامة دولة اسلامية‏!‏

المحكمة الدستورية قبلت باجماع اعضائها الاحد عشر النظر في دعوي الحظر‏,‏ حيث لم تكن هذه هي المرة الاولي التي تبحث فيها قضية من هذا النوع‏.‏ اذ منذ تاسيسها في عام‏1963‏ قامت بحظر‏24‏ حزبا‏,‏ كانت الاحزاب ذات الخلفية الاسلامية او الكردية في المقدمة منها‏.‏ اذ في عام‏1970‏ قضت بحل حزب‏'‏ النظام العام‏'‏ الذي اسسه نجم الدين اربكان‏,‏ و في عام‏1988‏ حلت حزبا آخر اسسه اربكان باسم‏'‏ الرفاه‏'.‏ و في عام‏2001‏ قضت بحل حزب ثالث اسسه باسم‏'‏ الفضيلة‏'.‏ و معروف ان الجيش كان قد قام عام‏1980‏ بانقلاب ادي الي حظر آخر لاربكان باسم حزب‏'‏ الخلاص‏'.‏
اغلب الظن ان المدعي العام حين قدم طلبه الي المحكمة الدستورية كان مطمئنا الي ان اعضاءها يقفون في صفه‏.‏
فاعضاء المحكمة تم اختيارهم بواسطة رئيس الجمهورية السابق احمد نجدت سيزر‏,‏ و هو بدوره علماني متطرف و كان من اعداء حزب العدالة و التنمية‏.‏ علما بان بعض اعضاء تلك المحكمة ينتمون الي الطائفة العلوية المعادية تاريخيا لاي اجراء له صلة بالانتماء الاسلامي‏.‏ و جدير بالذكر في هذا الصدد ان اثنين من الشخصيات العلوية توليا حقيبة وزارة العدل في السابق‏,‏ هما محمد موغو لتاي و حكمت سامي ترك‏.‏ و اثناء وجودهما علي راس الوزارة انخرط في سلك القضاء عدد غير قليل من العلويين‏,‏ تدرج بعضهم في سلك الوظيفة حتي وصلوا الي المحكمة الدستورية العليا‏.‏
‏(3)‏امس بدات المحكمة مداولاتها حول موضوع القضية‏,‏ و يفترض ان تصدر قرارها بشانه قبل ان ينتهي شهر اغسطس‏.‏ الا ان تفجير الموضوع كان له تاثيره علي الوضع الاقتصادي منذ الاسابيع الاولي ذلك انه خلال السنوات الخمس التي قضاها حزب العدالة و التنمية في السلطة‏,‏ شهدت تركيا استقرارا و نهوضا اقتصاديا غير مسبوق‏.‏ ففي حين كان معدل الاستثمار الاجنبي قبل وصول الحزب الي السلطة اقل من مليار دولار سنويا‏,‏ فاذا بهذا الرقم يتضاعف و يصل الي‏22‏ مليار دولار في عام‏.2007‏ و حين اعلن عن رفع قضية اغلاق الحزب اهتزت الاسواق بسرعة‏,‏ فانهارت البورصة بنسبة‏7%,‏ و هي اعلي نسبة للهبوط منذ سبع سنوات‏,‏ و ارتفعت نسبة الفائدة و زادت نسبة التضخم‏.‏

و خلال اسبوعين فقط من رفع الدعوي هربت الي الخارج رؤوس اموال قدرت بـ‏15‏ مليار دولار‏.‏ و ازاء ذلك لم يكن غريبا ان تسوء سمعة تركيا الاقتصادية‏,‏ حتي ان مؤسسة‏'‏ ستاندارد آند بورز‏'‏ العالمية المختصة بتقييم البلدان حسب متانة وضعها الاقتصادي‏,‏ قامت بخفض درجتها من الموجب الي السالب‏,‏ الامر الذي يعني ان الدعوي التي رفعها المدعي العام لم توجه الضربة الي حزب العدالة وحده‏,‏ و انما اصابت بدرجة اكبر الوضع الاقتصادي لتركيا‏.‏

‏(4)‏الاخطر من قضية حزب العدالة و التنمية كانت قضية الشبكة السرية التي تحمل اسم‏'‏ ارجنكون‏'‏ و يشار اليها في الادبيات السياسية التركية بانها‏'‏ الحكومة العميقة‏',‏ التي تضم مجموعة من الشخصيات البارزة التي يجمع بينها تطرفها العلماني و الولاء للتعاليم الاتاتوركية‏,‏ بما تتضمنه من مخاصمة للتعاليم الاسلامية‏.‏ و هي في ذلك تقتفي اثر العلمانية الفرنسية المعادية للدين‏,‏ علي عكس الانجليزية المتصالحة معه‏.‏

فجر الجمعة‏21‏ مارس الماضي قامت وحدات مكافحة الارهاب بمداهمة‏22‏ عنوانا مختلفا في استنبول و انقرة‏,‏ و القت القبض علي‏14‏ شخصا بينهم ثلاثة اسماء لامعة من اركان الصف الاول في تيار التطرف العلماني‏.‏ الاول الهان سلجوق رئيس تحرير جريدة‏'‏ جمهوريت‏'‏ التي اسسها اتاتورك و تعد لسان حال الايديولوجيا الكمالية‏,‏ و دوغر بير ينجك زعيم حزب العمال التركي‏(‏ الحزب الشيوعي الوحيد ذو المسحة القومية المعترف بشرعيته‏)‏ و كمال علعمدار اوغلو‏,‏ الرئيس السابق لجامعة استنبول‏,‏ الذي في عهده تشددت الجامعة في منع الحجاب‏.‏

و من هؤلاء ايضا قائد الجيش الاول السابق الجنرال المتقاعد خورشيد طولون‏,‏ و قائد قوات الدرك السابق الجنرال شنر ارويفور‏,‏ الذي يراس‏'‏ جمعية الفكر الكمالي‏'.‏ هذه الاعتقالات تمت في سياق التحقيقات الامنية الجارية منذ شهر يونيو من العام الماضي في قضية شبكة‏'‏ ارجنكون‏',‏ حيث عثرت الشرطة في احد منازل استنبول علي مجموعة من الاسلحة المستخدمة في عمليات ارهابية‏,‏ كالقنابل اليدوية والمواد المتفجرة‏.‏ و تم آنذاك اعتقال‏39‏ شخصا بينهم عدد من ضباط الجيش المتقاعدين والاكاديميين و رجال الاعمال و الصحفيين‏.‏

ذكرت صحيفة‏'‏ صباح‏'‏ ان المداهمات التي تمت في مارس الماضي ادت الي ضبط وثائق تحدثت عن خطة للانقلاب علي الحكومة التركية‏,‏ تضمنت البدء بتقويض ثقة الراي العام في الحزب الحاكم و اثارة الجماهير ضدها‏,‏ قبل الضغط لاسقاطها‏.‏ و نشر الكاتب علي بايرام اوغلو في زاويته بجريدة‏'‏ الفجر الجديد‏'‏ المؤيدة للحكومة‏,‏ نص مقالة لجنرال متقاعد نشرتها صحيفة‏'‏ جمهوريت‏'‏ في الثالث من فبراير الماضي‏(‏ قبل تقديم دعوي حظر الحزب‏),‏ قال فيها ما نصه‏:‏ الاسلام السياسي يحكم تركيا اليوم‏,‏ و لم يبق امامنا سوي ابعاد حزب العدالة و التنمية عن الحكم‏...‏ و الخطوة الاولي في هذه الحملة هي رفع دعوي ضده‏,‏ بعدما اصبح مركزا للممارسات المناهضة للعلمانية امام المحكمة الدستورية‏,‏ من قبل مدعي عام المحكمة العليا‏,‏ وصولا الي حظر نشاطه‏.'‏

تحدثت الصحف التركية عن ان الثلاثة الكبار الذين القي القبض عليهم كانوا تحت المراقبة الامنية منذ يناير الماضي‏,‏ و ان مكالماتهم الهاتفية سجلت‏,‏ مما اعطي للمحققين اشارات قوية تحدثت عن تحضيرهم لعمل انقلابي ضد الحكومة‏.‏ كما بينت ان الهان سلجوق رئيس تحرير‏'‏ جمهوريت‏'‏ كان علي معرفة مسبقة بالدعوي التي ستطالب المحكمة الدستورية بحظر حزب العدالة و التنمية و فرض الحجر السياسي علي قادته‏.‏

‏(5)‏حتي اذا تم حظر الحزب‏,‏ فان اعضاءه سيشكلون حزبا آخر‏.‏ و الذين سيمنعون من ممارسة العمل السياسي‏,‏ يمكن ان يرشحوا انفسهم كمستقلين‏,‏ و ستظل اغلبية اعضاء البرلمان في صالح حزب العدالة‏,‏ الامر الذي يعني ان خسارة الحزب ستكون محدودة‏,‏ بالمقارنة بالخسارة التي يمكن ان تلحق بشبكة‏'‏ ارجنكون‏',‏ التي يتعرض رموزها للمحاكمة في اول مواجهة مباشرة للقضاء التركي معهم خلال ثمانية عقود‏.‏ حيث ظلوا خلال تلك المدة بمثابة تنظيم‏'‏ شبحي‏'‏ تتيقن الطبقة السياسية من وجوده‏,‏ لكن احدا لم يتعرف علي شخوصه‏,‏ الذين ظلوا يحركون خيوط السياسة التركية طوال الوقت في الظلام‏.‏

انها المعركة الاخيرة و الضربة القاضية لتيار التطرف العلماني‏,‏ الذي مني بهزائم متتالية في ظل تنامي سلطة الشعب‏,‏ و ظهور قوي ديمقراطية كسرت الوصاية المفروضة‏,‏ و التزمت بالعلمانية التي هي حجر الاساس في النظام الجمهوري التركي‏,‏ و لكن بمفهوم ايجابي يؤمن بالمجتمع و يتصالح مع الدين‏,‏ كما يتصالح مع التاريخ الذي عانده المتطرفون و تمسكوا بادارة عجلته الي الوراء طوال‏80‏ عاما‏.‏

إنهم يجهضون أملنا في المستقبل

صحيفة الدستور المصريه الإثنين 25 رجب 1429 – 28 يوليو 2008
إنهم يجهضون أملنا في المستقبل - فهمي هويدي

مَنْ الكاسب والخاسر في عملية قمع شباب 6 أبريل، الذين خرجوا في مسيرة بالإسكندرية أرادوا بها أن يحتفلوا علي طريقتهم بذكري ثورة 23 يوليو، من خلال ترديد الأناشيد وحمل العلم المصري وإطلاق طائرة ورقية مطلية بألوان العلم؟! ورغم أنهم كانوا عشرات من الشباب المسالم، إلا أن الشرطة وجناح البلطجية التابع لها، أصروا علي تفريقهم وإلقاء القبض عليهم، و«تأديبهم» بوسائل عدة، كان السباب والضرب والركل حدها الأدني.

لقد تحولت العملية إلي فضيحة لمصر، فالخبر تناقلته وكالات الأنباء إلي مختلف أنحاء العالم، والتفاصيل التي عُرفت دفعت المنظمات الحقوقية الدولية إلي إدانة الموقف المصري والمطالبة بالإفراج عن الشبان المعتقلين بسبب تلك المظاهرة، إضافة إلي ذلك فإن اعتقال أولئك الشبان وإهانتهم والاعتداء عليهم بالضرب وحبسهم مدة 15 يومًا، لابد أن يضاعف من غضبتهم ويملأهم سخطًا ونقمة، الأمر الذي يحولهم من مجرد محتجين إلي خصوم سياسيين، علمًا بأن خروجهم إلي الشارع في تلك المناسبة لم يخل من شعور حميد بالحنين إلي مبادئ وأهداف الثورة التي أعلنت قبل أكثر من 55 عامًا.

في الوقت ذاته فإن استنفار الشرطة والمباحث والبلطجية في الإسكندرية، للتصدي لأولئك الشباب ينال من قوة الدولة وهيبتها، ذلك أن مجرد الاستنفار الأمني يعني أن الدولة ليست بالثبات والرسوخ الذي تتحدث عنه، لأن الأقوياء والواثقين لا يهتزون لمجرد خروج عشرات من الشباب في مسيرة علي شاطئ البحر، وتلك الأعداد التي حشدت لقمعهم تعطي انطباعًا قويًا بأن الدولة لم تعد مطمئنة إلي الشارع المصري، حيث تخشي أن يكون خروج الأعداد الصغيرة من الشباب عنصرًا مشجعًا علي تفجير الشارع المسكون بالغضب والسخط.

إن هؤلاء الشبان ليس لديهم مشروع سياسي، ولا هم حزب منظم يُخشي بأسه، وغاية ما يتطلعون إليه أن يعيشوا حاضرًا وغدًا أفضل، نعم هم غاضبون محتجون، لكنهم يعبرون عن مشاعر حقيقية موجودة في البلد، ولذلك لم يكن من الحكمة قمعهم بواسطة الشرطة والبلطجية ولا تقديمهم إلي النيابة العامة بتهمة التجمهر وتعطيل المرور في الشوارع، ولو أنهم تركوا وشأنهم، وسمح لهم بتوجيه رسالتهم السلمية، لما كانت الفضيحة في الخارج والداخل، ولاطمأن كثيرون إلي أن النظام الحاكم ثابت القدم، ولا يفزعه خروج عشرات من الشبان المحتجين إلي الشوارع. لذلك فإنني لا أبالغ إذا قلت إن المشهد الذي حدث علي شاطئ الإسكندرية أقنعنا بأن السلطة ليست بالقوة التي نتصورها، وأن أولئك الشبان ليسوا بالضعف الذي توحي به أعمارهم الصغيرة وأجسامهم النحيلة وجموعهم العزلاء.

نحن بحاجة إلي ذلك الشباب الغاضب والساخط، لأنه وحده الذي يعطينا الأمل في أن الشارع المصري لم يمت، وأنه لا يزال بيننا متمردون وحالمون لم يستسلموا بعد للقنوط أو اليأس، كما أنهم رفضوا الخنوع والاستكانة والانخراط في القطيع، وكانوا واعين بأن المستقبل ملك لهم، وأن الأوضاع الراهنة لا تشكل عدوانًا علي الحاضر فقط، ولكنها تجور أيضًا علي المستقبل الذي هم عدته، كما تطفئ جذوة الأمل فيه.

