Subscribe:

Ads 468x60px

26 يونيو، 2008

أم الدنيا في أحدث لقطة

صحيفة الدستور المصريه الخميس 22 جمادى الاخر 1428 – 26 يونيو 2008
أم الدنيا في أحدث لقطة - فهمي هويدي


زيارة أولمرت لمصر تشعر أمثالي بالحزن والخزي للأسباب التي تعرفها، لكن ما نشر في الصحف العربية عن زيارته الأخيرة التي تمت يوم الثلاثاء 24/6 كان أيضًا صادمًا ومحيرًا، فلم أفهم مثلاً ما ذكره الأهرام من أن الرئيس مبارك عبر عن «سعادته» -هكذا مرة واحدة- بلقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي علمًا بإنني فشلت في العثور علي سبب واحد يبرر تلك السعادة، كما إنني لم أصدق ما قاله مارك ريجيف المتحدث باسم أولمرت بأن مصر «شريك استراتيجي» مع إسرائيل ، حتي إنني أعدت قراءة العبارة مرة واثنتين، ومازلت أحاول أن أقنع نفسي بأن هذه المقولة الملوثة مكذوبة، وأن ذلك الرجل الخبيث أطلقها عامدًا لكي يشوه صورة مصر في أعين المصريين والعرب والمسلمين، موحبًا لهم بأن «أم الدنيا» صارت في آخر الزمان شريكًا استراتيجيًا مع إسرائيل، رغم كل الجرائم التي ارتكبتها طوال ستين عامًا.

شعرت ببوادر ارتفاع ضغط الدم عندي فلم أكمل ما أوردته صحفنا القومية في وصف ما جري، وتحولت إلي الحوار الذي أجرته مع الرئيس مبارك القناة الأولي بالتليفزيون الإسرائيلي، حيث أوهمت نفسي بأن ما أورده المحررون بصياغات مختلفة قد لا يكون دقيقًا، وأن الثقة في الحوار المنشور قد تكون أكبر، لأن صحفنا القومية نشرته نصًا، بذات اللهجة العامية التي تحدث بها الرئيس - وبعدما قرأت الحوار مرتين لاحظت عليه عدة أمور من بينها ما يلي:
> إنه لم ترد فيه أي إشارة إلي الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع الذي هو أصل الداء ولب المشكلة.
> إن الحديث عن الجهود المصرية لإطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير «جلعاد شاليط» احتل حيزًا معتبرًا من الحوار، في حين لم ترد في ردود الرئيس أي إشارة إلي 11ألف فلسطيني محتجزين في السجون الإسرائيلية، ولئن تصورت أن يهتم مذيع التليفزيون الإسرائيلي بالجندي الأسير، فقد توقعت أن يتذكر الرئيس مبارك الأحد عشر ألف أسير فلسطيني، وقد ضاعف من حزني أن ذلك لم يحدث.

> إن الرئيس حين تحدث عن الحاصل بين المقاومة الفلسطينية والإسرائيليين، قال: الفلسطينيون يطلقون الصواريخ، والإسرائيليون «يضربونهم » فيموت الإسرائيليون ويموت الفلسطينيون بسبب حكاية الجندي الأسير، وذلك وصف غير دقيق بالمرة للعلاقة بين الطرفين، ذلك أن أي متابع محايد يعرف جيدًا أن الصواريخ الفلسطينية لا تطلق إلا ردًا علي عدوان إسرائيلي، وبالتالي فمن الخطأ المساواة بين القاتل والقتيل، والحديث عن قصف إسرائيلي ردًا علي الصواريخ الفلسطينية، الأمر الذي يذكرنا باللهجة الأمريكية التقليدية التي تصف كل الجرائم الإسرائيلية بأنها «دفاع عن النفس».

> والملاحظة ذاتها تنطبق علي ما قاله الرئيس في رفض مصر للوجود النووي في المنطقة، سواء من جانب إسرائيل أو إيران، وهو المنطق الذي يضع الطرفين علي قدم المساواة، في تجاهل لحقيقة أن إسرائيل تملك مخزونًا من القنابل الذرية فضلاً عن مخزونها من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، في حين أن هناك إجماعًا علي أن امتلاك إيران للقنبلة النووية هو مجرد احتمال قد يتحقق بعد ثلاث سنوات أو خمس، وأن المشروع النووي الإيراني لايزال يتطور باتجاه الاستخدامات السلمية حتي الآن، بالتالي فلا محل للمساواة بين وجود قطعي للسلاح النووي في إسرائيل ووجود ظني لذلك السلاح لدي إيران، هذا ما إذا تجاهلنا أن إسرائيل دولة عدو وإيران شقيق مسلم.

مما صدمني أيضًا في الكلام المنشور بخصوص الزيارة أن المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير سليمان عواد قال إن ثمة اتصالات تجري لفتح معبر رفح وفق البروتوكول الموقع بخصوصه عام 2005 بين الاتحاد الأوروبي والسلطة الفلسطينية وإسرائيل ومصر، وهذا كلام مغلوط تمامًا، فالاتفاقية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والاتحاد الأوروبي أدخل كطرف ثالث لتنفيذيها، ومصر لم تكن طرفًا فيها، وضمها الآن إلي الاتفاقية يعد مساسًا بالسيادة المصرية علي حدودها، وإعطاء المحتل حقوقًا ليست له، ذلك أن مصر والفلسطينين فقط هما من يحدد وضع المعبر وتنظيم العبور منه.
لقد أقنعتني التجربة أن أفضل وسيلة لتحقيق الضغط أن يتوقف المرء عن قراءة مثل هذا الكلام

25 يونيو، 2008

إنها حقاً فكرة عبقرية

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 21 جمادى الاخر 1429 – 25 يونيو 2008
إنها حقاً فكرة عبقرية - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post.html

في حلقة برنامج «العاشرة مساء» أذيعت يوم الأحد الماضي «22/6» جرت مناقشة حول حصاد دورة مجلس الشعب التي انتهت، لكن مقدمة البرنامج السيدة مني الشاذلي تلقت اتصالاً هاتفياً أثناء الحوار طرح صاحبه فيه حلاً عبقرياً لم يخطر علي بال أحد، قال المتحدث إن المجلس لا فائدة منه ولا أمل فيه.. وإن استمراره لا مبرر له، واقترح إلغاءه والاستفادة من المبني في أي نشاط يمكن أن يدر عائداً للدولة خصوصاً أنه تحول إلي عبء علي المجتمع وليس عوناً له. بعد المكالمة التي فوجئت بها مني الشاذلي انتقل الحوار بسرعة إلي أمورأخري، إلا أنني وجدت أن اقتراح صاحبنا جدير بالتفكير فيه وأخذه علي محمل الجد،والسؤال الجوهري الذي ينبغي أن ينطلق منه بحث الموضوع هو: هل وجود مجلس الشعب مفيد للمجتمع أم أنه يضر به؟.. في الإجابة عن السؤال ستلاحظ مثلاً أن تشكيل المجلس يضطر الحكومة لتزوير الانتخابات والتدخل بشكل سافر في نتائجها، وذلك يشوه صورة النظام المصري، فضلاً عن أنه يتسبب في مشاحنات لا حصرلها بين القوي السياسية في البلد، ستلاحظ أيضاً أن وجود المجلس مع تعطيل وظيفته الرقابية علي السلطة التنفيذية كرس فكرة الفصل بين شكل الديمقراطية ووظيفتها، من ثم فإنه تحول إلي جزء من الديكور السياسي، الذي ساعد علي تزوير الديمقراطية ذاتها.

علي صعيد آخر فإن الحكومة استخدمت المجلس لتحقيق أغراضها، فالتعديلات الدستورية التي أريد بها التحكم في الانتخابات الرئاسية، وتقييد الحريات العامة وتوسيع صلاحيات الشرطة وتضييق دور القضاء باعتبار القضاء العسكري موازياً للقضاء المدني، ذلك كله تم إقراره وتمريره من خلال مجلس الشعب. الذي لا يقل عن ذلك خطورة أن سياسة الجباية التي اتبعتها الحكومة وقصمت ظهور الفقراء ومحدودي الدخل، كان مجلس الشعب هو الأداة التي استخدمت لتنفيذها، بحيث إنه تحول إلي سوط استخدمته السلطة التنفيذية لتلهب به ظهور الناس، بدلاً من أن يكون صوت وعين المجتمع في الرقابة عليها، فالقوانين التي صدرت بزيادة أسعار الوقود، وفرض الضريبة العقارية، ومضاعفة الرسوم والتراخيص والغرامات في كل ما يتصل بالمرور، ذلك كله حلله مجلس الشعب.

فضلاً عن هذا كله كان وجود المجلس يشكل عبئاً اقتصادياً متزايداً علي الموازنة العامة، فميزانيته في العام المالي 2003/2004 كانت 33 مليون جنيه، وفي العام المالي 2006/2007 ارتفع الرقم إلي 5.188 مليون جنيه، وفي العام المالي الجديد 2007/2008 تجاوزت ميزانيته 300 مليون جنيه، أي أنها تضاعفت أكثر من 9 مرات خلال 3 سنوات.

ومن المفارقات المفجعة في هذا الصدد، أنه في حين تنفق هذه الملايين لإحكام الديكور الديمقراطي، فإننا نلمس تقييداً شديداً علي الكثير من الأمور النافعة والمصيرية في البلد إذ نجد مثلاً أن موازنة البحوث الزراعية وبحوث الصحراء في مصر خفضت في الميزانية الجديدة إلي 47 مليون جنيه، بعد أن كانت 200 مليون جنيه.

هذه الأسباب الموجبة للتفكير في إلغاء مجلس الشعب واستثمار مبناه في أي غرض آخر نافع ومفيد للمجتمع تنطبق علي مجلس الشوري، بل وعلي مجلس الوزراء أيضاً، فالأول لا يختلف في شيء عن مجلس الشعب، والثاني ينفذ برنامج الرئيس وكل ما يقوم به من أعمال هي من توجيهات الرئيس، الأمر الذي يعني أن الرئاسة يمكن أن تقوم مقامه، بحيث تتعامل مباشرة مع الوزارات من خلال وكلائها الدائمين، دون المرور علي مجلس الوزراء، وبذلك تتوفر لنا ثلاثة مبان عظيمة القيمة، حبذا لو ضممنا إليها القصور والاستراحات الفاخرة الموزعة علي أنحاء البلد، وكلفنا فريقاً من الخبراء بدراسة كيفية استثمارها بشكل أفضل ينفع الناس، ويخفف عنهم بعض الضرر الناشيء عن العبث بها وإساءة استخدامها. ذلك أننا لم نعد ندعو الله أن يرفع عنا البلاء، وإنما صرنا نسأله اللطف فيه.

ما بين التزوير والتسريب

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 20 جمادى الأخر 1429 – 24 يونيو 2008
ما بين التزوير والتسريب - فهمي هويدي
ما الفرق بين تزوير الانتخابات وتسريب الامتحانات؟ ولماذا يحتفي بالأولين في حين يُحرم الآخرون؟ صحيح أن التزوير سياسة حكومة والتسريب جريمة أشخاص، إلا أن ذلك لا يبرر التسامح مع الحكومة وملاحقة الأشخاص ومحاكمتهم، لكني أزعم أن ثمة علاقة غير مباشرة بين الاثنين، فالحكومة حين تضرب المثل في إهدار القانون والتلاعب به لتحقيق مآربها، فإنها دون أن تقصد تقدم نموذجًا للناس يُهوِّن من شأن القانون ويشجع كل أحد علي العبث بالقانون وتجاوزه ما استطاع إلي ذلك سبيلاً.

ليس عندي دفاع عن الذين سربوا الامتحانات بطبيعة الحال، وإنما أنا مع محاسبتهم بمنتهي الحزم والشدة التي يسمح بها القانون، لكني في الوقت ذاته أدعو إلي تدبر المشهد والتفكير بشكل جاد في كيفية وصول الفساد والازدراء بالقوانين والقيم والأعراف إلي تلك الدرجة، التي فاجأتنا بأن رموز الفساد هم من القيادات المحلية التي يفترض فيها حراسة القانون والدفاع عن قيمه، وحث الناس علي ضرورة الالتزام به أو بكلام آخر فإن مايستحق المناقشة أيضًا هو المناخ العام الذي ساعد علي إيصال الفساد إلي هذه المجالات التي ظلت محصنة لعقود طويلة ضد مظان الانحراف والزلل بحيث وجدنا بين الذين أسهموا في تسريب الأسئلة «مربُّون» و«أساتذة» و«شخصيات قيادية» استغلت نفوذها ومواقعها ، هذا المناخ أشاع بين النخب اقتناعاً خلاصته أن «الأكابر» فوق القانون، ولأنهم كذلك فبوسعهم أن يوظفوا بقاءهم في مواقعهم لتحقيق أكبر قدر من المزايا والفرص.. وما تشكيل لجان خاصة لامتحان أبنائهم وتولي المراقبين تلقينهم الإجابات، إلا أحد مظاهر الاستثناء الذي يوفره المنصب لشاغله، ولا حدود لتلك الاستثناءات بالنسبة للأكابر، وهي تكبر وتزداد تزايدًا طرديًا مع علو مقام المسئول المحظوظ.

ذكّرنا تقرير نشره الأهرام في 21/6 بأن تسريب الامتحانات وتشكيل لجان خاصة مقتصرة علي أبناء الأكابر له سابقة وقعت في عام 2005، حيث تم اكتشاف لجان للثانوية العامة داخل مجموعة من الشقق الخاصة بمحافظة الجيزة، ضبط فيها 53 طالبًا من أبناء الأكابر والمحظوظين، وأجرت لجان النيابة الإدارية تحقيقات استمرت سبعة أشهر، تم خلالها استجواب 213 شخصًا وأسفرت عن تقديم 191 مسئولاً بالوزارة إلي المحاكمة التأديبية، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن النيابة الإدارية قدمت إلي وزارة التربية والتعليم حينذاك 19 توصية لمعالجة الثغرات المؤدية إلي تسريب الامتحانات أو انتشار حالات الغش أو الاحتيال علي القانون لتشكيل لجان خاصة في ظروف معينة، لكن المسألة لم تؤخذ علي محمل الجد، لأن ضغوط الفساد كانت أقوي من مبادرات الإصلاح، ولأن التراخي في تنفيذ القانون وغض الطرف عن عدوان الأكابر عليه، أصبح آفة، انتشرت في أجهزة الإدارة، التي أصبح الشرفاء فيها يلتزمون الصمت ويؤثرون السلامة، حين يجدون أن الكبار هم المتورطون في تلك الخطايا.

إننا نخطئ إذا ظننا أن الفساد مقصور علي وزارة التربية والتعليم وحدها، حيث لا محل للاقتناع بأنه محصور في وزارة بذاتها أوفي وزارة دون أخري، ذلك أن المناخ الذي أفرز ذلك الفساد في حقل التربية والتعليم قادر علي أن يكرر ذات الإفراز في المجالات الأخري.. وكل الذي حدث أن فساد التربية والتعليم انكشف أمره، وكشف معه بعض عناصر النخبة في محافظة المنيا، في حين أن تجليات الفساد الأخري إما أنها لم تُكشف أو أنه مسكوت عنها لسبب أو لآخر.

