Subscribe:

Ads 468x60px

31 مايو، 2008

درس في النذالة

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 25 جمادى الأولى 1429 – 30 مايو 2008
درس في النذالة - فهمي هويدي


من رسائل الأسبوع، ما الهدف من إيفاد 45 طالباً مصرياً تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة إلي الولايات المتحدة الأمريكية لقضاء عام دراسي هناك؟ أغلب الظن أن لغتهم الإنجليزية سوف تتحسن، ولكن ما قيمة هذه الميزة إذا قورنت بالآثار الضارة التي يمكن أن تترتب علي وضع أولئك الطلاب وهم في هذه المرحلة العمرية المبكرة ـ في سن المراهقة تحديداً ـ في بيئة اجتماعية مغايرة تماماً، تسودها ثقافة تدمر الكثير من نسيج القيم الذي تربوا عليه. لقد قرأت في إحدي الصحف خبر سفر أولئك الطلاب، ولا أعرف إن كان من بينهم طالبات أم لا، التي تحدثت عن حفل أقامته لهم السفيرة الأمريكية الجديدة في القاهرة، قالت خلاله إن المبادرة تتم ضمن برنامج للتبادل الطلابي ترعاه جمعية الخدمات الأمريكية، وإن هؤلاء الطلاب لن يحصلوا علماً أو معرفة، ولن يضيفوا شيئاً إلي بلادهم، ولكن كل الذي سيحدث أنهم سيتعرضون لعملية تفكيك ثقافي تمسخ هويتهم، وحين يتم ذلك بموافقة الحكومة وتحت أعينها، فإنه يصبح جريمة بحق الطلاب وبحق البلد. إن السؤال الذي يحيرني هو: لماذا الإصرار علي إيفاد أولئك المراهقين إلي الولايات المتحدة، ولماذا لا يرشح بعض المتميزين من خريجي الجامعات للسفر بدلاً منهم، خصوصاً أن فرصة استفادتهم يمكن أن تكون أفضل، كما أن الأضرار الاجتماعية والثقافية التي يمكن أن تترتب علي إيفادهم إلي الخارج بعد إنهاء دراستهم الجامعية ستكون أقل؟.. وائل شحاتة.

من متابعتي لما درسته ابنتي في مرحلتيها الابتدائية والإعدادية، لاحظت أن نصوص اللغة العربية التي اعتدنا دراستها لكبار الأدباء اختفت من كتب وزارة التربية، واستبدلت بها نصوص أخري أغلب الظن أنها لوكلاء الوزارة، وقد وجدتها تفتقد إلي الذوق والحس السليم، حتي ظنت ابنتي أن الأدب العربي هو مجرد مقدمة وصور بلاغية ثم خاتمة بلا معني ولا مضمون، وحين أهديتها كتاب «السلطان الحائر» لتوفيق الحكيم، فإنها ذهلت وأذهلتني، ذهلت لأنها أكتشفت نصاً عربياً فكاهياً وجميلاً، وأذهلتني حين قالت إن الحكيم يستخدم لغة بسيطة وسهلة وهو يناقش أفكاراً عميقة، إنها كلما أعادت قراءة النص فهمت شيئاً جديداً وازدادت رغبة في التفكير والتأمل. إن مناهج اللغة العربية التي تدرس الآن تنفر الأجيال الجديدة من اللغة ومن الثقافة العربية، بما يؤدي إلي تشويه إدراك الطلبة والطالبات، ولا أظن أن ذلك من الأهداف التي تسعي وزارة التربية والتعليم لبلوغها.. د. منار الخولي.

لقد أصبحت المدارس الإنجليزية وباء في مصر، حتي صارت أمنية كل أسرة أن تلحق أبناءها بتلك المدارس، ذات التكلفة الباهظة، ولا غرابة في ذلك، لأن إعلانات الوظائف الجديدة ذات الدخول العالية التي تنشرها الصحف القومية لا تكتب إلا باللغة الإنجليزية. ووجدنا كثيرين من المثقفين والمسئولين يحرصون علي تطعيم كلامهم بالمصطلحات الإنجليزية، لكي يثبتوا أنهم أعلي مستوي وأرقي من سامعيهم، وهم يخفون بذلك شعورهم بالعار لأن لغتهم عربية. هل تعلم يا سيدي أنه لا توجد في إسرائيل مدرسة إنجليزية واحدة، وأن الإنجليزية تدرس هناك كلغة أجنبية في حين تدرس كل المناهج والمواد الأخري في جميع المدارس بالعبرية؟، وهل تعلم أنهم يدرسون الطب والهندسة والزراعة والفيزياء.. كل فروع المعرفة في الجامعات بالعبرية؟. وإذا كان ذلك يحدث مع لغة كانت ميتة ومنسية، فلماذا نحتقر نحن لغتنا إلي ذلك الحد المهين؟.. د. أشرف عبدالستار إبراهيم.

معك الحق في التنديد بالمستشفي الذي طرد السيدة المسنة المصابة بالقلب لأنها عجزت عن دفع مصاريف العلاج وماتت علي باب المستشفي، وهو ما اعتبرته «جريمة أخلاقية وجنائية»، وما حدث معي لا يختلف كثيراً عن ذلك، فقد أصيب أبي بجلطة في القلب ونقل إلي المستشفي لإنقاذه، وذهلت حين قال لي الطبيب إنه سيعطيه دواء إذابة الجلطة إذا سلمته إيصالاً بمبلغ ألف جنيه أسدده لدي الحسابات، بماذا تسمي هذه النذالة؟.. نيفين سمير.

30 مايو، 2008

في ظل إدمان الطوارئ

صحيفة الدستور المصريه الخميس 24 جمادى الأولى 1429 – 29 مايو 2008
في ظل إدمان الطوارئ -فهمي هويدي


ليس مفاجئاً تمديد الطوارئ في مصر لمدة عامين جديدين، لأن «الطوارئ» التي استمرت 27 عاماً أصبحت جزءاً من النمط العادي لسلوك السلطة في مواجهة المجتمع، وهو ما يذكرنا بمشهد نجيب الريحاني الذي قرأ فيه كف أحد الأشخاص، وقال له بعد أن فحص كفه جيداً إن أمامه عشر سنوات من الغم والنكد، فسأله صاحبنا بلهفة: وماذا بعد ذلك؟ فكان رد الريحاني عليه أنه بعد السنوات العشر سيكون قد اعتاد الغم وتعايش معه، وإذا لا حظت أن مدة العمل بالطوارئ بعد التمديد ستصبح ثلاثة أضعاف المدة التي تحدث عنها الريحاني في المشهد الكوميدي الشهير، فإن ذلك سيطمئنك إلي أن الطوارئ لن تزول بعد سنتين، من ناحية لأن الناس سيكونون قد اعتادوا عليها، ومن ناحية ثانية لأن السلطة ستكون قد ادمنتها، ولم تعد قادرة علي الاستمرار بدونها.

قبل أيام قليلة قلت في هذا المكان إن إصدار قانون الإرهاب سيعني أكثر من تغيير الاسم مع الإبقاء علي المضمون، كما هو، ولكنه سيعني أيضاً تأبيد الطوارئ وتحويلها من وضع قانوني استثنائي إلي وضع قانوني طبيعي ممتد إلي ما شاء الله، لكني لم أتوقع أن يقول رئيس الوزراء في دعوته إلي تمديد الطوارئ إن إلغاء العمل بها الآن «تنفيذاً لوعد الرئيس مبارك» قبل الانتهاء من إعداد مشروع قانون الإرهاب من شأنه أن يفتح الباب لوقوع حوادث إرهابية، ذلك أن الحكومة التي تحذر من الحوادث الإرهابية هي التي دأبت علي القول إن البلد مستقر للغاية وإن الطقس السياسي فيه ربيع وجو الاستثمار الأجنبي بديع، ولا داعي للقلق وإثارة أي مواضيع، وهي تخاطب الأجانب بلغة الجذب والاطمئنان، في حين تخاطب المجتمع بلغة التخويف والترويع.

لم يصدق أحد الدكتور نظيف سواء في تخويفه من الإرهاب أو في حديثه عن أن قانون الطوارئ لن يمس الحريات العامة في البلد، ولست أشك في أنه يعلم جيداً أن الطوارئ لم تحل دون وقوع العمليات الإرهابية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كما أنه يعلم جيداً أن قوانين الطوارئ لم تطبق إلا علي المعارضين السياسيين، بل لم تحاول الأجهزة الأمنية أن تقنع المجتمع بأن الطوارئ طبقت علي الذين نهبوا أموال البلد واستولوا علي أراضيه، وتاجروا في السوق السوداء، وسمموا أهاليه، ذلك أن كل هؤلاء عوملوا بمنتهي الرفق والتسامح، وبعضهم جري التصالح معه بعد إجراء التسوية المالية معهم، بل إن صاحب العبّارة الشهيرة التي قتلت 1300 مصري اعتبرت قضيته جنحة وليست جناية، ولاتزال منظورة أمام القضاء المدني، في حين أن المعارضين السياسيين قدموا إلي المحاكم العسكرية واعتبرت معارضتهم جنايات استوجبت إصدار أحكام قاسية بحقهم فضلاً عن مصادرة أموالهم وتشريد أسرهم.

إن استمرار العمل بقوانين الطوارئ لثلاثة عقود تقريباً، ثم إجراء تعديلات دستورية تعزز من إجراءات الطوارئ وتقدم إجراءات أجهزة الأمن علي حكم القانون وتوسع من اختصاصات المحاكم الاستثنائية، ثم استصدار قانون للإرهاب يضمن استمرار الطوارئ، هذه الشواهد تدل علي أمرين، أولهما أن اللعب بالقانون وتطويعه لخدمة السياسة الأمنية وتغطية إجراءاتها القمعية والاستثنائية أصبح إجراء ميسوراً، في ظل الأغلبية التي يتمتع بها الحزب الحاكم في مجلس الشعب، و«التجاوب» الشديد الذي تبديه رئاسة المجلس مع رغبات الحكومة ونزواتها، بحيث أصبح المجلس في هذه الحالة بمثابة الجناح التشريعي لوزارة الداخلية.

الأمر الثاني والأهم أن المشكلة لم تعد في القوانين التي تسعي لتقييد الحريات وقمع المعارضين، وإنما تكمن في موقف النظام من قضية الحرية وإصراره علي إجهاض أي أمل في الإصلاح السياسي، لذلك فإنني أزعم أن المعركة الحقيقية للجماعة الوطنية المصرية ليست ضد قانون الطوارئ أو الإرهاب فقط، ولكنها أكبر من ذلك وأبعد، لأنها أيضاً وبالدرجة الأولي ضد موقف النظام من الحريات العامة التي هي ضحية أمثال تلك القوانين.

هل نسمع صوت كارتر؟

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 23 جمادى الأولى 1429 – 28 مايو 2008
هل نسمع صوت كارتر؟ - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/05/blog-post_30.html


أبرزت الصحف المصرية الكلمة التي ألقاها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في مقاطعة ويلز البريطانية، واعتبر فيها أن حصار غزة، هو أبشع جريمة انتهاك لحقوق الإنسان علي وجه الأرض، وأن سكان غزة يتعرضون منذ عام تقريبًا لعقاب جماعي يتعارض مع المواثيق والأعراف الدولية. لكن صحفنا القومية تجاهلت تصريحات كارتر لصحيفة «الجارديان» التي وصف فيها موقف الاتحاد الأوروبي، إزاء مسألة الحصار بأنه من قبيل «الخنوع» لسياسة الإدارة الأمريكية، وأن عدم نقد الحصار من جانب الاتحاد، يعد أمرًا مثيرًا للحرج، معتبرًا أن الديمقراطيات الغربية لا ينبغي أن تلتزم الصمت إزاء السياسة الإسرائيلية، التي ارتكبت بحق الفلسطينيين أكبر جرائم حقوق الإنسان في العالم، ولم تتردد في سجن المليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في القطاع، بينهم مليون لاجئ.

بعد التجريم والإدانة طالب كارتر الاتحاد الأوروبي بأن يتبني موقفًا مستقلاً ونزيهًا، لأن الأوروبيين ليسوا خدمًا لنا، وهم يتمتعون بموقف متكافئ يسمح لهم بأن يخاطبوا الإدارة الأمريكية من موقف الند، وليس التابع، ودعا القادة الأوروبيين إلي أمرين: أولهما إعلان رفضهم لاستمرار الحصار والضغط علي إسرائيل للمسارعة إلي فكه، وثانيهما إجراء اتصالات مباشرة مع حكومة حركة حماس في القطاع، التي انتخبتها أغلبية الشعب الفلسطيني، ولها شرعيتها التي تعادل شرعية رئيس السلطة الذي احتل موقعه، منتخبًا بدوره من أغلبية الفلسطينيين.