هؤلاء هم ذخيرتنا للمستقبل، والضوء الذي يلوح لنا في نهاية نفقنا المظلم. إذ سيظل بمقدورنا أن نتفاءل بذلك المستقبل، طالما كان بيننا شبان أمثالهم يملكون شجاعة رفض الحاضر، وإرادة الخروج إلي الشارع ورفع أصواتهم عالية، غير مبالين بالشرطة والمخبرين والبلطجية، ولو أن بين أولي الأمر عقل رشيد لدعا إلي الجلوس إلي أولئك الشبان والاستماع إليهم ومحاورتهم، بدلاً من أن تحاورهم هراوات الشرطة وعضلات البلطجية وأسلحتهم البيضاء.. ولكن يبدو أن ذلك مطلب صعب، لأن هناك إصرارًا علي إقناعنا بأن الشرطة وأجهزة الأمن هي الطرف الوحيد المخول لإدارة الحوار مع المجتمع، وأن قدر مصر أن تظل موزعة بين العسكر والحرامية!

http://www.dostor.org/?q=node/10179

المسكوت عنه فى القضيه

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 27 رجب 1429- 30 يوليو 2008
المسكوت عنه فى القضيه - فهمي هويدي

منذ اللحظة الأولى كانت قضية عبارة الموت مثيره للعديد من علامات الاستفهام والتعجب التى تبعث على عدم الارتياح أو الاطمئنان ذلك أنه حين وقعت الواقعه فى الثانى من شهر فبراير لعام 2006 قُدّم طلب إلى الدكتور فتحى سرور رئيس مجلس الشعب لابلاغ المدعى الاشتراكى بادراج صاحب العبّارة ضمن الممنوعين من السفر والتحفظ المؤقت على امواله لضمان تعويضات أسر الضحايا لكن ذلك الطلب ظل مسكوتا عليه لأكثر من شهر كان الرجل خلالها قد رتب أموره وهرب مع ابنه إلى لندن حيث ظهر هناك يوم 4 مارس وهو ما أثار سؤالا كبيرا عن السر وراء تركه طليقا واعطائه مهله شهر كامل قبل الهرب الى الخارج.

وحين باشرت النيابه التحقيق فى الأمر فإن هذه كانت نقطة ضعف فى القضية. لأن هذا الوضع يجعل مباشرة التحقيق فى اطار السلطة التنفيذيه وكان النظام المعمول فى مصر من قبل وفى العالم المتحضر كله أن يتولى الأمر قاضى التحقيق يطمأن الى استقلاله وليس النيابه العامه و قد ظهرت خطورة هذه الثغرة حين اعتبرت القضيه جنحه التهمة الرئيسيه فيها : أن صاحب العباره علم بالكارثه ولم يخطر الأجهزة المختصه فيما جرى فى الوقت المناسب , الأمر الذى رفع من عدد الضحايا ولم يوفر الفرصه لانقاذهم وهذا التكييف خفف كثيرا من الجريمه إذ حصر التهم فى عدم الابلاغ وتجاهل جوانب اخرى مهمه وخطيره اسهمت فى وقوع الكارثه منها صعف كفاءة السفينه وحدود حمولتها واجراءات السلامه والأمن فيها ومختلف عناصر الفساد التى أدت الى تشغيلها بحمولة 2790 شخصا فى حين ان القوانين واللائحه المعمول بها فى مصر لاتسمح بحمل أكثر من 1168 راكبا الأمر الذى يعني أن صاحبها ظل سنوات يحملها فى كل رحله بعدد من الركاب يصل الى 1620 شخصا زيادة على طاقة استيعابها المقرره!

هذه المعلومات وغيرها تضمنها تقرير لجنة تقصى الحقائق التى شكلها مجلس الشعب ورأسها السيد حمدي الطحان ولكن النيابه العامه تجاهلتها كلها, كما تجاهلت قضية اخري تتعلق بمالك العباره ممدوح اسماعيل الذى أثبت التقرير أنه ضالع فى قضية تربح من العيار الثقيل ذلك أنه وهو عضو معين فى مجلس ادارة هيئه موانى البحر الاحمر حصل على أكثر من 11 ألف متر مربع من أراضى الهيئه فى سفاجا والسويس وحولها الى محطتين لركاب بواخره كما استخدمها لاغراض اخرى وذلك كله بالمخالفه الصريحه للقانون.

بل إن تقرير لجنة تقصى الحقائق نفسه جرى التسويف فيه وفى اعداده واستلامه وحدث تدخل لحذف بعض عباراته كما تعرض للالتفاف عليه بتشكيل لجنه اخرى بحجة استكمال بعض عناصره وحين فشلت مساعى التسويف والالتفاف لم يكن هناك مفر من عرض التقرير على المجلس الذى اجهضت رئاسته أى مناقشه له, واستخدمت الاغلبيه الجاهزه لاغلاق باب المناقشه والانتقال الى جدول الاعمال! مع احاله التقرير الى لجنه لدفنه واماتته , من المعلومات المثيرة أيضا فى الموضوع أ، اللجنه الفنيه التى تم الاعتماد على تقريرها فى التكييف القانونى للقضيه ضمت اثنين أحدهما كان محالا الى المحاكمه بتهمة الرشوة والفساد والثانى هو المسئول الاول عن عدم تلقى اشارة استغاثة السفينة وغرقها!

فى الفم ماء كثير وهذا الذى ذكرته جزء يسير من المعلومات المثيره المسكوت عليها التى ازعم انها لم تظهر فى القضية وأشك فى أنها حجبت سهوا لأن السياق العام لوقائع القضية يدل على أمرين أولهما أن الملف قدم منقوصا الى المحكمة وثانيهما أن ما تم حجبه من معلومات كان المقصود به استبعاد عناصر ادانة الرجل الذى تسبب فى الحادث ومن ثم تمهيد الطريق لتبرئته وهذا ما حدث!

ملاحظة أخيره: يتردد فى الأوساط الصحفيه أن ممدوح اسماعيل شريك فى تمويل صحيفة جديده توشك على الصدور وهى الشائعه التى تأكدت صحتها حين تنين أن العشاءالذى أقامته الصحيفة مؤخرا قدمه فندق يملكه الرجل بالقاهرة , الأمر الذى يثير السؤال التالى .. هل هى مصادفة أن يتزامن اصدار الصحيفة مع البراءه وهل يمهد ذلك لعودته المظفرة؟

28 يوليو، 2008

أوقاف وليست أوطانا

صحيفة الدستور اليوميه الأحد 24 رجب 1429- 27 يوليو 2008
أوقاف وليست أوطانا - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_28.html

اتهم ابن العقيد القذافي وزوجته بضرب خادمين في أحد فنادق سويسرا، فاحتجزتهما الشرطة مدة يومين للتحقيق معهما ثم أطلقت سراحهما بكفالة، فردت ليبيا بقطع إمدادات سويسرا بالنفط، ومنع السفن التي ترفع العلم السويسري من الدخول إلي المرافئ الليبية وتفريغ حمولتها فيها، وجري تقليص الرحلات الجوية بين البلدين، وتلقت المؤسسات السويسرية في ليبيا أمراً بإغلاق أبوابها، وأوقفت السلطات الليبية منح تأشيرات دخول للسويسريين، وأقفلت مكاتب المجموعة السويسرية «نستله» والمجموعة السويسرية السويدية «إيه . بي. بي»، وخضع المسئولون عنها للاستجواب لدي الشرطة الليبية، ودعت وزارة الخارجية السويسرية أمس رعاياها الموجودين حالياً في ليبيا إلي إبلاغ السفارة بوجودهم تحسباً لأي طارئ، ولم يبق سوي أن تقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتعلن القيادة الليبية الحرب علي سويسرا وبدء زحف اللجان الثورية علي الحدود السويسرية.

كل ذلك لأن السيد «هنيبعل» الابن الرابع للعقيد القذافي يقيم مع زوجته في أحد فنادق سويسرا الفاخرة، واصطحبا معهما خادمين أحدهما تونسي والثاني مغربي، وقد تقدم الأخيران بشكوي ضد هنيبعل وزوجته اتهماهما فيها بضربهما، فقامت الشرطة بالتحقيق في الأمر أثناء احتجاز هنيبعل وزوجته مدة اليومين، ثم أطلقت سراحهما بكفالة قيمتها نصف مليون فرنك سويسري «312 ألف يورو». هذا الإجراء الخاص المتعلق بابن العقيد وزوجته، تحول إلي قضية عامة أفسدت علاقات سويسرا مع ليبيا، ورُتبت تلك التداعيات التي هددت وأوقفت المصالح المتبادلة بين البلدين، علي النحو الذي سبقت الإشارة إليه.

لا أشك في أن السلطات السويسرية فوجئت برد الفعل الليبي، ولم يخطر علي بال أحد في «برن» أن إجراء قانونياً اتخذ بحق ابن العقيد يمكن أن يحدث انقلاباً في العلاقات مع طرابلس. لكنني أستطيع أن أتصور النصائح التي يمكن أن يقدمها في هذه الحالة القسم العربي في وزارة الخارجية السويسرية، الذي ربما أدرك دبلوماسيوه أن منطق القبيلة لا يزال هو الحاكم في العالم العربي، بحيث أصبح شرف القبيلة من شرف رئيسها وأسرته وهي حقيقة لا مفر من الاعتراف بها، ذلك أن دول المنطقة إذا لم يقترن اسمها بأسماء العائلات الحاكمة، فإنها تتحول إلي عزب وإقطاعيات موقوفة علي حكامها، فهذه عزبة فلان وتلك عزبة علان، وهكذا. من هذه الزاوية فلا غرابة في أن تثور ثورة الدولة الليبية - الجماهيرية العظمي! - إذا تمت مساءلة ابن الرئيس وزوجته طبقاً للقانون السويسري لأنهما اتهما بضرب اثنين من الخدم، وهو الإجراء الذي استقبل في طرابلس بحسبانه إهانة لليبيا القذافي ومساساً بكرامتها.. رغم أن الكفالة التي دفعاها تعني أن التهمة لها أصل، وأن السلطات السويسرية جاملتهما حين اكتفت بتغريمهما، ومع ذلك فإن السلطة الليبية ظلت غاضبة، واعتبرت أن السيد هنيبعل وزوجته أسيئت معاملتهما، وهو أمر مشكوك فيه، إلا إذا اعتبرنا أن مجرد التحقيق معهما يعد إهانة، باعتبار أنهما في ليبيا فوق القانون، ولا تجوز مساءلة أي منهما.

هذه ليست حالة ليبية ولكنها حالة عربية أيضاً، فحين اتهم شقيق أحد الرؤساء في منطقة المغرب العربي في قضية تهريب مخدرات وسرقة يخت من فرنسا اعتُبر ذلك عملا موجها ضد الدولة المذكورة، وتوترت العلاقة بينها وبين فرنسا، ولماذا نذهب بعيداً؟!، فقد وجدنا في مصر أن الأبواق الرسمية أقامت الدنيا وأقعدتها، بسبب شريط اغتيال السادات الذي عممته إحدي الصحف الإيرانية المحافظة، حتي مباراة كرة القدم بين الفريق المصري والإيراني ألغيت، ولم يفكر أحد فيما إذا كان ذلك يحقق شيئاً من المصالح العليا للبلد أم أنه يضر به، حتي أشك في أن السؤال طرح من الأساس.

إن أوطاننا اختزلت في مجموعة من الأشخاص والعائلات، وهي ليست ملكا لشعوبها، ولا وزن فيها لأي مؤسسات، ومصالحها العليا هي مصالح أولئك الأشخاص وتلك العائلات، ولأجل خدمة تلك المصالح وتحقيقها فإن كرامة الأوطان ومصالح عموم الخلق تتراجع إلي الوراء، وبهذا المنطق فإن الأمة تظل في نظر حكامها بخير طالما أنهم أنفسهم كانوا راضين ومرتاحين، وكان لذلك الرضا صداه لدي الزوجات والأبناء والأحفاد.

27 يوليو، 2008

في عصر «البقلمة» واللا معني

صحيفة الدستور المصريه السبت 23 رجب 1429 – 26 يوليو 2008
في عصر «البقلمة» واللا معني - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_27.html

توقفت طويلاً أمام رفض صحيفة «نيويورك تايمز» نشر مقالة للمرشح الرئاسي «جون ماكين» لأنها لم تجد فيها جديدًا يجعلها صالحة للنشر، ولست أخفي أنني استغربت الخبر لأول وهلة، فالصحيفة كانت قد أعلنت تأييدها لماكين كمرشح للحزب الجمهوري، والرجل سيناتور بارز وقد يحالفه الحظ ويصبح رئيسًا للجمهورية في الانتخابات التي تجري خلال نوفمبر القادم، ثم إن الصحيفة كانت قد نشرت له منذ عام 96 ما لا يقل عن سبع مقالات، لكن ذلك كله لم يشفع له، ولم يسمح له بأن يرد علي مقالة كان منافسه الديمقراطي باراك أوباما قد كتبها في نفس الصحيفة في الأسبوع الماضي، وعبر فيها عن رؤيته للسياسة الخارجية لبلاده «في حال انتخابه رئيسًا»، خصوصًا فيما يتعلق بالوجود الأمريكي في أفغانستان والعراق.

لقد تلقي مكتب ماكين اعتذارًا مكتوبًا يشرح أسباب عدم نشر المقالة، وجهه إليه المسئول عن صفحات الرأي في «نيويورك تايمز» ديفيد شيبلي الذي كان يكتب خطب الرئيس السابق بيل كلينتون، وحين انتقدت حملة «ماكين» قرار مسئول الرأي بالصحيفة، فإن «نيويورك تايمز» نشرت علي موقعها الإلكتروني نص خطاب الاعتذار الذي وجه إليه، كما أذاعته محطة «سي . إن. إن». وفي الخطاب قال شيبلي إنه لا يستطيع نشر نص ماكين بالشكل الذي كتب به، وإن عليه أن يتخير له مدخلاً جديدًا، وأن يحدد مواقفه فيه بصورة أكثر وضوحًا، فمقالة أوباما كانت صالحة للنشر علي صفحات «نيويورك تايمز» لأنها عرضت معلومات جديدة حول سياسته الخارجية، وبينما ناقش أوباما مواقف ماكين، فإنه في الوقت ذاته عرض لخطته ورؤيته الخاصة، لكن مقالة الرد التي بعث بها المرشح الجمهوري خلت من الوضوح المطلوب، فلم يفسر المقصود بالانتصار في العراق، وكان عليه أن يضع خطة واضحة لتحقيق ذلك الانتصار مع جداول زمنية وخطوات فعالة لدفع العراقيين للتعاون .. إلخ.