في كتاب «طبائع الاستبداد» لعبد الرحمن الكواكبي فصل «نفيس» عالج فيه تأثير الاستبداد علي إفساد أخلاق النخب والمجتمع، ومما قاله إن الاستبداد يوسع في طبقة الفاسدين ويعلم الناس «التسفل» بمعني الانحطاط والسفالة -تري- هل نحن في هذه المرحلة أم أننا مازلنا علي أبوابها؟!

24 يونيو، 2008

لحظة لالتقـط الأنفاس

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 20 جمادى الأخر 1429 – 24 يونيو 2008

إذا كان الترحيب باتفاق التهدئة واجبا‏,‏ فإن إدراك ملابساته وخلفياته أوجب‏,‏ علي الأقل لكي نعطيه حجمه ولانحمله بأكثر مما يحتمل‏.‏

‏(1)
‏ماحدث يشكل تحولا جذريا‏(‏ دراماتيكيا‏)‏ في الموقف الإسرائيلي‏.‏ هكذا ذكر تقرير مجلة تايم الامريكية في عددها الأخير‏,‏ الذي أضاف أن حكومة أولمرت ظلت ترفض أي تفاوض مع حماس باعتبارها منظمة إرهابية‏.‏ ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي تقترب شعبيته من الصفر اختار أخيرا أن يدخل في حوار غير مباشر معها‏,‏ لأن الخيار الآخر المتاح أمامه هو القيام بعملية عسكرية كبري في قطاع غزة لإسكات صواريخها‏,‏ وهو ما قد يكبد القوات الإسرائيلية خسائر بشرية فادحة‏,‏ فضلا عن أنها قد تفشل في تحقيق هدفها‏.‏

هذا التقييم صحيح إلي حد كبير‏,‏ ذلك أن هذه هي المرة الاولي في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي‏,‏ التي توافق فيها حكومة الدولة العبرية علي تهدئة متبادلة مع الفلسطينيين‏.‏ صحيح أن ثمة جولات من التهدئة تمت من قبل‏,‏ كانت آخرها في سنة‏2005‏ بعد انتخاب أبو مازن رئيسا للسلطة الوطنية‏,‏ وقد امتدت لعشرة أشهر‏,‏ ولكن تلك التهدئة كانت من الجانب الفلسطيني وحده‏,‏ ولم تكن متبادلة‏,‏ ومن المفارقات في هذاالصدد ان اسرائيل التي ساندت أبو مازن‏,‏ واعتبرته رجلا معتدلا وفتحت أبوابها للتفاوض المباشر معه طوال الوقت‏,‏ لم تقدم له شيئا يذكر في مفاوضاتها معه‏,‏ فلم تطلق سراح أسير واحد‏,‏ ولم ترفع حاجزا واحدا من الضفة‏,‏

بل وضاعفت من تمدد المستوطنات فيها‏,‏ كما أنها واصلت من عدوانها علي الفلسطينيين هناك‏,‏ حتي أنها قتلت ستة من أبناء الضفة قبل ساعات قليلة من سريان التهدئة في قطاع غزة‏,‏ وفي حين كان ذلك موقفها من السلطة في رام الله بكل رصيدها في الاعتدال فإن موقفها من سلطة حماس في غزة كان مختلفا‏,‏ حيث قبلت بالتهدئة المتبادلة معها‏,‏ ووافقت علي رفع الحصار الاقتصادي بصورة تدريجية عن القطاع‏.‏

وكان لافتا للانتباه أن قرار التهدئة وافقت عليه الأجهزة الأمنية الاسرائيلية وقيادة الجيش والمجلس الوزاري المصغر‏,‏ كما بين أحدث استطلاع أن‏68%‏ من الاسرائيليين يؤيدونه‏,‏ رغم أن معارضيه ذكروا أنه استسلام لحماس يعبر عن تآكل الردع الإسرائيلية‏,‏ ويمثل إضعافا لأبومازن‏,‏ وإحراجا للمعتدلين العرب‏,‏ وخيانة للإدارة الامريكية القائمة علي عدم التوافق مع الإرهاب‏.‏

‏(2)
‏لماذا أقدمت إسرائيل علي تلك الخطوة غير المسبوقة؟هناك أكثر من اجابة عن السؤال‏,‏ منها أن الحصار الذي استمر عاما فشل في أن يحقق أهدافه‏,‏ فلا هو دفع الناس للثورة ضد السلطة في القطاع‏,‏ ولا هو أوقف إطلاق الصواريخ منه‏,‏ منها أيضا ان استمرار الحصار بدا محرجا لإسرائيل وأصدقائها‏,‏ حيث بدأت بعض الدول تتملل منه باعتباره يمثل جريمة حرب وانتهاكا لمواثيق حقوق الانسان‏,‏ الأمر الذي دفع تلك الدول إلي تجاوزه ومحاولة الاتصال مع حماس‏,(‏ فرنسا مثلا‏),‏ منها كذلك أن أولمرت يريد أن يهديء الاجواء من حوله لكي يتفرغ لمواجهة المشكلات الداخلية التي تمسك بخناقة‏.‏ منها أيضا أن التهدئة تتيح للإسرائيليين التفرغ للتعامل مع الملف النووي الإيراني الذي يسبب ازعاجا كبيرا لها‏.‏رغم تعدد الاسباب فإنني أزعم أن السبب الاول يكمن في الفشل الإسرائيلي في إسكات الصواريخ التي بدأت فصائل المقاومة الفلسطينية في إطلاقها من غزة منذ شهر يونيو عام‏2001,‏ وكان تصنيع ذلك السلاح في ظل الامكانات المتواضعة المتوافرة للفصائل من إبداعات المقاومة الفلسطينية المدهشة‏,‏ ذلك أن التفوق الإسرائيلي الكاسح في السلاح والتضييق الشديد الذي أدي إلي منع دخول أية عناصر يمكن أن تدخل في تصنيع الصواريخ‏,‏ بما في ذلك منع مواد التنظيف وحظر مادة اليوريا التي تستخدم في الزراعة‏,‏ ثم القصف والتدمير المستمران لكل ورش الحدادة‏,‏ ذلك كله لم يحل دون نجاح الفصائل في تصنيع الصواريخ وإطلاقها‏,‏ حتي يذكر تقرير حول الموضوع أعده مركز الزيتونة للدراسات في بيروت‏(‏ صادر في ابريل‏2008)‏ أن خبراء كتائب القسام لجأوا إلي روث البهائم لاستخراج بعض الغازات والمواد الكيماوية التي استخدمت في تصنيع المتفجرات‏.‏

وأشار التقرير إلي دراسة صدرت في‏4-3-2008‏ عن مركز المعلومات حول الاستخبارات والارهاب أن الفصائل الفلسطينية أطلقت علي البلدات الإسرائيلية‏2809‏ صواريخ‏,‏ في الفترة من‏26-10-2001 إلي بداية شهر فبراير‏2008.‏

صحيح أنه لا وجه للمقاونة بين أعداد الضحايا الإسرائيليين الذين أصيبوا جراء تلك الصواريخ وبين نظرائهم الفلسطينيين‏,‏ إلا أن هناك ملاحظتين في هذا الصدد‏,‏ الاولي ان اسرائيل تواصل قتلها المنظم للفلسطينيين دونما أية علاقة لذلك بالصواريخ‏,‏ فقد أظهرت إحصائية للجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني أن عدد الشهداء الذين سقطوا خلال انتفاضة الاقصي التي اندلعت في28-9-2000(‏ قبل وجود الصواريخ‏)‏ قد وصل في‏29-2-2008 إلي‏5227‏ شهيدا‏,‏ وأشارت الاحصائية إلي أن شهداء غزة كان عددهم‏3107.‏ أما الضفة التي لاتطلق منها أية صواريخ فقد قدمت‏2120‏ شهيدا‏.‏

الملاحظة الثانية‏,‏ أن المصادر الطبية الاسرائيلية تحدثت عن مقتل‏14‏ مستوطنا بسبب الصواريخ‏,‏ بينهم‏11‏ شخصا في مدينة سديروت وحدها‏,‏ وتحدثت دراسة مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب أن‏1600‏ إسرائيلي أصيبوا بالهلع بسبب الصواريخ في الفترة منذ منتصف‏2006‏ وحتي‏30-11-2006, وطلب رئيس لجنة أولياء الامر في سديروت شوشان سارة في حديث مع موقع معاريف الالكتروني بترحيل سكان سديروت علي غرار مستوطني غزة‏,‏ وقالت اذاعة الجيش الإسرائيلي أن سكان المدينة أرسلوا أبناءهم للدراسة في نيويورك بسبب تواصل قصفها بالصواريخ علي سديروت‏.‏ وذكر التليفزيون الاسرائيلي أن مركز الطواريء التابع لمدينة عسقلان استقبل خلال ليلة واحدة‏(‏ ليلة‏28-29-2-2008)‏ أربعة آلاف مكالمة هاتفية في أقل من ساعة من مستوطنين أصابتهم الصواريخ بالرعب‏.‏

وقال رئيس اتحاد مقاولي الترميم الإسرائيلي أنه خلال النصف الاول من عام‏2007‏ تسببت الصواريخ الفلسطينية في إحداث تلفيات في سديروت تكلف إصلاحها‏20‏ مليون دولار‏,‏ في الوقت ذاته تكلف تحصين المنازل والنقاط الاستراتيجية ضد الضربات الصاروخية نحو‏85‏ مليون دولار‏.‏ وفي استطلاع للرأي أجراه في عام‏2007‏ معهد داحاف بين سكان المدينة قال‏86%‏ من الجمهور أن الحكومة فشلت في حمايتهم‏,‏ وذكر‏64%‏ أنهم سيغادرونها في أول فرصة‏,‏ وذكر الموقع الالكتروني لصحيفة يديعوت أحرونوت في‏20-5-2007 أن مابين‏6‏ و‏8‏ آلاف من بين سكان المدينة البالغ عددهم‏23‏ ألف شخص غادروا المدينة لتدهور الاحوال الأمنية فيها‏.‏
(3)
‏المباحثات التي أدارتها القاهرة كانت شاقة ومعقدة‏.‏ ففي البداية طلب الإسرائيليون تعهدا من جانب حماس بوقف التدريب ومنع التهريب والتوقف عن تطوير صواريخها‏.(‏ في عام‏2001‏ كان مدي الصاروخ قسام واحد‏3‏ كيلو مترات وفي عام‏2006‏ أصبح مدي الصاروخ قسام‏3‏ نحو‏12‏ كم ونجح في الوصول إلي عسقلان‏,‏ وذكر تقرير الزيتونة أن مدي الصاروخ قسام‏4‏ يتراوح بين‏18‏ و‏20‏ كم‏,‏ وللعلم فإن بقية الفصائل نجحت في تصنيع صواريخها‏,‏ فحركة الجهاد صنعت صاروخ قدس ولجان المقاومة الشعبية صنعت صاروخ ناصر وحركة فتح صنعت صاروخ أقصي والجبهة الشعبية لها صاروخ صمود‏).‏

في البداية أيضا لم تلتزم إسرائيل بفتح المعابر‏,‏ وعلقت ذلك علي تقديرها لمدي التزام حماس بالتهدئة‏,‏ كما أنها طلبت إطلاق سراح الجندي الأسير جلعاد شاليط‏,‏ هذا العرض رفضه ممثلو حماس‏,‏ وقالوا إنهم ملتزمون فقط بوقف إطلاق الصواريخ طالما أوقفت إسرائيل عدوانها علي القطاع والضفة‏.‏ وذكروا ان اسرائيل كانت تحتل غزة وعجزت عن وقف التهريب‏,‏ فلماذا تطالب به حماس الآن‏,‏ وتحدثوا عن ضرورة فتح المعابر ضمن برنامج متفق عليه‏,‏ وقالوا ان موضوع شاليط خارج السياق‏,‏ لأنهم طلبوا اطلاق سراح‏375‏ أسيرا فلسطينيا في مقابل الافراج عنه‏,‏ وقد وافقت إسرائيل علي‏71‏ شخصا فقط‏.‏

بعد أخذ ورد وافقت اسرائيل علي ردود حماس باستثناء أمرين‏,‏ أولهما قصر التهدئة علي غزة دون الضفة في الوقت الراهن‏,‏ علي أن تشمل الضفة بعد ستة أشهر‏,‏ وثانيهما تأجيل فتح معبر رفح الذي هو المنفذ الوحيد لعبور الأشخاص‏,‏ في حين أن المعابر الاخري مخصصة للبضائع‏,‏ كما وافقت علي تأجيل بحث موضوع شاليط حيث يتم الاتفاق علي قائمة الفلسطينيين المفرج عنهم‏.‏

حينما وجد مفاوضو حماس أن الرد الإسرائيلي يفك الحصار تدريجيا ويوقف العدوان‏,‏ فإنهم طلبوا عرض نتائج المفاوضات علي ممثلي فصائل المقاومة الاخري‏,‏ لإجراء حوار وطني حوله‏,‏ وتوافق الجميع علي الالتزام به بمن في ذلك الذين رفضوه‏(‏ الجبهة الشعبية‏)‏ والذين تحفظوا عليه‏(‏ الجهاد الاسلامي‏).‏

‏(4)
‏لا أحد من المفاوضين الفلسطينيين يثق في التعهد الإسرائيلي‏,‏ ليس فقط لانها دأبت علي نقض عهودها مستندة إلي الخلل في موازين القوة لصالحها‏,‏ ولكن أيضا لان عمر هذه الاتفاقية ـ في أحسن فروضه ـ لن يتجاوز عمر حكومة أولمرت الآيلة للسقوط‏.‏ وقد سمعت من بعض المفاوضين قولهم إن التهدئة ليست أكثر من لحظة لالتقاط الأنفاس‏,‏ وتحسين شروط العيش داخل السجن الإسرائيلي‏.‏

المفارقة أن التهدئة بين فلسطينيي غزة وبين الاسرائيليين إذا كانت قد حققت شيئا بالمعيار النسبي‏,‏ فإن التهدئة بين غزة ورام الله لاتزال متعثرة‏.‏ ذلك أنه بعدما تفاءل البعض بحديث أبو مازن المفاجيء في7-6‏ عن الحوار مع حماس‏,‏ سواء لأن أمله خاب في الوعود الأمريكية والاسرائيلية‏,‏ أو لانه أراد أن يوحد الصف الفسطيني قدر الإمكان مع قرب انتهاء ولايته‏(‏ في‏5‏ يناير المقبل‏)‏ والتمهيد لانتخابات جديدة‏,‏ فان هذا التفاؤل بدأ يتراجع بشكل تدريجي خلال الايام الماضية‏.‏ ومما كانت له دلالته في هذا الصدد أن أبو مازن كلف وفدا من قيادات فتح بزيارة غزة والتعرف علي الأوضاع فيها‏,‏

ورغم أن ذلك لم يتم بالتنسيق مع قيادات فتح بالقطاع‏,‏ فإن الأمر تمت تسويته وجري الترحيب بالوفد علي مستويات عدة‏,‏ وتحدد موعد لاجتماعه مع السيد إسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة‏,‏ لكن أبو مازن أجري اتصالا مع وفده قبل نصف ساعة من الموعد‏,‏ وطلب إلغاء المقابلة‏,‏ الأمر الذي اضطر الوفد لمغادرة القطاع يوم السبت الماضي‏21-6,‏ دون أن يحقق شيئا يذكر في مهمته‏,‏ مما يعني أن دعوة الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني لم تتضح بعد‏,‏ وربما احتاجت إلي طرف عربي ثالث يدفعها إلي الامام‏.‏ وذلك يعني أيضا أن ماحدث في الساحة الفلسطينية هو بدوره مجرد تهدئة وليس حوارا‏.

