Subscribe:

Ads 468x60px

21 ديسمبر، 2008

عبدالناصر وأتاتورك

صحيفة الدستور المصريه الأحد 23 ذوالحجة 1429 – 21 ديسمبر 2008
عبدالناصر وأتاتورك – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_3565.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/756932.html

يتحدثون في اسطنبول عن كتاب جديد باسم «شاه بابا».. من تأليف أحد المؤرخين المتخصصين في التاريخ العثماني، اسمه مراد بارداتجي، واهمية الكتاب تكمن في انه يسلط اضواء جديدة على علاقة التفاهم وليس التخاصم بين مصطفى كمال اتاتورك والسلطان العثماني وحيد الدين خان، فيذكر مثلا ان لقاء سريا تم في عام 1919 بين السلطان ومصطفى كمال باشا داخل مسجد «يلذر» باسطنبول، وفيه تم الاتفاق على ان يتولى الثاني قيادة مقاومة قوات التحالف الاوروبي التي اجتاحت السلطنة، حتى اصبح نظامها مهددا بالانهيار، وفي اعقاب ذلك الاتفاق، الذي اقسم مصطفى باشا على المصحف خلاله بأن ينهض بالمهمة التي كلفه بها السلطان وحيد الدين، وحدد عناصرها في 21 نقطة، توجه الرجل الى الاناضول، وصد زحف القوات اليونانية.. ونجح في النهاية في ان يحفظ لتركيا تماسكها في مواجهة الغزاة الذين ارادوا اخضاعها وتفكيكها.

ما يهمنا في هذه الجزئية هو انها تشكل اسهاما اكاديميا في انصاف مصطفى كمال وتقديمه في صورة خالية من التحامل الشديد الذي انطلق منه البعض، او التقديس المفرط الذي لجأ اليه آخرون. ذلك ان الاولين ركزوا على سجل شروره واخطائه الجسيمة، في حين ان الآخرين رفعوه الى مصاف القديسين، ولأنه ألغى الخلافة وقاد عملية تغريب تركيا، الامر الذي استصحب اتخاذ سلسلة من الاجراءات، استهدفت إحداث قطيعة بين الاتراك ومحيطهم الاسلامي وثقافتهم واعرافهم التقليدية، فإن اصحاب الاتجاه الاسلامي لم يغفروا له ما فعله. فشنوا عليه حملة واسعة النطاق، رسمت له صورة شيطانية منفرة، تأثر بها المسلمون في كل المكان من خلال سيل الكتابات التي تعرضت للتحول الذي طرأ على تركيا، وافاضت في رصد القرارات التي صدرت والاجراءات التي اتخذت لمحاربة مظاهر التدين وتغيير الهوية التركية، عبر اقتلاعها وإلحاقها بالهوية الغربية، ولا اخفي انني كنت واحدا من هؤلاء الذين لم يروا الا وجها واحدا للرجل، ولم يتح لهم ان يروا الاوجه الاخرى، فشاركت بالتالي في التهوين من شأنه والتنديد به.

حين وصل حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الاسلامية الى السلطة في تركيا، فإن قادته تحدثوا عن مصطفى باشا مؤسس الجمهورية بلغة مختلفة، عبرت عن التصالح مع الرجل واحترامه، وهو ما اسهم في ايجاد مناخ جديد فتح الباب للتعامل مع ملفه ومواقفه من منظور مغاير اكثر توازنا.
فقد اعطيت اخطاؤه حجمها، والى جانب ذلك فإن انجازاته كبطل وطني انقذ البلد من الانهيار اخذت مكانها في ادراك شريحة واسعة من المثقفين والناشطين الاسلاميين.
ان شئت فقل انه لم يعد ذلك الشيطان الذي قلب البلاد رأساً على عقب، ولكنه استعاد انسانيته، كقائد وزعيم وطني له اخطاؤه الجسيمة وانجازاته العظيمة.

ارجح ان يكون ذلك التطور الايجابي راجعاً الى المناخ الديموقراطي، الذي تراجع في ظله بصورة نسبية التوتر بين الاسلاميين والعلمانيين. وهو المناخ ذاته الذي اوصل نفرا من ذوي الخلفية الاسلامية الى السلطة، الامر الذي فرض عليهم ان يتجاوزا حسابات ومرارات الفئة او الجماعة، وان يقدموا عليها مشروع الوطن الذي يحتوي الجميع ويظللهم.

هذا الذي حدث في تركيا ذكرني بموقف الاسلاميين في مصر والعالم العربي من عهد الرئيس جمال عبدالناصر، ذلك ان نسبة غير قليلة منهم لا ترى في تلك المرحلة سوى اشتباكه مع الإخوان المسلمين وتعذيبهم وتلفيق القضايا بحقهم، ولايزالون يحاكمون تجربته كلها من ذلك المنظور السلبي. وكانت النتيجة انهم ظلموه ميتا مثلما ظلمهم هو أحياء. اذ لم يروا في تجربته انجازات اخرى مهمة، من قبيل دفاعه عن الاستقلال الوطني ورفضه للهيمنة الاميركية وانحيازه الى الفقراء واطلاقه للنهضة الصناعية في البلد... الخ.

صحيح اننا لا نعيش الاجواء الديموقراطية التي تشهدها تركيا، ومن ثم لا يتوافر لنا المناخ الصحي لانصاف عبدالناصر كما أُنصف اتاتورك، الا ان لنا عقولنا التي ينبغي ان نستنير بها في تصويب نظرتنا الى المرحلة الناصرية، خصوصا ان الذين جاءوا بعد عبدالناصر اثاروا تعاطف الناس معه من حيث لا يحتسبون او يرغبون. ذلك ان ما فعلوه عمق من جرح الوطن، الامر الذي اصبح يفرض على كل مواطن شريف ان يسمو فوق جراحه الخاصة لكي يحتشد مع غيره لانقاذ الوطن مما يحيق به.
....................

2 التعليقات:

بلوجاتي يقول...

ما زلنا نفتح في ملفات قديمة لنضيع مزيدا من الوقت
بدلا من النظر الى الأمام !!

انا اريد ان اوضح شيئا هاما للغاية :

لو جعلنا جاموسة تمسك حكم مصر و اكرر جاموسة و ليس بني ادم , لكان لها مزاياها و لها عيوبها !!!

لكن الحك السليم على الأمور يكون كالأتي :
اذا كان للحاكم مزايا او انجازات اكثر من العيوب فهو جيد ما لم تكن هذه العيوب او المثالب كارثية !!!
اذا الحكم على عبد الناصر واضح جدا لمن يريد الأنصاف !
يكفي اكبر هزيمة حاقت بمصر منذ معركة احمد عرابي !!

في الحقيقة انا متعجب من كاتب محسوب انه اسلامي يتكلم عن انصاف اتاتورك او انصاف عبد الناصر - اكثر اثنين اضروا بالأسلام والمسلمين على مر التاريخ !!!

أحمد المصري يقول...

مقاله مهمه جدا وفيها قدر من الأتزان الجيد ومن تصحيح المسار الفكري وهو شيء غير مستغرب على المفكرين العظام كأستاذ فهمي, وأختلف مع السيد بلوجاتي

لأني أرى ان فتح الملفات القديمه مهم لنقده واخذ العبره منه وتحليله لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي, بشرط أن يكون النقاش موضوعيا!!!

فلست من محبذين مدرسه الى الأمام ياروميل, فيجب علينا بين الحين وأخر أن نتريث لنعي أخطائنا ونتعلم منها , إما ذلك أو لا مجال لنتعلم من أخطائنا.

السلام عليكم ورحمه الله

Delete this element to display blogger navbar