ما استوقفني في الجدل المثار حول الموضوع، هو ذلك التدقيق الذي مارسه مسئول صفحات الرأي الذي دفعه إلي الاعتذار عن عدم نشر مقالة السيناتور ماكين، وإذا كان ذلك يحدث مع المرشح الرئاسي، فمعني ذلك أن مصفاة التقييم لا تستثني أحدًا، وأن النشر في صفحات الرأي له معاييره الصارمة، التي لا تجيز إلا ما كان جديدًا ومفيدًا، يضيف إلي معارف القارئ ويحترم عقله.

قارنت هذه الصورة بما كتبه الأستاذ أنيس منصور ذات مرة تحت عنوان عصر «البقلمة» واللامعني «الشرق الأوسط 11/11/2007»، وكان ينتقد في مقالته، التي اقتبست عنوانها، سباق الصحفيين علي «البقلمة» التي قصد بها أن يحرص الواحد منهم علي أن تسبق اسمه كلمة «بقلم فلان»، بصرف النظر عما إذا كان حقًا صاحب «قلم» حقيقي أم لا، وهذه الظاهرة انضافت إليها في الآونة الأخيرة بدعة نشر صور كل من هب ودب، حيث «لم يعد مهمًا ماذا قال «الكاتب»، ولكن المهم أن ينشر اسمه مقرونًا بصورته.. إذ لم يعد أحد يقرأ، وإنما يري الصورة التي هي مثل البطاقات الشخصية، تؤكد أنه حي يرزق ، ولايهم ماذا قال».

ما قاله الأستاذ أنيس صحيح تمامًا، ذلك أن المشكلة لم تعد تقف عند حدود البقلمة والإلحاح علي نشر الصور الضاحكة للمحررين والكتاب، لكنها أيضًا أصبحت في شيوع اللامعني في أعمدة وصفحات الرأي، التي تعرضت لغزو العاطلين عن العمل والمحاسيب وأصحاب النفوذ.
الأخطر من ذلك أن تقييم المواد المنشورة لا يخضع إلا للاعتبار الأمني بالدرجة الأولي، ذلك أنك إذا لم تتجاوز الخطوط الحمراء فقل ما شئت، وحبذا لو كنت مصفقًا للحكومة ومنددًا بعزالها.
لا وجه للمقارنة بين تقاليد النشر في صفحات الرأي بنيويورك تايمز وبينها في صحافتنا وهو للدقة ليس فرقًا بين صحافتين، ولكنه فرق بين نظامين سياسيين، أفرز كل منهما الإعلام الذي يستحقه.

26 يوليو، 2008

العيش المشترك له شروط

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 22 رجب 1429 – 25 يوليو 2008
العيش المشترك له شروط - فهمي هويدي

لم أفاجأ بردود الأفعال علي ما نشرته في هذا المكان قبل ثلاثة أيام تحت عنوان «طعنة للجماعة الوطنية»، رغم أن كل ما فعلته أنني أعدت نشر النقاط الأساسية التي أوردها أسقف القوصية الأنبا توماس في محاضرة له بالولايات المتحدة الأمريكية، إذ أفزعني في الكلام أولاً مضمونه الذي قلت إنه ينسف أسس العيش المشترك بين المسلمين والأقباط في مصر، وثانياً كونه صادراً عن عضو بالمجمع المقدس، الذي يُعد أعلي سلطة في الكنيسة المصرية.

لقد تراوحت ردود الأفعال علي ما قاله أسقف القوصية بين مؤيد لكلامه الذي ادعي فيه أن العرب احتلوا مصر، وأن الأقباط يعانون مشكلتين في البلد هما الأسلمة والعروبة، وأن القبطي يشعر بالإهانة إذا وصف بأنه عربي..إلخ. آخرون استفزهم الكلام وقالوا إنه دعوة للطلاق والمفاصلة تنفذ مخططات إسرائيل والأمريكيين أحدهم بعث برسالة عن علاقة الأنبا توماس بمنظمات يمينية متعصبة في الولايات المتحدة وفي السويد التي يوفد إليها كل عام عدد من شباب أقباط الصعيد»، هناك فريق ثالث تمني ألا يفجر الموضوع وينشر علي الملأ، مؤثراً أن يجري الحوار حول الكلام الذي قيل في اجتماعات مغلقة يشترك فيها أفراد محدودون للتفاهم حول الموضوعات الخلافية.

ملاحظاتي علي هذه الأصداء أوجزها فيما يلي:
إنه إذا كان هناك عتاب فينبغي أن يوجه إلي الذي صدر عنه الكلام الخطير، وليس علي الذين نشروه أو الذي حذر من خطورته، وطلب إيضاحات بشأنه تطمئن الجميع إلي أن هذا موقف شخص وليس موقف قيادة أو مؤسسة.
إنه من المهم للغاية أن يتعرف الرأي العام علي موقف الكنيسة القبطية من كلام الأنبا توماس وأن يعلن هذا الموقف علي الملأ، لأن الرجل حين يعتبر أن المشكلة في الإسلام والعروبة فإنه وضع نفسه في خصومة لا حل لها مع 94% من الشعب المصري.

إن أخطر ما في الكلام أنه لا يتحدث عن مطالب للأقباط أو حتي مظالم، فلم يتطرق إلي موضوع المواطنة أو بناء الكنائس أو التمثيل في الوظائف العليا، وإنما انطلق من الإدعاء بأن الأقباط يملثون هوية مختلفة. كالأكراد في العراق والأمازيغ في الجزائر والبلوش في إيران، وهذا الكلام إذا أخذ علي محمل الجد، فإنه يفتح الباب للطائفية السياسية وربما لما هو أسوأ من ذلك وأبعد.

إن كلام الأنبا توماس ليس جديداً كله لأن دوائر الغلاة تردده بصورة أو أخري، والمطبوعات التي يتداولها أقباط المهجر توسع فيه بما يعمق من الشرخ ويحقق المفاصلة، ولكن هذه هي المرة الأولي فيما أعلم التي تعلن فيها هذه الآراء في داخل مصر بجرأة من قبل قيادة كنسية، صحيح أن الرجل قال كلامه في الولايات المتحدة، واستمع إليه جمهور لم يصدم بسببها وربما اعتاد عليها، لكنه لم يتحسب لاحتمال نشره في مصر وتعميمه علي جمهور القراء.
أنني ذكرت فيما كتبته أن الكلام الذي نشرته الصحف المصرية الثلاث «الدستور ـ المصري اليوم ـ البديل» إذا لم يقم الأنبا توماس بنفيه أو تصويبه. فينبغي أن نتعامل معه علي أنه حقيقة، وأن نسائله عنه بمقتضاه، الأمر الذي يعني أنني تمنيت عليه أن يراجع كلامه لكي يمتص صدمة الكثيرين بسببه.

إن العيش المشترك ليس هتافاً أو شعاراً يطلق في الفضاء ولا خطبة يكتفي بإلغائها في المناسبات المختلفة، ولكنه ضرورة وجودية لها شروطها التي ينبغي أن تتحقق علي الأرض، أولها القبول المتبادل، وثانيها المساواة في الحقوق والواجبات، وثالثها احترام الأوزان النسبية لمختلف مكونات الجماعة الوطنية، علماً بأن اختلاف تلك الأوزان لا علاقة له بالحقوق والواجبات التي يُعد التساوي فيها أمراً مقطوعاً به ومفروغاً منه.

أدري أن بين المتعصبين المسلمين من يطلق دعاوي بنفس الدرجة من الخطورة تخل بمقتضيات العيش المشترك، وهو أمر محزن لا ريب يتطلب موقفاً حازماً وعلاجاً سريعاً، لكن الفرق الجوهري في الحالة التي نحن بصددها أن خطاب المتعصبين حين يصدر عن عوام الناس فإن تأثيره لا يقارن بذات الخطاب، إن ما صدر عن القيادات والرموز «الروحية» التي تعد من أركان مؤسسات التوجيه والإرشاد.

25 يوليو، 2008

في الموازنة بين الأمن والعلم

صحيفة الدستور المصريه الخميس 21 رجب 1429 – 24 يوليو 2008
في الموازنة بين الأمن والعلم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_25.html

تلقيت هذا السؤال من قارئ أشك في براءته: لماذا يحضر الرئيس حسني مبارك الاحتفال بتخريج ضباط الشرطة والجيش، ويكرم الأوائل منهم، في حين لا يكرم أحدًا من خريجي الجامعات، كما كان يحدث في «عيد العلم» من قبل؟، سبب شكي في براءة المرسل، الذي هو أستاذ جامعي، أن السؤال ينبغي أن يوجه إلي المحيطين بالرئيس، الأمر الذي جعلني أفكر في أن أرد عليه بعدم الاختصاص، شجعني علي ذلك أنني لا أريد أن أورط نفسي في التكهن بدوافع وخلفيات تحركات الرئيس، خصوصًا أن الذين خاضوا في موضوع صحته قضيتهم لاتزال منظورة في المحاكم، ولأنني أخذت حصتي من المحاكمة قبل نصف قرن، ولم تكن التجربة مبهجة بأي حال، فقد تعلمت الدرس الذي جعلني أنأي بنفسي عن موارد الاتهام والمحاكمة.

مع ذلك، فقد وجدت السؤال وجيهًا، وتذكرت أن الدكتور سعيد إسماعيل علي أحد شيوخ أصول التربية كان قد طرحه في إحدي مقالاته المنشورة قبل سنتين، لكنه لم يحاول الإجابة عنه، وإنما استخدم الملاحظة دليلاً علي هيمنة العسكر علي الحياة الثقافية في مصر، وليس السياسة وحدها واعترف بأنه ظل يلح عليّ لبعض الوقت، خصوصًا بعدما شاهدت علي شاشة التليفزيون الاحتفالين اللذين أقيما بمناسبة تخريج ضباط الشرطة والجيش، ولاحظت أن جهدًا غير عادي بذل في إعداد وإخراج الاستعراضات التي قدمت في الاحتفالين، لتحقيق الإثارة وجذب الانتباه حتي شككت في أن يكون نصف العام الدراسي قد ضاع في التدريب علي تلك الاستعراضات.،

حين استسلمت للتفكير في إجابة السؤال خطرت ببالي عدة احتمالات، أحدها أن اهتمام الرئيس بحضور الاحتفالين بتخريج ضباط الشرطة والجيش، وعدم اكتراثه بتكريم الأوائل في الجامعات العادية، يعبر عن موازين القوة الحقيقية في مصر، ذلك أن الجيش والشرطة لايزالان بعد مضي أكثر من نصف قرن علي ثورة ضباط 23 يوليو ، هما عصب السلطة وأكبر مراكز القوة في بر مصر، قل ما شئت في عدد الأحزاب في البلد «23 حزبًا» أو في حجم وتعدد منظمات المجتمع المدني، لكن كل هؤلاء ليس لهم عشر معشار نفوذ ووزن الجيش والشرطة.
الاحتمال الثاني أن ذلك الحضور في ساحة والغياب عن ساحة أخري يعبر عن المفاضلة بين الأمن والعلم، ذلك أنه لا خلاف بين أحد في مصر علي أن قضية أمن النظام تحتل أولوية قصوي، وهي مقدمة بمراحل علي أمن المجتمع، تشهد بذلك الموازنات والمخصصات المرصودة للجيش والشرطة، المعلنة منها وغير المعلنة، وتلك التي ترصد لأي مرفق آخر من مرافق الدولة، وإذا قارنت الأوضاع المالية البائسة للجامعات المصرية، التي جعلت جامعة القاهرة تتسول الأموال لتشتري قطعة الأرض المجاورة لها لكي تخفف من التكدس في مبانيها القائمة، بالإنفاق الباذخ والإمكانات الوفيرة التي توضع تحت تصرف الكليات العسكرية، إذا أجريت هذه المقارنة فستدرك علي الفور « مقام» هؤلاء وهؤلاء، أما ما يخصص للبحث العلمي في البلد «0.2%» فهو فضيحة تكشف مدي ازدراء الدولة بهذا الباب « النسبة في إسرائيل أكثر من 5% من الدخل القومي».

الاحتمال الثالث يتعلق بأمن الرئيس ذاته، ذلك أنه حين يحضر الاحتفالات المقامة في الكليات والأكاديميات العسكرية، فإنه يتحرك في محيط تتوفر له درجة عالية من الأمن، حيث يصبح في هذه الحالة في داخل الأسرة، أما الاحتفالات التي تقام لأوائل خريجي الجامعات المصرية فإن الاحتياطات الأمنية فيها غير كافية، ونسبة الثقة في إحكامها أقل منها في الكليات العسكرية.
وليس سرًا أن احتياطات أمن الرئيس تمت مضاعفتها بشكل ملحوظ منذ وقوع حادث المنصة في عام 1981 الذي انتهي بمصرع الرئيس السادات، وبسبب هذه الاحتياطات فقد ألغيت الاستعراضات العسكرية، ولم يعد الرئيس يظهر في اللقاءات الجماهيرية المفتوحة.
الاحتمال الرابع ألا يكون أي من العوامل السابقة سببًا يفسر حضور الرئيس في ساحة وغيابه عن أخري، وأن يكون الرئيس قد اختار أن يتصرف علي نحو آخر، ولم يشأ أن يلتزم بنفس الأسلوب الذي كان متبعًا علي عهد الرئيس عبد الناصر، واكتفي أن يخصص جوائز للتفوق وأخري باسم جائزة مبارك للعلوم والفنون، إضافة إلي جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية التي كانت مقررة منذ عهد الرئيس عبد الناصر .. والله أعلم.

23 يوليو، 2008

طعنة للجماعة الوطنية

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 19 رجب 1429 – 22 يوليو 2008
طعنة للجماعة الوطنية - فهمى هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_1745.html

يصاب المرء بالدهشة مرتين حين يقرأ كلام الأنبا توماس في المحاضرة التي ألقاها بالولايات المتحدة الأمريكية، ونشرت تفاصيلها وكالة أنباء «أمريكا إن أرابيك»، ونقلتها عنها بعض الصحف المصرية يوم الأحد الماضي «20 يوليو». مصدر الدهشة الأولي - الصدمة إن شئت الدقة - هو خطورة الآراء التي عبر عنها الرجل، الذي ليس قبطياً عادياً ولا شاباً منفعلاً «عمره 51 سنة» ولكنه قيادة كنسية مرموقة يحتل موقعاً متقدماً من خلال عضويته للمجمع المقدس، الذي هو أعلي سلطة في الكنيسة المصرية ثم إنه أسقف لإبراشية القوصية في صعيد مصر، الأمر الذي يعني أن له جمهوره العريض الذي يتلقي منه ويتأثر بآرائه.