أكاذيب دعاة التطبيع

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 19 جمادى الأخر 1429 – 23 يونيو 2008
أكاذيب دعاة التطبيع - فهمي هويدي

يروج أنصار التطبيع في مصر لاكذوبتين من العيار الثقيل، الأولي: أن المثقفين هم الذين يرفضون التطبيع مع إسرائيل ويدعون إلي مقاطعتها ، والثانية: أن من شأن المقاطعة أن تحرمنا من التقدم العلمي الإسرائيلي وهي التي أصبحت تملك نفوذًا كبيرًا في أوساط التجارة والصناعة، وإننا إذا سرنا وراء دعاة المقاطعة فسنعود إلي عصر التراسل بالحمام الزاجل.

الأكذوبة الأولي ذكرتني بالسباك الذي جاء ليصلح شيئًا في بيتي، واحتاج إلي قطعة غيار، ولما طلبت منه شراءها من السوق القريب، فإنه رد علي قائلاً إنه سيبحث عنها في مكان آخر، لأن البضاعة الموجودة في سوقنا القريب «نجسة» ولأنني أفهم مقصده لأول مرة، فقد سألته عما يعنيه، فكان رده إنها نجسة لأنها إسرائيلية الصنع! ليست هذه قصة وحيدة، وإنما لدي قصص أخري من هذا القبيل، ترد زعم المطبعين بأن المثقفين وحدهم هم الذين يتبنون الدعوة لمقاطعة إسرائيل، وتؤكد الحقيقة التي يذكرونها المتمثلة في أن رفض التطبيع هو موقف المجتمع بالدرجة الأولي والمثقفين الذين يعلنون ذلك الرفض يعبرون عن نبض الشارع ومشاعره الحقيقية التي لم تتلوث بحسابات المطبعين وأهوائهم، ولو أجري في مصر أو أي بلد عربي أي استطلاع أمين للرأي أو استفتاء نزيه ومحايد لكشف بوضوح أن إقدام بعض الحكومات علي التصالح مع إسرائيل كان تعبيرًا عن حسابات سياسية ولم يكن بأي حال تعبيرًا عن موقف الرأي العام، وللعلم فإن رفض التطبيع لا ينطلق من موقف وطني فحسب، وإنما من موقف أخلاقي أيضًا، ذلك أن إسرائيل المدججة بالسلاح النووي، التي تتمدد علي الحدود المصرية وتصر علي اغتصاب الأرض ونهب زراعتها ومياهها، تظل في كل أحوالها خطرًا يهدد الأمن القومي المصري بالدرجة الأولي ، وبإصرارها علي ابتلاع فلسطين برفض السلام العادل الذي يعيد الحق إلي أهله، فإنها تؤكد أطماعها التي ينبغي أن تحذر منها دولة عربية كبري مثل مصر.

علي صعيد آخر، فإن استمرار إسرائيل في ارتكاب عمليات القتل والتدمير والتجويع للفلسطينيين، مع احتجاز 11ألفًا منهم في السجون والمعتقلات، يوقعها في محظور الإبادة الجماعية وارتكاب قائمة طويلة من الجرائم ضد الإنسانية، الأمر الذي يوجب علي كل مواطن شريف ألا يمد إليها يد التطبيع، لأسباب إنسانية وأخلاقية، وليس فقط وطنية.

أكذوبة إسرائيل قاطرة التقدم التي تعيدنا مقاطعتها إلي عصر التراسل بواسطة الحمام الزاجل، مسكونة بالتغليط والتدليس، فضلاً عن كونها تعبيرًا عن تمكن الشعر بالهزيمة من دعاة التطبيع، الذين أصبحوا يسوقون شعار «إسرائيل هي الحل».

لا ينكر أحد أن إسرائيل أولت العلم بأبحاثه ومعاهده اهتمامًا خاصًا، حتي كانت الجامعة العبرية من أول ما أنشأته لتحقيق مشروعها، لكننا ينبغي ونحن نقيم دورها في هذا المجال أن نلاحظ عدة أمور، أولها أن أغلب العلماء الإسرائيليين هم من اليهود الذين برزوا واستجلبوا من دول أوروبا وأمريكا، وجميعهم بلا استثناء يجرون جانبًا من أعمالهم البحثية في الجامعات الأمريكية بوجه أخص، بالتالي فهم يحسبون علي الثقافة الغربية بأكثر مما يحسبون علي الأكاديمية الإسرائيلية، الأمر الثاني أن معظم الصناعات الإسرائيلية المتقدمة «ما بين 75% و80% منها» موجه إلي أوروبا وأمريكا، وإنتاجها يصمم تنفيذًا لعقود مبرمة مع المؤسسات المعنية في الدول الغربية، الأمر الثالث أن العلم موجود لغير إسرائيل، وما حققته الهند والصين وماليزيا وغيرها، خير دليل علي أن اللحاق بالعصر لا يمر بإسرائيل بالضرورة، ولكن المهزومين والمنبطحين وحدهم الذين يرون في إسرائيل قاطرة وحيدة للتقدم، الأمر الرابع والمهم أن إسرائيل تتقدم علميًا واقتصاديًا في الفراغ الناشئ عن انكفاء الدول العربية وتراجع أهميتها في حلبة السياسة، ولو أن للدول العربية احترامًا أو تقديرًا لما عاونت ألمانيا إسرائيل في إنتاج الأسلحة البيولوجية ولما تبنت فرنسا مشروعًا يسمح لإسرائيل بأن تكون شريكة في كل الأبحاث العلمية التي تجري في الاتحاد الأوروبي.

جريمة بشعة بالإسكندرية

صحيفة الدستور المصريه الأحد 18 جمادى الأخر 1429 – 22 يونيو 2008
جريمة بشعة بالإسكندرية - فهمي هويدي

هذا نموذج للحوادث المذهلة وغير القابلة للتصديق التي تحدث في مصر هذه الأيام، مجند من أبناء محافظة البحيرة تصرف مع أحد الضباط بصورة لم تعجبه، فاعتبر ذلك إخلالا بقواعد الانضباط العسكري، وقرر «تكديره».. ماذا جري له؟ التقرير الذي نشره الأهرام أمس «21/6» أجاب عن السؤال بما نصه: قررت إدارة قطاع الأمن العسكري «بالإسكندرية» إيداع الجندي - اسمه علي - المجند الإداري لمدة يوم واحد، ثم تم نقله إلي الحجز الانفرادي بالمخالفة للقواعد، التي تنص علي أن دخول المخالف إلي ذلك الحجز يتم بقرار من قائد القطاع العسكري، وهو مالم يحدث، ظل علي محبوساً في ذلك السجن لمدة يومين، حيث أصبح في حالة نفسية سيئة، خصوصاً أنه ظل يتعرض للضرب بشكل غير آدمي، قرر المسئولون بعد ذلك نقله إلي سجن المحاكمات، رغم أن القواعد تقضي بأن ذلك لا يتم إلا بإذن النيابة العسكرية، علي أن يُفتح السجن بواسطة ضابط مسئول، ولكن هذه القواعد ضرب بها عرض الحائط أيضاً.

في سجن المحاكمات - والكلام لايزال لتقرير الأهرام - قام الجنود باستعمال جميع وسائل التعذيب بحق الشاب السجين ، حين تعرض للضرب المبرح بالعصي وبالركل بالأقدام في جميع أنحاء جسده، حتي تحطم قفصه الصدري ولفظ أنفاسه الأخيرة، وظل وهو في تلك الحالة يطلب من الجنود كوباً من الماء يشربه، لكن قلوبهم القاسية منعتهم من الاستجابة لمطلبه.

وكانت كلماته الأخيرة لهم هي: «من لم يسقني ماء لن يدخل الجنة»، ثم فاضت روحه بعد ذلك، وحين فوجئ زملاؤه المسجونون بموته، فإنهم أشعلوا النار في الزنزانة التي يقيم فيها، مما أدي إلي تفحم جثته.

فهمت من زميلنا رامي ياسين الذي كتب التقرير أن وزير الداخلية أبُلغ بالحادث باعتباره واقعة انتحار قام بها الشاب المجند، لكنه أخطر النيابة للتحقيق في الواقعة، وقام الطبيب الشرعي بمعاينة الجثة وبين تقريره أن المجني عليه تعرض للضرب المبرح، وأن عظام صدره مصابة بتهتك شديد مع وجود إصابات متفرقة في جسده، قامت النيابة باستدعاء 22 مجنداً كشهود علي الواقعة، وصدر قرار بحبس 14 منهم لمدة أربعة أيام علي ذمة التحقيق بعد أن وجهت إليهم النيابة تهمة القسوة والتعذيب في قتل المجند، كما أمر المحامي العام بحبس ضابط برتبة ملازم أول بقطاع الأمن المركزي علي ذمة التحقيق معه في تهمة استعمال القسوة بحقه، وقررت النيابة استدعاء عدد من الضباط الآخرين لوجود مسئولية إشرافية عليهم فيما حدث.

حاولت أن أتتبع تفاصيل القضية، فعلمت أن الشاب المجند اسمه علي ظريف علي، وأنه كان علي وشك الزواج بعد انتهاء خدمته العسكرية، وأنه أمضي في الخدمة سنتين، ألحق خلالهما بالأمن المركزي، علمت أيضاً أنه كان حسن السيرة، وخلال السنتين اللتين أمضاهما في الخدمة لم يرتكب أفعالاً تجرمه، باستثناء بعض المخالفات البسيطة، وكانت إحداها تلك التي بدرت منه ودفعت الضابط إلي تكديره وحبسه.
لديّ علامة استفهام علي قانونية إلحاق المجندين من أمثال الشاب القتيل، الذين يتقدمون لخدمة البلد بالقوات المسلحة، ثم يحالون إلي الأمن المركزي بقرار لا رأي لهم فيه، فينتقلون من الدفاع عن الوطن ضد أعدائه، إلي الدفاع عن النظام ضد معارضيه، لكن الأهم من ذلك في الواقعة التي نحن بصددها هو مدي بشاعة الجريمة التي ارتكبت بحق الشاب المسكين، وتلك الصلاحيات المطلقة المعطاة لضابط الشرطة، التي شجعته علي أن يفعل بالشاب المجند ما يشاء، وهو الشعور الذي تلبس عدداً غير قليل من ضباط الشرطة الذين أقنعتهم الطوارئ بأنهم فوق القانون، وأن يدهم مطلقة في سحق البشر وتدمير حياتهم، ثم إن الواقعة تثير العديد من التساؤلات حول حقيقة ما يجري في ذلك العالم البعيد عن الأنظار والمحصن ضد المساءلة، إن السؤال الذي تثيره القضية هو: من يحاسب المسئولين الحقيقيين عن الجريمة، ومن ينصف الفقراء والضعفاء من أمثال الشاب علي من البطش والقهر، ومن يعوض أسرة الشاب الشهيد عن ابنها الذي فقدته؟

22 يونيو، 2008

رفقًا بشعب سيناء

صحيفة الدستور المصريه السبت 17 جمادى الاخر 1429 – 21 يونيو 2008
رفقًا بشعب سيناء - فهمي هويدي


ثمة غضب مكتوم في سيناء، ينبغي أن نتفهم أسبابه، وأن نتعامل معه بحكمة ورفق، صحيح أن الأهالي هناك عاتبون علي الدولة المصرية إهمالها لهم، ولكن ذلك الإهمال حظ أغلب المناطق النائية في بر مصر، عملاً بالقول المأثور إن البعيد عن العين بعيد عن القلب، وهو ما ينطبق علي التجمعات البشرية بقدر انطباقه علي الأفراد، وذلك شأن السلطة المركزية دائمًا، حيث تظل العاصمة التي يعيش فيها الأكابر والوجهاء هي بؤرة الاهتمام ومحط الأنظار، وكل ما عداها «حواشي» تأتي في المرتبة التالية في الأهمية. لكن سيناء تميزت عن غيرها من المحافظات النائية بثلاثة أمور، الأول : أن قبائلها ظلت دائمًا موضع شك واتهام، مرة بسبب تهمة تهريب المخدرات ومرة ثانية بسب ادعاء البعض بأن لهم علاقة مع إسرائيل، الأمر الثاني: أن سواحلها المطلة علي البحر الأحمر تحولت إلي منتجعات سياحية يؤمها كبار القوم وتقصدها أعداد كبيرة من السياح العرب والأجانب، وهو ما رفع حالة الاستعداد الأمني، خصوصًا بعدما تعرضت بعض فنادقه للعمليات الإرهابية، الأمر الثالث متصل بسابقه، ويتمثل في أن مضاعفة الاحتياطات الأمنية استصحب حضورًا قويًا وكثيفًا للشرطة، التي أصبحت صاحبة الكلمة في سيناء، وحلت في ذلك محل الجيش «سلاح الحدود» الذي كان موجودًا بالمنطقة ويدير شئونها حتي عام 1967، وقد تغير ذلك الوضع بصورة جذرية بعد ذلك، سواء بسبب الاحتلال الإسرائيلي أو بسبب تغيير وجود القوات المسلحة المصرية في سيناء، طبقًا لما قضت به معاهدة كامب ديفيد.

العامل الثالث هو أكثر مايهمنا في اللحظة الراهنة، لأن تولي الشرطة أمر سيناء أحدث انقلابًا في علاقة السلطة بالمجتمع هناك، إذ لم يكن لدي ممثليها خبرة لا بجغرافية المنطقة ولا بنسيجها الاجتماعي، ودور القبيلة أو العرف في ذلك النسيج، وهي الجوانب التي استوعبها رجال الجيش من خلال خبرتهم الطويلة بالمنطقة، وكما سمعت من بعض قيادات القوات المسلحة الذين خدموا في سيناء، فإن علاقتهم الأساسية كانت مع شيوخ القبائل، وكل ما كان يصادفهم من عقبات أو مشكلات كان يحل في جلسات مع أولئك الشيوخ الذين يملكون سلطة معنوية وعملية كبيرة يسلم بها الجميع بلا استثناء.

وللأسف، فإن الإسرائيليين حين احتلوا سيناء بعد عام 67 استفادوا من خبرتهم مع القبائل البدوية في فلسطين، فخاطبوا شيوخ قبائل سيناء مباشرة، وعملوا علي كسب ودهم، حين قدموا لهم عديدًا من الخدمات التي قصرت الحكومة المصرية في توفيرها، من توفير أنابيب المياه، إلي إقامة المراكز الطبية التي تولت علاج الأهالي.

وحين جاءت الشرطة المصرية إلي سيناء، فإنها فشلت في استيعاب خبرة القوات المسلحة المصرية، كما أنها عجزت عن أن تقدم لقبائلها ما نجح الإسرائيليون في تقديمه ، وكان أسوأ ما فعلته أنها لم تكن واعية بالدور المهم لشيوخ القبائل هناك، كما أنها رفضت الاعتراف بدور العرف في حل مشكلات المجتمع، وزاد الطين بلة أن الشرطة استخدمت أساليب البطش التقليدية، التي تتعامل بها مع بقية خلق الله، فلجأت إلي عمليات الاعتقال والتعذيب التي صدمت المجتمع القبلي واستفزته، وأحدثت فجوة عميقة في علاقة السلطة بالبدو، ومن ثم فإن المرارات القديمة التي كان الإهمال مصدرًا رئيسيًا لها، انضافت إليها في وجود الشرطة ثأرات وخصومات، كانت سببًا في العديد من تجليات غضب القبائل وثورتها، خصوصًا مع استمرار اعتقال بعض أبنائها وتعذيبهم في السجون المصرية.