قدرت موقف الرئيس كارتر الذي يتبني موقفًا نزيهًا نسبيًا، ومتقدمًا كثيرًا علي موقف الإدارة الأمريكية، وبيني وبين نفسي تمنيت أن يخاطب القادة العرب، وأن يصارحهم بموقفهم المعيب من الحصار، الذي تشترك فيه الدول العربية، جميعها بدرجات متفاوتة، لكن القسط الأكبر من المسئولية يقع علي عاتق مصر، التي أصبحت طرفًا أصيلاً في إحكام الحصار علي غزة، باعتبار أن معبر رفح هو الوحيد من بين المعابر الستة الذي يصل بين فلسطين ومصر، وليس لإسرائيل أي سيطرة عليه، خصوصًا بعد إعلان انسحابها من القطاع من طرف واحد.
لقد عرضت في هذا المكان من قبل حقيقة الموقف القانوني من اتفاقية المعابر، التي تمت بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولم تكن مصر طرفًا فيها، علمًا بأن الاتفاقية مدتها سنة وانتهت، واستندت في ذلك إلي آراء فقهاء القانون الدولي، وفي المقدمة منهم الدكتور صلاح عامر - الأستاذ بحقوق القاهرة والخبير الدولي المعروف - وكان من رأي الجميع أن الاتفاقية لا تلزم مصر، التي يوجب عليها القانون الدولي الإنساني أن تفك الحصار وأن تفتح المعبر بحيث تسمح للفلسطينيين بأن يمارسوا حياتهم الإنسانية العادية، علمًا بأن فرض الحصار من جانب الإسرائيليين يعد عملاً من أعمال الإبادة الجماعية، طبقًا لميثاق المحكمة الجنائية الدولية، أما المساهمة فيه علي نحو لا يسمح بإغاثة المحاصرين فهو يعد جريمة حرب، وقلت في نهاية الكلام إن المشكلة في فك الحصار ليست قانونية، ولكنها تكمن في القرار السياسي، وحرية مصر في إصدار قرار مستقل في الموضوع.

النقد الذي وجهه كارتر للأوروبيين، وحثهم فيه علي ضرورة رفع صوتهم رفضًا واحتجاجًا علي ارتكاب إسرائيل لأبشع جرائمها في غزة، وذكرهم بأنهم ليسوا خدمًا عند الإدارة الأمريكية، ويتعين عليهم أن يرفضوا الخنوع للضغوط التي تمارسها علي حلفائها، جدير أيضًا بأن يوجه إلي القادة العرب، الذين هم أولي بسماعه، وللعلم فإن وزراء الخارجية العرب، كانوا قد قرروا في شهر سبتمبر من عام 2006 كسر الحصار المفروض علي غزة، كما أن وزراء خارجية الدول الإسلامية ظنوا أن العرب أفاقوا أخيرًا، وأنهم يعيشون إحدي لحظات الجرأة والشهامة، فحذوا حذوهم أيضًا بدورهم أن يكسروا الحصار، ولكن الجميع يعرفون ما جري بعد ذلك، لأن الوزراء العرب ابتلعوا قرارهم الذي لم ير النور، وبدورهم حذوا وزراء خارجية الدول الإسلامية حذوهم.
تري.. هل يمكن أن يكون كارتر قد يئس من الأنظمة العربية ولم يعد يراهن علي دورها في فك الحصار، فاتجه إلي الأوروبيين اقتناعًا منه بأنهم أكثر جرأة وشهامة، وأقدر علي رفض الخنوع في مواجهة الأمريكيين؟


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/05/blog-post_30.html
http://www.dostor.org/?q=node/3273

28 مايو، 2008

تكرارعدم نشر مقال فى الشرق الاوسط

للأسبوع الثانى على التوالى لا يتم نشر مقال الاستاذ فهمي هويدي فى صحيفة الشرق الأوسط الدوليه
أخشي أن قد ضاقت صدور هيئه تحريرها بمقالاته

غاية المراد من رب العباد

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 22 جمادى الأولى 1429 – 27 مايو 2008
غاية المراد من رب العباد - فهمي هويدي

من الأفكار الجريئة التي أعلنها المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية جون ماكين في الأسبوع الماضي، أنه تعهد بأن يقدم نموذجًا ثوريًا للشفافية، لم يسبقه إليه أي رئيس أمريكي آخر، إذ سيعقد مؤتمرًا صحفيًا شاملاً أسبوعيًا، ليجيب عن تساؤلات الصحفيين في مختلف القضايا الداخلية والخارجية.

في الوقت ذاته، فإنه سوف يطلب من الكونجرس أن يمنحه امتياز المثول أمام المجلسين التشريعيين للرد علي أسئة أعضائهما، والرد علي استفهاماتهم وانتقاداتهم ـ هكذا قال ـ وهو التقليد المتبع في بريطانيا، الذي بمقتضاه يَمْثُل رئيس الوزراء بصورة منتظمة أمام مجلس العموم للرد علي أسئلة أعضائه، وهو ذاته النظام المطبق في عدة دول غربية أخري، منها كندا واستراليا ونيوزيلندا والسويد.

لأول وهلة استغربت اللغة، ذلك أن أمثالنا من أبناء العالم الثالث لم تألف آذانهم أن يسمعوا رئيسًا أو حتي وزيرًا، يرجو من المجلس النيابي أن يمنحه «امتياز المثول أمام أعضائه» للإجابة عن أسئلتهم، ذلك أن خبراتنا تتجه إلي العكس تمامًا، فمجالسنا النيابية دائمة الشوق إلي اللحظة التي يمنحها فيها الرئيس امتياز المثول بين يديه والاستماع إلي توجيهاته، التي هي دائمًا خطة عمل وخريطة طريق إلي المستقبل ــ وهم في ذلك صادقون مع أنفسهم، لأن الأغلبية تعلم جيدًا، أنه لولا رضا الرئيس وجماعته، لما جلس واحد بينهم علي مقعده وأصبح نائبًا عن «الشعب».

الفكرة أهم من اللغة، أو قل إن فكرة بتلك الأهمية والجاذبية من الطبيعي أن تعبر عنها لغة بتلك الدرجة من الاحترام والحميمية، ذلك أن رئيس الدولة حين يجيب أسبوعيًا علي أسئلة الصحفيين، وحين يرد بانتظام علي أسئلة نواب الشعب وانتقاداتهم، فإنه يمارس صورة من صور الديمقراطية المباشرة، التي عرفتها أثينا في الأزمنة القديمة، فيتعامل مع المجتمع بلا حواجز ولا وسطاء، الأمر الذي يتيح له أن يظل علي اتصال مباشر مع نبض الناس، وعلي إحاطة واسعة بهمومهم وحاجاتهم اليومية، وهي مرحلة متقدمة من الممارسة الديمقراطية، يفترض أن تكون قد سبقتها مراحل أخري مهمة للغاية، منها أن يكون أعضاء المجلس النيابي قد تم اختيارهم في انتخابات حرة ونزيهة، الأمر الذي يعني أنهم يمثلون المجتمع حقًا، ومنها أن يكون الصحفيون غير مخترقين من أجهزة الأمن أو مجندين لحسابها، باختصار يفترض في هذه الحالة أن الذين يسألون الرئيس أو يسائلونه يسعون إلي معرفة الحقيقة، وليس إلي طمسها أو تزويرها، وإلي تنوير الرأي العام لا إلي تضليله من خلال الأسئلة الموجهة أو المزروعة، من جانب الأجهزة الخفية.

وقبل هذا وذاك، فالسيناريو الذي نتحدث عنه يفترض أن يكون رئيس الدولة مقتنعًا بأنه بشر يسأل ويُساءل، وليس إلهًا لا يُسأل عما يفعل، وأن الناس في بلده مواطنون من حقهم أن يعرفوا كل شيء عن حاضرهم ومستقبلهم، وليسوا رعايا يستقبلون ولا يرسلون، ويؤمرون فيطيعون، ويساقون فيمتثلون.

لست أشك في أن قارئ هذا الكلام مدرك جيدًا أنني أتحدث عما يفعله الآخرون، ومقتنع تمامًا بأن ما أوردته هو من قبيل العلم والإحاطة لا أكثر، إذ ليس في بالي أن تستفيد من الفكرة وتحاول اقتباسها للأسباب، التي لا تخفي علي فطنة القارئ اللبيب، بل إنني أذهب إلي أبعد، وأزعم أنه في ظل أوضاعنا الراهنة، فإنني أتمني ألاَّ نفكر في احتذاء ذلك النموذج، لسبب جوهري هو أننا مهيَّأون لذلك، ولا أكاد أجد شرطًا واحدًا من شروط تنفيذها مطبقًا عندنا، ثم إنني واثق من أن أجهزة الأمن لن تتردد في التقاط الفكرة ومسخها، بحيث تحولها من محاولة لإطلاع الناس علي الحقيقة إلي سعي للضحك علي الناس وخداعهم، لذلك فإنني أنصحك بأن تقرأ الكلام، ثم تلقي به في البحر بعد ذلك، وأن تحتفظ بأمل واحد تبدأ به رحلة الألف ميل، هو أن تجري في بلادنا يومًا ما انتخابات نزيهة، لا تزوير فيها ولا تدليس، وذلك في الوقت الراهن غاية المراد من رب العباد.

27 مايو، 2008

رؤي آخـر الزمــان فـي إســرائيل

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 22 جمادى الأولى 1429 – 27 مايو 2008
رؤي آخـر الزمــان فـي إســرائيل-‏ فهمي هـويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/05/blog-post_5336.html


(1)‏
من مفارقات الأقدار وسخرياتها أنه في حين عبر الرئيس بوش عن انبهاره بإسرائيل ومستقبلها‏'‏ الزاهر‏',‏ فإن عددا غير قليل من المثقفين الإسرائيليين خالفوه في الرأي‏,‏ معتبرين أنهم يعيشون في بلد لا مستقبل له‏.‏
لا تزال أصداء الصدمة تتردد في العالم العربي منذ ألقي الرئيس بوش خطابه أمام الكنيست في مناسبة احتفال إسرائيل بالذكري الستين لتأسيسها‏,‏ لأنه أفرط في التعبير عن انبهاره وتعلقه بنموذج الدولة في إسرائيل‏.‏ و هو ما لم يتوقعه الذين راهنوا علي الرجل وإدارته‏,‏ وأحسنوا الظن بهما‏.‏ ذلك ان الرئيس بوش لم يستطع أن يخفي مشاعره حين وقف أمام الكنيست‏,‏ ففتح قلبه وصارح الجميع بالحقيقة التي التبس أمرها علي كثيرين من العرب والفلسطينيين‏.‏ فلم يتحدث فقط كواحد من غلاة الإنجيليين الذي يعتبرون أن إقامة إسرائيل جاءت تحقيقا للوعد الذي منح لشعب الله المختار‏,‏ ولكنه استخدم أيضا لغة عتاة الصهاينة الذين يعتبرون الحاصل في فلسطين صراعا بين الخير والشر‏(‏ الذي يمثله العرب أجمعين بطبيعة الحال‏),‏ ثم مضي يكيل المديح لنموذج الدولة الإسرائيلية التي قال أنها حاربت بشراسة من أجل العدالة والكرامة الإنسانية والحرية‏,‏ حتي أصبحت بعد ستة عقود‏'‏ نورا للأمم‏',‏ وحين تحتفل بذكري تأسيسها المائة والعشرين‏(‏ بعد ستين عاما أخري‏)‏ ستكون واحدة من أعظم الديمقراطيات كأرض آمنة ومزدهرة للشعب اليهودي‏..‏الخ‏.‏‏
(2)‏
الفرقعة التي أحدثها خطاب الرئيس بوش تمت وسط أجواء من الجدل المتسم بالتشاؤم بين المثقفين الإسرائيليين الذين أدركوا أن بلدهم بوضعها الراهن الذي أبهر الرئيس الأمريكي ليست مرشحة للاستمرار‏.‏ فابراهام بورج رئيس البرلمان الأسبق الذي اعتزل الحياة السياسية في عام‏2004‏ وصف إسرائيل بأنها‏'‏ دول فاشية واستعمارية تقودها زمرة لا أخلاقية من الفاسدين الخارجين علي القانون‏'.‏ وقال كلامه هذا في حوار أجرته معه صحيفة يديعوت أحرنوت‏,‏ عقب إصدار كتابه‏'‏ الانتصار علي هتلر‏',‏ الذي ذهب فيه إلي أن إسرائيل تسير علي خطي هتلر‏,‏ وأنها تنتظر المصير ذاته‏,‏ طالما ظلت متمسكة بالصهيونية ومعتمدة علي السيف والعنف في إخضاع الفلسطينيين وسحقهم‏.‏