المحاضرة ألقاها هذا الأسبوع الأنبا توماس في معهد هيودسون، الذي يعد أحد مراكز التفكير التابعة للمحافظين الجدد، ومن النقاط التي ركز عليها ما يلي:

> إن أكبر معضلتين تواجهان المجتمع المسيحيي في مصر هما «التعريب» و«الأسلمة»، وأن القبطي يشعر بالإهانة إذا قلت له إنك عربي، مضيفاً: «أننا لسنا عربا ولكننا مصريون، وأنا سعيد لكوني مصرياً وإن كنت أتكلم العربية، ومن الناحية السياسية فإنني أعيش في ظل دولة تم تعريبها وتنتمي إلي جامعة الدول العربية، ولكن ذلك لا يجعلني عربياً».

> إن كل المصريين كانوا أقباطاً إلي أن احتل العرب مصر، فاعتنق بعضهم الإسلام، إما بسبب الضغط أو رغبة في التهرب من الضرائب أو طموحاً إلي التكيف والتعامل مع القادة والحكام العرب، وهؤلاء لم يعودوا أقباطاً، ولكنهم أصبحوا شيئاً آخر «لم يقل إنهم صاروا مسلمين»، وهؤلاء اتجهت أبصارهم صوب الجزيرة العربية «مكة والمدينة» بدلاً من مصر.

> إن الأقباط المصريين يشعرون بالخيانة من إخوانهم في الوطن «؟»، كما أنهم أدركوا أن ثقافتهم ماتت، ووجدوا أن عليهم أن يحتضنوا هذه الثقافة ويحاربوا من أجلها، حتي يحين الوقت الذي يحدث فيه الانفتاح، وتعود الدولة إلي جذورها «القبطية»، وفي المناخ الراهن فإنه لا يمكن تدريس اللغة القبطية التي هي اللغة الأم لمصر في المدارس العامة، في حين تسمح نظم التعليم بتدريس أي لغة أجنبية أخري.

> إن ثمة تزويرا في التاريخ المصري، بمقتضاه سرقت ثقافتنا والفن الخاص بنا، حتي الفن الخشبي، الذي هو عمل حرفي اشتهر به المصريون، سرق من الأقباط وأطلق عليه «الأرابيسك» واعتبر فناً إسلامياً.

> اشتركت في نشر خلاصة محاضرة الأنبا توماس ثلاث صحف يومية هي «الدستور» و«المصري اليوم» و«البديل». لكن «المصري اليوم» انفردت بإضافة تعقيب علي لسان القمص بيمن بطرس، نائبه في مطرانية القوصية، قال فيه إن الأنبا توماس كان في زيارة للبابا شنودة الذي يعالج الآن في الولايات المتحدة، وإنه «معروف بمواقفه الوطنية وعلاقاته جيدة جداً بالمسلمين»، وإنه بحديثه استهدف «إيضاح الأمور وإظهار حقيقة الشعب المصري» !.

> إذا لم يصحح الأنبا توماس هذا الكلام أو ينفه، فذلك يؤكد صدوره عنه، وخطورة هذا التأكيد أن الكلام ينسف أسس التعايش بين المسلمين والأقباط في مصر، ويلغي وجود الجماعة الوطنية، ومن ثم فإنه يعمق الشرخ الموجود بين أبناء البلد الواحد، بل يفجر العلاقة علي نحو يفتح الباب واسعاً لشرور لا حدود لها، وفي هذه الحالة، فإننا إذا تغاضينا عما تضمنه كلامه من أغاليط ومرارات ينبغي أن يتنزه عنها المنصفون والراشدون، فمن حق المواطن العادي أن يفزع من صدوره عن قيادة كنيسة، وأن يتساءل بعد ذلك: باسم من يتكلم أسقف القوصية؟، وما رأي المجمع المقدس في الآراء التي أبداها؟ وما رأي البابا شنودة بوجه أخص؟

> هذه الأسئلة الأخيرة تقودنا إلي المصدر الثاني للدهشة، الذي يتمثل في سكوت من نعرف من عقلاء الأقباط علي بث هذه الأفكار الخطرة والترويج لها في خارج مصر وداخلها، ذلك أننا نسمع من أولئك العقلاء كلاما مغايرا يعبر عن الحرص علي العيش المشترك والجماعة الوطنية والاعتزاز بالعروبة، التي اعتبرها الأنبا توماس سبة وإهانة، لكننا نلاحظ أن أولئك العقلاء سكتوا ولم نسمع لهم صوتا، يسجل موقفا صريحاً منها، ونرجو ألا يكون سكوتهم علامة علي الرضا، علماً بأن الرسالة المفخخة التي بعث بها من خلال محاضرته، لا يجوز الحياد إزاءها أو الخوف من نقضها وإعلان البراءة منها.

صفقة تطهير الذاكرة

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 19 رجب 1429 – 22 يوليو 2008
صفقة تطهير الذاكرة - فهمي هـويـدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_23.html

(1)‏
عملية إطلاق سراح الأسري لدي إسرائيل شهادة أعادتنا إلي زمن البراءة والكبرياء‏,‏ وذكرتنا بما نستطيع أن نفعله‏.‏ بقدر ما أن المطالبة باعتقال الرئيس السوداني شهادة ردتنا إلي زمن الانكسار‏,‏ ونبهتنا إلي ما يمكن أن يفعل بنا‏.‏
لا أعرف أي قدر من الدهشة يمكن أن يعتري شباب جيل هذا الزمان حين يطالعون قصص بطولات العائدين‏,‏ ويتعرفون علي هوياتهم‏.‏ أحدهم كان سمير القنطار اللبناني الدرزي الذي انخرط في جبهة التحرير قبل ثلاثين عاما‏,‏ وبدأ نضاله وهو في سن السادسة عشرة‏,‏ إذ نجح مع ثلاثة آخرين في الدخول إلي إسرائيل عن طريق البحر في عام‏1979,‏ واستطاعوا الوصول إلي مستوطنة نهاريا‏,‏ وكان هدف خطتهم هو اختطاف رهائن من الجيش الإسرائيلي لمبادلتهم بالأسري العرب‏,‏ فاشتبكوا مع سيارة للشرطة وقتلوا اثنين من جنودها‏,‏ ثم اقتحموا منزلا واختطفوا رجلا وابنته ليحتموا بهما في تقدمهم‏,‏

لكن الشرطة لاحقتهم وأمطرتهم بوابل من النيران فقتلوا اثنين من الفدائيين‏,‏ واضطر القنطار إلي قتل الرجل وابنته‏,‏ وفي هذه العملية التي صدمت الإسرائيليين ألقي القبض علي القنطار‏,‏ وقرروا الانتقام منه‏,‏ فصلبوه وعذبوه‏,‏ وأصدروا ضده أحكاما بالسجن لمدة‏542‏ عاما‏,‏ ورفضوا أي حديث عن مبادلته تحت أي ظرف‏,‏ حتي اعتبر إطلاق سراحه خطا أحمر‏,‏ وتداول السياسيون والإعلاميون منذ ذلك الوقت عبارة تقول‏:‏ إن إسرائيل لن تلد المسئول الذي سيفرج عنه‏.‏

في أحد التوابيت التي تمت مبادلتها رقد رفات دلال المغربي‏,‏ الفلسطينية ابنة العشرين عاما‏,‏ التي خرجت من أحد المخيمات المقامة في لبنان‏,‏ واختارتها حركة فتح لتكون في قيادة مجموعة ضمت‏13‏ شخصا كلفت في عام‏1978,‏ قبل شهر من عملية سمير القنطار‏,‏ بتنفيذ عملية جريئة‏,‏ استهدفت الاستيلاء علي مقر الكنيست في تل أبيب‏,‏ واحتجاز من فيه رهائن لمبادلتهم بالأسري العرب‏.‏ من البحر جاءوا في قوارب مطاطية أنزلتهم علي شاطئ يافا القريبة من تل أبيب‏,‏ ووصلوا قبل طلوع الشمس إلي الطريق العام‏,‏

حيث نجحوا في إيقاف حافلة ضمت‏30‏ إسرائيليا وأجبروا قائدها علي التوجه إلي تل أبيب‏,‏ وفي الطريق صادفتهم حافلة أخري فأوقفوها وأنزلوا ركابها وضموهم إلي الرهائن المذهولين الذين معهم‏,‏ أبلغت دلال المغربي الجميع بأنهم لا يريدون قتل أحد منهم‏,‏ لكنهم يريدون مبادلتهم مع زملائهم الذين تحتجزهم الحكومة الإسرائيلية‏,‏ وأخرجت من حقيبتها علم فلسطين وقبلته‏,‏ وعلقته في مقدمة الحافلة‏.‏ لاحقتهم قوات الجيش ووضعت الحواجز في طريقهم‏,‏ لكنهم نجحوا في اجتيازها‏,‏ وإلي أن واجهتهم المدرعات الإسرائيلية التي قصفت السيارة وأمطرت عجلاتها بالرصاص‏,‏ ودارت معركة عنيفة أسفرت عن مقتل‏30‏ إسرائيليا وجرح‏30‏ آخرين‏,‏ أما المجموعة الفدائية فقد قتل جميع أفرادها بمن فيهم دلال‏,‏ باستثناء اثنين أحدهما هرب‏,‏ والثاني سقط جريحا‏.‏

‏(2)‏
كل قادم من إسرائيل في عملية التبادل‏,‏ سواء كان حيا أو في تابوت خشبي‏,‏ وراءه قصة أقرب إلي الأسطورة‏,‏ ولم تكن الوقائع وحدها المدهشة في ذلك الزمن‏,‏ الذي يبدو الآن سحيقا وموغلا في القدم‏,‏ وإنما كان المناخ مدهشا بدوره‏,‏ فقد كانت المقاومة قيمة عليا توافق عليها العالم العربي بأنظمته وشعوبه‏(‏ لا تنس أن أحد قادة السلطة الفلسطينية وصف قبل عامين عملية فدائية في إسرائيل بأنها محاولة حقيرة‏!),‏ وكان المقاومون أبطالا يشار إليهم بالبنان‏,‏ والانخراط في صفهم أمل يهفو إليه الشباب العربي في كل مكان‏.‏ أيضا كان العدو واضحا‏,‏ ولا مكان للاختلاف حوله‏,‏ وفي مواجهته كان الإجماع منعقدا علي مستوي القطر والأمة‏,‏ وبطبيعة الحال فإن الصف الفلسطيني كان واحدا برغم تعدد فصائله‏.‏

مجموعة سمير القنطار الدرزي اللبناني لم تذكر الهوية الدينية أو القطرية لأي منهم‏,‏ أما مجموعة دلال المغربي فقد ضمت فلسطينيين ولبنانيين واثنين من اليمنيين‏,‏ وجميعهم كانوا دون العشرين من العمر‏.‏

لم يتم حتي كتابة هذه السطور التحقق من أصحاب الرفات الذي تم تسلمه من الإسرائيليين‏(‏ أكثر من‏190‏ جثة عربية سلمت‏),‏ لكن الثابت أن القائمة التي قدمها حزب الله إلي الإسرائيليين تضمنت أسماء شهداء يمثلون كل ألوان الطيف اللبناني‏,‏ الشيعة‏,‏ والسنة‏,‏ والأكراد‏,‏ والدروز‏,‏ وأعضاء سابقين في جبهة التحرير الفلسطينية وغيرها من الفصائل الفلسطينية‏,‏ والحزب الشيوعي القومي السوري‏.‏

لم يكن المناخ العربي وحده المواتي لمساندة المقاومة والتعويل عليها‏,‏ وإنما كان الظرف الدولي عنصرا مساعدا علي تبني ذلك الموقف‏.‏ كان الاتحاد السوفيتي سندا قويا للأمة العربية في مواجهتها مع إسرائيل‏,‏ فضلا عن أن العرب كان لهم أصدقاؤهم الذين ساندوهم‏,‏ وأخص بالذكر هنا الصين والهند وبقية دول عدم الانحياز‏.‏

مشهد تبادل الأسري عند رأس الناقورة في لبنان يعيد إلي أذهاننا كل ذلك الشريط‏,‏ علي نحو يحيي في ذاكرة الأمة صفحات من تاريخها القريب‏,‏ بعضها كاد يطويه النسيان‏,‏ وبعضها تعرض للمسخ والتشويه‏,‏ فضلا عن ذلك فإنه يثير أسئلة عدة تتعلق بتفسير الموقف الإسرائيلي الذي ذهب إلي حد تجاوز خطوطه الحمراء‏.‏
‏(3)‏
الصدمة كانت عنوانا لتعليقات النخبة الإسرائيلية علي صفقة الرضوان التي حملت الاسم الحركي للشهيد عماد مغنية‏(‏ الحاج رضوان‏),‏ القائد العسكري الأبرز في حزب الله‏,‏ الذي رتب عملية خطف الجنديين الإسرائيليين في عام‏2006,‏ وبسببها شنت إسرائيل عدوانها علي لبنان في صيف ذلك العام‏,‏ إذ وصفها أحدهم بأنها الصفقة البشعة‏(‏ عوفر شيلح في معاريف‏7/18),‏ وقال آخر‏:‏ إن يوم تبادل الأسري هو يوم أسود في تاريخ إسرائيل يجعل المرء يخجل من انتمائه إلي البلد‏(‏ نعومي راجن في يديعوت أحرونوت‏7/17),‏ أما الكتابات والتصريحات التي تحدثت عن فقدان إسرائيل لقدرتها علي الردع‏,‏ وهزيمتها أمام حزب الله في حرب‏2006,‏التي فشلت في تحقيق هدفيها‏(‏ القضاء علي حزب الله‏,‏ واستعادة الجنديين الأسيرين‏)‏ فهي بلا حصر‏.‏يهمنا في التعليقات الإسرائيلية تواتر الإشارة إلي أن صفقة التبادل لا ترفع من أسهم حزب الله فقط‏,‏ وإنما من شأنها أن تقوي ساعد المقاومة في العالم العربي‏,‏ وتعيد إلي الأذهان أساليبها ومقدراتها‏,‏ الأمر الذي لا يسبب إزعاجا لإسرائيل فقط‏,‏ وقد يدفع حركة حماس إلي التشدد في شروط إطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير لديها جلعاد شاليط‏,‏ ولكنه أيضا يسبب إحراجا للدول المعتدلة في المنطقة‏,‏ التي تصالحت مع إسرائيل‏,‏ وانحازت إلي السلام كخيار استراتيجي لها‏(‏ إسرائيل لم تعلن ذلك‏),‏ وفي الوقت نفسه فإن الصفقة تسبب إحراجا للسلطة الفلسطينية في رام الله التي أدانت المقاومة ولم تحقق شيئا علي صعيد إطلاق أسير واحد من الأحد عشر ألف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية‏.‏