إن التعامل مع سيناء يحتاج إلي عقليات أخري وأساليب مغايرة، ولا أعرف إن كانت قيادات الشرطة والأجهزة الأمنية التي تذهب إلي هناك قابلة لإعادة التأهيل أم لا، لكن هذه مسألة ينبغي أن تؤخذ علي محمل الجد، ليس فقط لأجل خاطر أهل سيناء، ولكن أيضًا لأن مصر فيها ما يكفيها من الغضب والسخط

21 يونيو، 2008

رسالة عربية واجبة الاستلام

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 16 جمادى الأخر 1429 – 20 يونيو 2008
رسالة عربية واجبة الاستلام - فهمي هويدي

الشعب المصري شديد الثقة في السياسة الخارجية للرئيس مبارك، لكن ثقة العالم العربي فيه أقل، حيث جاء ترتيبه الرابع بعد العاهل السعودي الملك عبد الله، وزعيم حزب الله السيد حسن نصر الله، والرئيس السوري بشار الأسد، هذه بعض نتائج الاستطلاع العالمي للرأي الذي أجرته في 20 دولة إحدي المنظمات الأمريكية «وورلد أوبينيون أورجانيزيشن»، ونشرت تفصيلاته مجلة «نيوزويك» في الأسبوع الماضي، وكان ملاحظًا أن الصحف القومية أبرزت المعلومة الأولي علي صدر صفحاتها الأولي، في حين تجاهلت المعلومة الثانية الخاصة بتراجع شعبية الرئيس مبارك عربيًا، وكانت تلك النتيجة هي التي احتلت عناوين الصحف المستقلة والمعارضة.

استوقفتني أكثر من نتيجة في الاستطلاع، إحداها أن الثقة التي أولاها المصريون للرئيس مبارك كانت منصبة علي سياسته الخارجية، لكنها لم تعن بقياس رأي المصريين في سياسته الداخلية، بالتالي فليس معلومًا ما إذا كانوا راضين عن تلك السياسة أم لا، خصوصًا أننا قرأنا قبل أشهر قليلة أن استطلاعًا -أمريكيًا أيضًا- أجري حول رأي الشعوب في حكوماتهم، وتبين منه أن المصريين من أكثر شعوب العالم ضيقًا وسخطًا علي حكومتهم، وكان ذلك قبل انفجار موجة الغلاء في وجوه المصريين بما أشاعته من غضب وتعاسة في أوساطهم.
الملاحظة الثانية تتعلق بتراجع الثقة في الرئيس مبارك عربيًا، وحلوله في المرتبة الرابعة بعد الملك عبد الله والسيد نصر الله والرئيس الأسد، وهي معلومة تعزز الانطباع السائد عن تراجع الدور العربي لمصر، وفقدانها موقع الريادة، الذي لاتزال بعض الأبواق الحكومية تتعلق به وتحاول تسويقه، داخليًا علي الأقل.

الملاحظة الثالثة المهمة تنصب علي نتائج الاستطلاع في الأوساط الفلسطينية، التي كان منها مثلاً أن الفلسطينيين عبّروا عن ثقتهم في السيد حسن نصر الله بنسبة أعلي من ثقتهم في الرئيس محمود عباس «أبو مازن»، وهي معلومة لا تفسير لها سوي أنها تعبر عن انحياز الفلسطينيين للمقاومة، وفقدانهم الأمل في التسوية السلمية التي يتعلق بها أبو مازن، والتي لم تقدم شيئًا يذكر إلي الفلسطينيين حتي الآن.

من تلك النتائج أيضًا أن الرئيس مبارك جاء ترتيبه الخامس بين الرؤساء الذين يقدرهم الفلسطينيون، فقد احتل السيد نصر الله الترتيب الأول وبعده أبو مازن ثم العاهل السعودي الملك عبدالله، وبعده الرئيس الأسد وجاء الرئيس مبارك في المرتبة الخامسة، وإذا لاحظنا في هذا الصدد أن ثقة العرب في الرئيس مبارك وضعته في المرتبة الرابعة، في حين أن الفلسطينيين اعتبروه في المرتبة الخامسة، فإن ذلك يعزز فكرة تراجع الدور المصري عربيًا، كما أنه يعبر عن الاستياء الفلسطيني إزاء اشتراك مصر في حصار قطاع غزة، واستمرار مراهنتها علي الدور الأمريكي في التعامل مع ملف القضية.

في الظروف العادية فإن نتائج الاستطلاع تأتي محملة برسالة حافلة بالمؤشرات، وإذا كان الاستطلاع قد أشرفت عليه منظمة عالمية موثوقة، فإن نتائجه ينبغي أن تُحمل علي محمل الجد، بحيث تخضع لتحليل المعنيين بالشأن السياسي علي نحو يمكنهم من قراءة رسالة الرأي العام العربي التي وردت في المواقف التي تم التعبير عنها إزاء القضايا المختلفة، ولكن حين أبرزت الصحف القومية تقديرالمصريين لسياسة الرئيس مبارك الخارجية، وسكتت تمامًا عن تراجع التقدير العربي لتلك السياسة، فمعني ذلك أن هناك من لا يريد أن يتسلم الرسالة الحقيقية، وأن الاستعداد لاستقبال الرسالة مقصور علي ما هو إيجابي فقط، إن شئت فقل إن إعلامنا الرسمي مهتم بالتصفيق والتهليل، وغير مرحب بأي نقد أو دعوة إلي المراجعة، حتي إذا كان الموضوع متصلاً بدور مصر ومكانتها في العالم العربي.. وتلك بالمناسبة خلاصة لا تفاجئنا، لأن ذلك سلوك ليس جديدًا، وهو من تجليات الإصدار علي تجاهل الحقيقة ودفن الرأس في الرمال، والسير الحثيث علي طريق الندامة.

20 يونيو، 2008

الديمقراطية المزورة هي الأسوأ

صحيفة الدستور المصريه الخميس 15 جمادى الأخر 1429 - 19 يونيو 2008
الديمقراطية المزورة هي الأسوأ - فهمي هويدي

قدرت صراحة رئيس زيمبابوي روبرت موجابي حين قال قبل أيام قليلة: «إن المعارضة لن تحكم ما دام علي قيد الحياة»، وإنه مستعد لأن يقاتل دون ذلك لأن الشعب ائتمنه علي استقلال البلد ومستقبله، ويستحيل عليه أن يفرط في الأمانة التي طوقت عنقه، وقال إن الذين يعارضونه «خونة» يعملون لحساب المستعمر السابق «بريطانيا»، ولأن الأمر كذلك، فإن هؤلاء إذا فازوا في الانتخابات الرئاسية التي تتم يوم 27 يونيو الحالي، فلن يسمح لهم بتولي زمام الحكم، ولن يتردد في حمل السلاح لعدم تمكينهم من «الاستيلاء» علي السلطة.
هذا الكلام ليس غريبًا علينا، في رسالته ومضمونه وليس في مفرداته، فنموذج روبرت موجابي شائع في العالم الثالث، خصوصًا بين القادة الذين حققوا إنجازات تاريخية معاينة، حقيقية ووهمية، واعتبروها رصيدًا أوصلهم إلي السلطة.. وما إن احتلوا مقاعدهم حتي اعتبروا الإنجاز المذكور «حجة» حولت الأوطان إلي أوقاف مقصورة عليهم، وهذا ما فعله موجابي الذي اشترك في حرب الاستقلال ضد الاحتلال البريطاني، واعتبر دوره في التحرير مسوغًا ليس فقط لاحتكار السلطة، ولكن أيضًا لاعتبار معارضيه خونة، الأدهي من ذلك الأمر أنه اختزل الوطن في شخصه، وهذا النموذج مكرر حولنا كما تعلم، لكن موجابي اختصر الطريق وصارح الجميع بما يتكتمه آخرون فهو مصرُّ علي البقاء في السلطة حتي آخر رمق. والآخرون -حتي إذا فازوا في الانتخابات- لن يمكَّنوا من زحزحته عن منصبه.

قليلون من القادة يكشفون أوراقهم بهذه الصورة، ويؤثرون الاحتيال علي الديمقراطية وعلي القوانين، سواء عن طريق تزوير الانتخابات أو إجراء تعديلات دستورية تقطع الطريق علي المنافسين، وتغلق الباب علي الرمز المطلوب .

كان خوليو سانجوينتي -الرئيس الراحل لجمهورية أوراجواي- يقسم أنظمة العالم الثالث إلي فئتين، الأولي: ديكتاتوريات لينة «ديكتابلاتوا» أو ديكتاتوريات خشنة وصارمة «ديكتادورًا». والفرق بين الاثنين ليس في الموقف الأساسي المتمثل في الاستبداد واحتكار السلطة، وإنما هو في «إخراج» هذا الموقف، فالأولي «اللينة» تعطي هامشًا من حرية الحركة والتعبير، بما يوفر للمثقفين فرصة للنقد وللسياسين مجالاً للمعارضة وللمجتمع إمكانية تأسيس المنظمات والجماعات السياسية، و.. و... إلخ، لكنها تُبْقي علي كل الخيوط بيدها، أما الديكتاتورية الصارمة فهي التي تعلن علي الملأ أنها متمسكة بالسلطة ورافضة لأي تداول لها، وغير مستعدة للاعتراف بأي انتخابات.

في مقام آخر قلت إن الديكتاتورية الصريحة «الخشنة والصارمة» أسوأ حقًا من الديمقراطية المزيفة، التي هي تسمية أخري للديكتاتورية اللينة.. ومع ذلك فإن الأولي واضحة، ولا مجال للبس فيها، وبالتالي فالخصم فيها محدد، بحيث يصبح بمقدور القوي الوطنية أن تحتشد في جبهة واحدة ضده.

أما الديمقراطية المزورة فهي تفتح الباب للالتباس، وتوفر للمنافقين فرصة التذرع ببعض المظاهر الإيجابية للالتحاق بمعسكر السلطة، ثم إنها ربما استطاعت أن تخدع نفرًا من البسطاء، بحيث توهمهم بأن الوسائل المتبعة في إدارة اللعبة السياسية ليست للتمويه أو التستر، وإنما هي خطي علي طريق الإصلاح تمهد لما هو أبعد منها، وهذا التزوير للديمقراطية الذي يقبل بالوسائل والأشكال، وينحي الوظيفة والمضمون جانبًا من شأنه أن يميع الصورة، ومن ثم فهو لا يضمن احتشادًا كافيًا من جانب فصائل العمل الوطني، صحيح أن المفاضلة بين الصيغتين هي اختياران سيء وأسوأ، وعادة ما يؤدي ذلك إلي الانحياز للسيء باعتباره أخف ضررً، إلا أنني في هذه الحالة أنحاز إلي الأسوأ، الذي قد يكون باهظ التكلفة حقًا ولكنه يمثل الصيغة الوحيدة التي تقنع الناس بضرورة التغيير وحتميته، فما قاله الرئيس موجابي مثلاً يقنعك علي الفور بأن هذا الرجل يجب أن يترك منصبه، في حين أنه لو قال كلامًا آخر ناعمًا أبدي فيه استعداده لترك منصبه لأي شخص يختاره الشعب، في حين كان يضمر شيئًا آخرلا لتبس الأمر علي الناس ولصدقه بعضهم، إن الشر الأكبر ليس أسوأ الاحتمالات في كل الحالات.

لزوم الاستهلاك المحلي

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 14 جمادى الأخر 1429 - 18 يونيو 2008
لزوم الاستهلاك المحلي - فهمي هويدي

الكلام الذي قاله وزير الصحة عن أن ثمة قراراً يلزم جميع المستشفيات باستقبال المصابين أو المرضي في حالات الطوارئ وعدم تحصيل أي رسوم مالية منهم خلال الأربع وعشرين ساعة الأولي، هو للاستهلاك المحلي في الأغلب، لست أشك في وجود القرار الذي نشرت وزارة الصحة نصه في إعلان عُمم علي الصحف الصادرة في 14/6 الحالي، ولكن شواهد الواقع تدل علي أن هذا القرار كان أيضاً للاستهلاك المحلي، وإنه لم يؤخذ علي محمل الجد من جانب وزارة الصحة ذاتها ذلك أن حالات رفض استقبال المرضي الفقراء وطرد العاجزين منهم عن دفع نفقات العلاج أصبحت شائعة، حتي باتت الأخبار التي تنشر عنها أمراً مألوفاً في الصحف اليومية. صحيح أن الصحف نشرت أن الوزير الدكتور حاتم الجبلي طلب إجراء تحقيق عاجل حول ما أثاره أطباء مستشفي الساحل التعليمي حول الموضوع، حيث تحدث بعضهم إلي إحدي القنوات الفضائية متهماً إدارة المستشفي بطرد الفقراء الذين يعجزون عن دفع نفقات العلاج، ولكن طلب الوزير كان بدوره للاستهلاك المحلي.

كنت قد أثرت هذه القضية قبل أسبوعين، في أعقاب ما نشر عن طرد سيدة مسنة مريضة بالقلب من أحد المستشفيات الخاصة بحي شبرا، ولم تجد مكاناً يأويها، فاعتصمت بباب المستشفي حتي ماتت علي عتبته. وتلقيت بعد ذلك رسالة من قارئة أصيب أبوها بجلطة في المخ وطلب منها الطبيب المعالج أن توقع «ايصال أمانة» بألف جنيه قبل أن يعطيه الحقنة التي تذّوب الجلطة، وقد عقب الدكتور صبحي هويدي برسالة نشرتها كانت خلاصتها أن الدول التي تحترم حقوق الإنسان وتدافع عن كرامة مواطنيها هي التي تتحمل نفقات علاج الفقراء منهم إذا ما عجزوا عن سدادها.

وإن تطبيق هذا النظام بجدية وحزم يشجع جميع المستشفيات علي أن تؤدي واجبها كاملاً نحوهم، وهي مطمئنة إلي أنها ستحّصل تلك النفقات من الحكومة، لتتمكن من الاستمرار في أداء ذلك الواجب.

علي الورق، كل ذلك حاصل في مصر باستثناء شيء واحد، هو أن الحكومة لا تسدد للمستشفيات النفقات التي تتحملها لعلاج الفقراء. صحيح أن بعض الشخصيات العامة تعالج علي نفقة الدولة في خارج مصر وداخلها، ولكن ذلك عادة ما يكون من باب الوجاهة السياسية التي يراد بها إثبات أن الحكومة تحنو علي مواطنيها. خصوصاً حين يتم ذلك بناء علي قرارات عليا. ورغم أنه لا شكر علي واجب، إلا أننا نتمني أن تمتد يد العطف للغلابة من أبناء الشعب المصري، الذين هم أحوج إلي الرعاية علماً بأن علاج الفقراء ليس تبرعاً أو عطفاً من الدولة، وإنما هو حق للناس وواجب عليها، لأن أحداً في الحكومة لا يدفع هذه النفقات من جيبه الخاص، وإنما الدفع هو من الموازنة العامة، التي تشكل الضرائب التي يدفعها الناس أحد أوعيتها الأساسية.