كتاب بورج ليس وحيدا في بابه‏,‏ ولكن عددا آخر من الباحثين الإسرائيليين‏,‏ من سلالة حركة المؤرخين الجدد‏,‏ وجدوا أن مناسبة الذكري الستين تهيئ ظرفا مواتيا لفتح الملفات والحديث بصراحة عن‏'‏ اختراع‏'‏ الشعب اليهودي من قلب الخرافات والأساطير التي حفلت بها التوراة‏.‏ وهو ما خلص إليه شلومو ساند الأستاذ بجامعة تل أبيب في كتابه‏'‏ كيف تم اختراع الشعب اليهودي‏-‏ من التوراة إلي الصهيونية‏',‏ وما أيده كتاب‏'‏ كشف الغطاء عن التوراة‏',‏ لمؤلفيه الأثريين إسرائيل فينكلشتاين وأشر وسيلبرمان‏.‏ في ذات الوقت كشف باحثون آخرون عن حقيقة الجرائم البشعة التي ارتكبتها الجماعات الصهيونية المسلحة للاستيلاء علي أراضي الفلسطينيين وطردهم‏,‏ خصوصا المذابح التي أدت إلي التطهير العرقي‏,‏ والتي تكذب الادعاءات التي روجتها الأبواق الإسرائيلية بأن الفلسطينيين باعوا أراضيهم أو غادروا بلادهم باختيارهم‏.‏ وقد فضح هذه الجرائم إيلان بابي في كتابه‏'‏ التطهير العرقي لفلسطين‏'.‏ الأمر الذي أحدث صدمة في المجتمع الإسرائيلي‏,‏ اضطرته للاستقالة من منصبه كأستاذ بجامعة حيفا‏,‏ والهرب إلي بريطانيا ليعمل في إحدي جامعاتها‏.‏ وجه إسرائيل القبيح وتاريخها الملطخ بالدم وبأشلاء الفلسطينيين الأبرياء‏,‏
الذي لم يره الرئيس بوش‏,‏ أبرزه أيضا آفي شلايم الأستاذ بمعهد سان أنطوني في أوكسفورد‏,‏ في كتابه‏(‏ الجدار الحديدي‏-‏ إسرائيل والعالم العربي‏),‏ الذي هدم فيه أسطورة الدولة اليهودية التي تدعي أنها محبة للسلام‏,‏ ومحاطة بعالم عربي يريد القضاء عليها‏.‏
‏(3)‏
هذا الجدل احتل مكانة ملحوظة في الصحف العبرية‏,‏ فالبروفيسور امنون روبنشطاين الوزير الأسبق وأستاذ القانون بجامعة تل أبيب الذي تخصص في الكتابة عن مستقبل الدولة‏,‏ نشرت له هاآرتس حوار‏14-4‏ الماضي‏,‏ قال فيه إن إسرائيل لا يمكنها البقاء بسبب نوعين من التهديد‏,‏ أحدهما خارجي يتمثل في فشلها في ردع العرب‏,‏ والثاني داخلي يمثله انتشار الفساد وتآكل ما يسميه‏'‏ منظومة القيم الصهيونية‏'‏ التي قامت عليها الدولة‏.‏ أضاف في هذا الصدد أنه علي الرغم من انتصارات إسرائيل في حروبها الكبيرة مع الدول العربية‏,‏ إلا أن هذه الانتصارات فشلت في اجتثاث الرغبة العربية في محاربة إسرائيل‏,‏ وفي رأيه أن ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا هو‏'‏ أسلمة‏'‏ الصراع‏,‏ واتخاذه بعدا دينيا‏,‏ الأمر الذي لا يزيد فقط رقعة العداء لإسرائيل‏,‏ بل يجعله أكثر تصميما‏,‏ واعتبر روبنشطاين أن إسرائيل قد تستيقظ في يوم ما وقد أحيطت بأنظمة حكم ذات توجه إسلامي‏,‏ لا ترفض وجود إسرائيل فحسب‏,‏ بل تتجند من أجل إزالتها‏.‏

في نفس الوقت‏,‏ فإن روبنشطاين رصد مظاهر تحلل منظومة‏'‏ القيم الصهيونية‏',‏ مثل ميل الشباب الإسرائيلي لعدم التضحية من أجل الدولة والذي يعكسه تراجع الحماس في صفوفهم للانخراط في سلك الجندية‏,‏ و هي نقطة ايده فيها أيرز ايشل مدير مدرسة‏'‏ إعداد القادة‏'‏ في تل أبيب‏,‏ الذي قال في مقال نشرته صحيفة‏'‏ يديعوت أحرنوت‏'(3-4)‏ أن أحد مصادر هدم منظومة القيم هذه تتمثل في حقيقة أن قادة الدولة لم يعودوا مثالا يحتذي به الشباب الإسرائيلي‏.‏ إذ في حين الذي يصرخ قادة الدولة مهددين بشن مزيد من الحروب‏,‏ فانهم يستثنون أبناءهم من تحمل عبء هذه الحروب‏,‏ ودلل علي ذلك بان ابني رئيس الوزراء الحالي إيهود أولمرت تهربا من الخدمة العسكرية بالسفر للخارج‏.‏

أيضا من رأي الجنرال شلومو جازيت الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية‏'‏ أمان‏'‏ أن رفض إسرائيل التجاوب مع الرغبة العربية لحل الصراع يحمل في طياته دمار إسرائيل‏,‏ وشن جازيت في مقال نشرته‏'‏ معاريف‏'‏ بتاريخ‏9-4 انتقادا حادا علي المستشرق الأمريكي برنارد لويس الذي دعا إسرائيل لعدم التفاوض مع العرب‏,‏ معتبرا أن تخليد الوضع القائم هو الذي سيؤدي إلي تصفية إسرائيل‏,‏ ما لم توافق حتي علي هدنة طويلة المدي تتنازل مقابلها عن حدود العام‏1967.‏

ناحوم برنيع كبير المعلقين في صحيفة‏'‏ يديعوت أحرنوت‏',‏ أوسع الصحف الإسرائيلية انتشارا‏,‏ الذي توقع فشل إسرائيل في حرب لبنان الثانية من أول يوم فيها‏,‏ قال أنه علي رغم أن إسرائيل اليوم قوية من ناحية عسكرية وذات منعة اقتصادية‏,‏ إلا أن الناس فيها يفقدون الثقة بمستقبلها وبقدرتها علي البقاء‏,‏ وروي في مقال نشره بتاريخ19-4‏ حادثة طريفة وقعت مع الكاتب اليهودي الأمريكي جوردس فقال أنه ذهب إلي طبيب للحصول علي وصفة دواء طلب أخذها قبل السفر بالجو‏,‏ فسأله الطبيب‏:'‏ بماذا تعمل؟‏'.‏ فرد جوردس‏:‏ أنا كاتب‏.‏ عندئذ سأله‏:‏ ماذا تكتب؟‏.‏ قال‏:‏ حول مستقبل إسرائيل‏.‏ فضحك الطبيب‏,‏ وقال‏:‏ آه أفهم الآن‏,‏ أنت تكتب قصصا قصيرة‏!.‏ وعلق برنيع علي تلك الإجابة قائلا إنها تعكس المزاج العام في إسرائيل‏,‏ وهو مزاج الشعور بنهاية الزمان‏,‏ مع أنه لا يتحدث عنه أحد لكن الجميع يشعرون به‏,‏ إنه نوع من اليأس لا ينبع من الحرب التي كانت أو من الحرب التي قد تأتي‏,‏ بل من مصادر أعمق‏,‏ علي حد تعبيره‏.‏ وذكر إن مظاهر المنعة العسكرية والاقتصادية التي تتمتع بها إسرائيل مضللة‏.‏ مشيرا إلي أنه علي الرغم من أن إسرائيل ذات اقتصاد مستقر‏,‏ وأسعار العقارات فيها تبلغ عنان السماء‏,‏وجيشها قوي‏,‏ وجامعاتها ذات نوعية عالية‏,‏ ومع ذلك فهي تعجز عن توفير الأمن لليهود الذين يعيشون فيها‏,‏ وهي لا تعطيهم الحياة الطبيعية‏.‏ وذكر برنيع أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي مجرد وجودها لايزال مثيرا للجدل‏,‏ في حين لا يشك أحد في العالم في حق الفلسطينيين في دولة‏.‏
‏(4)‏
لا يكتفي المفكرون والكتاب الصهاينة بالحديث عن تنبؤاتهم بالمستقبل المظلم لإسرائيل‏,‏ بل يعددون المظاهر التي تدعم هذه التنبؤات‏.‏ إفراهام تيروش سكرتير ثاني حكومة شكلها مناحيم بيجن يري في مقال نشرته معاريف بتاريخ28-2‏ أن أوضح مظهر من مظاهر انهيار الفكرة الصهيونية هو قرار الوكالة اليهودية بالتوقف عن محاولة إقناع اليهود في أرجاء العالم بالهجرة إلي إسرائيل‏,‏ معتبرا أن هذا يدلل علي فشل الحركة الصهيونية في المحافظة علي قوة الدفع الخاصة بأفكارها‏.‏ ويؤكد أنه بالنسبة لليهود في أرجاء العالم‏,‏ فإنهم باتوا يرون ان مخاطر العيش في إسرائيل أكبر من مخاطر العناصر اللاسامية في الشتات‏.‏ ويشير تيروش إلي مظاهر انفضاض اليهود عن إسرائيل‏,‏ مستندا إلي نتائج دراسة أجريت في أوساط اليهود الأمريكيين دللت علي أن‏70%‏ منهم لم يزوروا إسرائيل ولا يعتزمون زيارتها‏;‏ و‏50%‏ من يهود الولايات المتحدة متزوجون زواجا مختلطا‏;‏ و‏50%‏ من الشباب اليهود هناك لا يهمهم إذا اختفت إسرائيل من الوجود‏.‏
رئيس الكنيست السابق روفي ريفلين‏,‏ القيادي البارز في حزب الليكود قدم مثالا آخر علي تغلغل اليأس في نفوس الإسرائيليين من مستقبل كيانهم‏,‏ والذي يعبر عنه سعي أعداد متزايدة من الإسرائيليين للحصول علي جوازات سفر أوروبية لاستخدامها في الفرار من الدولة عند الحاجة‏,‏ فيذكر في مقال نشرته صحيفة هآرتس‏(14-4)‏ أن هذا السلوك لم يكن ليصدر عن هؤلاء الإسرائيليين لولا الشعور المتأصل في نفوسهم بأن الدولة في طريقها للتفكك والزوال‏,‏ ويجزم بأن ذلك سيؤدي إلي ظهور تباينات فكرية واجتماعية وسياسية بين الإسرائيليين الذين لا يمكنهم الحصول علي جوازات سفر أجنبية ولا يعرفون أن لهم ملاذا آخر‏,‏ وبين أولئك الذين يعتقدون أن لديهم خيارات أخري‏.‏ مؤكدا أن هذه الظاهرة ستكون القوة التي ستنتج مظهرا آخر من مظاهر الانقسام في المجتمع‏.‏

وهناك من يري أن عزوف اليهود عن الهجرة لإسرائيل يرجع لكفرهم بالأساطير التي تأسست عليها إسرائيل‏,‏ وفي مقال نشرته صحيفة‏'‏ هآرتس‏''‏ بتاريخ‏22-3‏ قال يولي جولدشتاين من قادة الجالية اليهودية في كندا أن‏'‏ الأساطير‏'‏ التي كانت إسرائيل تحاول إقناع يهود العالم بها لم تعد تنطلي علي أحد سيما تصوير إسرائيل وكأنها‏'‏ الحصن الأخير في مواجهة الذين يكنون العداء لليهود‏'.‏ وأشار إلي حقيقة كون‏85%‏ من اليهود في مدينة‏'‏ مونتريال‏'‏ التي تضم أكبر تجمع يهودي في كندا قد هاجروا أصلا من إسرائيل التي بذلت جهدا كبيرا لاخراجهم من‏'‏ الاتحاد السوفيتي‏',‏ لكنهم بعد أن عاشوا فيها قرروا تركها والتوجه لكندا‏,‏ ثم تساءل‏:'‏ هل هناك ثمة سبب للاعتقاد بأنهم سيفكرون الآن بالعودة إليها‏'.‏
أيا كانت الشواهد الدالة علي ما ينتظر إسرائيل في المستقبل‏,‏ فإننا لا ينبغي أن نراهن علي ذلك‏,‏ فنبقي علي أوضاعنا كما هي انتظارا لما تأتي به الأيام‏,‏ لأن تجميد الأوضاع العربية علي ضعفها هو الذي قد يطيل من عمر إسرائيل‏,‏ في حين أن الأخذ بأسباب القوة والمنعة وحده الذي يفقد إسرائيل أملها في بسط هيمنتها علي العالم العربي‏,‏ ومن ثم يعجل بهزيمتها سواء عاشت او بادت.‏

القانون السري في كواليس التنظيم السري

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 21 جمادى الأولى 1429 – 26 مايو 2008
القانون السري في كواليس التنظيم السري - فهمي هويدي


لا أجد سببًا وجيهًا للانشغال بحكاية إلغاء الطوارئ وإصدار قانون جديد للإرهاب، لأن الأمر لن يختلف كثيرًا من الناحية الموضوعية، فالفرحة بإلغاء حالة الطوارئ لن يكون لها مكان، لسبب جوهري هو أن قانون الإرهاب سيكون وسيلة لتأبيد الطوارئ، وتحويلها من حالة استثنائية، إلي وضع قانوني مستقر، ليس له أجل، مثله في ذلك مثل القانون المدني أو الجنائي أو التجاري أو غير ذلك. صحيح أن مصر تعيش في ظل حالة الطوارئ منذ عام 1981، أي أنها مستمرة منذ 27 عامًا لأول مرة في التاريخ المصري. وبالتالي فإنها أصبحت وضعًا عاديًا وليس طارئًا، ومع ذلك فإن اسمه علي الأقل ظل يوهمنا بأن الإجراءات الاستثنائية التي يفرضها ويهدد بها حريات الناس محدودة الأجل، ويمنينا بأن أبناءنا أو أحفادنا قد يكونون أسعد حظًا منا، بحيث يشهدون زمنًا يرفع فيه سيف الطوارئ عن رقاب البشر وهو الوهم الذي سنحرم منه في ظل قانون الإرهاب الذي سيحول الاستثناء إلي قاعدة.