الذين دافعوا عن الصفقة قالوا إنها تعزز مكانة إسرائيل الأخلاقية والقيمية‏,‏ وتبرهن علي أن إسرائيل مستعدة لأن تبذل أي شيء آخر من أجل استعادة أبنائها‏,‏ حتي الأموات منهم‏,‏ وهذا ما قالته ميري ايزن المستشارة الإعلامية لرئيس الوزراء‏(‏ كأن الاحتلال وتجويع الفلسطينيين وإبادتهم بالتدريج لا يخدش مكانة إسرائيل الأخلاقية‏).‏

صحيح أن التقاليد والتعاليم الدينية تدفع إسرائيل إلي الإلحاح علي استعادة رفاة جنودها‏,‏ لكن ذهابها في ذلك إلي حد تجاوز ما اعتبرته خطا أحمر بالإفراج عن سمير القنطار‏,‏ وإعادة رفات دلال المغربي‏,‏ يعطي انطباعا قويا بأن الأمر أكبر من تلك التقاليد والتعاليم‏,‏ وفي التحليلات والتعليقات المنشورة إشارة إلي أن إسرائيل أدركت أن وجود أولئك الأسري لديها يكلفها الكثير‏,‏ والضرر فيه أكبر من النفع‏,‏ خصوصا أن استمرار احتجازهم يغري المقاومة بمحاولة اختطاف جنود إسرائيليين جدد‏,‏ الأمر الذي يعقد الأزمة ويفاقمها‏.‏

بالتوازي مع ذلك فهناك عوامل أخري يتعذر تجاهلها‏,‏ منها مثلا أن إسرائيل تريد أن تنهي القضايا المعلقة مع لبنان‏,‏ بما فيها احتلال مزارع شبعا‏,‏ لكي تفسح المجال للمطالبة بتجريد حزب الله من السلاح‏,‏ باعتبار أن وجود تلك القضايا المعلقة هو الذي يبرر تمسك حزب الله بسلاحه‏,‏ وبإغلاق ملفات القضايا العالقة يسقط ذلك المبرر‏,‏ علما بأن تجريد الحزب من سلاحه ليس فقط مطلبا إسرائيليا يستهدف إفقاده لعنصر قوته‏,‏ ويعد تمهيدا مطلوبا قبل القيام بعمل عسكري ضد إيران‏,‏ لكنه أيضا مطلب أمريكي تبناه مجلس الأمن وأصدر به القرار رقم‏1559‏ الذي صدر عام‏2004,‏ الذي لم يأبه به الحزب‏.‏

علي صعيد آخر فإننا لا نستطيع أن نعزل الصفقة عن أجواء التهدئة التي تطلق إشارتها في المنطقة العربية‏(‏ من غزة إلي مباحثات سوريا وإسرائيل وتركيا‏),‏ وهذه التهدئة تلتقي عندها مصالح أطراف عدة‏,‏ فإسرائيل تريدها لتتفرغ للتعامل مع الملف الإيراني‏,‏ والإدارة الأمريكية تتطلع إليها لكي تضمها إلي رصيد الجمهوريين الخاوي في انتخابات الرئاسة في نوفمبر المقبل‏,‏ ذلك أن الحماس للتصويت للمرشح الجمهوري جون ماكين السائر علي درب بوش‏,‏ قد يتراجع إذا وجد الأمريكيون أن ذلك سيؤدي إلي استمرار الحرائق في المنطقة التي تسببت فيها سياسات الأخير‏.‏

‏(4)‏
صفقة الرضوان التي تمت في السادس عشر من يوليو الحالي بدت وكأنها ومضة عابرة في الفضاء العربي المعتم‏,‏ الذي يخيم عليه شعور قوي باليأس‏,‏ ويعاني الانقسام والفرقة‏,‏ بما استصحبه ذلك من شعور بالضعف‏,‏ وانقلاب منظومة القيم السائدة‏,‏ والافتقاد إلي الإجماع العربي حول مختلف قضايا المصير‏,‏ وعلي رأسها قضيتا فلسطين‏,‏ واستقلال القرار الوطني‏.‏

إن شئت فقل إن الصفقة أعادت إلي الذاكرة واحدة من لحظات العزة في زمن الاستضعاف العربي‏,‏ الذي سوغ للأمريكيين احتلال العراق‏,‏ وإعدام رئيسه‏,‏ ثم التحريض علي اعتقال الرئيس السوداني‏,‏ ومباركة كل الجرائم الإسرائيلية والدفاع عنها‏.‏

إن حزب الله بلحظة العزة التي استعادها لم يخترع العجلة‏,‏ لكنه فعل ما ينبغي أن تفعله أي حركة للتحرر الوطني‏,‏ تستمد شرعيتها من إيمانها بعدالة قضيتها وتفانيها في الدفاع عنها‏,‏ ومخاطبة العدو باللغة التي يفهمها‏,‏ وإذا أضفنا إلي ذلك الثقة في النفس وفي الله‏,‏ فإن كل ما يبدو مستحيلا يصبح ممكنا‏.‏

إن الدرس الكبير الذي ينبغي أن نتعلمه من الصفقة أن أعداءنا ليسوا بالقوة التي يصورونها لنا‏,‏ وأننا لسنا ضعفاء بالقدر الذي نتوهمه‏.‏

21 يوليو، 2008

اللعنة التي تطارد أوباما

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 18 رجب 1429 – 21 يوليو 2008
اللعنة التي تطارد أوباما - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_4716.html

تجتاح الإعلام الأمريكي لوثة تحري حقيقة معتقدات المرشح الرئاسي باراك أوباما، ومحورها الرئيسي هو ما إذا كانت لاتزال تشوبه «شائبة» تنم عن صلة له بإسلام أبيه «حسين» أم لا لأجل ذلك فإن مختلف وسائل الإعلام ما برحت تتسابق في التنقيب عن أسرته، وتأثيرات أبيه الأفريقي الذي هجر زوجته الكاثوليكية عندما كان ابنهما باراك في الثانية عشرة من عمره، ثم ما الذي تبقي لديه من السنوات التي انتقلت فيها الأم من كينيا إلي إندونيسيا، والتحق خلالها بإحدي المدارس التي كانت تدرس الدين الإسلامي للتلاميذ، وبطبيعة الحال فإنهم تتبعوا رحلته الدراسية في أمريكا، وسألوا كل الذين عرفوه كطالب وكمحام عما إذا كانت قد بدرت عنه أي بادرة تشي بحقيقة معتقده الديني، ولم يسترح بال هؤلاء حين علموا أن الأب حسين كان ملحداً، ولم يبق له في الإسلام إلا اسمه فقط، وأن الابن باراك نشأ علي تعاليم أمه الكاثوليكية، لكنه في شبابه وحتي تخرج في الجامعة كان لا دينياً، ولم يتم تعميده كمسيحي إلا في مطلع تسعينيات القرن الماضي، مع ذلك فإن اللاهثين وراء سيرته لم يكفوا عن التنقيب عن حقيقة معتقداته، حتي إن مجلة نيوزويك أفردت في عددها الأخير دراسة خاصة حول «مسيرة إيمانه»، وفي هذه الدراسة عرضت نتائج استطلاع أجرته حول هذه المسألة، بيّن أن 13% من الناخبين الأمريكيين لا يزالون يظنون أنه مسلم، وأن أكثر من ربعهم يعتقد أنه نشأ في بيت مسلم «الأمر الذي لا يغفر له» بل إن الشكوك لاحقته في مسيحيته أيضاً، ذلك أن كبير القساوسة في الكنيسة التي تعمد بها كان القس جيرما يا ريات الابن، وهو من ظهر علي شاشات التليفزيون في الربيع الماضي وصب لعناته علي أمريكا، الأمر الذي دعا أوباما إلي التبرؤ منه، مع ذلك فإن الاستطلاع الذي أجرته نيوزويك بيّن أن نصف المشاركين أعربوا عن اعتقادهم بأن أوباما يشارك رايت بعضاً من آرائه علي الأقل، وقال ما يقرب من ثلث المشاركين إن الكلام الذي قاله القس رايت قد يدفعهم إلي عدم التصويت لصالح أوباما.

أحد أخطاء أوباما القاتلة إنه قال ذات مرة إن الإسلام ينسجم مع العصر الحديث وهو ما تصدته بعض الأبواق التي أظهرته في صور مرتدياً جلباباً وعمامة ورغم الجهد الكبير الذي يبذله لإقناع الرأي العام بأنه مسيحي مؤمن، لا يفوت الصلاة في الكنائس كل يوم أحد، ورغم أنه ذهب بعيداً في مجاملة اليهود والإسرائيليين وامتداحهم في خطبته الشهيرة أمام منظمة «إيباك»، إلا أن ناقديه لم يغفروا له أنه لم يسب الإسلام ولم يتبرأ تماماً منه، علماً بأنه ظل شديد الحذر في التعامل مع المسلمين الذين يريد أن يكسب أصواتهم، وذلك لم يمنع مساعديه من أن يبعدوا فتاتين محجبتين حضرتا مؤتمراً له من الجلوس في الصفوف الأمامية لسامعيه، لكي لا يظهر في الصورة التي ستنشر عن اللقاء، الأمر الذي يعزز الشكوك المثارة حول حقيقة مشاعره الإيمانية.

من المفارقات في هذا السياق أن الأمريكيين الذين تضيق صدورهم باحتمال أن ينتخب رئيس لهم كان أبوه يحمل اسماً إسلامياً ثم صار ملحداً، في حين أنه يقطع لهم بأنهم لم تكن له بالإسلام صلة، ولكنه ابن أمه الكاثوليكية، ومن الثابت أنه تم تعميده كمسيحي قبل أكثر من 15 عاماً، هؤلاء أنفسهم هم الذين نسمع عنهم في الندوات والمؤتمرات سؤالاً دائماً عن السبب في أن بعض الإسلاميين يرفضون أن يتولي الرئاسة قبطي مصري، وفي لقاء أخير مع بعضهم قلت إن النص في الدساتير علي أن يكون رأس الدولة منتمياً إلي ديانة الأغلبية أمر ليس مستغرباً، وهذا هو الحاصل في اليونان والدنمارك وإسبانيا والسويد وإنجلترا ودول أخري في آسيا البوذية وأمريكا اللاتينية الكاثوليكية، ومع ذلك فإن عدداً غير قليل من الباحثين الإسلاميين وأنا منهم، لم يعودوا يشترطون سوي أن يتم اختيار الرئيس في انتخابات حرة ونزيهة بصرف النظر عن ديانته.
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_4716.html
http://www.dostor.org/?q=node/9450

خبر متابعة أحوال الرعية

صحيفة الدستور المصريه الأحد 17 رجب 1429 – 20 يوليو 2008
خبر متابعة أحوال الرعية - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_21.html

بدا مستفزاً الخبر الذي استهل به التليفزيون المصري نشرته الإخبارية مساء يوم الخميس الماضي، الذي أنبأنا بأن الرئيس حسني مبارك يتابع أولاً بأول تطورات حادث مرسي مطروح المروع، الذي قتل فيه أكثر من 55 مصرياً، بعد ارتطام سيارة نقل كبيرة بأحد القطارات العابرة. ذلك أنني لم أجد خبراً في مسألة «متابعته» للكارثة، التي لا تعني سوي أنه أخبر بما جري وربما أصدر تعليماته باتخاذ ما يلزم إزاء الضحايا، وهو ما يعني أنه علم بالأمر وطلب من الجهات المعنية أن تؤدي واجبها الطبيعي إزاءه، وذلك كله ليس فيه جديد يمكن أن يشكل خبرا يضاف إلي معارف المشاهدين، بالتالي فلا تفسير لذلك سوي أن المسئولين في التليفزيون أرادوا تذكيرنا بأن الرئيس في «الصورة»، وأنه يمارس عمله العادي في التعرف علي أحوال الرعية والاستماع إلي أخبارها، وهو ما يثير من علامات الاستفهام والدهشة، بأكثر مما يبعث علي الارتياح والاطمئنان.
لو أن الذي فعلها كان الرئيس البرازيلي أو السويسري أو الإيطالي لشكرناه علي مشاعره الطيبة، واعتبرنا أنه باقتطاعه بعض وقته لمتابعة شئون الشعب المصري الشقيق أو الصديق إنما قدم بادرة مودة ومحبة تستحق الإشارة والتنويه، لكن حين يفعل ذلك رئيس الجمهورية المصرية فإن الحديث عنه يصبح بلا معني.

أفهم أن ما فعله الرئيس يمكن أن يكون خبرا حقا لو أنه طلب إجراء تحقيق موسع ليس في ملابسات كارثة اصطدام عربة النقل بقطار الركاب، وإنما في الكارثة الأكبر التي يعيشها قطاع النقل في مصر، خصوصاً قطارات السكك الحديدية والطرق البرية غير الآمنة، التي تظل دماء المصريين تنزف عليها علي مدار العام.

لقد نشرت صحف السبت 19/7 تصريحات لرئيس المجلس المحلي لمحافظة مطروح، الدكتور أحمد عبدالله عيسي، قال فيها إن المجلس نبه قبل أسبوعين من وقوع الحادث إلي خطورة الطرق في مطروح وتدهور مستوي الكفاءة فيها، وقال إن طريق مطروح الدولي الذي يربط مصر بدول المغرب العربي، إضافة إلي مصيف المدينة، يتحمل كثافة مرورية عالية، في حين أن حالة الطريق والخدمات المتوفرة له، فيما يتعلق بالتمهيد والإضاءة دون المستوي المطلوب، كما حذر من وقوع كوارث أخري خصوصاً في الجزء الموصل من مطروح إلي السلوم باتجاه الحدود الليبية. وأثناء متابعتي للتفاصيل المنشورة وجدت أن المنطقة التي وقع فيها الحادث كانت مظلمة، رغم أنها منطقة تقاطع وعبور يتوفر بها «مزلقان» أغلقه العامل المختص ليسمح بمرور القطار، ولكن سائق الشاحنة اندفع نحوه وارتطم به، مما تسبب في انقلاب عربة القطار ووقوع الكارثة، وجدت أيضاً أن السائق فشل في إيقاف شاحنته، سواء لأن سرعته كانت شديدة أو لأن الكوابح «الفرامل» كان بها خلل ما، وذلك كله يعني أن ثمة ثغرات أهمل التعامل معها وأسهمت في وقوع الحادث، وأغلب الظن أن أحداً لن يحاسب عليها، خصوصاً أن سائق الشاحنة قُتل في الحادث.