حين اجتمعت لجنة الصحة بمجلس الشعب يوم الأحد الماضي «8/6» نوقش موضوع العلاج علي نفقة الدولة وانفضح موقف الحكومة، حيث وقف مسئول الشئون القانونية في وزارة الدفاع وأعلن أنه ابتداء من ذلك اليوم لن تقبل المستشفيات العسكرية أي حالات للعلاج علي نفقة الدولة، لأن وزارة الصحة ترسل المرضي إلي تلك المستشفيات ثم تمتنع عن دفع مستحقات علاجهم. الأمر الذي أوصل مديونية المستشفيات العسكرية علي الوزارة إلي 9 ملايين جنيه، وقال مدير مستشفي عين شمس التخصصي إن وزارة الصحة مدينة بمبلغ 14 مليون جنيه، أما مديرة مستشفي قصر العيني فقد ذكرت أن الوزارة مدينة لهم بمبلغ 18 مليون جنيه!

وهذه كلها نفقات تحملتها المستشفيات لعلاج غير القادرين الذين أحيلوا إليها، ولكن الحكومة التي أحالت امتنعت عن أداء مستحقات المستشفيات.

18 يونيو، 2008

خيبة أم فساد؟

صحيفة الدستورالمصريه الثلاثاء 13جمادى الاخر1429- 17 يونيو 2008
خيبة أم فساد؟ - فهمي هويدي

هل يمكن أن يراجع عقد بيع الغاز لإسرائيل مثلما تمت مراجعة عقد شركة «إجريوم» للأسمدة، التي كشفت عن المخالفات الجسيمة فيه، وأدت إلي رفضه من قبل مجلس الدولة؟.. ما شجعني علي طرح السؤال أن أوجه الطعن في سلامة عقد الشركة الكندية يمكن أن تنطبق علي عقد تصدير الغاز لإسرائيل، إذ حسب الكلام الذي نشره «الأهرام» يوم ــ السبت ــ الماضي 14/6، فإن اللجنة المختصة في مجلس الدولة وجدت عيوباً جوهرية في إجراءات إبرام العقد وفي مضمونه، لا علاقة لها بالآثار البيئية المترتبة علي إنشاء المصنع في محافظة دمياط، ولكن اللجنة وجدت أن العقد أبرم بالاتفاق المباشر بالمخالفة لقانون الموانئ، في حين كان ينبغي أن تتوافر له ظروف المنافسة والعلنية، ثم إن ترخيص إنشاء المصنع أصدره رئيس الوزراء بالمخالفة للقانون أيضاً، الذي يقضي بأن منح الالتزام ينبغي أن يتم بقرار من مجلس الوزراء، وإلي جانب الخطأ في الإجراءات، فقد تبين أن في العقد شروطاً تفضيلية للشركة تخالف الأعراف الملاحية السائدة، وبعضها مخالف للقانون، وكانت تلك الأخطاء هي الحيثيات التي استندت إليها لجنة مجلس الدولة في رفض العقد.

حين قارنت الأخطاء التي شابت عقد توريد الغاز لإسرائيل، وجدت أن الحكومة تحايلت في إبرام العقد، بحيث لم تعرضه علي مجلس الشعب، كما أنها حصنت الاتفاق بالسرية التي أخفت عن الجميع شروطه ومدته وأسعاره، وهذه الحصانة لا سند لها من القانون، ولا تفسير لها إلا أنها محاولة للتستر علي مضمون الاتفاق وستر عيوبه، الذي يشيع بين خبراء البترول المصريين أنها بدورها مخالفة للأعراف السائدة.
سألت من أعرف من قضاة مجلس الدولة عما إذا كان بوسع لجان المجلس أن تدرس العقد لتتثبت من سلامته وعدم إضراره بالصالح العام والأمن القومي لمصر، فكان رأيهم أن جميع العقود التي تكون الدولة طرفاً فيها يجب أن تعرض علي المجلس، ولأن العقود المتعلقة بمصادر الثروة الطبيعية لها وضعها الخاص بحكم أهميتها الاستراتيجية، فيتعين عرضها علي مجلس الشعب أيضاً، ولكن لأن أغلب تلك العقود تتم وفقاً لنماذج متعارف عليها ومقررة من قبل، فقد جري العرف علي عرضها علي المجلس مباشرة، باعتبار أن صياغتها متكررة، وليست بحاجة في كل مرة إلي تدقيق في صياغتها القانونية.

أما إذا كان العقد يتعلق بحالة غير تقليدية، وهو ما ينطبق علي تصدير الغاز لإسرائيل، فإن عرضه علي مجلس الدولة يصبح واجباً وشرطاً لصحته، صحيح أن اعتراض المجلس علي العقد لا يلغيه إذا كانت الحكومة قد وقعته فعلاً، إلا أنه يفتح الباب لمحاسبة المسئول عن توقيعه إدارياً، وإذا كان ذلك المسئول وزيراً فإنه يحاسب سياسياً أيضاً، لكن عقد بيع الغاز كان له وضع بالغ الشذوذ، فلا عرض علي مجلس الدولة ولا عرض علي مجلس الشعب!.

هذا الشذوذ ينسحب علي عقد آخر أبرمه أحد كبار المستثمرين العرب، الذي اشتري 120 ألف فدان من أراضي توشكي، التي أنفقت الدولة مليارات من الجنيهات لتوصيل المياه إليها وزراعتها، ولكن المستثمر العربي زرع 70 فداناً فقط من حصته عنباً، وأبقي علي 119 ألفاً و300 فدان صحراء جرداء بغير زراعة، وحين روجع في ذلك كان رده أن العقد الذي أبرمه لا يلزمه بزراعة الأرض، وبالتالي فهو حر التصرف فيها إن شاء زرعها، وإن شاء تركها مهجورة أو باعها للغير «الاحتمال الأخير هو الأرجح لأنه اشتري الفدان بخمسين جنيهاً ليتاجر في الأرض ويبيعها بأضعاف الثمن»، واكتشفت الجهة الحكومية أنها وقعت في ورطة كبري، فلا هي تستطيع أن تلزم المستثمر بزراعة الأرض، ولا هي تستطيع أن تفسخ العقد، ولا تريد أن تفضح نفسها وتشهر خيبتها علي الملأ.

السؤال الذي يخطر علي البال حين يمر المرء بمثل هذه العقود المريبة والمسكونة بالثغرات هو: هل هذه من نماذج الخيبة، أم أنها من تجليات الفساد مدفوع الثمن الذي لم يظهر جزؤه الغاطس بعد؟.

قبل أن تقع الفأس في الـرأس

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 13جمادى الاخر1429- 17 يونيو 2008
قبل أن تقع الفأس في الـرأس - فهمي هـويدي

من الأمور المثيرة للدهشة أن الكلام الذي يتردد في انحاء العالم حول مخاطر التغيرات المناخية وأزمة الغذاء‏,‏ لانكاد نلمس له صدي يذكر في مصر‏,‏ برغم اننا لانملك ترف التردد في الموضوع‏.‏

(1)‏ بنجلاديش أعلنت الطواريء ورفعت شعار البطاطس هي الحل‏,‏ اذ تبنت الحكومة حملة تعبئة واسعة النطاق‏,‏ كان عنوانها‏:‏ فكروا في البطاطس ـ ازرعوا البطاطس ـ تناولوا البطاطس‏,‏ وكانت بداية الحملة مهرجانا اقيم قبل شهر في العاصمة دكا‏,‏ اعقبته مهرجانات اخري في انحاء البلاد‏,‏ شارك فيها كبار المسئولين والمثقفين‏,‏ وروجت لها وسائل الاعلام المختلفة‏,‏ وفي الوقت ذاته قررت الحكومة تقديم البطاطس بدلا من الارز لقواتها المسلحة التي تضم نصف مليون شخص‏.‏

بنجلاديش ليست وحيدة في ذلك‏,‏ فقد لجأت إلي البطاطس ايضا الدول الاسيوية الرئيسية التي تستهلك كميات هائلة من الارز‏,‏ وفي المقدمة منها الهند والصين‏,‏ كما سارت علي ذات الدرب بعض دول امريكا اللاتينية والدول الافريقية الواقعة جنوب الصحراء‏,‏ بل ان الامم المتحدة حين ادركت ان ذلك يشكل احد حلول ازمة النقص في الارز وبقية المحاصيل‏,‏ فانها أعلنت العام الحالي‏2008‏ عاما دوليا للبطاطس‏,‏ لكي تشجع الدول علي زراعتها‏,‏ لتحتل مكانتها علي قمة الهرم الغذائي للفقراء‏,‏ متقدمة علي الأرز والقمح والذرة‏.‏

في العدد الأخير من مجلة نيوزويك‏10-6‏ تقرير عن بعض مظاهر التغير في السلوك الغذائي التي ظهرت في عدة دول‏,‏ بسبب الازمة الراهنة‏,‏ ففي الولايات المتحدة ذاتها تحول البعض إلي اللحوم المعلبة التي زادت مبيعاتها بنسبة‏10%‏ خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة‏,‏ بعدما ارتفعت أسعار اللحوم الطازجة‏,‏ وفي اليابان ألغت أغلب المدارس لحم الابقار في وجبة الغداء‏,‏ ليحل محلها الدجاج ولحم الخنزير الأرخص‏,‏ وفي الهند اصبحت عائلات الطبقة المتوسطة تتناول اللحوم مرة واحدة في الاسبوع‏,‏ اما الفقراء فقد اصبحوا يكتفون بالارز وانواع الفلفل والملح‏,‏ وفي الفلبين تحول الناس عن الارز وأقبلوا علي تعاطي البطاطس والنباتات الأخري الشبيهة‏,‏ وفي جنوب افريقيا لم يعد الفقراء يطمحون لأبعد من اكل رءوس الدجاج وأرجلها وقوانصها الممزوجة بالاعشاب البرية‏.‏‏
(2)‏ لا أعرف إلي اي مدي يسهم تغير نمط الاستهلاك في حل ازمة الغذاء الذي شح وارتفعت أسعاره‏,‏ لكن الذي أعرفه ان الأمر في مصر مختلف كثيرا‏,‏ بل اشد تعقيدا‏,‏ فضلا عن أن انماط الاستهلاك تغيرت في أوساط الطبقات المتوسطة والفقيرة‏,‏ وماحدث في الهند وجنوب افريقيا مثلا له نظيره عندنا‏,‏ وقد سبق ان ذكرت في مقالة سابقة ان بعض الفقراء اصبحوا يأكلون الفئران‏,‏ كما نشرت الصحف المصرية ان بعض الجزارين لجأوا إلي ذبح لحوم الحمير‏,‏ الأمر الذي أثار جدلا بين العلماء حول ما اذا كان ذلك اللحم حلالا ام حراما‏.‏

حرج الموقف في مصر يتمثل فيما يلي‏:‏‏

*‏ انها تعتمد في غذائها الاساسي علي الاستيراد من الخارج‏,‏ وأذكر هنا بما اشرت إليه في الاسبوع الماضي من ان مصر تستورد‏80%‏ من احتياجاتها من الذرة و‏90%‏ من زيوت الطعام‏,‏ و‏50%‏ من القمح والدقيق والفول و‏33%‏ من السكر و‏98%‏ من العدس‏.‏وجه الحرج في هذه النقطة لايكمن فقط في الاعتماد علي الاستيراد في توفير تلك المستلزمات‏,‏ ولكن الأهم من ذلك ان هذه الحبوب قد يتعذر استيرادها ايضا في ظل التوسع المستمر في تحويل المحاصيل إلي مصدر للوقود‏,‏ بعد ارتفاع أسعار النفط‏.‏‏

*‏ ان النمو السكاني في مصر تزايد بمعدلات عالية نسبيا‏,‏ فتعداد السكان حاليا اصبح علي ابواب الثمانين مليون نسمة‏,‏ وكانت الوثائق الرسمية تشير إلي ان مصر ستصل إلي هذا الرقم في عام‏2017‏ ولكن الأمر اختلف تماما الآن‏,‏ واصبحت التقديرات الرسمية تتحدث عن‏100‏ مليون نسمة في مصر مع حلول سنة‏2025.‏‏

*‏ ان فرصة التوسع الزراعي في مصر محدودة‏,‏ فاذا كنا نزرع الآن نحو‏8‏ ملايين فدان من الأرض خلال‏50‏ سنة لم تزد الرقعة الزراعية في مصر سوي ثلاثة ملايين فدان فقط فان طبيعة التربة المصرية الجافة‏86%‏ منها شديدة الجفاف والقدر المتوافر من مياه النيل‏,‏ لايسمحان بزيادة المساحة المزروعة لأكثر من ثلاثة ملايين فدان أخري بحلول عام‏2017,‏ ذلك ان مصر تحصل الآن علي‏55,5‏ مليار متر مكعب من المياه وزراعة‏11‏ مليون فدان تحتاج لاكثر من مليار متر مكعب من المياه‏,‏ الأمر الذي يعني ان علي مصر في هذه الحالة ان تبذل جهدا خاصا لتوفير المياه المطلوبة‏,‏ وهذا الكلام ليس من عندي‏,‏ ولكنه رأي الدكتور اسماعيل عبدالجليل رئيس مركز بحوث الصحراء‏.‏‏

*‏ الدكتور مصطفي طلبة خبير البيئة العالمي ووزير البحث العلمي الاسبق له اكثر من ملاحظة مهمة في السياق الذي نحن بصدده‏,‏ فهو يذكر ان مستقبل مياه النيل ذاتها يحتاج إلي دراسة تحسم ما اذا كانت تلك المياه في ظل التغيرات المناخية الراهنة ستزيد أو تنقص‏,‏ فهناك من يقول بأنها ستزيد بنسبة‏30%‏ وهناك من يقول انها ستقل بنسبة‏70%‏ وهو يرجح الرأي الثاني بسبب ثبوت تغير كميات الامطار في منابع النيل‏,‏ لكنه يدعو إلي ضرورة حسم هذا الأمر من جانب العلماء المختصين‏.‏‏

*‏ في رأي الدكتور طلبة ايضا ان عوامل النحر ستؤدي إلي فقدان دلتا النيل لنسبة تتراوح بين‏12‏ و‏15%‏ من مساحتها خلال الفترة ما بين الـ‏25‏ و‏30‏ سنة القادمة‏,‏ كما ان الدراسات والتوقعات الدولية والمحلية اعربت عن القلق الشديد علي المناطق الساحلية الواقعة تحت سطح البحر‏,‏ المهددة بالغرق في حالة ارتفاع سطح البحر بسبب التغيرات المناخية‏,‏ وقد تحدث تقرير التنمية البشرية لعام‏2008/2007‏ عن انه ما لم تتخذ الاحتياطات اللازمة‏,‏ فانه بحلول عام‏2020‏ يمكن ان يؤدي ارتفاع مياه البحر إلي غرق نحو‏4500‏ كيلو متر مربع من اخصب اراضي الدلتا‏,‏ يعيش فيها الآن ستة ملايين شخص تقريبا‏.‏‏