صحيح أيضًا أن القانون لم يصدر بعد، ولا تزال مواده محاطة بكتمان مريب وغير مفهوم، إلا أن مقدماته لا تدع مجالاً للتفاؤل به، وتسوغ له أن نعتبره في أفضل احتمالاته مجرد تغيير في الاسم، بحيث لن يختلف كثيرًا عن ذلك الذي أراد أن يتجنب انتقاد الناس وسخريتهم من اسمه، فغيره من علي زفت إلي حسن زفت! أما لماذا افترضت أن القانون الجديد سيكون منتميًا إلي نفس عائله القديم، فعندي لذلك ثلاثة أسباب هي كما يلي:

> إن المؤسسة الأمنية في مصر التي تطبق إجراءات الطوارئ منذ 28 عامًا، الأمر الذي أطلق يدها إلي أبعد مدي في مصائر المجتمع بكل أفراده، أدمنت هذه الحالة، وربت أجيالاً من الكوادر والقيادات لا تعترف بقوة القانون، وتعتبر أنها الحارس الوحيد لأمن النظام، ومن حقها أن تفعل بالناس ما تشاء في أي وقت تريد، وليس من اليسير تغيير هذا الوضع، خصوصًا أن تلك المؤسسة لها دورها المهم والمتزايد في صناعة القرار في مصر.

> إن التعديلات التي أدخلت علي الدستور المصري في العام الماضي تؤيد ذلك التشاؤم، لأنها جاءت كلها لصالح المؤسسة الأمنية وليس لصالح المجتمع أو القانون، فقد أطلقت يد رجال الأمن في إلقاء القبض علي الناس وتفتيش بيوتهم والتنصت عليهم، علي أن تستأذن النيابة العامة بعد تنفيذ هذه الإجراءات وليس قبل الإقدام عليها، كما كان ينص الدستور قبل التعديل، وفي الوقت ذاته فإن التعديلات أعطت رئيس الجمهورية حق تحويل أي شخص إلي القضاء العسكري، بالمخالفة لنص الدستور الذي يقضي بتقديم كل مواطن إلي قاضيه الطبيعي، كما أنها توسعت في القضاء العسكري «الاستثنائي» وجعلته درجات بعد أن كان درجة واحدة.

> إن السرية المفروضة علي مشروع قانون الإرهاب لا تبعث علي الاطمئنان، فضلاً عن أنها تبعث علي الدهشة، إذ يظل مستغربًا ومريبًا أن يكون المشروع وثيق الصلة بحريات الناس ومصائرهم، ثم لا يعرف أحد شيئًا عن الفريق الذي أعده، ولا يمر بأي قناة من القنوات المعنية بحراسة القانون والعدالة في مصر، ولا تطرح مواده علي الرأي العام، كل الذي نعرفه أن فريقًا سريًا قام بطبخه، وأنه يتحرك في أروقة التنظيم السري الذي يختزن القوانين التي يفاجأ بها الناس، ولا يستبعد أن يكون قد نوقش في الاجتماعات السرية التي تعقدها لجان مجلس الشعب ويستبعد منها ممثلو المعارضة المستقلون كما حدث في قانون رفع الأسعار وقانون المرور، لكن المرجح ألا يتم إصداره في الوقت الراهن، وأن يمدد العمل بقانون الطوارئ لمدة ستة أشهر أو سنة.

أما سبب تأخير الإصدار فهو إجرائي بحت، ذلك أن الفريق السري الذي تولي طبخ المشروع يبحث عن حل لمشكلة ترتيبات الانتقال من وضع الطوارئ إلي الوضع الجديد، لأن هناك آلافاً من قرارات الاعتقال والمصادرة صدرت استنادًا إلي قانون الطوارئ الذي يؤدي إلغاؤه إلي سقوط العمل بتلك القرارات، ولأن المطلوب أن تستمر الأوضاع كما هي، فالبحث جار عن ترتيب يسمح بتطبيق قانون الإرهاب علي من شملهم قانون الطوارئ، ولأن الحالات بالآلاف فإن توفيق أوضاعها يتطلب وقتًا طويلاً يتم فيه الفرز وتحديد المركز القانوني لكل حالة، لذلك كان الحل أن تمدد الطوارئ لإنجاز هذه المهمة.. لذا لزم التنويه

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/05/blog-post_27.html
http://www.dostor.org/?q=node/3075

26 مايو، 2008

في انتظار تدخل السماء

صحيفة الدستور المصريه السبت 20 جمادى الاول 1429 – 25 مايو 2008
في انتظار تدخل السماء - فهمي هويدي

أمرت النيابة باستدعاء صاحب ومدير مدرسة خاصة بالجيزة، للتحقيق معه في اتهامه بمحاولة سرقة تقرير رسمي أعدته مديرية التعليم بالمحافظة، أثبت مخالفات خطيرة تم اكتشافها في مدرسته. من تلك المخالفات أن مديرالمتابعة بالمديرية مر بالمدرسة ليتفقد سير الامتحانات بها، ففوجئ بأنه تم توزيع نماذج إجابات أسئلة امتحانات مادتي اللغة الإنجليزية والجبر علي طلاب الصفين الثاني والأول الإعدادي، وهي ذاتها نماذج الإجابات المخصصة للأساتذة الذين يتولون تصحيح أوراق الطلاب، كما اكتشف أن ثمة مجموعة من الطلاب الأصحاء يؤدون الامتحان نيابة عن آخرين غائبين في لجنة المعاقين.

ذلك خبر نشره الأهرام في 21/5، ولكنه أيضًا جزء من ظاهرة مسكوت عليها تعبر عن أمرين، أولهما: تدهور المستوي الأخلاقي لدي شرائح لا يستهان بها في مجال التعليم، وثانيهما: «مدي الجشع والفساد المستشري في التعليم الخاص، لأن أصحاب تلك المدارس يلجأون إلي مثل هذه الأساليب لرفع نسب النجاح في مدارسهم، واستخدام هذه النتائج في الدعاية وجذب المزيد من الطلاب والأهالي الحالمين «بالتفوق».

إن شئنا أن نكون أكثر دقة، فإننا ينبغي أن نعترف بأن الوقائع المنشورة ليست خبرًا أيضًا، لأن مسألة تشجيع الطلاب علي الغش وتلقينهم الإجابات من جانب المدرسين وأحيانًا من جانب بعض أولياء الأمور، ليس أمرًا جديدًا، وإنما هو من الوقائع الشائعة في مدارس آخر الزمان، وربما كان الجديد في الأمر فقط أن مسئولاً في مديرية التعليم ضبط ما جري وقرر تحويل صاحب المدرسة إلي النيابة العمومية.

كنت قد تحدثت أمس عن فضيحة خريجي المدارس الفنية في الفيوم الذين قضوا 12 سنة في سلك التعليم، ثم تبين أنهم لا يجيدون القراءة والكتابة، وهم الذين أنفقت الدولة علي تعليمهم طوال هذه المدة، في حين أنهم لم يغادروا الأمية بعد، وقبل ذلك بأيام نشر الأهرام مقالة لزملينا الأستاذ لبيب السباعي -رئيس تحرير مجلة الشباب- والخبير في شئون التعليم ، تحدث فيها عن ظاهرة قيام بعض المدرسين والمدارس بإملاء الإجابات علي الطلاب في الامتحانات، للادعاء بتفوق المدرسة وارتفاع معدلات النجاح بها. وفي موسم الامتحانات من كل عام تنشر الصحف اليومية أخبار حوادث الغش المماثلة من جانب بعض الأساتذة تارة، وبعض الأهالي تارة أخري.

هل هذا التدهور الأخلاقي والمهني مقصور علي المدارس الخاصة وحدها؟
أسجل أولاً أن التعميم يظلم الشرفاء في مجال التعليم الخاص، الذين صاروا استثناء في ذلك المجال، ثم أسارع بالإجابة علي السؤال بالنفي، لأن أصحاب هذه المدارس لم يهبطوا علينا من كوكب آخر، ولكنهم جزء من مجتمعنا الذي شهد تحولات خطيرة في منظومة قيمه، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن هذا الفساد موجود أيضًا في الجامعات الخاصة، التي أصبح الخبراء يتحدثون في كل محفل ومناسبة عن أن الجشع فيها جعل ربحية مشروعاتها تتجاوز حصيلة تجارة المخدرات.

ورغم أن الفساد أصبح أحد عناوين الواقع الراهن في مصر، إلا أن خطورته تصل إلي ذروتها في مجال التعليم بالذات لسببين، أولهما: أنه فساد مضاعف لا يقتصر وجوده علي فئة من الناس، مديرين كانوا أو مدرسين، ولكنه يؤدي إلي إفساد التلاميذ أيضًا، وثانيهما: أن هؤلاء التلاميذ الذين يربّون علي الفساد هم رجال الغد وأعمدة مستقبل البلد.

لا مفر في هذا الصدد من الاعتراف بأنه منذ أصبح التعليم تجارة واقترن ذلك بتراجع دور الدولة وانهيار العملية التعليمية فيها، فإن ذلك أدي إلي استباحة هذا المرفق بصور شتي. وهذه الاستباحة أشد ما تكون في أغلب الجامعات الخاصة، التي تتداول الأوساط الأكاديمية قصصًا عن الفساد والجشع فيها،قصص تثير الدهشة والفزع.

إن الانقلاب في منظومة القيم الذي عرفته مصر في ظل سياسة الانفتاح قبل ثلاثة عقود أحدث انهيارات خطيرة في أصول وأخلاقيات العديد من مجالات العمل العام، والتعليم من بينها بطبيعة الحال، حتي أصبحت أشبَّه الحاصل في مصر الآن بأنه أقرب إلي حالة مصاب بالسرطان استشري المرض في أنحاء جسمه، وفشل تدخل الأطباء في علاجه، ولم يعد هناك مفر من تدخل السماء

25 مايو، 2008

ثغرة معرفية خطيرة

صحيفة الدستور المصريه السبت 19 جمادى الأول 1429- 24 مايو 2008
ثغرة معرفية خطيرة - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/05/blog-post_25.html

وقع المحظور ووصلت كارثة تدهور التعليم إلي مدي لا ينبغي السكوت عليه، إذ بعد 12 عامًا من «التعلم» في مدارس الحكومة تبين أن التلاميذ لا يجيدون القراءة والكتابة، وهو أمر قد يري البعض أنه يمكن التسامح معه، خصوصًا أن نسبة الأمية في مصر حوالي 40%، وهي نسبة نتعايش معها، ويبدو أنها لا تزعج أحدًا من المسئولين، الذين احتشدوا وراء شعار «القراءة للجميع» للأسباب غير المعرفية التي تعرفها ، ومن ثم فإنهم يبذلون جهدًا كبيرًا للترويج للمشروع من خلال إقامة المكتبات الثابتة والمتحركة، وتزويدها بقوائم الكتب التي تشتري بمبالغ طائلة، معتبرين أنه من المهم للغاية أن تزرع تلك المكتبات في أوسع دائرة ممكنة، وناسين أن المكتبات تظل بلا قيمة ما لم يكن في البلد تعليم يمكن الأجيال الجديدة من القراءة والكتابة علي الأقل.

هذه كارثة لا ريب، لكن الأدهي من ذلك والأمر، بل أم الكوارث بامتياز أن بعض هؤلاء «المتعلمين الجدد» عجزوا عن كتابة اسم الرئيس مبارك في اختبار أجري لهم، ولا أعرف كيف حدث ذلك، رغم أن مختلف وسائل الإعلام الرسمية في البلد ما برحت تحدثنا منذ أكثر من ربع قرن عن «مصر مبارك».. صحيح أنها تواضعت وذكرت اسم مصر أولاً، ولم تفعل ما فعلته دول أخري حين قرنت اسم الدولة باسم الأسرة، كما حدث في المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية، وهو بالمناسبة تقليد ليس مبتدعًا تمامًا، لأن التاريخ العربي والإسلامي عرف الخلافة الأموية والعباسية والدولة العثمانية، وهذه أسماء عائلات وليست أسماء أوطان أو أماكن، مثل هذا الاحتشام الذي احتمل الإشارة إلي اسم مصر قبل اسم مبارك، كان ينبغي أن يكون محل اعتبار من قبل مؤسساتنا التعليمية، التي لم تقدر الموقف قدره الصحيح، وليس لديها في ذلك عذر، خصوصًا أن أهم الصحف السيارة تحدثت صراحة عن أن مصر ولدت من جديد في عهد الرئيس مبارك، الأمر الذي لابد أن يثير دهشتنا واستغرابنا، لأن ما جري يدل علي أن أولئك المسئولين لا يقرأون الصحف ولا يشاهدون التليفزيون، فلم يلتفتوا إلي أهمية توجيه الأجيال الجديدة توجيهًا سليمًا لا يوسع من معارفهم فقط، وإنما يعزز من انتمائهم للبلد أيضًا، لذلك فإذا جاز لنا أن نتسامح في أُمِّية هؤلاء الشبان وعجزهم عن كتابة المفردات أو الأرقام أو كتابة أسمائهم، فإن الذي لا يمكن التسامح معه أن يصل بهم التردي حد الخطأ في كتابة اسم الرئيس مبارك .. من ثم فإننا لا نستطيع أن نلوم التلاميذ لأنهم ارتكبوا الجرم المشهود ووقعوا في ذلك الخطأ، وإنما ينبغي أن نتوجه باللوم إلي المعلمين الذين قصروا في أداء ذلك الواجب المعرفي والوطني، وإلي مسئولي المديريات التعليمية الذين تساهلوا فيما لا ينبغي التساهل فيه، ولم يدركوا أن العملية التعليمية لها أولويات، فإذا كان مغفورًا للتلاميذ أن يخطئوا في الإملاء والنحو أو في التاريخ والجغرافيا والحساب، فينبغي ألا يغفر لهم الخطأ في كتابة اسم الرئيس.