هذا الإهمال ليس مقصوراً علي خط مطروح فقط «أمس نشرت «الدستور» أن حافلة ركاب سياحية انقلبت علي الطريق ما بين الإسكندرية ومرسي مطروح مما أدي إلي مصرع طفلة وإصابة 35 راكباً بجروح»، وفي عدد الأهرام الصادر أمس أيضاً صفحة كاملة تضمنت أربعة موضوعات عن «الأمان المفقود في السكك الحديدية»، أحدها عن رحلة العذاب في قطارات الضواحي والأقاليم، التي تتجه من القاهرة إلي مختلف أنحاء مصر، وذلك قليل من كثير يشهد بتدهور مرفق النقل، الذي هو جزء من التدهور العام الذي يعاني منه قطاع الخدمات، خصوصاً في التعليم والصحة والإسكان، وهذا التدهور الذي ظهرت نتائجه الكارثية خلال السنوات الأخيرة يجسد سياسة توجيه الاهتمام إلي تأمين النظام وعدم الاكتراث بأمن المجتمع، وهذه الخلفية قد تفسر لنا أعتبار التليفزيون أن متابعة الرئيس لحادث قطار مطروح خبر جديد جدير بالتنويه والإبراز.

20 يوليو، 2008

هدية مصرية لإسرائيل

صحيفة الدستور المصريه السبت 16 رجب 1429 – 19 يوليو 2008
هدية مصرية لإسرائيل - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_8463.html

سمحت إسرائيل لطاقم من الأطباء الفلسطينيين من عرب 48 بالذهاب إلي غزة لعلاج المرضي هناك، وبثت وكالة الأنباء الفرنسية يوم الخميس الماضي «10/7» تقريراً عن الزيارة، أبرزت فيه أن الأطباء يحملون الجنسية الإسرائيلية، وأنهم ثلاثة إخصائيين ومعهم منسق، وأنهم قدموا لتقديم الاستشارات الطبية وإجراء عمليات جراحية للمرضي خصوصاً الذين يعانون من أمراض العظام والأورام السرطانية، ونقلت الوكالة عن أحدهم، هو الدكتور عبد السلام اغبارية طبيب الأورام الذي يعمل في مستشفي رسبام في حيفا شمال إسرائيل، قوله إنه بكي تأثراً أثناء قدومه إلي غزة من معبر بيت حانون «إيريز» حين التقي سيدة فلسطينية متوجهة إلي إسرائيل، وهي تمسك بيدها طفلاً في الثالثة من عمره يعاني من السرطان.

ذكر تقرير الوكالة أن الدكتور اغبارية وزميليه يقيمون في مستشفي غزة الأوروبي، الواقع بين مدينتي رفح وخان يونس، وأنهم في اليوم الأول لوصولهم أقاموا عيادة للأورام السرطانية، وعاينوا 25 حالة، كما تحدث التقرير عن المعاناة الشديدة التي يشكو منها مرضي العظام، الذين فقد بعضهم القدرة علي الحركة، وانتظروا وفد الأطباء الزائرين علي أحر من الجمر لإنقاذ حياتهم، ونقل عن المنسق الذي يمثل «رابطة أطباء لحقوق الإنسان» صلاح الحاج يحيي، أن الرابطة نظمت هذه الزيارة للتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني في القطاع، الذي تدهورت أوضاعه الصحية ضمن ما تدهور في مجمل المرافق والأنشطة الأخري، وقال إن أبرز المشاكل الصحية في القطاع تتمثل في التشخيص المتأخر للحالات لعدم وجود موارد بشرية كافية، والنقص الحاد في المعدات وأجهزة التحاليل، وعدم توفر 49 دواء أساسياً مطلوباً لعلاج المرضي.

اعتبر منسق «رابطة أطباء حقوق الإنسان» أن عام 2007 كان الأسوأ في قطاع غزة، بسبب الكارثة الصحية التي حلت به، ومماطلة السلطات الإسرائيلية في خروج المرضي للعلاج، ومحاولتها ابتزازهم عن طريق اشتراط تجنيدهم لصالح المخابرات الإسرائيلية مقابل السماح لهم بالسفر للعلاج.

بعد ثلاثة أيام من سماح إسرائيل للوفد الطبي بالذهاب إلي غزة، أذيع أن مصر رفضت إدخال سبعة من الفلسطينيين تم علاجهم في تركيا، وكان هؤلاء ضمن 130 فلسطينياً كانوا قد نقلوا للعلاج في إستنبول بعدما تعرضوا لإصابات جسيمة أثناء الاجتياح الإسرائيلي للقطاع في شهر فبراير الماضي، وكان سبب المنع أنهم لا يحملون تأشيرات دخول إلي مصر، رغم أنهم كانوا قد مروا بها في رحلة الذهاب إلي تركيا، ورغم ضعف حالتهم الصحية ـ بعضهم قطعت أطرافه ـ فإنهم أعيدوا إلي إستنبول مرة أخري، التي لم تسمح لهم بالدخول لأنهم أتموا إجراءات الخروج، وكانت النتيجة أنهم ظلوا عالقين في مطار إستنبول في انتظار نتائج الاتصالات التي تبذل لحل مشكلتهم.

إذا وضعت الخبرين جنباً إلي جنب، ستكون إسرائيل هي الرابحة رغم كل جرائمها التي ترتكبها بحق الفلسطينيين، وستكون مصر هي الخاسرة رغم كل ما قدمته لأهل فلسطين والفلسطينيين، وهذا الانطباع المسئ إلي مصر ناشئ عن توجيهات وقرارات تخطئ في التقدير والحساب، من قبيل تلك التي تمنع الأطباء المصريين من التطوع لعلاج المرضي في غزة، وتضيق علي المرضي الفلسطينيين الراغبين في اجتياز معبر رفح للعلاج خارج القطاع، وقد سمعت من الدكتور باسم نعيم، وزير الصحة في الحكومة المقالة أن 80% من المرضي في غزة يعانون إما من أمراض القلب أو العظام أو الأورام أو الأعصاب، وفي حدود علمي أن اتحاد الأطباء العرب اقترح أيضاً عدداً من الأطباء في هذه التخصصات لعلاج المرضي المصابين هناك والإشراف علي تدريب الأطباء الفلسطينيين، ولكن هذا الطلب رفضته أجهزة الأمن، وهو ما يدعوني إلي التساؤل: لمصلحة من هذا الموقف المتعسف الذي يجعل إسرائيل أكثر رحمة وتعاطفاً مع الفلسطينيين من مصر؟

حلم الأطباء المستحيل

صحيفة الدستور المصريه الجمعه 15 رجب 1429 – 18 يوليو 2008
حلم الأطباء المستحيل - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_20.html

الأطباء الذين طالبوا بتدخل الرئيس لإنصافهم، مثلما فعل مع الحضري أثبتوا أنهم لا يجيدون قراءة خرائط هذا الزمن، إذ توهموا أنهم يمكن أن يلقوا نفس الاهتمام الرئاسي الذي حظي به حارس مرمي النادي الأهلي، لا أعبر في ذلك عن رأي شخصي، فأنا أعرف قيمة الطبيب والجهد الكبير الذي يتحمله لكي يحصل علي شهادته، بعد دراسة لمدة سبع سنوات غير سنة «الامتياز»، لكن قوانين السوق وضعت الحضري الحاصل علي الشهادة الإعدادية في مرتبة متقدمة عنهم ومقام أرفع كثيراً، صحيح أنني أحمد للأطباء الذين تظاهروا أمام نقابتهم أنهم طالبوا بالمساواة مع الحضري في مجرد تدخل الرئيس لإنصافهم من خلال رفع قيمة البدلات التي تصرف لهم، ولم يخطر علي بال أحد منهم أن يطالب بالتساوي معه في الأجر، إلا أنه يتعين عليهم أن يدركوا من البداية أن هناك فرقاً بين الطبيب وبين لاعب الكرة، ذلك أن أي متتبع للشأن الاجتماعي وتحولاته في مصر لا تفوته ملاحظة أن الطبيب أو غيره من المهنيين وأهل العلم لم يعودوا ذوي الحظوة في هذا الزمان، وأن سعرهم في بورصة الشخصيات المقدرة والعامة في هبوط مستمر، كما أن حضورهم في الإدراك العام الذي تشكله قنوات التليفزيون وبرامجه أقوي بكثير من حضور كل طوابير المهنيين مهما علا شأنهم.

المفارقة تجسدها الأخبار المنشورة في عدد «الدستور» الصادر في 14/7 الحالي، ذلك أنه في ذات العدد الذي تحدث عن مظاهرة جماعة «أطباء بلا حقوق»، الذين طالبوا برفع مستواهم المالي، وغاية مناهم أن ترتفع قيمة البدل العددي من 20 و30 جنيهاً إلي 300 جنيه، فإن صفحات الرياضة في ذات العدد تحدثت عن أن النادي الأهلي دفع 70 مليون جنيه لشراء 9 لاعبين في حين دفع نادي الزمالك 65 مليون جنيه لشراء 6 لاعبين جدد!، وتلك شهادة توضح بجلاء المسافة الشاسعة في السوق بين قيمة الطبيب وقيمة لاعب كرة القدم.

أكرر أن ذلك التفاوت في الدخل والمكانة الاجتماعية ليس مقصوراً علي الأطباء وحدهم، ولكنه يشمل كل المهنيين وأساتذة الجامعات وغيرهم من الذين أفنوا حياتهم في المختبرات وفي بحور العلم المختلفة، ولا أتجاهل أن الفجوة هائلة في مصر بين مرتبات ودخول العاملين في الحكومة، وأن دخل الموظف الكبير أو المرضي عنه يمكن أن يصل إلي مائة ضعف دخل زميله في المكتب وسنة التخرج في الجامعة، ولا أستطيع أن أنسي أن أحد الأكاديميين المحترمين طالب ذات مرة بأن يتساوي راتب أستاذ الجامعة مع الراتب الذي يتقاضاه «فراش» في بنك تنمية الصادرات «وهو بنك حكومي»، لكن الذي يهمني في اللحظة الراهنة هو ذلك الخلل في منظومة القيم الاجتماعية الذي أدي إلي تراجع قيمة المهنيين وغيرهم من أهل العلم، بالمقارنة بالفئات الثلاث: لاعبو كرة القدم والمطربون والراقصات، وهو الخلل الذي أحدث انقلاباً في الإدراك العام، بحيث أقبلت أعداد غفيرة من الأسر متوسطة الحال علي إلحاق أبنائها بالفرق الرياضية في النوادي الكبيرة، أملاً في أن يفلح واحد منهم ويصبح نجماً كبيراً يعوض الأسرة وأجيالها المقبلة عن المعاناة التي عاشوا في ظلها.

يحتاج ذلك الخلل إلي تفسير قد تتعدد فيه الاجتهادات، إذ لست أشك في أن سياسة السلطة لها دخل في ذلك، لم تسع إلي رفع مكانة المهنيين والباحثين «الأطباء الذين يحلمون بزيادة بدل العدوي دليل علي ذلك» ثم إن الإعلام الذي لا يسلط أضواءه إلا علي اللاعبين والفنانين خاضع لسلطة الدولة وينفذ سياستها. وهناك رأي آخر له وجاهته، يري أن العرض والطلب أصبحا يتحكمان في كل شيء حولنا، بحيث لم تعد قيمة الفرد تقاس بكفاءته العلمية أو المهنية أو بحاجة المجتمع إليه، وإنما تقاس بعوامل العرض والطلب، فاللاعبون ترتفع أسعارهم لأن هناك جمهوراً مستعداً لتغطية نفقات استجلابهم، وكذلك الحال بالنسبة للمطربين والراقصات، لكن الأطباء وغيرهم من المهنيين والعلماء ليس لهم جمهور مستعد للدفع بسخاء لهم، وهو ما يستوجب إعادة التفكير بشكل جاد في ضرورة إخراج هذه المهنة من سوق العرض والطلب، علي الأقل حتي لا يندم الأطباء لأنهم أكملوا تعليمهم ولم يصبحوا لاعبين لكرة القدم أو مطربين.

17 يوليو، 2008

بيان بائس

صحيفة الدستور المصريه الخميس 14 رجب 1429- 17 يوليو 2008
بيان بائس - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_9552.html

يصدمنا البيان الذي صدر باسم مجمع البحوث الإسلامية بخصوص فيلم «السادات» الذي وزعته إحدي الصحف الإيرانية، حتي أزعم أنه أساء إلي المجمع وابتذله إلي مدي بعيد، فلا موقف البيان كان متوازناً أو رصيناً، ولا حجته كانت قوية، أما لغته فكانت مما لا يليق بأهل العلم.

لقد تحدث البيان عن شريط لم يره أحد، واعتمد علي ما تناقلته وسائل الإعلام، بالتالي فإن المجمع لم يتثبت من الموضوع الذي يعلق عليه البيان، وقد اعتدنا من أهل العلم حين يتصدون لمثل هذه الأمور أن يبدأوا كلامهم بعباراة «إذا صح كذا وكذا أو إذا كان الأمر علي النحو المنشور أو المتداول»، ولكن الذين أعدوا البيان لم يسيروا علي ذلك النهج، وآثروا أن يلتحقوا بـ«الزفة» الإعلامية، فعبروا عن انفعال اتسم بالخفة، أكثر مما عبروا عن الحكمة وسلامة النظر، وكانت النتيجة أن البيان انطلق من غضبة للرئيس السادات لم نر لها نظيراً في غضبة المجمع للإساءة التي لحقت بالنبي عليه الصلاة والسلام في قصة الرسوم الدانماركية الشهيرة.
ليس من عادة مجمع البحوث الإسلامية أن يقحم نفسه في تقييم الأعمال الفنية والأفلام الوثائقية، خصوصاً إذا كان لها طابعها السياسي، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد لا بالشأن الدين ولا بمصالح المسلمين، ولذلك بدا موقفه شذوذاً علي رسالته ودوره، وميلاً غير كريم مع ريح الهرج الإعلامي الذي يثير موقفه أسئلة عدة تستريب في دوافعه ومقاصده.