(3)‏ هذه القصة يرويها الدكتور مصطفي كمال طلبة‏:‏ في عام‏1958‏ حين قررت مصر بناء السد العالي شكلت لجنة لبحث الآثار التي ستصيب التربة المصرية نتيجة لذلك وبعد الدراسات المستفيضة انتهي الخبراء إلي ان اخطر تلك الآثار يتمثل في نقص الطمي ونحر الدلتا وزحف مياه البحر تحت سواحلها الشمالية‏,‏ واقترحت اللجنة انشاء مصدات للامواج امام بعض سواحل الدلتا‏,‏ ولكن محدودية الموارد المالية حالت دون تنفيذ الاقتراح‏,‏ لان تكلفة الكيلو متر من المصدات كانت مليون دولار وقتذاك بعد‏13‏ عاما‏,‏ وفي عام‏1971‏ حين تولي الدكتور طلبة وزارة البحث العلمي‏,‏ طرح الموضوع مجددا خصوصا ان تجليات النحر قد ظهرت فعلا‏,‏ ولكن تبين ان تكلفة الكيلو متر الواحد وصلت إلي مائة مليون دولار‏,‏ وهو ما كان سببا في صرف النظر عن المشروع مرة أخري‏.‏

ما يثير الانتباه في هذا الصدد انه في وقت لاحق تم انفاق مئات الملايين لانشاء الطريق الساحلي الدولي في شمال الدلتا‏,‏ دون أن يؤخذ في الاعتبار تأثير ارتفاع سطح البحر عليه‏,‏ أو علي مشروعات التنمية المقامة علي جانبيه‏,‏ لان ذلك كله مهدد بالغرق اذا ما هاجمته مياه البحر‏.‏
الأكثر مدعاة للدهشة‏,‏ والحيرة ايضا ان الحكومة المصرية اعلنت في عام‏1997‏ عن وثيقة مصر للقرن الحادي والعشرين التي حددت استراتيجية للتنمية الشاملة خلال العشرين سنة التالية حتي سنة‏2017‏ وجاءت الوثيقة في‏200‏ صفحة مدعمة بالخرائط والرسوم البيانية‏,‏ وتضمنت معالم التنمية المنشودة في جميع المجالات‏,‏ وقدرت تكلفة مشروعاتها بمائة مليار جنيه‏,‏ وفي المجال الزراعي تحدثت الوثيقة عن اضافة‏1,9‏ مليون فدان إلي الاراضي الزراعية‏,‏ من خلال اقامة دلتا جديدة والخروج من الوادي الضيق‏,‏ الذي ينحشر فيه ملايين المصريين‏,‏ ويمثل‏5,5%‏ من مساحة الارض‏,‏ بحيث تتسع مساحة الحيز المعمور في نهاية الخطة لتمثل‏25%‏ من مساحة البلاد‏.‏

تحدثت الوثيقة مثلا عن زراعة‏400‏ الف فدان في سيناء‏,‏ اعتمادا علي مياه ترعة السلام التي وصلت إلي سيناء عبر اربع سحارات أو انفاق أقيمت تحت قناة السويس‏,‏ في عملية انشائية ضخمة‏,‏ وكان التقدير المبدئي أن استصلاح تلك المساحة سيتم خلال اربع سنوات‏,‏ بتكلفة‏703‏ ملايين جنيه‏,‏ ولكن بطء التنفيذ وخروج الدكتور كمال الجنزوري من الوزارة خلال اقل من عامين بعد اعلان الوثيقة ادي إلي تعثر خطي المشروع‏,‏ ومن ثم ارتفعت تكلفة تنفيذه من‏703‏ ملايين إلي ثلاثة مليارات جنيه‏,‏ زادت بعد ذلك إلي اربعة‏,‏ وحين تم تعويم الجنيه وصلت التكلفة إلي مايعادل‏6‏ مليارات جنيه‏,‏ ولم يكن مفاجئا بعد ذلك ان يجمد المشروع‏,‏ وان تطوي صفحة وثيقة القرن الحادي والعشرين‏,‏ بعدما انفق علي بنيتها الاساسية خلال الخمس عشرة سنة السابقة أكثر من‏700‏ مليون جنيه إلي ان فوجئنا بعد ذلك اننا دخلنا في القرن الحادي والعشرين‏,‏ وتعين علينا ان نفعل شيئا لانقاذ مصر من مخاطر المستقبل الذي لم يعد بعيدا‏.‏‏

(4)‏لانملك ترف البكاء طويلا علي الفرص التي ضاعت‏,‏ ولامفر من ان نجيب علي السؤال‏:‏ ما العمل الآن؟ ألقيت السؤال علي مسامع الخبراء الذين تحدثت اليهم‏,‏ ووجدتهم متفقين علي عدة أمور في مقدمتها مايلي‏:‏‏

*‏ ان انقاذ الموقف يتطلب ارادة جادة ومسئولة تتبني رؤية لاتتأثر بتغير الحكومات أو التقلبات السياسية‏,‏ وهو ما فعلته الدول التي نهضت مثل الهند وماليزيا وكوريا الجنوبية‏.‏‏

*‏ ان الرؤية أو الاستراتيجية المطلوبة ينبغي ان يضعها فريق من أهل العلم من مختلف التخصصات ذات الصلة‏,‏ وعلي هؤلاء ان يبحثوا العديد من الأمور المختلف عليها‏,‏ مثل طبيعة المخاطر التي تهدد دلتا النيل‏,‏ واحتمالات تأثر كمية مياه النيل بالزيادة أو النقصان خلال السنوات المقبلة‏,‏ وتأثير ذلك علي امكانات التوسع الزراعي‏,‏ ومدي الاعتماد علي المصادر الأخري الامطار والمياه الجوفية في توفير المياه اللازمة للتوسع المنشود‏.‏‏

*‏ البحث العلمي ينبغي ان يكون حاضرا بقوة في المشهد لتحقيق الاستفادة القصوي من المياه المتاحة‏,‏ وتحسين سلالات المحاصيل وتحديد الزراعات ذات الأولوية‏,‏ ومدي ملاءمة المحاصيل للتربة‏,‏ التي تختلف في توشكي عنها في الدلتا مثلا‏,‏ ومعالجة مشكلة تزايد الملوحة في الاراضي‏..‏ الخ‏.‏‏

*‏ ان مصر ينبغي ان تفكر بشكل جاد في التعاون مع الجيران للاسهام في حل مشكلة الأمن الغذائي‏,‏ واذا كانت الصين قد لجأت إلي شراء الاراضي الزراعية في السودان‏,‏ وهو ما لجأت إليه بعض دول الخليج التي استثمرت جانبا من اموالها في المشروعات الزراعية في بعض دول القارة الأخري‏,‏ فمصر مؤهلة بجدارة لان تدخل هذا المجال‏,‏ مستثمرة موقعها الجغرافي‏,‏ وامكاناتها البشرية الخبيرة‏,‏ في حين ان لدي الآخرين التربة والمياه‏.‏

لست أشك في ان فتح الملف يمكن ان يثري المناقشة بافكار اخري مهمة‏,‏ لكن الأهم ان يبقي مفتوحا وان نتحرك وبسرعة قبل ان تقع الفأس في الرأس‏,‏ لاننا بصدد ازمة لاتجدي فيها قرارات اللحظة الأخيرة‏.

كوارث الثانوية العامة وفضائحها

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 12جمادى الاخر1429- 16 يونيو 2008
كوارث الثانوية العامة وفضائحها - فهمي هويدي

الحاصل في امتحانات الثانوية العامة لا يصدقه عقل، لا أتحدث فقط عن جبروت بعض واضعي الامتحانات الذي تبين لنا أن بينهم جزارين لا مربين، لكن أعني أمورًا أخري في المقدمة منها ما جري من تسريب لأسئلة الامتحانات التي تصورنا أنه لا يمكن أن يحدث في امتحانات الثانوية العامة بالذات، التي تسهم نتائجها في تحديد مستقبل الطلاب و مسارهم، ونظرًا للأهمية الخاصة لتلك الشهادة، فقد تصورنا أنها محصنة ضد العبث والاختراق.

وإن كارثة التسريب إذا كانت قد أصبحت واردة في أي مرحلة تعليمية، فلا يمكن أن تصل إلي الثانوية العامة، ولا أعرف حجم الظاهرة ولا أسبابها، لكن الثابت أنها موجودة وأنها لم تعد حادثًا عرضيًا أو استثنائيًا، وإذا ما فكرنا في الموضوع فلنا أن نتصور أن التسريب إذا كان قد طال امتحانات الثانوية العامة، حتي وإن بدا استثنائيًا، فيرجح أن يكون قد تحول إلي قاعدة في المراحل الأدني منها، وتلك كارثة أخري.

الأمر الآخر يتمثل في تفشي ظاهرة الغش وتعدد أساليبها، ورغم أن الغش في الامتحانات أمر شائع من قديم الزمان، فإنه ظل استثناءً من ناحية، ثم إن الطلاب كانوا هم الذين يقومون به من ناحية ثانية، الآن دخلت عوامل جديدة علي المشهد، فالاستثناء تحول إلي قاعدة، وما كان يتم في السابق بالوسائل التقليدية أصبح يتم بواسطة الهواتف المحمولة. الأخطر من ذلك أن الأهل والمدرسين «المربين» أصبحوا يقفون خارج لجان الامتحانات، ليتلقوا نسخًا من أوراق الأسئلة فور توزيعها، ثم يقوموا بالإجابة ويتفننوا في توصيلها إلي التلاميذ في الداخل، وهي الظاهرة التي أصبحت شيئًا عاديًا يقبله المجتمع ولم يعد يجد فيه مأخذًا أو غضاضة.

أما الأغرب والأضل سبيلاً فهو أن بعض اللجان تتعرض للحصار والتهديد من جانب الأهالي، إذا لم يسمح المراقبون للتلاميذ بالغش، وفي حالات كثيرة فإن الأهالي يسرفون في الحفاوة بالمراقبين الذين يأتون إلي الأقاليم من المدن، فيقيمون لهم الولائم ويقدمون الهدايا، أملاً في «تليين» موقفهم بما يؤدي إلي سماحهم للطلاب بالغش!
أما ثالثة الأثافي فهي أن الأهرام نشرت يوم الأحد 15/6 أن وكيل وزارة التربية والتعليم بمحافظة المنيا اكتشف أثناء مروره علي لجان الامتحانات وجود ثماني لجان خاصة تم تشكيلها لأداء الامتحانات في أحد المستشفيات «بمدينة مغاغة»، وهذه اللجان يسمح بها للمرضي من الطلاب الذين يفترض أنهم غير قادرين لا علي الذهاب إلي اللجان العادية وقد لا يكون بمقدورهم الإجابة عن الأسئلة بأنفسهم، لذلك يسمح لكل واحد منهم بأن يصطحب معه «مرافقًا» يملي عليه المريض الإجابة، وقد تبين أن من بين اللجان الثماني كانت واحدة فقط لمريض حقيقي، واللجان السبع الأخري لطلاب أصحاء من أبناء كبار المسئولين في المحافظة!

تم إلغاء اللجان السبع، وإعادة الطلاب إلي اللجان العامة مع مراجعة أوراق إجاباتهم علي الامتحانات السابقة، أما الآباء الذين هم من كبار المسئولين بالمحافظة العاملين بقطاعات الداخلية والعدل والصحة، والذين لابد أنهم يعلمون بالأمر إن لم يكونوا قد سعوا إليه، فلم يأت علي ذكرهم أحد، في حين أنهم في هذه الواقعة أساءوا استغلال وظائفهم وأخلوا بشرف واجباتهم كقيادات محلية.

وللعلم، فإن واقعة تسريب الأسئلة في المحافظة ذاتها، تبين أنها تمت منذ سنتين لصالح عدد من أبناء كبار المسئولين والقيادات الشعبية، لكنها اكتشفت فقط هذا العام .

ما يخيفني في المشهد ثلاثة أمور، الأول: أن يكون ذلك هو نمط «القيادات» في المحافظة، والثاني: أن يكون المخفي من الفساد أكثر من الذي انفضح أمره، أما الأمر الثالث فهو: أن تكون امتحانات الثانوية العامة كاشفة لمدي التدهور والخلل الأخلاقي الذي وصلنا إليه في مصر.

16 يونيو، 2008

في رحاب الدولة السلطانية

صحيفة الدستور المصريه الأحد 11 جمادى الأخر 1429 – 15 يونيو 2008
في رحاب الدولة السلطانية- فهمي هويدي

من عجائب هذا الزمان أن تجد عضواً في مجلس الشعب يدافع عن حجب المعلومات حتي عن ممثلي الشعب ذاته، بحجة أنها سرية، بحيث لا يملك المسئول حق إفشائها، ولا ينبغي لمجلس الشعب أن يحاط بها علماً، أما الرأي العام فلا علاقة له بالموضوع، هذا ما حدث في الأسبوع الماضي، حين أعلن رئيس لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب ــ السيد محمد أبوالعينين ــ أن اتفاقيات تصدير الغاز الطبيعي بين مصر والدول الأجنبية تتضمن بنوداً سرية، لا يجوز لوزير البترول أو غيره إعلانها، وجاء تصريحه ذاك في سياق رده علي بعض أعضاء المجلس الذين وجهوا عدة أسئلة إلي وزير النفط حول أسعار بيع الغاز الطبيعي لإسرائيل، التي تتواتر المعلومات عن تدنيها وكونها أقل من الأسعار العالمية، في الوقت الذي تتكبد المصانع المصرية فيه خسائر فادحة تقدر بملايين الدولارات بسبب عدم توصيل الغاز إليها.

المشهد مسكون بالمفارقات المدهشة، فالسؤال الحقيقي ليس بكم يباع الغاز لإسرائيل؟، ولكنه لماذا تباع هذه السلعة الاستراتيجية أصلاً إلي دولة تهدد الأمن القومي المصري وتسحق الفلسطينيين صباح مساء، ثم إننا لا نعرف تقليداً أو سنداً قانونياً يقضي بسرية بنود بيع الغاز للدول الأجنبية، وهذا الاحتجاج بالسرية ليس سوي ذريعة لستر العورة وإخفاء الفضيحة.
وحتي إذا فهمنا أن ثمة «أسراراً» لا ينبغي أن تشيع بين الناس، حتي إذا تغاضينا عن كونها ليست عسكرية، فإن إخفاء معلوماتها حتي عن لجان مجلس الشعب، علي الأقل لجنتا الطاقة والأمن القومي، أمر ليس مفهوماً ولا هو مقبول، والأكثر مدعاة للدهشة أن يستخدم هذه الحجة عضو في مجلس الشعب، في حين يفترض أن يكون علي رأس المعارضين لها والمحتجين عليها، بالتالي فإنه بدلاً من أن يثور دفاعاً عن كرامة المجلس وحق لجانه في معرفة الحقيقة، فإنه اختار أن يقف في صف الحكومة ويشترك في التستر علي الفضيحة التي تورطت فيها، ومن ثم تعين علينا أن نتعامل مع ملف تصدير الغاز لإسرائيل باعتباره أمراً غامضاً تحيط به تساؤلات كثيرة لا تجد جواباً، لأن الصفقة تحولت إلي سر كبير لا يجوز الاطلاع علي خباياه.