لست أتحدث من فراغ، ولكن تحت يدي قصة منشورة صباح يوم الثلاثاء 20/5 تحدثت عن امتحان أجراه مرفق مياه الشرب والصرف الصحي بالفيوم لمجموعة من خريجي المدارس الفنية التجارية، تقدموا لشغل وظائف أعلن عنها بعدما احتاج المرفق لمندوبين لقراءة عدادات المياه، ورغم أن أولئك الخريجين قضوا 12 عامًا في سلك التعليم، إلا أن 44 منهم رسبوا في الإملاء، وحصلوا علي «5» درجات تراوحت بين صفر وخمسة من عشرة، ومنهم من فشل في قراءة الأرقام الحسابية وكتابتها، وهذا هو الشق الهين في المسألة، لأن الأسوأ أن 24 آخرين عجزوا عن كتابة اسم الرئيس مبارك، ولا أعرف مصير هؤلاء ولا ما الذي حل بأساتذتهم ، لكنني أتمني أن يغض جهاز أمن الدولة الطرف عن الموضوع، رغم أنه من قبيل الإنكار لما هو معلوم بالضرورة من السياسة، ولا أري بديلاً عن أن تُنظم لأولئك الطلاب دروس خصوصية علي وجه السرعة، حتي يستطيعوا كتابة اسم الرئيس صحيحًا في الملحق، وليتهم يذهبون إلي أبعد في رفع مستواهم المعرفي فيعلمونهم أيضًا كيف يكتبون أسماء بقية أفراد الأسرة تحسبًا للمستقبل

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/05/blog-post_25.html
http://www.dostor.org/?q=node/2871

24 مايو، 2008

نجحت قطر وفشلت مصر!

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 18 جمادى الأول 1429 -23 مايو 2008
نجحت قطر وفشلت مصر! -فهمي هويدي

حتي إذا كان اتفاق الفرقاء اللبنانيين في الدوحة مؤقتًا، فإنه يمثل انفراجًا نسبيًا لا ريب أدي إلي تسكين الوضع المتفجر في بيروت، ومن المبكر تقييم الدور الذي يمكن أن يسهم به الاتفاق في حل المعضلة اللبنانية بأبعادها المختلفة. لكن ما جري يثير سؤالاً يهمنا هو: لماذا نجحت قطر في أن ترعي الاتفاق، في حين غابت مصر عنه تمامًا، ولم يكن لها أي دور في التقريب بين وجهات نظر الفريقين المتصارعين؟

الأصدقاء اللبنانيون يجيبون علي السؤال بقولهم إن مصر في المشهد اللبناني كانت جزءًا من المشكلة وليست وسيطًا في الحل، ولذلك فإنها استبعدت تلقائيًا من حسابات الفريقين منذ وقت مبكر، ولم تعد محل ثقة الأطراف المتصارعة، فجماعة الموالاة اعتبروها واقفة في مربعهم لذلك فإنهم لم يتوقعوا منها وساطة، واكتفوا بدورها في الدعم والمساندة، وفريق المعارضة تعاملوا معها بحسبانها طرفًا غير محايد في الصراع، ومن ثم غير مؤهل للقيام بدور في التوفيق، لذلك فإنهم لم يعولوا علي شيء إيجابي يصدر عن مصر. ومن هؤلاء من أشفق علي البلد وتمني ألا تشوه صورتها بالانحياز إلي طرف له ارتباطاته المشبوهة ومقاصده التي تخدم مخططات الدول الكبري، والولايات المتحدة علي رأسها. ومنهم من قال إنه كان أكرم لها وأفضل كثيرًا لو أنها نأت بنفسها عما تورطت فيه، والتزمت الحياد بين الطرفين، محتفظة بدورها التاريخي كدولة كبري في العالم العربي، كانت رائدة وقائدة يومًا ما.

لم تكن مصر وحدها بطبيعة الحال، ولكنها كانت ضمن الدول التي صنفتها الإدارة الأمريكية ضمن معسكر «الاعتدال» في العالم العربي، وهو تصنيف صار مسيئًا ومشينًا، لأن ذلك المعسكر الذي باركته واشنطن واعتبرته حليفًا لها في المنطقة، أصبح يضم إسرائيل وبعض الدول العربية التي كانت مصر من بينها، هذا الفريق وقف بكامله في صف مجموعة الموالاة، وكانت ضغوطه سببًا في فشل المساعي التي بذلها في بيروت السيد عمرو موسي الأمين العام للجامعة العربية طوال الأشهر الأخيرة، ولم تحقق تلك المساعي نجاحها إلا حين دخلت قطر علي الخط وخرج الآخرون.

ما يلفت النظر ويثير الانتباه أن قطر وهي الدولة الصغري، التي لها ارتباطاتها المعروفة بالولايات المتحدة، ولها جسورها المعلقة مع إسرائيل، والتي يفترض أن موقفها ووزنها أضعف بكثير من مصر نجحت فيما فشلت فيه الشقيقة الكبري.

المشهد اللبناني الذي نحن بصدده، بل في الساحة العربية أيضًا. ذلك أن قطر احتفظت بمسافة واحدة إزاء الطرفين المتصارعين، الأمر الذي أكسبها ثقة واحترام الجميع، لذلك فإنهم لبوا دعوتها لإجراء الحوار الوطني في الدوحة، ونجح ذلك الحوار في نزع فتيل انفجار الموقف اللبناني، في الوقت الراهن علي الأقل، وللأسف فإن مصر بانحيازها المعلن إلي جانب معسكر الموالاة وبممارساتها غير المعلنة التي عززت موقف هذا الفريق علي أصعدة متعددة، سياسية وعملية، ألغت تلك المسافة المرجوة. وإذا صحت الأخبار التي نشرت عن رفض وزير الخارجية المصري الاجتماع مع ممثلي المعارضة، فإن ذلك يعد دليلاً آخر علي نقض الموقف الحيادي لمصر، وتصاغر دورها في الساحة العربية.

ورغم التحفظ الذي لابد من تسجيله علي شكل وطبيعة العلاقات القائمة بين قطر وبين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أننا لا نستطيع أن نبخسها حقها في موقفها المقدر من المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، وفي الوساطة بين حكومة اليمن والحوثيين المشتبكين معها في شمال البلاد، وفي الدفاع عن عروبة الصومال.

إن أحد الدروس المهمة التي نستخلصها من الملابسات التي سبقت الإشارة إليها أن الريادة ليست وقفًا علي أحد، لكن لها شروطًا واستحقاقات، من لباها تقدم الصفوف، ومن أخل بها فقد جدارته وسقط في الاختبار، من تلك الدروس أيضًا أن الدول لا تكبر بأحجامها ومواردها، ولكن فاعلية الإرادة السياسية ونزاهتها هي المعيار الذي تقاس به الأدوار والمقامات. ذلك أن الأحجام والموارد توفر للدولة مكانها ضمن خرائط الجغرافيا، أما استقلال الإرادة السياسية ونزاهة الأدوار فهي التي تحفر للدولة اسمها في سجل التاريخ.

جريمة أخلاقية وجناية أيضاً

صحيفة الدستور المصريه الخميس17 جمادى الأولى 1429 - 22 مايو 2008

جريمة أخلاقية وجناية أيضاً -فهمي هويدي

المستشفي الذي أخرج مريضة بالقلب لأنها عجزت عن دفع نفقات علاجها، فجلست علي بابه حتي لفظت أنفاسها الأخيرة، لم يرتكب جريمة أخلاقية فحسب، وإنما ارتكب جناية قتل، وتجب عليه الدية، وليس هذا اجتهاداً خاصاً، ولكنه رأي شرعي له أسانيده الثابتة. لا أتحدث عن حالة افتراضية، وإنما عن خبر قرأته ذات صباح في جريدة «البديل» 15/5 خلاصته، أن سيدة مسنة اسمها «حسنية عبدالرحيم» ــ 70 سنة ــ دخلت مستشفي خاصاً في حي شبرا الخيمة المجاور للقاهرة للعلاج من مرض القلب وهبوط حاد في الدورة الدموية، ولكن المستشفي طردها لعدم قدرتها علي سداد رسوم العلاج، ولم تعرف أين تذهب!، فتصرفت علي النحو الذي ذكرت، ونقلت جثتها إلي مستشفي ناصر، وتولت النيابة التحقيق في الأمر، الذي انتهي بحفظ القضية.
التعليق الرسمي علي الواقعة كان بيروقراطياً ومدهشاً. إذ نقلت «البديل» علي لسان وكيل وزارة الصحة المختص قوله إنه علي المواطنين الاطلاع علي أسعار العلاج بالمستشفيات الخاصة لمعرفة مدي قدرتهم علي تحملها، وأنه في حالة عدم قدرة المريض علي سداد مصروفات علاجه، يحق للمستشفي إيقاف العلاج وإخراجه، واتخاذ الإجراءات القانونية ضده.
تحدث الوكيل باعتباره موظفاً، وليس باعتباره طبيباً أو حتي إنساناً، ذلك أنني لم ألمس في الكلام المنشور علي لسانه أي تعاطف مع حالة السيدة المسنة، التي هي في نهاية المطاف مواطنة لها علي المجتمع حق الرعاية، خصوصاً في ضعفها وشيخوختها،.وإذا كان وكيل وزارة الصحة يفكر بالطريقة التي تحدث بها، فلابد أن تكون هناك حالات أخري مماثلة عوملت بنفس الدرجة من القسوة، وواجهت ذات المصير البائس، ودفن أصحابها دون أن يشعر بهم أحد، ودون أن يحرك ذلك شيئاً في الدوائر ذات الصلة.
في مواجهة هذه البلادة التي تهدر حقوق الضعفاء، نجد في موروثنا الثقافي موقفاً مضيئاً ومسئولاً يستحق أن نستحضره، فالنصوص الشرعية تحمل المجتمع مسئولية رعاية ضعفائه، وهناك عدة أحاديث نبوية تقرر ذلك صراحة حتي يقول أحدها أيما أهل عرصه «جهة أو ناحية» أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تعالي، ويقول حديث آخر! ليس المؤمن من يشبع وجاره جائع، إلي غير ذلك من الأحاديث التي قال عنها ابن حجر إنها وردت في معرض الزجر والتنفير والوعيد، لكل من ارتكب أموراً لا تخرج صاحبها من الملة، ولكنها تلحق ضرراً بخلق الله.
هذه الخلفية انطلق منها فقهاء المسلمين في تنظيرهم للمسئولية التي تفرضها إغاثة الملهوف، وكان في مقدمة هؤلاء ابن حزم صاحب «المحلي» الذي قال إن من ترك إغاثة الملهوف عمداً حتي مات فقد قتله عمداً وعليه القصاص. وذكرت الموسوعة الفقهية أن من قصر في إنقاذ حياة إنسان بأن تركه يهلك، ولم يمد له يد العون مع قدرته علي ذلك، وأدي ذلك إلي موته، فإنه آثم لا محالة، لأن المحافظة علي النفس من الضرورات الشرعية، وعند المالكية والحنابلة فإن المسئول عن ذلك التقصير تجب عليه الدية، أما فقهاء الشافعية والحنفية فإنهم يقرون بوقوعه في الإثم، لكنهم لا يؤيدون إلزامه بدفع الدية» لأن ذلك المسئول لم يهلكه بنفسه، وإنما تسبب تقاعسه في إحداث تلك النتيجة.
يعتبر الفقهاء عدم إغاثة المريض أو الملهوف التي تؤدي إلي وفاته، بأنه من قبيل «القتل بالترك»، الذي يقترب من القتل العمد، لأن التارك فعل ذلك برغبته وإرادته وليس بخطأ من جانبه، وهذا التكييف يفتح الباب لمعاقبة الطرف المسئول عن عملية القتل إما بالقصاص أو بدفع التعويض المالي، وهي الحالة التي تنطبق علي قصة السيدة «حسنية عبدالرحيم» التي طردوها من المستشفي، وهم يعلمون خطورة حالتها، وحين تركوها علي باب المستشفي فإنهم وفروا أركان جريمة القتل بالترك، ولكن الفقراء والضعفاء في بلادنا لا صاحب لهم، وبكائين عليهم

23 مايو، 2008

قولان في مسألة التعذيب

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 16 جمادى الأولى 1429 - 21 مايو 2008

قولان في مسألة التعذيب - فهمي هويدي

اهتمام شيخ الأزهر بالدفاع عن حقوق الحيوان أمر مقدر لا ريب، والآراء التي عبر عنها في هذا الصدد ونشرت بعض الصحف خلاصتها مؤخراً، تعبر عن رؤية إسلامية صحيحة، ذلك أن الأدلة الشرعية التي ساقها لتأكيد ضرورة الرحمة بالحيوان في كل شيء، في محلها تماماً، ولا يستطيع أحد أن يردها أو يشكك فيها، ولأن الرجل كان مهتماً بالموضوع، فإنه أصدر فيه يوم 24 أبريل الماضي فتوي تتعلق بالرأي الشرعي في ضرورة رعاية الحيوان أثناء نقله، وأخري عالجت مسألة ذبحه والضوابط الشرعية المقررة لذلك، في الأولي قال إن الرحمة بالحيوانات تستوجب وضع شروط لازمة لنقلها من مكان إلي آخر لضمان سلامتها ومنع تعذيبها أو تهديد حياتها أو إصابتها بالأمراض المعدية، في الفتوي الثانية قال الإمام الأكبر إن هناك معايير مشددة للذبح، تدعو إلي ضرورة العناية بوسيلة الذبح، حتي لا يتألم الحيوان، وهو ما دعا إليه الحديث النبوي القائل: «إن الله كتب الإحسان في كل شيء، فاذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته «يسن السكين جيداً»، وليرح ذبيحته»، وهذه الرؤية هي التي جعلت الإمام علي بن أبي طالب ينهي عن ذبح الخراف أمام بعضها البعض، حتي لا يتأذي شعور الحيوان، وخلص شيخ الأزهر من ذلك إلي أن «كل عمل ينافي الرفق بالحيوان أو التعامل معه بما لا يناسب الرحمة به عند ذبحه، يعد عملاً آثماً محرماً شرعاً».
فهمت من الكلام المنشور أن الجمعية المصرية لأصدقاء الحيوان كانت قد تقدمت بطلب إلي شيخ الأزهر لإصدار فتوي تبين الموقف الشرعي من عملية تعذيب الحيوانات أثناء نقلها وذبحها وجاءت استجابة الدكتور محمد سيد طنطاوي علي النحو الذي سبقت الإشارة إليه، وهو ما رحب به المسئولون عن الجمعية ومسئولو الحجر البيطري، وقالوا إن فتوي شيخ الأزهر تستدعي وضع شروط جديدة لاستيراد الحيوانات من الخارج، خاصة السودان واستراليا، لتتفق معايير نقلها مع مقتضي الشريعة الإسلامية وتعليمات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية، قالوا أيضاً إنه تم التنبيه علي جميع مستوردي الحيوانات بضرورة نقلها علي مراحل لتجنب تعذيبها، بحيث تتم كل مرحلة عقب صلاة العصر في حالة النقل بالسيارات، لتجنب تأثير ارتفاع درجة الحرارة علي صحة الحيوانات المنقولة.