لا تتوقف دهشة المرء عند هذا الحد، وإنما يتسرب إليه الشعور بالخجل حين يقرأ الحجج المتهافتة التي أوردها بيان المجمع وبني عليه رأيه في «أن إعداد الشريط الوثائقي» يمثل أبشع صورة للخروج علي أحكام الإسلام وعلي آدابه وعلي قيمه الشريفة»، هذا الخروج انبني علي وصف الرئيس السادات في الشريط بأنه «فرعون»، وهو ما اعتبره البيان تكفيراً له، في حين أن كلمة فرعون محملة بأكثر من معني في الخطاب الاصطلاحي، وأشهر هذه المعاني في الثقافة المصرية السائدة تربط بين الوصف وبين الاستبداد والاستعلاء، بل إنه يوظف أحياناً في التعبير عن الفخر والاعتزاز، ولا تنس أن الفريق القومي لكرة القدم حين يحقق فوزاً أو يحصل علي كأس، فإن أعضاءه يوصفون بالفراعنة، الأمر الذي يعني أن فرعون في خلفيته التاريخية يختلف عنه في الخطاب المعاصر، ولكن بيان المجمع تجاهل ذلك وحاكم الشريط استناداً إلي خلفيته التاريخية التي اندثرت، في حين أنه لو قرئ في ضوء الاستخدام المعاصر لكلمة فرعون، فإن ذلك سوف يسقط تماماً ما أورده بيان مجمع البحوث من آراء أقحمت الإسلام في الموضوع.

أما فيما يتعلق بلغة البيان فالخجل منها أشد، فالذي كتبه وجهه إلي حكام إيران، الذين لا علاقة لهم بالموضوع، علماً بأن وزير الإرشاد هناك بعث برسالة إلي صحيفة «مجروري إسلامي» استنكر فيها إصدار الشريط، واعتبره مسيئاً إلي العلاقات مع مصر، من ناحية أخري فإنه حفل بالتعبيرات والأوصاف التي يتنزه عنها أهل العلم، فهو يصف الذين أنتجوا الشريط بأنهم «فئة ضالة مضلة»، واعتبر ما صدر عنهم بحسبانه «سلوكاً سفيهاً» وفيلماً قبيحاً، يعد بمثابة جريمة منكرة، وفي موضع آخر عاد البيان ليؤكد أن «الفئة الإيرانية الضالة عندما أقدمت علي هذا الفعل الشنيع تكون قد ارتكبت «أبشع ألوان الجرائم والغرور والجهالة».

إلي جانب هبوط مستوي التعبير، فقد سجل البيان هبوطاً مماثلاً في مستوي الرؤية السياسية والتفكير، ذلك أنه اعتبر استقبال شاه إيران في مصر بعد الثورة من مكارم الأخلاق، ووصف زيارة السادات لإسرائيل بأنها من آيات كمال العقل والحكمة السياسية، وتحدث صراحة عن أن إنتاج الشريط سيؤدي إلي تقويض الدعوة أي التقريب بين السنة والشيعة، ثم خلص إلي أن رأب الصدع الحاصل «لن يتم إلا إذا تم إحراق الفيلم».

إن ملف استخدام المؤسسات الدينية أو تطوعها لخدمة الأهواء السياسية يحفل بنماذج أخري مماثلة «لا تنس تنديد شيخ الأزهر بالدعوة إلي مقاطعة الاستفتاء ودعوته إلي جلد الصحفيين الذين تحدثوا عن صحة الرئيس» وهو سلوك يبتذل تلك المؤسسات ويفقدها شرعيتها، ويحولها من منارة هادية للناس إلي مجرد ذيل للحكومة لا رصيد له في الدنيا أو الآخرة.
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_9552.html
http://www.dostor.org/?q=node/8951

اللا معقول في غزة

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء12 رجب 1429- 15 يوليو 2008
اللا معقول في غزة - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_1197.html

(1)الحاصل في غزة يندرج بامتياز تحت اللامعقول‏,‏ وذلك امر سييء لا ريب‏,‏ لكن الأسوأ منه أن نعتاد عليه‏,‏ ونكف عن الدهشة لحدوثه‏,‏ حتي نعتبره امرا معقولا‏.‏

زارتني في الأسبوع الماضي صحفية أمريكية متعاطفة مع القضية الفلسطينية‏,‏ وألقت علي السؤال التالي‏:‏ لماذا وكيف سكت العالم العربي علي حصار مليون ونصف مليون فلسطيني في غزة لأكثر من عام‏,‏ برغم علمهم بأن ذلك من شأنه أن يدمر حياتهم‏,‏ ويعرضهم للموت البطيء؟ ـ وقبل أن اجيب استطردت قائلة إن الصمت العربي علي الحصار‏,‏ الذي هو جريمة حرب وإبادة مقنعة‏,‏ يصدمها ويحيرها منذ عدة أشهر‏,‏ ولذلك قررت أن تقوم بجولة في العالم العربي بمناسبة مرور سنة علي فرضه‏,‏ لكي تبحث عن اجابة للسؤال‏.‏

وافقتها علي الفكرة الاساسية التي تطرحها‏,‏ وقلت إن العالم العربي ليس شيئا واحدا‏,‏ ولم يكن كله ساكتا‏.‏ والقراءة المنصفة له تقتضي التفرقة بين الأنظمة والشعوب‏,‏ ثم إن درجة الممانعة امام الضغوط الغربية مختلفة فيه من بلد إلي آخر‏.‏ وفي غيبة الممانعة المنشودة فان تلك الضغوط اصبح لها تأثيرها القوي في المنطقة العربية‏,‏ وكان ذلك واضحا حين قرر وزراء الخارجية العرب كسر الحصار في شهر سبتمبر عام‏2006,‏ ثم اصدر وزراء خارجية الدول الإسلامية قرارا مماثلا بعد شهر واحد‏,‏ لكن الذين اصدروا القرارين عجزوا عن تنفيذهما بسبب الضغوط الغربية‏,‏ والأمريكية منها بوجه اخص‏.‏

ما قلته ايضا ان ذلك القرار الوحشي الذي ارادت به القيادة الإسرائيلية خنق القطاع علي مرأي ومسمع من الجميع ألفه الناس بمضي الوقت‏,‏ حتي لم يعد يستفزهم حرمان فلسطينيي غزة من الغذاء والدواء والوقود ولا اصبح يوجعهم موت أكثر من‏200‏ شخص بسبب نقص الدواء ولا احتشاد المرضي وذوي الحاجات امام المعابر‏.‏

اخبرتني صاحبتنا الأمريكية في النهاية بأنها لم تقتنع بكلامي‏,‏ وعلقت بأربع كلمات هي‏:‏ انه شيء مروع ولايصدق‏!‏

‏(2)‏ليس هذا هو اللامعقول الوحيد في المشهد الفلسطيني‏,‏ لانك حيثما وليت وجهك في جنباته وجدت نماذج اخري مماثلة‏.‏ خذ مثلا حكاية التفاوض والمصالحة التي باتت حلالا بين الفلسطينيين والإسرائيليين وحراما علي الفلسطينيين والفلسطينيين‏.‏ ذلك انه مباح ومطلوب ان يتفاوض الرئيس أبومازن مع الحكومة الإسرائيلية حول القضايا العالقة‏,‏ ومطلوب ايضا ان يستمر التفاوض حتي إذا لم يحقق شيئا ـ حتي الآن علي الأقل والمستفيد في كل ذلك هو الإسرائيليون‏,‏ لأنهم يحققون بذلك ثلاثة أهداف هي‏:‏ انهم يقومون بتخدير العالم الخارجي حيث يوهمونه بأن محادثات التسوية مستمرة‏.‏

الهدف الثاني أنهم خلال المفاوضات يبتزون الفلسطينيين ويحاولون الحصول علي أكبر قدر من التنازلات منهم‏.‏ اما الهدف الثالث فهو انهم في الوقت الذي يخدرون فيه الجميع ويتفاوضون‏,‏ يواصلون بأقصي ما يستطيعون التوسع في الاستيطان وتغيير الحقائق علي الأرض بحيث يصبح تحقيق حلم الدولة الفلسطينية مستحيلا‏.‏

كما ان التفاوض مباح ومطلوب‏,‏ كذلك التهدئة في قطاع غزة التي لم تحقق شيئا يذكر للفلسطينيين المحاصرين حتي الآن‏,‏ لأن إذلالهم استمر لكن بدرجة اخري‏,‏ وما يقال عن فتح المعابر وتيسير دخول مستلزمات الحياة الإنسانية لم يغير شيئا من جوهر الحصار‏,‏ لأنه من بين تسعة آلاف سلعة كان يتم استيرادها سمحت إسرائيل بدخول تسع منها فقط‏!‏

لا مبالغة في هذا الكلام لأن مصلحة إسرائيل في التهدئة محققة‏,‏ في حين أن مصلحة الفلسطينيين مشكوك فيها إلي حد كبير‏.‏ إذ من خلالها فان إسرائيل تضرب أربعة عصافير بحجر واحد‏.‏ فهي تريد ان تطلق سراح جنديها الأسير جلعاد شاليط‏,‏ وهي تريد أن توقف إطلاق الصواريخ التي سببت إزعاجا مستمرا لسكان بلدة سيدروت وسكان جنوب إسرائيل‏.‏ تريد ايضا ان تعمق الانقسام بين رام الله وغزة‏,‏ لان التهدئة مع غزة ستمكن إسرائيل من الاستفراد بالضفة وتدمير بنية المقاومة فيها‏.‏

من ناحية رابعة فان التهدئة تمكن إسرائيل من التفرغ وهي مطمئنة للتعامل مع المشروع النووي الإيراني‏,‏ الذي تصر علي أن تجد له حلا حاسما قبل نهاية ولاية الرئيس بوش في آخر هذا العام‏.‏‏
(3)‏الحرام ان يتصالح الفلسطينيون والفلسطينيون‏.‏ آية ذلك ان كثيرين تفاءلوا أخيرا حين تحدث الرئيس أبومازن عن تلك المصالحة بين فتح وحماس في الرابع من شهر يونيو الماضي‏.‏

صحيح أن الاجتهادات تعددت في تفسير اطلاقه للدعوة‏,‏ وربط البعض بينها وبين شعوره بالإحباط إزاء الموقفين الأمريكي والإسرائيلي‏,‏ إلا أن الحفاوة بالمصالحة غطت علي دوافعها‏.‏ هذا التفاؤل اخذ يتراجع بمضي الوقت‏,‏ حين لاحت في الأفق سحابات معتمة كادت تحجب تردداتها‏.‏ فمن ناحية زارت المنطقة بعد كلام أبومازن السيدة كوندواليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية‏,‏ تحمل معها ضغوطاتها المعهودة‏,‏ ومن ناحية ثانية بدأت بعض الاصوات المحيطة برئيس السلطة تتحدث عن شروط للقاء‏,‏ مستعيرة خطاب ما قبل مبادرة أبومازن‏.‏

وكان واضحا ان هناك اطرافا غير مرحبة بالمصالحة‏,‏ وبدأنا ندخل في مرحلة التسويف في العملية‏,‏ عن طريق الحديث عن ضرورة الالتزام بمبادرة صنعاء التي كان أبومازن قد اقنع بها القيادة اليمنية يوما مافتبنتها‏,‏ وكان البند الأول فيها يدعو إلي إعادة كل الأوضاع في غزة إلي ماكانت عليه قبل حسم الوضع هناك في منتصف يونيو‏2007,‏ في مقابل ذلك كانت قيادة حماس تتحدث عن اتفاق صنعاء الذي كان البند الأول فيه ينص علي ان يتباحث الطرفان حول كيفية تنفيذ المبادرة‏,‏ والفرق بين الاثنين هو ان المبادرة كانت تدعو حماس للتسليم والانصراف بلا تفاهم‏,‏ في حين أن الاتفاق الذي وقعه ممثل أبومازن يدعو إلي التفاهم حول الموضوع‏.‏

وإلي جانب اللغط المثار حول المبادرة أو الاتفاق اثير لغط آخر هو رعاية المصالحة‏,‏ وهل تكون تحت مظلة الجامعة العربية أم تحت الرعاية المصرية‏,‏ وقام أبومازن بجولة عربية ذات صلة بالموضوع‏,‏ وحين مر بدمشق فإنه التقي مع ممثلي الفصائل الفلسطينية هناك وفوجئنا بأنه قاطع السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس التي هي الطرف الاساسي المفترض في المصالحة‏,‏ وحتي يكتمل المشهد العبثي فان ابومازن بعد أن رفض لقاء مشعل في دمشق سافر إلي باريس لكي يلتقي أولمرت هناك‏!‏

بعد مرور نحو شهر ونصف الشهر علي كلام المصالحة‏,‏ فانها لم تتقدم خطوة إلي الامام‏,‏ وإنما تراجعت كثيرا إلي الوراء‏.‏ ولم تستمر حيرتنا طويلا لان السيد عمرو موسي الأمين العام لجامعة الدول العربية فضح السر‏,‏ وقال صراحة إن هناك فيتو يرفض المصالحة بين فتح وحماس‏.‏ وكان ذلك في اثناء انعقاد مؤتمر دولي حول الأمن في الأراضي المحتلة‏,‏ الذي عقد في برلين يوم‏24‏ يونيو الماضي‏,‏ وبرغم أنه لم يذكر الجهة صاحبة الفيتو إلا أن الأمر لم يكن بحاجة إلي إفصاح‏.‏

‏(4)‏لاتتوقف الغرائب والعجائب غير القابلة للتصديق في غزة‏.‏ فلا أحد يتصور مثلا ان هناك أكثر من‏70‏ ألف موظف حكومي يقعدون في بيوتهم بلا عمل منذ أكثر من عام في حين يقبضون رواتبهم شهريا أكثر من‏50‏ مليون دولار‏.‏ وهؤلاء هم الموظفون الذين استجابوا لدعوة حكومة رام الله مقاطعة الحكومة المقالة في غزة جميعهم من اعضاء فتح لان الاغلبية الساحقة من الموظفين ورجال الأمن اعضاء في الحركة ومن الناحية العملية فان الجهاز الحكومي في القطاع يعمل بـ‏43‏ ألف موظف يتلقون رواتبهم من دوائرهم‏.‏
ومن الواضح ان سلاح قطع الرواتب كان ولايزال احد اسلحة الضغط التي تمارسها رام الله ضد غزة‏.‏

وحتي الآن فانه كل من يثبت بحقه ـ أو يبلغ ضده ـ انه تعامل مع حكومة القطاع يقطع راتبه‏,‏