ليس ذلك هو السر الوحيد، فحين سئل مساعد وزير الداخلية اللواء «حامد راشد» عن عدد المعتقلين في مصر، الذين قدرتهم منظمات حقوق الإنسان بــ 18 ألف مواطن، فإنه اعتبر بدوره أن الأمر سر يتعذر إفشاؤه وإن صاغ إجابته بعبارة دبلوماسية، قال فيها إنه من الصعب تحديد عددهم، «لأن الرقم متحرك»، وهو ما يعني أنه قد يعلن أمام المجلس رقماً، ثم يزيد أو ينقص في اليوم التالي، الأمر الذي يفقد الثقة في «صدقيته» وحكاية الرقم المتحرك هذه ترددت كثيراً علي ألسنة مسئولي وزارة الداخلية، الذين اعتبروها ذريعة للخروج من المأزق والتهرب من الإجابة عن السؤال، ورغم أن أحداً لم يسأل لماذا حين يتحرك شيء في البلد في ظل الجمود السياسي الذي يحيط بنا، فيكون عدد المعتقلين؟! ثم علي فرض أنه متحرك فعلاً، فقد كان بوسع مساعد وزير الداخلية إذا أراد أن يجيب عن السؤال أن يقول إن عددهم اليوم كذا، وأن هذا الرقم يمكن أن يتغير غداً ــ لكنه بامتناعه عن إعطاء أي رقم، فقد أراد أن يبلغ الرأي العام بأن عدد المعتقلين هو أيضاً سر من أسرار الدولة لا يجوز الكشف عنه.

في الموازنة العامة هناك أيضاً أسرار لا يسمح للناس بأن يطلعوا عليها، تتمثل فيما يسمي بالصناديق السوداء، وهي عبارة عن أوعية تخص بعض الجهات، لا أحد يعرف كم يدخل فيها ولا كم يخرج منها، ولا كيف أو أين تنفق مواردها؟ ورغم إن هذه الأموال هي حق المجتمع وحصيلة الضرائب التي يدفعها الناس، إلا أن تلك الصناديق تضم إلي مستودع الأسرار التي لا يأتي أحد علي ذكرها، ولا يعرف محتواها، حتي علي مستوي لجان مجلس الشعب المختصة،
قانون الإرهاب أيضاً تحول إلي سر من أسرار الدولة، لا أحد يعرف أين يطبخ، ولا من يشترك في إعداده، حتي حراس القانون في البلد وممثلي القضاة، لم يسمح لهم بالإطلاع علي شيء منه.

الخلاصة أن السياسة في مصر تظل سراً كبيراً، الأمر الذي يعد شاهداً علي تحولها إلي دولة سلطانية، وابتعادها عن الدولة الديمقراطية، التي من حق الناس فيها أن يعرفوا ما يجري في بلدهم، أما في الدولة السلطانية فمعرفة الشأن العام حكر علي السلطان والكهنة المحيطين به، لأن الناس في ظلها مجرد رعايا وليسوا مواطنين.

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/06/blog-post_16.html
http://www.dostor.org/?q=node/5378

14 يونيو، 2008

يروجون للفتنة بالمجان

صحيفة الدستور المصريه السبت 10 جمادى الأخر 1429 – 14 يونيو 2008
يروجون للفتنة بالمجان- فهمي هويدي

حين يوزع بالمجان في مصر كتاب يهاجم عقائد الشيعة، فإنني أشك علي الفور في أن يكون الواقف وراء العملية فاعل خير، أولاً لأنني لا أعرف في هذا الزمان الذي ارتفعت فيه أسعار الطباعة والورق كتابًا يوزع بالمجان، وثانيًا لأن عقيدة الشيعة ليست مطروحة في مصر، التي لا تكاد تعرف المذهب الشيعي وإن ظل هواها مع آل البيت علي مر الأزمنة. وأغلب الظن أن عامة المصريين لم يسمعوا بالشيعة إلا بعد الثورة الإيرانية في عام 1979، حتى إن واحدًا من كبار آدبائهم كتب ذات مرة -قبل ذلك التاريخ- مقالة لمجلة أسبوعية خلط فيها بين الشيعة والشيوعية، ومن حسن حظه أن الأستاذ أحمد بهاء الدين -الذي سمعت منه القصة- قرأ المقالة قبل النشر وأنقذ الموقف.. السبب الثالث الذي يشككني في براءة العملية أن الحملة علي الشيعة زادت خلال السنتين الأخيرتين، خصوصًا في أعقاب الانتصار الذي حققه حزب الله ضد إسرائيل في حرب صيف العام 2006، وإزاء استمرار إيران في دعم المقاومة وتحدي سياسات الإدارة الأمريكية. هذه المواقف ضاقت بها عدة جهات، فلم تجد سبيلاً لتجريحها والإقلال من شأنها، إلا استدعاء الطرح الطائفي والخلافات المذهبية، والتخويف من «خطر» الشيعة. ومن المفارقات أن بعض الذين هبوا للتحذير من أخطار الشيعة وتهديداتهم، لم نعرف عنهم يومًا ما أنهم عبروا عن الغيرة علي أهل السنة.

أدري أن الملف شائك وحساس، لكنني أدعو إلي التفرقة بين المذهب وتصرفات أتباعه، وأتمني أن نتعامل مع المذهب بالاحترام الواجب، الذي ندعو إليه في علاقتنا مع أي آخر، فما بالك بآخر مسلم وموحد بالله. وبطبيعة الحال فإن ذلك الاحترام لا يعني بالضرورة الاتفاق في الأفكار والتعاليم، ولكنه يبقي علي الاختلاف كما هو، ويفتح الباب للتعاون فيما هو متفق عليه، أما ما يخص أتباع المذهب، وسلوكهم السياسي والدعوي، فهو قابل للنقد والأخذ والرد طول الوقت، وبغير تحفظ، شريطة ألا يؤدي ذلك إلي الطعن في المذهب وتجريحه، ذلك أن تجريح المذهب لن يحّول الشيعة إلي سنة، فضلاً عن أنه لابد وأن يقابل بتجريح من الطرف الآخر، وغاية ما يمكن أن يحققه ذلك التجريح المتبادل أن يؤجج الخلافات بين المسلمين، ويغذي عوامل الفرقة والفتنة بينهم، وتلك هدية ثمينة للذين يكرهون هذه الأمة ويكيدون لها، ويتمنون الخلاص من الاثنين، الشيعة والسنة معًا، ولا يغيبن عن فطنتك لا ريب أن اللعب بورقة الشيعة والسنة كان أحد الأساليب التي لجأت إليها السياسة الأمريكية عند احتلالها للعراق، حين ادعت أن ذلك يمثل خلاصاً للشيعة من اضطهاد السنة، تمامًا كما ادعي الفرنسيون والإنجليز عند احتلالهم لمصر، أنهم أرادوا تخليص الأقباط من ظلم المسلمين.

قل ما شئت في سياسة أهل المذهب شريطة ألا تتحول الإدانة إن وجدت إلي اتهام للمذهب ذاته، فالممارسات الطائفية التي وقعت في العراق والتي ألحقت أضرارًا جسيمة بمجتمع أهل السنة حين أدت إلي تصفية بعضهم وتهجير البعض الآخر، تحمل علي المتطرفين والغلاة من أتباع المذهب، بقدر ما إن تصرفات بعض أهل السنة تحسب علي الغلاة منهم، وهذا النقد أيضًا ينسحب علي أولئك النفر من الغلاة الذين يروجون للإساءات الموجهة إلي صحابة رسول الله، أو أولئك الذين يحاولون بث أفكارهم في مجتمعات أهل السنة. لكنك تقع في الغلط حتمًا إذا ما قللت من الانتصار الذي حققه حزب الله في مواجهة إسرائيل، لمجرد أن الحزب له انتماؤه الشيعي، ذلك أن الانتصار الحقيقي في تلك المواجهة هو للعرب جميعًا وللمسلمين كما أنه لحزب الله، الذي ينبغي أن يُقرأ في هذه الحالة باعتباره فصيلاً في الحركة الوطنية اللبنانية وجزءًا من حركة لتحرر الوطني، وليس بحسبانه حزبًا طائفيًا، وإن اعتز بانتمائه المذهبي.

إن أعداءنا ما برحوا ينصبون لنا فخاخ الطائفية والمذهبية، ووحدهم الذين يتربصون بنا، وينتظرون علي أحر من الجمر لحظة وقوعنا في تلك الفخاخ، وحين يوزع البعض منا الكتب المجانية التي تطعن في عقائد الشيعة وتحرض ضدهم، فإنهم يقدمون الهدية الثمينة لأولئك الأعداء، لأنهم يدفعوننا دفعًا للوقوع في الفخاخ المنصوبة.
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/06/blog-post_9810.html
http://www.dostor.org/?q=node/5269

أولاد الكلب.. ومن دونهم!

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 9 جمادى الأخر 1429 – 13 يونيو 2008
أولاد الكلب.. ومن دونهم! - فهمي هويدي

أعلن البراءة من العنوان المنشور أعلاه، الذي ليس من كلامي وليس من لغتي واقطع بأنه لم يصدر عني يوماً ما في أي كلام مكتوب أو حتي منطوق.. وأعترف بأنني حاولت أن أجد بديلاً عنه، يعبر بالدقة المطلوبة عن مشاعر صاحب الرسالة، القارئ أحمد عامر من الدقهلية، لكن لم أجد. ذلك أن صاحبنا الممتلئ يأساً ومرارة، كان قد قرأ الرسالة التي نشرتها في هذا المكان يوم الجمعة الماضي، والتي تحدث فيها أحد القراء عن حظوظ الناس من العلاوة في مصر، وقسمهم إلي فئات تراوحت بين أولاد الهانم وأولاد الجارية وأولاد القديمة، فانفعل بما قرأ وبعث إليّ برسالة أضافت فئة جديدة إلي القائمة، وقد كان واضحاً في أنه يتحدث عن نفسه باعتباره أحد المنسوبين إلي تلك الفئة التي اعتبرها دون أولاد القديمة، ولم يجد لها وصفاً سوي أنها تضم «أولاد الكلب»، وهؤلاء هم الموظفون الحكوميون المؤقتون، الذين لم يعينوا بعقود دائمة، ولكنهم علي كف عفريت، إذ يعملون لعدة سنوات كموظفين، ولكن الإدارات المختصة يمكن أن تلقي بهم إلي الشارع في أي وقت. هؤلاء ـ يقول صاحب الرسالة ـ مواطنون مؤهلون ولهم أسرهم التي يعولونها. ويتقاضون أجوراً ثابتة لا تتحرك، ولكنهم ليسوا محسوبين ضمن قوة العمل، رغم أنهم يعانون مثلما يعاني بقية الموظفين. ورغم استمرار تجاهلهم فإنهم يتحملون ويصبرون علي أمل واحد هو أن يُثبتوا في وظائفهم بعقود دائمة وليست مؤقتة، ويرضون بالمهانة والذل لأن البديل أمامهم هو البطالة والتشرد علي الأرصفة، وهم علي تلك الحالة يحسدون «أولاد القديمة»، ويحلمون بيوم يخرجون فيه من زمرة أولاد الكلب. بحيث تتساوي رؤوسهم مع أولاد القديمة «أصحاب المعاشات» علي الأقل من حيث الشعور بالاستقرار النسبي.

لم أتنبه إلي أن في البلد آخرين لم تسعفني ثقافتي اللغوية بتسميتهم، لأنهم فيما يبدو في مرتبة دون السابق ذكرها.. وهؤلاء هم المعتقلون العائدون من أفغانستان والمحتجزون في السجون المصرية منذ سبع سنوات، ذلك أنني كنت قد كتبت في هذا المكان ذات مرة متسائلاً عن أعداد ومصير المصريين في سجن جوانتانامو، وإذا برسالة تأتيني من قارئ اسمه محمد عبدالمقصود لفت فيها نظري إلي وجود عدد من الذين حاربوا مع المجاهدين في أفغانستان، وتعددت إصاباتهم بسبب الحرب، ومنهم من عاد منها بعاهات مستديمة، وهؤلاء خطفتهم المخابرات الأمريكية من هناك «حملت بعضهم في أكياس من البلاستيك» وسُلموا إلي مصر التي أودعتهم سجونها دون محاكمة، واستقر بهم المقام الآن في معتقل الفيوم حيث يتعرضون هناك للموت البطيء بعد أن نسيهم الجميع، بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان. وقد سألني صاحب الرسالة: أيهما أفضل أن يوجد المصريون في جوانتانامو ويكون هناك أمل في إطلاقهم نتيجة للضغوط التي توجه ضد الإدارة الأمريكية، أم أن يدفنوا في معتقلات أوطانهم وهم أحياء، ويظلوا بلا أمل حتي يوافيهم أجل الله؟

هذه رسالة ثالثة من الدكتور «خيري مبروك مساعد» أبدي فيها دهشته من إصرار وزارة الإسكان والتعمير علي مطالبة الأشخاص الذين حصلوا علي أراض ضمن مشروع «ابن بيتك»، بأن يحضروا بأنفسهم لاستلام الأرض ومباشرة البناء عليها، وإلا سحبت منهم، وهذه شروط تحمل المقيمين بالخارج مالا يطيقونه وما يهدد احتفاظهم بوظائفهم إذا ما جاءوا بأنفسهم لاستلام ومباشرة البناء، وهو يتساءل: لماذا لا تسمح وزارة الإسكان بأن يوكل المقيمون بالخارج أحد أقاربهم من الدرجة الأولي لمتابعة الموضوع، مع أخذ الضمانات اللازمة التي تمنع بيعهم تلك الأراضي.

القارئة «ناهد فريد» عبرت عن دهشتها أيضاً لسبب مختلف تماماً، فقد ذكرت في رسالتها أنها كانت في زيارة لاستنبول مع أسرتها، وأصيب حفيدها بأزمة ربوية، اضطرتهم للذهاب به إلي المستشفي، ومنذ لحظة وصوله إلي الباب تلقفوه وبدأوا في علاجه وإسعافه، دون أن يسألهم أحد حتي عن أسمائهم، رغم أن مظهرهم ولغتهم يدلان علي أنهم غرباء، وبعد أن قاموا بالواجب سمحوا له بالخروج وسلمهم الطبيب تقريره الطبي، ثم أخبرتهم الممرضة بأن عليهم المرور علي الاستقبال وانصرفت، وسط ذهول الأسرة التي لم تصدق ما جري، أضافت صاحبة الرسالة أن ذلك الاحترام الشديد لآدمية البشر يحدث في إحدي دول العالم الثالث التي تصنف مصر ضمنها، لكن شتان بين ما يحدث هناك وما يحدث في بلادنا للأسف

13 يونيو، 2008

إنهم يجمِّلون وجه إسرائيل

صحيفة الدستور المصريه الخميس 8 جمادى الاخر 1429- 12 يونيو 2008

إنهم يجمِّلون وجه إسرائيل- فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/06/blog-post_3686.html

الرقابة في مصر أصبحت تمارس بأثر رجعي، أعني أنها لم تكتف بالحذف والتعديل والمصادرة للنصوص التي تُكتب هذه الأيام، وإنما امتدت يدها إلي الكتب القديمة أيضاً، التي أصبح الرقيب يعيد قراءتها بعين هذا الزمان، مسترشداً برياح السياسة وتعليمات الجهات الخفية التي تتذرع بحماية المجتمع من ثقافة العنف والإرهاب والإباحية. والحالة التي بين أيدينا نموذج لذلك، بل هي ضد كل ذلك، ليس فقط لأنها لا علاقة لها بالإباحية، ولكن الأدهي من ذلك والأمر أن السيد الرقيب كان فيها متستراً علي العنف والإرهاب الإسرائيليين!.