أعجبني الكلام حتي قلت: لماذا لا نوسع الدائرة ونطبق هذه الضوابط والمعايير علي البشر في مصر أيضاً، قياساً علي الحكم الشرعي المتعلق بالحيوانات، وباعتبار أن الفئتين تشتركان في كونهما من مخلوقات الله التي لها حق الرعاية والكرامة؟ وهو ما دفعني إلي طرح السؤال التالي: لماذا لا تصدر فتوي لشيخ الأزهر تدعو إلي عدم تعذيبهم، وتعتبر اللجوء في ذلك إلي الأساليب التي نعرفها في أقسام الشرطة والسجون المختلفة اثماً محرماً شرعاً، يحاسب المرء عليه يوم القيامة، كما تدعو إلي الرفق بالناس أثناء تفتيش بيوتهم وخلال استجوابهم، وأثناء احتجازهم في أقسام الشرطة، وفي غيرها من السجون والمعتقلات؟، تمنيت أيضاً أن يتساوي الناس مع الحيوانات التي اهتم بها شيخ الأزهر في مطالبته جهاز أمن الدولة بالرفق بالمحتجزين «المرضي منهم والأصحاء» أثناء نقلهم من السجن إلي المحاكم والعكس، خصوصاً أن بعضهم أصيب بالاختناق أثناء النقل، ومنهم من فقد حياته نتيجة لذلك «قصة المهندس السكندري أكرم الزهيري لا تنسي في هذا الصدد».

حين فكرت في الأمر وجدت أن منظمات حقوق الإنسان في مصر تستطيع أن تقدم طلباً إلي شيخ الأزهر، مماثلاً لذلك الذي قدمته الجمعية المصرية لأصدقاء الحيوان، وبالتالي فلن تكون هناك مشكلة في الإجراءات، لكن الأمر ليس سهلاً كما يبدو لأول وهلة، لأن شيخ الأزهر يمكن أن يأخذ راحته في الدفاع عن حقوق الحيوانات، لكنه سيجد حرجاً في الإجابة عن الأسئلة الخاصة بحقوق البني آدمين، لأن المسألة في هذه الحالة سيكون فيها قولان، ولأمن الدولة القول الفصل في الموضوع!


http://www.dostor.org/?q=node/2653

21 مايو، 2008

عدم نشر مقال فى صحيفة الشرق الاوسط

نعتذر عن عدم تقديم مقال الاستاذ فهمي هويدي الاسبوعى فى صحيفه الشرق الاوسط الدوليه المفترض نشره اليوم لأن الصحيفه لم تنشر المقال اليوم وجار محاولة معرفه السبب والوصول للمقال

20 مايو، 2008

المشكلة في القرار السياسي

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 15 جمادي الاولى 1429 – 20 مايو 2008
المشكلة في القرار السياسي
فهمي هويدي

حين فتحت مصر معبر رفح لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع الماضي ثم أغلقته بعد ذلك، هل كانت تسعي إلي حل مشكلة المحاصرين، أم إلي التخفيف من معاناة المرضي، أم إنها أرادت أن تبيض من وجهها وتحسن من صورتها؟.

لست أشك في أن مصر غير مرتاحة للحصار المفروض علي غزة، الذي يدخل الآن شهره العاشر، كما أن أحدًا لا يختلف علي أن عدم الارتياح مبعثه ليس فقط أن مصر صاحبة الدور التاريخي في العمل من أجل القضية الفلسطينية «منذ عام 1948»، وجدت نفسها شريكة في حصار مليون ونصف مليون فلسطيني وواقفة في المجري الإسرائيلي الساعي إلي تركيع الفلسطينيين وتجويعهم.

ونحن نقلب الإجابة عن السؤال سنجد أنفسنا مضطرين لاستبعاد الاحتمال الأول لسبب وحيد هو أن مصر فتحت معبر رفح لمدة محددة، ثم أغلقته بعد ذلك، ليعود الحصار إلي الحالة التي فرضتها إسرائيل وإذا انتقلنا إلي الاحتمال الثاني، سنجد أن عدد المرضي الذين عبروا إلي مصر خلال الأيام الثلاثة لم يتجاوز 1377 شخصًا، حسب الإحصاء الرسمي.

وحسب بيانات اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، فإن عدد المرضي الفلسطينيين الراغبين في العلاج خارج القطاع يقدر بأكثر من 4500 شخص، الأمر الذي يعني أن الذين خرجوا إذا افترضنا أنهم جميعًا من المرضي، يمثلون أقل من ثلث الحالات الحرجة التي لا تجد لها علاجًا في القطاع، وإذا وضعنا في الاعتبار أن هناك مرضي يحتاجون إلي علاج منتظم لا يتوفر في غزة، مثل مرضي الفشل الكلوي الذي يحتاج الواحد منهم لغسيل كلي 3 مرات أسبوعيًا، وأن 140 صنفًا من الأدوية غير متوفرة في القطاع، وأن أغلب أجهزة المستشفيات معطلة، وكل سيارات الإسعاف لا تعمل بسبب النقص في الوقود، إذا أدركنا هذه الجوانب المختلفة من الصورة فسنجد أن الأشخاص الذين عبروا خلال الأيام الثلاثة يمثلون جزءًا صغيرًا للغاية من الكارثة الإنسانية التي تواجهها غزة، علمًا بأن للكارثة أوجهًا أخري تتمثل في الشلل الذي أصاب أوجه الحياة الأخري، من التعليم إلي التجارة والزراعة، مرورًا بالمرافق العامة.

صحيح أن عبور 1377 شخصًا وحل مشكلاتهم بصورة نسبية يظل أفضل من لا شيء، لكننا حين نتحدث عن الموقف المصري فلا ينبغي أن نقارنه باللاشيء، لأن هذا هو الموقف الإسرائيلي بالضبط، بل إنني استحي أن أقول إن السياسة الإسرائيلية لا تمانع أيضًا في تزويد الفلسطينيين المحاصرين بالحد الأدني من الاحتياجات الذي يسمح لهم بمجرد البقاء علي قيد الحياة، ولا يسمح لهم بالنمو، بحيث يتجهون حثيثًا نحو الموت البطيء، وذلك أوضح ما يكون في مسألة احتياجات القطاع من الوقود، وانقطاع التيار الكهربائي لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع الماضي لهذا السبب يشهد بما أقول.

الخلاصة أن فتح المعبر لمدة ثلاثة أيام ربما أدي إلي حل مشكلة بعض المرضي والعالقين، لكنه ظل خطوة دون الحد الأدني المطلوب لتخفيف معاناة أهل القطاع، وأبقي علي المليون ونصف المليون فلسطيني خاضعين للعقاب الإسرائيلي الجماعي في سجنهم الكبير.

يسوغ لنا ما سبق أن نقول إن القرار المصري بفتح المعبر حقق هدفًا إنسانيًا محدودًا، لكنه لم يكن أكثر من محاولة لتحسين الصورة ورفع العتب، ولا أستبعد أن يكون القرار قد صدر تعبيرًا عن حسن النية لترطيب أجواء المسعي المصري للتهدئة مع إسرائيل.

المدهش في الأمر أن مصر أغلقت المعبر، وواصلت حصار الفلسطينيين، رغم أنها من الناحية القانونية ليست مضطرة إلي ذلك، فهي لم تكن طرفًا في اتفاق المعابر الموقع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ثم إن ذلك الاتفاق كانت مدته سنة وانتهت، ناهيك عن أن القانون الدولي الإنساني يفرض علي الدولة الجارة أن تسمح بمرور مواد الإعاشة والإغاثة إلي جيرانها المحاصرين. علمًا بأن إعلان المحكمة الجنائية الدولية يعتبر الحصار من أشكال الإبادة، ومنع إغاثة المحاصرين جريمة حرب.

باتفاق أساتذة القانون الدولي وخبرائه فإن مصر لا تتحمل أي مسئولية قانونية إن فتحت المعبر أمام الفلسطينيين، ولكن المشكلة في القرار السياسي الذي يبدو أنه لا يمانع في استمرار الحصار حتي إشعار آخر علي الأقل.

محـاولة لفهم ما جري فـي بيروت

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 15 جمادي الأول 1429 – 20 مايو 2008
محـاولة لفهم ما جري فـي بيروت – فهمي هويدي

ما حدث علي الأرض في بيروت أمر سييء لا ريب‏,‏ لكن الأسوأ منه هو المعالجة العربية له‏,‏ علي الصعيدين السياسي والإعلامي‏.‏

‏(1)‏قبل خمسة أشهر كنت في بيروت‏,‏ ووجدت أن خبر الصدام المسلح علي كل لسان وشواهده بادية لكل ذي عينين‏.‏ إذ لم يكن سرا أن بعض الميليشيات المسلحة التي خاضت حرب الثمانينيات مازالت تحتفظ بسلاحها‏(‏ القوات اللبنانية مثلا بقيادة سمير جعجع‏).‏ كما لم يكن سرا أن بعض القوي المستجدة حشدت ما استطاعت أن تجمعه من عناصر موالية‏,‏ وأوفدتهم إلي اثنتين من الدول‏'‏ العربية المعتدلة‏'(‏ ذكرتا بالاسم‏),‏ حيث تم تدريبهم علي السلاح‏,‏ وعاد هؤلاء إلي بيروت لكي يشكلوا ميليشيا جديدة‏,‏ تم تزويدها بما تحتاجه من عتاد وذخيرة‏(‏ كما حدث مع تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري‏).‏

وكان ذلك جزءا يسيرا من عملية التعبئة التي شهدتها العاصمة اللبنانية‏,‏ والتي كانت لها مظاهر أخري تمثلت في تعزيز كل طرف لمواقعه‏,‏ وتشديد إجراءات حماية الأبنية التابعة له‏,‏ وانتشار شركات الحراسة الخاصة‏,‏ وارتفاع أسعار السيارات المصفحة الواقية من الرصاص‏..‏الخ‏.‏ بالتالي فإن السؤال الذي كان يشغل الجميع لم يكن هل ينفجر الصدام المسلح أم لا‏,‏ ولكنه كان منصبا علي موعد ذلك الانفجار وتوقيته‏.‏ وحين صرح مساعد وزير الخارجية الأمريكية ديفيد وولش بأن لبنان ينتظره صيف ساخن‏,‏ فإن كثيرين توجسوا شرا وتوقعوا أن تكون الإشارة منذرة بوقوع الأسوأ مع حلول الصيف‏.‏

لم يكن الانقسام جديدا علي الحالة اللبنانية‏,‏ التي هي نموذج لبلد الطوائف بامتياز‏.‏ إذ الطائفة هي الأصل وليس المواطن‏.‏ وحظوظ كل طائفة وحدودها واضحة في الدستور والقانون‏.‏ وهي صيغة توافق عليها الجميع وارتضوها‏,‏ بعدما تم تثبيتها في اتفاق الطائف الذي تم توقيعه عام‏1989,‏ حين تم إسدال الستار علي مشهد الحرب الأهلية التي استمرت أربعة عشر عاما‏.‏ لكن الانقسام هذه المرة كان أكثر تعقيدا وأشد عمقا‏.‏ لان شكل الصراع اختلف‏,‏ أما موضوعه فقد غدا أشد اختلافا وأخطر‏.‏

‏(2)‏لا أحبذ استخدام مصطلحي الأكثرية النيابية والأقلية في توصيف طرفي الصراع‏,‏ لأن التعبير غير دقيق ويكاد يكون مضللا‏.‏ وأفضل عناوين من قبيل قوي الموالاة والمعارضة‏,‏ أو‏14‏ آذار والثامن منه‏.‏ ذلك أن الأكثرية المفترضة في مجلس النواب والتي يقودها النائب سعد الحريري‏,‏ لم تحقق أغلبيتها في انتخابات عام‏2005‏ إلا بأصوات‏'‏ التحالف الرباعي‏'‏ الذي ضم حينذاك حزب الله وأمل والحزب التقدمي‏(‏ جنبلاط‏)‏ و تيار المستقبل‏(‏ الحريري‏),‏ وبفضل أصوات حزب الله وأمل حصل الآخرون علي‏11‏ مقعدا في دائرة بعبدا‏-‏ عاليه ثم انقلبوا علي حلفائهم بعد ذلك‏,‏ مما عزز من موقف‏'‏ الاكثرية‏'‏ في البرلمان‏.‏