وقد قيل لي إن مسئولي القطاع حاولوا عبر الوسطاء استثناء قطاعي التعليم والصحة من حملة المقاطعة‏.‏ لكن هذا الطلب رفض‏,‏ الأمر الذي أدي إلي اضعاف الخدمات التي يقدمها القطاعان‏.‏ وكانت النتيجة مثلا ان قطاع الصحة اصبح غير قادر علي تشغيل سيارات الاسعاف بسبب عدم توافر النفط جراء الحصار الإسرائيلي‏,‏ كما ان المستشفيات اصبحت غير قادرة علي تقديم خدماتها للمرضي بسبب مقاطعة بعض الاطباء واطقم التمريض التي دعت إليها حكومة رام الله‏.‏

من المفارقات ذات الدلالة ايضا انه بعد اسبوع من اطلاق أبومازن دعوته للمصالحة مع حماس‏,‏ فان حكومة رام الله قطعت رواتب‏600‏ شخص في غزة بسبب الشك في انتمائهم لحماس‏.‏

أما الأكثر غرابة من كل ما سبق فهو ان ذلك الصراع الذي لم يتوقف‏,‏ بدأ يحدث تأثيره علي النسيج الاجتماعي للاسر والعلائلات في القطاع‏.‏ ذلك ان بعض المواطنين ذوي العلاقة مع الحكومة بدأوا في تجنب الاتصال بجماعة حماس حتي لا تساء سمعتهم السياسية في رام الله وتقطع رواتبهم‏.‏

في الأسبوع الماضي مر بالقاهرة الدكتور باسم نعيم وزير الصحة في الحكومة المقالة‏,‏ وقال لي إنه ذهب لكي يقوم بواجب التعزية في استشهاد احد المقاومين وفوجئ بان ابن عمه رفض ان يصافحه حتي لاينقل عنه ذلك‏.‏ وفي مناسبة ثانية كان ذاهبا التعزية آخر وفي الطريق صادف قريبا له‏,‏ فتوقف لتحيته لكن الرجل ابدي حرجا في مصافحته‏,‏ واخبره انه ذاهب إلي التعزية ذاتها فاصطحبه معه ثم انزله في مكان قريب من مكان التعزية حتي لايدخل الاثنان معا ويقطع راتب الرجل لهذا السبب‏,‏ وحين تحريت الأمر من آخرين قيل لي إن إعلاميا يعمل بالإذاعة منذ‏12‏ عاما قطع راتبه لانه زوج ابنته من عضو في حماس‏,‏ وان بعض العائلات قطعت علاقاتها مع جيرانها لذات السبب‏,‏ حيث كفوا عن مشاركتهم في افراحهم واحزانهم حتي تستمر في تلقي رواتب ابنائها من رام الله‏,‏ بعدما اصبحت المصافحة تهمة‏,‏ والظهور في الصور مع أحد اعضاء حماس دليلا دامغا علي خيانة فتح يسوغ قطع الأرزاق‏.‏ اما الظهور مع الإسرائيليين في الصور فقد غدا عملا وطنيا مشروعا وسعيا مقبولا لإقرار السلام ـ صدق أو لا تصدق‏.

اعتدال المجتمع وإرهاب الشرطة

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 12 رجب 1429- 15 يوليو 2008
اعتدال المجتمع وإرهاب الشرطة - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_7825.html

كلما خرجت مظاهرة سلمية في مصر أو في أي بلد عربي أقنعني ذلك بأن شعوبنا مازالت حية، وأنها لم تمت بعد، رغم ما تتعرض له من قمع وحصار وما تستشعره من إحباط، ويتضاعف ذلك الاقتناع وتضاف إليه الدهشة والإعجاب حيث يكون المتظاهرون من بسطاء الناس، الذين عادة ما يوصفون بأنهم «أغلبية صامتة»، اعتادت أن تبتلع همومها وتختزنها، ولا تقوم لها قيامة إلا إذا نزل بها الشديد القوي.

هذه المظاهرات ليست علامة علي الحيوية والعافية فحسب، وإنما هي دليل علي التحضر أيضاً، إذ يفترض أنها تخرج لتوصيل رسالة معينة بأسلوب يحترم القانون، علي الأقل في الأقطار التي تسمح قوانينها بالتظاهر السلمي، وهو ما يعبر عن وعي بأن العنف والتخريب يعطل توصيل الرسالة المطلوبة ويحرف التظاهرة عن هدفه، لأنه يوظف الغضب في الإقرار بمصالح المجتمع وتهديد استقراره، ولأن الاحتجاج أسلوب متحضر، فإن الدول الديمقراطية تتعامل معه بالمثل؛ إذ توفر لتلك المظاهرات الحماية حتي تحقق مرادها، وبعضها يحدد أماكن معينة علي من يريد أن يتظاهر أن يقصدها، ويجهر برأيه ويرفع صوته هناك كيفما شاء.

هذه المقدمة التي طالت بعض الشيء أسوقها لكي أعبر عن التقدير والتضامن مع أهالي قرية الحفير بمحافظة الدقهلية الذين أعلنوا وقفة احتجاجية، أعربوا فيها عن استيائهم إزاء شح المياه الذي يهدد بالبوار زراعاتهم التي تشغل مساحة 27 ألف فدان، وحسب الكلام الذي نشرته «الدستور» في 13/7 فإن أراضي شمال الحفير ارتفعت فيها نسبة الملوحة بصورة مقلقة أصبحت بحاجة ملحة إلي انتظام ريها بالمياه، وقد ذكر بعض أبنائها أنه خلال 12 يوماً متواصلة، فإن المياه لم تصل إلي المنطقة إلا لمدة عشر ساعات فقط، بمعدل أقل من ساعة في اليوم. وكان أهالي القرية قد اعتصموا أمام مقر محافظة الدقهلية محتجين علي سوء توزيع المياه، وفضوا احتجاجهم حين أبلغهم مسئولوها بأن المياه ستصل إلي زراعاتهم خلال يومين، ولما لم ينفذ الوعد فإنهم نظموا وقفتهم الاحتجاجية أمام المحافظة مرة ثانية.

ماجري في قرية الحفير ليس فريداً في بابه، لأن مثل هذه الاحتجاجات والاعتصامات تحولت إلي ظاهرة عامة في مصر، بحيث لم يعد يمر أسبوع إلا وتنشر الصحف أن عمال بعض المصانع أو موظفي الحكومة في بعض الوزارات أو الفلاحين في هذه المنطقة أو تلك قد تظاهروا أو اعتصموا، معبرين عن غضبهم واستيائهم، أو ضاغطين لتحقيق مطالب معينة، وهو ما اعتبره كثيرون دليلاً قوياً علي أن الجماهير المصرية المغلوبة علي أمرها قد تجاوزت حاجز الصمت والخوف، وأن السلطة التي دعت الأمثال الشعبية والثقافة السائدة الناس إلي «التمرغ في ترابها»، ينبغي أن تدرك أن الدنيا تغيرت، وأن الناس لم يعودوا مستعدين للاستسلام لعصا الحكومة، ناهيك عن التمرغ في ترابها، صحيح أن ضغوط الحياة القاسية دفعت الناس إلي التذمر وشجعت الصامتين علي رفع أصواتهم بالاحتجاج والغضب، لكننا لا نستطيع أن ننكر أيضاًً أن ضعف السلطة واعتمادها علي القمع والأمن كان عنصراً مشجعاً، باعتبار أن «من طالت عصاه فقد هيبته» كما يقول المثل العربي، وفضلاً عن هذا وذاك فإن عصر السماوات المفتوحة، التي يحارب وزير الإعلام بكل السبل لإغلاقها من خلال قانون تنظيم البث» وسع من مدارك الناس ورفع وعيهم، ولا نستطيع أن نتجاهل في هذا الصدد الدور الذي تقوم به الصحافة الحرة في مصر والتجمعات الأهلية التي أعلنت تمردها عن علي سياسة القمع وتحديها لسطوة الأمن.

المشكلة أن المظاهرات السلمية تعد إحدي وسائل الضغط التي أفرزتها خبرة المجتمعات الديمقراطية، ولكن استخدامها في المجتمعات غير الديمقراطية كثيراً ما يكون باهظ التكلفة، لأن الشرطة في هذه الحالة تلجأ مباشرة إلي قمع المظاهرات وليس حمايتها، وذلك ما حدث مع فلاحي الحفير الذين اتهموا بالتجمهر وألقت الشرطة القبض علي بعضهم، وهو ما تكرر مع غيرهم بطبيعة الحال، الأمر الذي يضعنا إزاء مفارقة نجد فيها الجماهير حريصة علي الاعتدال واحترام القانون، في حين أن الشرطة تجنح إلي «التطرف» وترد بالقمع والإرهاب.

قامة مصر وقيمتها

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 11 رجب 1429- 14 يوليو 2008
قامة مصر وقيمتها - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_422.html


أظرف خبر قرأته أمس كان عنوانه كالتالي: «رئاسة مبارك وساركوزي للاتحاد المتوسطي رد علي مزاعم تهميش دور مصر». وهذه البشارة التي زفتها الصحف القومية نسبت إلي مصدر مسئول ومطلع أيضاً. ولم أستبعد أن يكون المتحدث مسئولاً فعلاً، بمعني أنه موظف الحكومة المصرية، لكنني أشك في أنه مطلع علي ما يجري في مصر أو في العالم العربي ناهيك عن العالم الخارجي، ذلك أن السلطة القائمة في مصر لم يقم أحد بتهميشها، لكنها هي التي همشت نفسها، ووفرت علي الذين لا يكنون لها خيراً الجهد الذي يمكن أن يبذلوه لتقزيمها وإضعافها، وقبل أن أشرح كيف حدث ذلك، أنبه إلي أمرين، أولهما أن حفاوة الأوروبيين أو الأمريكيين بأي زعيم عربي ينبغي أن تستقبل بالحذر من جانبنا، لأن هذه المشاعر مضبوطة علي المصالح تماماً، وهو أمر مفهوم ومبرر، فلم يكن الغربيون يحتفون بالرئيس السادات لولا أنه زار إسرائيل ووقع معاهدة كامب ديفيد معها، الأمر الذي أدي إلي إخراج مصر من الصف العربي وإلي إضعاف القضية الفلسطينية، ولأن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لم يفعلها فقد استحق غضب الغربيين ونقمتهم، وتآمرهم للحرب عليه في عدوان 1956 علي الأقل، بكلام آخر فإن تجربتنا مع أغلب أهل السياسة في الغرب علمتنا أنه كلما كان الزعيم العربي معبراً عن ضمير أمته وتطلعاتها، كلما ضعفت حظوظه واسهمه لديهم، والعكس صحيح أيضاً.

الأمر الثاني أن الدور ليس لقباً يتم توارثه، ولا هو وظيفة موقوفه علي بلد بذاته، ولكن الدور له مقومات ومواصفات، من استوفاها شغل الموقع وملأ مكانه، ومن افتقدها استبعد تلقائياً من الدور ورشح غيره لكي ينهض بمسئولياته.
إن السلطة في مصر استقالت من دورها في الداخل، ولم تعد مشغولة إلا بالأمن والاستمرار والجباية، أما مسئولياتها الاجتماعية فقد تخلت عنها، فباعت القطاع العام والأرض والبنوك ورفعت يدها بصورة تدريجية عن شئون الصحة والتعليم والإسكان، حتي أصبح البعض يتندرون مطالبين بتشكيل حكومة للفقراء إلي جانب الحكومة الحالية المتحالفة مع رجال الأعمال، التي تضع الأغنياء علي رأس قائمة أولوياتها.

في الوقت ذاته، فإن العناية بالأمن والاستمرار دفعتها إلي إطلاق يد أجهزة الأمن في ظل الطوارئ المستمرة، وإلي استخدام القمع في مواجهة المعارضين، والإلحاح علي تكميم الأفواه وحصار الإدراك المصري من خلال القيود البائسة التي باتت تتجه إلي مراقبة البث الفضائي والتضييق علي الإعلام المرئي والمسموع، أما العناية بالجباية فقد كانت أشد تجلياً خلال الأشهر الأخيرة، حين أطلقت الحكومة بسياساتها وقراراتها غول الغلاء الذي ضرب المجتمع المصري حتي دمر حياة الطبقة الوسطي وقصم ظهور الفقراء.

فضلاً عن هذا كله وذاك فإن النموذج الذي تقدمه مصر علي صعيد الحريات العامة يحسب كثيراً من رصيدها كدولة صاحبة دور في المنطقة، وقد تراجع ذلك الرصيد كثيراً حين أدرك العالم العربي أن مصر صارت طرفاً في تحالفات لا تخدم المصلحة العربية، وأن استرضاءها للأمريكيين والإسرائيليين حاضر دائماً في قراراتها، بدءاً بمقاطعة القمة العربية في دمشق «والحرص علي حضور قمة الاتحاد المتوسطي في فرنسا» وانتهاء بالمشاركة في حصار غزة وتجويع أهلها ومروراً بانحيازها إلي جانب دون آخر في لبنان، إن مصر الضعيفة في الداخل غابت عن الكثير من مشكلات الأمة العربية المحيطة بها، في لبنان وفلسطين والسودان واليمن والعراق وآثرت أن تبقي في معسكر «الاعتدال» الذي تباركه الولايات المتحدة، وهو في حقيقته معسكر للاعتزال والاعتذار الذي لا يؤهل المنخرطين فيه للقيام بأي دور.

حين تكون السلطة ضعيفة علي الصعيد القطري، وغائبة علي الصعيد الإقليمي، فإن حضورها في الساحة الدولية لا يتحقق بتصريحات أو مقالات في الصحف، وإذا تم ذلك الحضور فإنه يكون أقرب إلي التوظيف والاستخدام منه إلي التأثير والفاعلية ـ ذلك أن المكان لا يصنع مكانه والماضي لا يشفع للحاضر، والقيمة وثيقة الصلة بالقامة، ومصر كانت عظيمة حين وظفت الجغرافيا لتحفر مكانها في سجل التاريخ، لكنها لا تستطيع أن تحتفظ بمكانتها وقيمتها إلا إذا استقل قرارها وظلت معبرة عن ضمير جماهيرها وأمتها، الأمر الذي يطيل في رقبتها ويحفظ لها موقع الريادة، دونما حاجة إلي مزايدة وطنطنة في الصحف.

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_422.html
http://www.dostor.org/?q=node/8712

Delete this element to display blogger navbar