الحكاية كشفت عنها صحيفة الشرق الأوسط التي نشرت في 5/6 تقريراً لأحد مراسليها في القاهرة «أيمن حامد» كشف فيه النقاب عن قيام الهيئة العامة للكتاب بحذف مقالة للدكتور «زكي نجيب محمود» ــ أستاذ الفلاسفة والمثقف البارز ــ كتبها في عام 1976 تحت عنوان «العنصرية والعسكرية معاً»، ونشرت ضمن كتابه «ثقافتنا في مواجهة العصر»، الذي أصدرته دار الشروق في العام ذاته، وحين أرادت الهيئة إعادة طبع الكتاب ضمن مشروعها «القراءة للجميع»، فإنها وجدت أن تلك المقالة تتعارض مع رسالة المشروع، فقامت بحذفها بكل جرأة وبساطة!.

في المقالة المحذوفة عرض الدكتور «زكي نجيب محمود» فكرته علي النحو التالي، لم يكن السؤال الضخم الذي ألقته الحضارات البشرية علي نفسها هو: كيف يكون النصر علي الحروب، بل كان: كيف يمكن التغلب علي الحروب لتزدهر الحياة في ظل السلام؟، وهو سؤال جاءت الإجابة عنه في إحدي صور ثلاث، الصورة الأول هي أن تحاول الدولة القوية بسط سلطانها علي بقية العالمين، إذا أمكن ذلك، لتسكت فيها كل صوت للمعارضة، ومن ثم فهي تخرج من معارك الحروب بحالة من الصمت الأخرس عند المغلوب، وتخيل لنفسها أنها في حالة السلام المنشود، ولا عليها عندئذ أن تفرق بين استسلام وسلام، والصورة الثانية هي أن تعقد الدولة الراغبة في كتم أنفاس الآخرين أحلافاً مع مجموعات من دول تجد صوالحها محققة في التحالف معها، بحيث يكون لتلك الأحلاف من القوة ما يضمن لها أن تظل سيوف العداء مشلولة في أغمادها، فتعد هذا الشلل سلاماً، مادام قد كفل لها امتناع القتال، والصورة الثالثة أن تسعي الدولة الراغبة في اجتناب الحرب لإقامة حالة من التوازن بين سائر القوي، لعل هذا التوازن أن يحقق السلام.

تحدث الدكتور «زكي» أيضاً عن التشابه بين المشروعين الأمريكي والإسرائيلي في الغايات والأساليب ثم قال: «إن جميع الحضارات التي سلفت وزالت إنما تحطمت علي إحدي الصخرتين أو علي الصخرتين معاً، وهما الروح العسكرية التي تميل بأصحابها إلي شن حروب لا تنقطع، حتي ينهد كيانهم من الداخل، ثم الروح العنصرية التي قد يشتط بها أصحابها إلي إيجاد تفرقة بينهم وبين سواهم من البشر، بحيث يجعلون لأنفسهم المكانة العليا في تلك التفرقات، ولغيرهم المكانة الدنيا، فإذا ما طبقنا هذه القاعدة الحضارية علي الوجود الإسرائيلي، أيقنا بمصيرها المحتوم، لأنها جمعت بين القبيحين اللذين يعملان علي هدم الحضارات ومحوها، إذ جمعت في كيانها العسكرية والعنصرية معاً.

إذا صحت الواقعة فلا تفسير لها سوي أن الرقيب الهمام وجد في الكلام ما يفضح السلوك الإسرائيلي، وما يكدر خاطره فلم يتردد في استبعاده، وتصرف كأي بيروقراطي، لم ير سوي اتفاقيات كامب ديفيد والقيود التي فرضتها علي الخطاب الإعلامي، ولذلك آثر السلامة وقرر الحذف، غير مبال باحترام وجهة نظر الكاتب الكبير، أو بما يترتب علي ذلك من تستر علي حقائق الموقف الإسرائيلي، أو تشويه لذاكرة وإدراك الأجيال الجديدة، أومسخ للتاريخ وتزوير له.

ليس هذا تصرفاً فردياً بطبيعة الحال، ولكنه تطبيق لسياسة تخريب الوجدان العام وتهيئته للتطبيع مع إسرائيل، ذلك أننا فهمنا دور الرقابة في حماية النظام من النقد، فإننا لا نستطيع أن نبرر أو نفهم حرص الرقابة علي تحسين صورة إسرائيل وإخفاء قسمات وجهها القبيح، ومن حقنا في هذه الحالة أن نتساءل بدهشة عما إذا كانت هناك علاقة بين الأمرين أم لا؟!.
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/06/blog-post_3686.html
http://www.dostor.org/?q=node/4900

علي طريق الندامة

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 7 جمادى الاخر 1429- 11 يونيو 2008
علي طريق الندامة - فهمي هويدي

حين نقرأ في صحف الصباح أن الرئيس مبارك بحث مع أبومازن جهود فك الحصار عن غزة، ضمن عناوين أخري في الملف الفلسطيني، فإن الواحد منا لا يستطيع أن يخفي شعوره بالدهشة، لأن مصر شريكة في ذلك الحصار، وتستمر الدهشة حين تلاحظ أن الحوار بين فتح وحماس، الذي تحدث عنه أبومازن مؤخراً، لايزال يبحث عن طرف عربي يرعاه، في الوقت الذي تحدثت الأنباء عن حوار بين ممثلي الطرفين يفترض أن يتم هذا الأسبوع في العاصمة السنغالية داكار، والذي لا يقل غرابة عن هذا وذاك، أن صحيفة «الحياة» اللندنية ذكرت في عدد السبت 7 يوليو أن الحوار المأمول بين قيادتي فتح وحماس لن يكون مباشراً، وإنما سيتولي الطرف الثالث «المنتظر» الاجتماع مع كل منهما علي حدة، ثم يتولي نقل وجهات النظر بينهما حين يمكن الاتفاق علي ما يرضي الطرفين، أما مصدر الغرابة فيكمن في أن السيد أبومازن وأصحابه ما برحوا يعقدون الاجتماعات المباشرة مع المسئولين الإسرائيليين، من أولمرت إلي باراك وليفني وغيرهم من القتلي ومجرمي الحرب، ولم يجدوا في ذلك حرجاً أو غضاضة، كأن المسافة بين أبومازن وبين إسماعيل هنية وخالد مشعل أبعد بكثير مما بين أبومازن وأولمرت، بما يعني أن الخصومة الفلسطينية ـ الفلسطينية أصبحت أشد وأعمق من الخصومة الفلسطينية ـ الإسرائيلية.. صدق أو لا تصدق!

لأول وهلة تبدو هذه الوقائع وكأنها مجموعة من المشاهد العبثية التي تفتقد إلي المعقولية أو قل إنها بعض غرائب السياسة في العالم العربي، لكن أزعم أن الأمر ليس كذلك، لأن الملف الفلسطيني أصبح نموذجاً يجسد الضعف العربي والتغول الأمريكي، الذي يصب في وعاء تصفية القضية وتأمين المصالح الإسرائيلية.

خذ مسألة الحصار الذي تفرضه مصر علي غزة والذي قرر وزراء الخارجية العرب كسره في شهر سبتمبر عام 2006، وبعدهم مباشرة أصدر وزراء خارجية الدول الإسلامية قراراً مماثلاً، ومع ذلك لم يتزحزح الحصار خطوة واحدة إلي الوراء، لماذا؟!! الجواب ببساطة لأن الأمريكيين أرادوا ذلك استجابة للرغبة الإسرائيلية بطبيعة الحال، وهي ذاتها الإرادة التي تقف وراء تقاعس العواصم العربية المعنية عن رعاية الحوار المفترض بين فتح وحماس، خذ أيضاً موقف أبومازن الذي ظل رافضاً لذلك الحوار طوال الوقت، وهو يواصل لقاءاته مع الإسرائيليين ويظهر في الصور محتضناً أولمرت ومتبادلاً الابتسامات العريضة معه، في حين يواصل الجيش الإسرائيلي تدمير حياة الفلسطينيين بصورة منتظمة، هذه القضية التي التزم بها أبومازن لم تكن نابعة من مزاج فلسطيني، وإنما كانت استجابة لشرط أمريكي وإسرائيلي، حتي عندما خاب أمل أبومازن بعد لقاء أولمرت مع الرئيس بوش، فانفعل وخرج علي الملأ داعياً إلي حوار مع حماس، فإن الأمريكيين لم يفوتوا المسألة، إذ نقلت صحف السبت الماضي 7 يوليو نقلاً عن وكالة «فرانس برس» أن الناطق باسم الخارجية الأمريكية أبلغ الصحفيين بأن كوندوليزا رايس أجرت اتصالاً هاتفياً مع أبومازن وحصلت منه علي تأكيدات بأن الشروط المسبقة لأي حوار مع حماس لم تتغير، وهو ما يعني أن واشنطن مازالت حريصة علي أن يظل الملف بيدها، وأنها تريد الاطمئنان إلي الالتزام بالشروط التي وضعتها لإجراء ذلك الحوار.

لا لوم علي الأمريكان بطبيعة الحال، فهم يدافعون عن سياساتهم وينفذون استراتيجيتهم، إنما اللوم الحقيقي ينبغي أن يوجه إلي الذين أحنوا لهم رؤوسهم وقبلوا بالامتثال لرغباتهم وراهنوا علي رضاهم، وذلك طريق الندامة بامتياز، لأن التجربة أثبتت أن الذين ساروا في ركاب الأمريكان خسروا، في حين أن الذين رفضوا الانصياع لهم وحافظوا علي إرادتهم المستقلة هم الذين فازوا، علي الأقل باحترام شعوبهم، وإذا كان لديك شك في ذلك فانظر إلي وضع الرئيس مشرف في باكستان وحامد قرضاي في أفغانستان، والمالكي في العراق، وبقية الأسماء التي تعرفها الموزعة علي ارجاء العالم العربي.. طوبي للممانعين المقاومين في كل مكان.
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/06/blog-post_13.html

11 يونيو، 2008

الشرق الاوسط لا تنشر مقال الاستاذ فهمي هويدي

للأسبوع الرابع على التوالى لا يتم نشر مقال الاستاذ فهمي هويدي فى صحيفة الشرق الاوسط

تلك اللحظة الخطرة

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 6 جمادي الاخر 1429- 10 يونيو 2008
تلك اللحظة الخطرة - فهمي هويدي

حين يخرج خمسة آلاف مواطن غاضبون من أبناء إحدي قري الدلتا ويقطعون طريقًا دوليًا لمنع المرور فيه، فيتجمهرون في وسط الطريق ويحرقون إطارات السيارات، ويرشقون الشرطة بالحجارة، وتضطر الشرطة لإطلاق الأعيرة النارية ليسقط الجرحي من الجانبين، ثم تأمر بقطع الكهرباء عن القرية للتنكيل بسكانها، حين يحدث ذلك ويتكرر فإن الأمر ينبغي أن يؤخذ علي محمل الجد. لنقل أولاً إننا لا نتحدث عن اشتباك افتراضي، ولكنه أمر واقع شهدته منطقة شمال الدلتا قبل ثلاثة أيام. والخمسة آلاف مواطن الذين خرجوا إلي الطريق الدولي محتجين وغاضبين، هم أبناء قرية برج البرلس، والطريق الدولي الذي تم قطعه هو ذلك الذي يربط بين العريش ومرسي مطروح. أما الشرارة التي فجرت مشاعر الغضب فكانت قرار المحافظ بإلغاء الدقيق من بطاقات التموين، الذي تزامن مع قرار آخر صدر بوقف الصيد في البحر المتوسط، تنفيذًا لاتفاقية دولية لم يسمع بها الأهالي ولا يعرفون لها مبررًا. القرار الأول أدي إلي نقص الخبز في القرية، والقرار الثاني أدي إلي وقف حال الصيادين الذين انقطعت أرزاقهم بسبب قرار منع الصيد، الأمر الذي كان سببًا مباشرًا في تفجير مشاعر الغضب لدي الأهالي، ومن ثم خروجهم إلي الشارع واشتباكهم مع الشرطة.

ليس هذا حدثًا استثنائيًا، فالإضرابات والاعتصامات أصبحت أحد عناوين السنة الأخيرة علي الأقل، أما القاسم المشترك الأعظم بين أسبابها فقد كان فقدان القدرة علي احتمال الضغوط التي أرهقت الناس وملأتهم بالسخط والنقمة. وأزعم أن الذي ضاعف من ذلك الغضب وأججه هو ذلك الشعور المتزايد بعمق الفجوة واتساعها بين فئات المجتمع في مصر، فالمطحونون الذين يزدادون معاناة وفقرًا، يرون بأعينهم علي الشاطئ الآخر مصريين يتقلبون في البذخ المستفز، ولا تكف وسائل الإعلام عن الحديث عن سفههم وفسادهم.

في عدد أمس الأول من الدستور (8/6) تقرير آخر يسجل بعضًا مما حدث في محافظات الدلتا بسبب أزمة الخبز، ضجر الناس بسبب قرار محافظ القليوبية بتوزيع الخبز بالبطاقات الشخصية، واضطرار المحافظ إلي التراجع عن قراره، ولجوء أهالي قرية الجوهرية بمحافظة الغربية إلي تحطيم سيارة صغيرة لتوزيع الخبز، بعد أن قرر المحافظ تخفيض حصة الأسرة منه، بحيث تحصل علي عشرة أرغفة بدلاً من عشرين. في كفر الشيخ اعتصم العشرات من نساء برج البرلس أمام مجلس محلي المدينة للمطالبة بزيادة حصة الدقيق التي كان المحافظ قد وعد بها. في الدقهلية طارد الناس سيارة محملة بالخبز، وتخاطفوا حمولتها ثم فروا هاربين. وفي الفيوم تعددت المشاجرات بين الأهالي أمام المخابز ومقار الجمعيات التي تتولي توزيع الخبز، مما دفع مسئوليها إلي الانسحاب من العملية إيثارًا للسلامة وتجنبًا للمشاكل اليومية.
هذه الأصداء المختلفة تكذب ما سبق أن أعلنه رئيس الوزراء عن أن أزمة الخبز تم حلها. لكن الأهم من ذلك أنها دالة علي أن مجتمع القرية المصرية الذي كان مشهودًا بسكونه وامتثاله تغير سلوكه، في ظل الضغوط الحياتية التي يتعرض لها الجميع حتي أصبح الإضراب والاحتجاج والاعتصام أسلوبًا معتادًا في التعبير عن غضبه، وأمام هذا الغضب فإن السلطة لا تجد وسيلة لاحتوائه إلا من خلال قوات الأمن المركزي التي تشتبك مع الناس، ثم تلقي القبض علي عدد منهم، يحالون إلي النيابة العامة ويتوزعون علي الأقسام والمعتقلات، ليقضوا فيها أسابيع وشهورًا.

إننا إذا أردنا أن نلخص المشهد فسنجد أنه يعبر عن شعب ضاق صدره ونفد صبره في مواجهة سلطة لم تعد قادرة علي احتواء غضب الناس أو التخفيف عن معاناتهم. وفي التحليل السياسي فإن هذه لحظة خطرة، لأن غضب الناس وعجز السلطة هو الظرف المواتي الذي يستدعي التغيير ويفرضه - «اللهم اجعله خيرًا».

Delete this element to display blogger navbar