في الوقت الراهن فإن قوي الموالاة المساندة للحكومة تضم الأطراف التالية‏:‏ تيار المستقبل‏(‏ سنة‏-‏ الحريري‏),‏ الحزب التقدمي الاشتراكي‏(‏ دروز‏-‏ جنبلاط‏),‏ القوات اللبنانية‏(‏ موارنة‏-‏ جعجع‏),‏ حزب الكتائب‏(‏ موارنة‏-‏ أمين الجميل‏),‏ أما قوي المعارضة فتضم كلا من حزب الله‏(‏ شيعة‏-‏ نصرالله‏),‏ تكتل التغيير والإصلاح‏(‏ موارنة‏-‏ عون‏),‏ حركة أمل‏(‏ شيعة‏-‏ بري‏),‏ فريق درزي آخر يقوده طلال أرسلان ووئام وهاب‏,‏ جبهة العمل الإسلامي‏(‏ سنة‏-‏ فتحي يكن‏),‏ اللقاء الوطني‏(‏ سنة‏-‏ عمر كرامي‏),‏ الحزبان القومي السوري والشيوعي وهما يضمان خليطا من السنة والشيعة و المسيحيين‏.‏

كما رأيت فإن الصراع ليس بين مسلمين ومسيحيين ولا بين سنة وشيعة‏,‏ ولكن كل معسكر يضم مختلف ألوان الطيف اللبناني‏,‏ من شيعة وسنة ودروز وموارنة‏,‏ إلا أن ذلك ليس كل ما في الأمر‏,‏ لأن الصورة لا تكتمل إلا إذا وقفنا علي طبيعة القوي الخارجية التي تدعم كل جانب‏,‏ لأن لبنان كان ولا يزال ساحة تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية‏,‏ الإقليمية والدولية‏,‏ وهو أمر ليس فيه سر‏,‏ لأنك حين تقرأ صحف الصباح تستطيع أن تعرف علي الفور من يساند من في لبنان‏.‏ ومن الأخبار والتصريحات المعلنة ستعرف أن فريق الموالاة وحكومة السنيورة التي تمثله مؤيدة من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل وبعض الدول العربية‏,‏ أما فريق المعارضة فلا يؤيده من الناحية الرسمية سوي سوريا وإيران والمقاومة الفلسطينية ممثلة في حماس والجهاد والجبهة الشعبية‏.‏

هذه التحالفات تسلط ضوءا قويا علي موضوع الصراع وجوهره الذي محوره سلاح حزب الله‏,‏ الذي استطاع أن يصد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سنة‏2006,‏ وأن يلحق بها هزيمة لا يزال القادة الإسرائيليون يلعقون جراحها حتي الآن‏.‏ صحيح أن مطلب نزع سلاح الحزب ظل مثارا في لبنان‏,‏ منذ أثبت حضوره في عام‏2000,‏ حين نجح في تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي‏,‏ إلا أنه أصبح أشد إلحاحا في أعقاب الهزيمة الإسرائيلية التي تحققت في صيف عام‏.2006‏ إذ كان مطلوبا أمريكيا وإسرائيليا التخلص من ذلك السلاح لتحقيق أهداف عدة‏,‏ من بينها تطويع لبنان وإلحاقه بقطار التطبيع ومربع الاعتدال‏,‏ وإضعاف الموقف السوري الممانع وإحكام الحصار حوله‏.‏ بل إن نزع ذلك السلاح أصبح شرطا لتوجيه الضربة العسكرية الأمريكية المفترضة لإيران‏,‏ لأن هذه المغامرة تبدو خطرة ومكلفة طالما ظل حزب الله يمتلك صواريخ قادرة علي الوصول إلي العمق الإسرائيلي‏.‏ وكان السيد حسن نصرالله قد تحدث علنا عن تلك الصواريخ في إحدي خطبه‏.‏

ثمة لغط كثير وذرائع عدة تستدعي في سياق التجاذب بين الفريقين‏,‏ ولكن يظل سلاح حزب الله هو المحرك الكامن وراء كل المماحكات والتجاذبات‏,‏ التي تتحدث عن قانون الانتخابات وتوزيع الدوائر والحصص في الحكومة‏,‏ وعدم انتخاب رئيس الجمهورية‏.‏ وللعلم فإن رئيس الجمهورية السابق إميل لحود تمت مقاطعته من جانب قوي الموالاة لمدة سنتين‏,‏ ولم يثر ذلك حفيظة أحد من الذين ما برحوا يصرخون ويندبون حظ لبنان مؤخرا بسبب خلو مقعد رئيس الجمهورية‏.‏

‏(3)‏طال أمد الشقاق بين فريقي الموالاة والمعارضة لأن النظام اللبناني قائم علي قاعدة التوافق أو التراضي بين الجماعات السياسية والطوائف المختلفة‏,‏ بصرف النظر عن حجم تلك الطوائف وما إذا كانت أغلبية أم أقلية‏.‏ بالتالي فإن خروج أي طائفة من اللعبة يؤدي مباشرة إلي إيقاف حركتها وتعطيل القرار السياسي‏.‏ وخلال العام الأخير الذي كان الشحن السياسي فيه مستمرا‏,‏ حرص الجميع علي تسكين الوضع وتجنب تفجيره بما يعيد إلي الأذهان سنوات الحرب الأهلية البائسة‏.‏

ليست معروفة علي وجه الدقة ملابسات التصعيد المفاجئ من جانب فريق الموالاة‏,‏ الذي مهد له السيد وليد جنبلاط حين تحدث فجأة عن شبكة اتصالات لحزب الله أمرها معروف للدولة اللبنانية منذ عشرين عاما‏,‏ وقال إن الشبكة تعد اعتداء علي سيادة لبنان‏,‏ وبعد كلامه قرر مجلس الوزراء فتح تحقيق في الموضوع‏,‏ وإقالة مدير أمن المطار العميد وفيق شقير‏,‏ لأن الشبكة كان لها امتدادها في المطار‏,‏ وهو ما اعتبرته المعارضة افتعالا لأزمة ومحاولة لكسر العظم تمهيدا لحسم الموقف المعلق‏,‏ خصوصا أن الاتفاق كان منعقدا علي ألا تجري الحكومة تغييرا في الوظائف الرئيسية في هيكل النظام إلا بعد تسوية الملفات العالقة بين الطرفين‏,‏ وقد وصف السيد حسن نصرالله القرارين بأنهما بمثابة إعلان حرب علي المعارضة وليس حزب الله فقط‏.‏ وهو ذات المعني الذي عبر عنه النائب نبيل نقولا عضو تكتل التغيير والإصلاح الذي يتزعمه العماد ميشال عون‏.‏

لان التصعيد كان مفاجئا‏,‏ و في الوقت ذاته اقترن بتحركات عسكرية امريكية مريبة ليست بعيدة عن الساحل اللبناني‏,‏ فان ذلك اثار شكوك قوي المعارضة‏,‏ مما دفع حزب الله الي توجيه ضربة استباقية تجهض احتمال استدراج المعارضة الي مواجهة تمهد للانقضاض عليها تحقيقا للهدف الذي تسعي اليه مختلف الدوائر المتربصة في المعسكر الاخر‏.‏ فجاء الرد علي مستويين‏,‏ فمن ناحية طالبت المعارضة الحكومة بالعدول عن قراريها‏,‏ و في الوقت ذاته قامت قوات الحزب بالاستيلاء علي مقار تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط‏,‏ وتم تسليم هذه المقار إلي الجيش‏.‏ وبطبيعة الحال فقد تخللت العملية مواجهات مؤسفة واشتباكات أدت إلي سقوط أعداد من القتلي والجرحي‏,‏ وكان لهذه الاشتباكات صداها في بعض المدن اللبنانية‏,‏ التي استنفرت فيها مجموعات أخري مثل الحزب القومي السوري‏,‏ واتخذت الاشتباكات منحي طائفيا في بعض الأحيان‏,‏ علي النحو الذي تناقلته التقارير الصحفية ووسائل الإعلام المختلفة‏.‏

‏(4)‏كان مثيرا للانتباه أن الصراع الدائر علي الأرض كان له صداه المباشر والقوي في وسائل الإعلام العربية‏.‏ ورغم أن الجميع أقر بخطأ التصعيد الذي تورطت فيه الحكومة‏,‏ حتي طالبتها قيادة الجيش بإلغاء قراريها اللذين تعلقا بشبكة الاتصالات وعزل قائد أمن المطار‏,‏ وهو ما تمت الاستجابة له في نهاية المطاف‏,‏ الأمر الذي من شأنه تسكين الموقف‏,‏ إلا أن الحرب الإعلامية استمرت بغير هوادة‏.‏ تجلي ذلك في ثلاثة أمور‏:‏ أولها وأخطرها أن الصراع أريد له أن يتحول إلي اشتباك بين الشيعة والسنة‏,‏ بحيث يصبح الصراع السياسي في بدئه ومنتهاه صراعا طائفيا‏,‏ يصرف الانتباه عن القضية الأساسية المتمثلة في نزع سلاح حزب الله وتصفية المقاومة‏.‏ الأمر الثاني أن بعض الأبواق الإعلامية تحدثت عن‏'‏ انقلاب‏'‏ قام به حزب الله‏.‏

وكان ذلك أمرا مدهشا لأن تحرك الحزب لم يكن ضد السلطة التي احتفظت بشرعيتها كما هي‏,‏ وإنما كل ما قام به أنه اضطر بعد التصعيد إلي اجهاض ما يدبر ضده من خلال الاستيلاء علي مقار حزبي الحريري وجنبلاط‏.‏ ولا بد ان نلاحظ انه لم يبق في تلك المقار‏,‏ وإنما سلمها إلي قيادة الجيش‏.‏ الأمر الثالث أن الأبواق ذاتها تحدثت عن تمدد إيراني في لبنان‏,‏

غمزا في دعم إيران لحزب الله الذي هو معلن وليس فيه سر‏.‏ كما أن أهدافه واضحة للعيان‏,‏ في حين لم تشر تلك الأبواق إلي القوي التي تساند الطرف الآخر وتدفعه إلي تحدي حزب الله ومحاولة تصفيته‏,‏ وسكتت تماما علي مقاصد تلك القوي والمخططات التي ترمي إليها‏.‏ ولكن التصريحات المتتالية المؤيدة للحكومة التي صدرت من واشنطن وباريس وتل أبيب محاولة إقناعنا بأنها واقفة مع السنة ضد الشيعة في لبنان‏,‏ كشفت المستور وأزالت الالتباس في الموضوع‏.‏

ربما استطاع لقاء الدوحة الذي دعي اليه الفرقاء اللبنانيون ان يحل بعض المشاكل العالقة‏,‏ لكنني ازعم ان ملف الصراع سيظل مفتوحا طالما بقي حزب الله محتفظا بسلاحه و ظل ذلك السلاح شوكة في خاصرة اسرائيل‏.‏ و لا استبعد و الامر كذلك ان يطول امد الصيف الساخن بحيث يعقبه شتاء ساخن ايضا‏.‏ و ذلك ظن ارجو ان تكذبه الاسابيع القادمة‏

19 مايو، 2008

لكي يحترمنا الآخرون

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 14 جمادي الأولى 1429 – 19 مايو 2008
لكي يحترمنا الآخرون - فهمي هويدي


واضح أن مصر الرسمية ممتعضة من الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش أمام الكنيست الإسرائيلي والذي عبر فيه عن تمجيده المفرط لإسرائيل وازدرائه المفرط بالفلسطينيين والعرب بوجه عام، صحيح أن الرجل استقبل بعد ذلك بحفاوة في شرم الشيخ، وكأن شيئًا لم يكن، بالتالي لم تصدر عن أي مسئول رسمي أي إشارة يفهم منها الاستياء أو العتاب، أو حتي التحفظ علي ما قاله، إلا أن الصحف القومية قامت بالواجب وانتقدت خطابه الذي اعتبرته جارحًا للمشاعر العربية ومهينًا لها، وحين تصدر مثل هذه الانتقادات عن رؤساء تحرير الصحف الثلاثه في نفس الوقت فإن ذلك لا ينبغي أن يفسر بحسبانه مصادفة سعيدة توافق فيها هؤلاء الزملاء علي الدفاع عن الكبرياء الوطني والقومي، بل هو في حقيقة الأمر رسالة موجهة من الجهات العليا قامت الصحف القومية بحملها وتوصيلها.

من جانبي فإنني لم أفاجأ بما قاله بوش، وملاحظتي الوحيدة علي كلامه أنه كان حريصًا أكثر من اللازم إذ فتح قلبه ولم يخف مشاعره الحقيقية عن سامعيه، فالذين تعلق بهم حتي ملأوا عليه جوانحه اعتبرهم من أعظم شعوب العالم وأعظم الديمقراطيات علي وجه الأرض، والذين سقطوا من عينيه ولم يكن لهم أي احترام استخف بهم وندد ببعضهم، وهذا موقف ليس جديدًا ثم إنه في حقيقة الأمر معذور فيما عبر به وإن شئت مزيدًا للإيضاح فإنني أقول إنه خاطب الأنداد بما يستحقون، وخاطب الأتباع بما يستحقون، وهذه حقيقة مؤلمة لا ريب، لكن يجب الاعتراف بها، إذا سألتني لماذا، فسأشرح لك وجهة نظري علي النحو التالي:

دعك أولاً من ضغوط وتأثيرات المحافظين الجدد الذين يدافعون عن إسرائيل ويبررون جرائمها، بأكثر مما يفعل بعض الإسرائيليين أنفسهم، وخذ نموذج تعامل الإسرائيليين والعرب مع الرجل وإدارته، فحين أطلقت إدارته مبادرة خريطة الطريق فإن أصدقاءه العرب تعلقوا بها علي الفور، حتي أصبح إعلان الالتزام بها جزءًا لا يتجزأ من توصيات وقرارات أي اجتماع عربي، واحتل المصطلح مكانة خاصة في قاموس الخطاب العربي الرسمي، حتي بدأت أشك في أن أولئك المسئولين العرب حين يختلون بزوجاتهم، فإنهم يبدأون كلامهم بإعلان التمسك بخريطة الطريق، أما الإسرائيليون فإنهم فعلوا شيئًا آخر إذ ذهب شارون ــ رئيس الوزراء آنذاك ــ إلي واشنطن، ووضع أمام بوش 14 تحفظًا نسفت الخريطة وفرغتها من مضمونها، ثم وظفتها لصالح المخططات الإسرائيلية، وقال بعد ذلك إنه موافق تمامًا علي الخريطة المذكورة، طالما وضعت التحفظات في الاعتبار، وانتزع من بوش تأييدًا لموقفه ومباركة لكل ما تريده إسرائيل.

خذ أيضًا موقف الزعماء العرب من التوجيهات الأمريكية، فحين دعت واشنطن إلي عقد مؤتمر «أنابوليس» ليلتقي فيه كل العرب مع الإسرائيليين، فإن الجميع هرولوا إلي اللقاء، ولم تتخلف دولة عربية واحدة، وحين دعت الإدارة الأمريكية الزعماء العرب إلي «التريث» في حضور مؤتمر القمة في دمشق، فإن رؤساء أهم الدول العربية استجابوا للنداء وقاطعوا المؤتمر.

لدي الكثير مما يقال في المقارنة بين الموقفين العربي والإسرائيلي، سواء في كيفية التعامل مع الإدارة الأمريكية أو في سمعة الطرفين في مجالات الحريات العامة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وذلك أن أحدًا لا يختلف علي أن سمعة الأنظمة العربية في الحضيض، في حين أن إسرائيل نجحت في صرف الانتباه عن جرائمها بحق العرب علي تلك الأصعدة، وأن تبهر الآخرين بممارستها الأخري.

بطبيعة الحال، ليس عندي أي دفاع عما قاله الرئيس بوش، لكننا ينبغي ألا نلومه وحده، لأنك إذا أردت أن يحترمك الآخرون فلابد أن تكون أولاً جديرًا بالاحترام

http://www.dostor.org/?q=node/2323

18 مايو، 2008

استقالة الشقيقة الكبري

صحيفة الدستور المصريه الأحد 13 جمادي الأولى 1429هـ 18 مايو 2008
استقالة الشقيقة الكبري - فهمي هويدي

غابت مصر «الشقيقة الكبري» عن المشهد اللبناني، فتولي رئيس الوزراء القطري رئاسة وفد الجامعة العربية الذي سافر إلي بيروت لمحاولة رأب الصدع وجمع كلمة الفرقاء المتصارعين.

وحين دعي هؤلاء إلي إجراء حوار للمصالحة بينهم، فإنهم دعوا إلي الدوحة، ولم يدعوا إلي القاهرة «عاصمة العرب وأم الدنيا» وفي الصراع الحاصل في اليمن الذي تخوضه السلطة ضد «الحوثيين» في شمال البلاد، فإن الذي قام بالوساطة هو دولة قطر وليست «الشقيقة الكبري»، وحين جرت محاولة للوساطة بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية، فإن السعودية هي التي بادرت إلي جمعهما حيث عقد ما سمي باتفاق مكة ، وكما أخلت الشقيقة الكبري والدولة الرائدة موقعها لصالح غيرها في هذه الساحات، فإنها غابت عن السودان واستقالت من دورها التاريخي هناك، الأمر الذي أثار دهشة القادة السودانيين وحيرتهم، حتي أصبحوا يشكون من ذلك الغياب المصري عن مساحة معرضة للتمزيق والتهديد، في حين أنها تعد من صميم الأمن القومي لمصر، حدث ذلك أيضًا في مؤتمر القمة العربي الذي عقد مؤخرًا في دمشق الذي غابت عنه مصر أيضًا، رغم أنها مثلت بأحد الوزراء غير المهمين.

لقد لاحظت أن مصر لم تكتف بالخروج من المشهد اللبناني، وإنما لم تمثل أيضًا في وفد الجامعة العربية الذي سافر إلي بيروت، بل إنني سمعت من بعض الدبلوماسيين المصريين في الخارج أنهم يتلقون أحيانًا توجيهات متضاربة من القاهرة بخصوص القضايا العربية المثارة، الأمر الذي يشيع البلبلة و الحيرة بينهم وهو أمر غير مألوف في الدبلوماسية المصرية.

وإذا قال قائل إن مصر تحركت أكثر من مرة لجمع الفصائل الفلسطينية،سواء التي عقدت اتفاق القاهرة، أو تلك التي شاركت في مشروع التهدئة المطروح في الوقت الراهن، فإن هذه المقولة تصح إذا اكتفينا بالمظاهرة وقراءة الأخبار المنشورة في الصحف، لكن الذين شاركوا في هذه اللقاءات يقدمون صورة مختلفة لمضمونها، ذلك أنني سمعت من أكثر من واحد منهم أن جميع الدعوات التي وجهت إلي الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة كان يطرح خلالها موضوع واحد هو وقف العمليات المسلحة ضد إسرائيل «التهدئة بلغة المرحلة» وهو العنوان الذي أضيف إليه بعد ذلك بند آخر هو إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المختطف «جلعاد شاليط».

يحدث ذلك في الوقت الذي شاركت فيه مصر في إحكام الحصار حول الفلسطينيين في غزة، ولم تخف غضبها حين اضطر الفلسطينيون إلي اقتحام الحدود لتوفير احتياجاتهم من الأراضي المصرية.

أكثر من ذلك هناك لغط مثار في الأوساط الدبلوماسية حول دور قامت به مصر في نصرة فريق ضد آخر في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، وهو ما أثار استياء نفر من الناشطين العرب الذين حين يئسوا من أن تقوم مصر بدور إيجابي في الساحة العربية، فإنهم أصبحوا يتمنون حيادها، ويعتبرون ذلك أضعف الإيمان من جانبها.

ما الذي حدث لمصر؟ -قلت إنها استقالت من موقع الشقيقة الكبري- ليس فقط لأن الأشقاء الصغار كبروا، ولكن أيضًا لأنها آثرت الانكفاء علي الذات، مسوغة ذلك بشعار «مصر أولاً»، الذي كان يعني أن ترفع مصر يدها عن كل شيء حولها، حتي بما يتصل بأمنها القومي ، وهذا يفسر جزءًا مما يجري، لأن هناك جانبًا آخر مسكوت عنه، هو أن مصر التي أعلنت قيادتها يومًا ما أن 99% من الأوراق أصبحت في يد واشنطن، مازالت ملتزمة بهذه المقولة حتي الآن.. وبالتالي فإن سياستها أصبحت أكثر ارتباطًا بالحسابات الدولية ومشروعات الدول الكبري، وهو ما أدي تلقائيًا إلي انسحابها بشكل تدريجي من الساحة العربية ومن مسئوليات الشقيقة الكبري، وترتب علي ذلك أنها أصبحت طرفًا في النزاعات العربية القائمة، وليست حكمًا بين المشاركين فيها، وهو أمر نفهمه ويفسر لنا ظواهر كثيرة، لكن الذي يستغربه المرء أن تتحدث أبواقنا الإعلامية رغم كل ذلك ليس فقط عن «دور» لمصر وإنما «رائد» أيضًا، وذلك دال علي أننا لم نتخلص بعد من روح السخرية والهزار، حتي في المسائل المصيرية وشديدة الجدية.

السيرة الذاتيه للأستاذ الكبير فهمي هويدي

فهمي هويدي كاتب ومفكر إسلامي مصري، ويعد من أبرز المفكرين الإسلاميين المعاصرين، من مواليد عام 1937.
بطاقة شخصية
· الاسم بالكامل: محمود فهمي عبد الرازق هويدي.
· تاريخ الميلاد :29/ 8 / 1937
· محل الميلاد: الصف – محافظة الجيزة.
· المؤهل: كلية الحقوق – جامعة القاهرة.
· المهنة: كاتب وصحفي.
حياته
تخرج من كلية الحقوق
بجامعة القاهرة عام 1960، والتحق بقسم الأبحاث في جريدة الأهرام القاهرية منذ عام 1958 حيث قضى في فيها 18 عاما تدرج خلالها في مواقع العمل إلى أن صار سكرتيراً لتحرير الجريدة. انضم منذ 1976 إلى أسرة مجلة العربي الكويتية وأصبح مديرا لتحريرها. تخصص منذ سنوات في معالجة الشؤون الإسلامية حيث شارك في أكثر ندوات ومؤتمرات الحوار الإسلامي وقام بزيارات عمل ميدانية ﻟﻤﺨتلف بلدان العالم الإسلامي في آسيا وأفريقيا وتولى التعريف بها في سلسلة استطلاعات مجلة العربي.
تأثر كثيراً بفكر الشيخ "
محمد الغزالي" رحمه الله، ويكثر الإستشهاد بفتاويه واجتهادته في كتبه، كما ينشط هويدي كعضو في الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حيث تربطه علاقة وطيدة بالشيخ الدكتور "يوسف القرضاوي" والدكتور محمد سليم العوا.
يواظب منذ سنوات على كتابة مقالته الأسبوعية بالأهرام يوم الثلاثاء وصحيفة
الشرق الأوسط يوم الأربعاء، ومؤخرا أصبحت له مقالة يومية في صحيفة الدستور المصرية، وتتعرض مقالته الأسبوعية في جريدة الأهرام إلى المنع كل عدة شهور بسبب تجاوزه للخطوط الحمراء التي تفرضها الأهواء السياسية على تلك الجريدة شبه الرسمية.
كرس معظم مجهوداته لمعالجة إشكاليات الفكر الإسلامي والعربي في واقعنا المعاصر، داعياً إلى ترشيد الخطاب الديني، ومواكبة أبجديات العصر، كما تناول كثيراً مسألة الصدام الإسلامي - العلماني، وتميزت تلك الكتابات بمحاولات جادة لتحرير الخلاف والدعوة لنبذ الغلو في الأفكار والأحكام المسبقة على الجانبين، هذا بالإضافة إلى امتلاكه مهارة لغوية قوية، وإنشاء فخيم، مما أهله بامتياز أن يكون واحداً من أبرز الكتاب العرب والمفكريين الإسلاميين المعاصرين.
ولم تمنعه غلبة الهموم الفكرية من الاهتمام بالقضايا المصرية الداخلية، حيث اعتنى كثيرا في مقالاته بقضايا الإصلاح السياسي والاجتماعي داخل مصر، بل وخصص لها عدد من كتبه، كما أولى عناية خاصة بالقضية الفلسطينية شأنه شأن معظم الكتاب العرب، وتقوم "
دار الشروق" على طباعة ونشر معظم كتبه الحديثة.
يذكر أن الأستاذ هويدي ينتمي في الأصل لعائلة إخوانية، لكنه انفصل تنظيميا عن جماعة الإخوان منذ الصغر، وتم اعتقاله أيام الرئيس الراحل
جمال عبد الناصر لمدة عامين، وكان يبلغ آن ذاك السابعه عشر من العمر، ويقول أن تلك التجربة أثرت في حياته كثيراً.
من مؤلفاته
·
حدث في أفغانستان.
·
القرآن والسلطان.
·
الإسلام في الصين.
·
إيران من الداخل - 1988.
·
أزمة الوعي الديني - 1988.
·
مواطنون لاذميون - 1990.
·
حتى لاتكون فتنة - 1992.
·
الإسلام والديمقراطية - 1993.
·
التدين المنقوص - 1994.
·
المفترون: خطاب التطرف العلماني في الميزان - 1996.
·
إحقاق الحق - 1998.
·
المقالات المحظورة - 1998.
·
مصر تريد حلا - 1998.
·
تزييف الوعي - 1999.
·
طالبان: جند الله في المعركة الغلط - 2001.
·
عن الفساد وسنينه - 2006.
·
خيولنا التي لاتصهل - 2007.

وصلات خارجية
·
أرشيف لبعض مقالاته
·
مقالات في الشرق القطرية
·
حوار معه في موقع جريدة التجديد
·
حوار معه في صحيفة المصري اليوم: مبارك ليس فلتة
·
حوار معه في جريدة العربي الناصري
·
أزمة قديمة: هويدي يوقف مقالاته للأهرام بسبب حذفها دون علمه


هذه السيره الذاتيه للأستاذ الكبير فهمي هويدي منقوله من موسوعة ويكبيديا على الرابط هنا

Delete this element to display blogger navbar