Subscribe:

Ads 468x60px

26 ديسمبر، 2008

العدالة في خطر

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 28 ذوالحجة 1429 – 26 ديسمبر 2008

العدالة في خطر – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_26.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/760428.html

اللعب في أدلة القضايا ليس بالأمر الهين، لأنه يشكل عدوانا صارخا على قيمة العمل، وتلك طامة كبرى ينتج عنها فساد وشرور لا حدود لهما، ذلك أن اللحظة التي يفقد فيها الناس ثقتهم في سير العدالة وضماناتها، هي ذاتها اللحظة التي يصبح فيها المجتمع على أبواب زلزال يضرب أركانه واحدا تلو الآخر، وإذ نحمد الله على أننا لم نبلغ هذه الدرجة بعد، ولكن ما ينبغي ان يفزعنا حقا هو أننا نقترب منها حينا بعد حين.

ما جرى في مذبحة بني مزار، المتهم فيها رجل لُفِّقت له القضية بمشاركة من رجال المباحث الجنائية والنيابة العامة. يثبت ذلك العبث المخيف، الذي كشفه القضاء، فبرّأ الرجل وأنقذه من إعدام محقق، على النحو الذي أشرت إليه أمس. ومنه استطردت إلى شبهات للعبث في جرائم أخرى تثير لغطا واسعا في الشارع المصري، وكانت جريمة القتل التي اتُّهم فيها ضابط شرطة، ابن لضابط كبير في الشرطة ايضا، من نماذج ذلك العبث، حيث أثبت الطب الشرعي أنه تم استخراج المقذوف الناري الذي أطلق على القتيل من جثمانه وجرى إخفاؤه لطمس دليل القتل، في حين كانت الجثة في حوزة النيابة.

ثمة لغط آخر مثار الآن حول حادث قتل الفتاتين في سكن إحداهما في مدينة 6 أكتوبر، على الرغم من أن المباحث الجنائية قدمت شابا متهما في الجريمة، ذكرت الصحف أنه اعترف بدوره، وقام بتمثيل الجريمة أثناء المعاينة، إلا أن الصحف ذاتها تحدَّثت عن عدول الشاب عن اعترافه، وشككت في سلامة الأدلة المقدَّمة، وأعطى بعضها انطباعا بأن ثمة تلفيقا أريد به تلبيس القضية للشخص الذي ألقي القبض عليه. ورغم أن هذا الكلام كله لم يثبت منه شيء إلى الآن، إلا أن ما حدث في مذبحة بني مزار، عزز الشكوك ووفر مناخا مواتيا لتصديق سيناريو التلفيق. ولا أحد يستطيع أن ينسى حكاية الممثلة حبيبة، التي اتُّهمت بقتل زوجها الخليجي، واعترفت تحت التعذيب أمام الشرطة والنيابة، وأدينت لذلك السبب، وبعد أن قضت خمس سنوات في السجن قضت المحكمة ببراءتها.

التلاعب على سير العدالة له صور متعددة، يشكِّل التلاعب بالوقائع والأدلة بعضا منها، لكن ذلك التلاعب يمكن أن يتم أيضا من خلال العبث بالأقوال وتكييف القضية، وأبرز مثال على ذلك قضية العبَّارة التي قُتل بسببها أكثر من ألف مواطن، وبُرِّئ صاحبها، رغم بشاعة الجريمة، والسبب في ذلك أن تحقيقات النيابة لم توجه إليه تهمة التسبب في القتل، ولكنها اتهمته بالإهمال الذي أدى إلى غرق العبّارة، وحين صمم الاتهام على ذلك النحو، فإن القضية جرى التحقيق في شأنها، بحيث اعتبرت جنحة وليست جناية، وانتهت على النحو الذي فاجأ الجميع وصدمهم.

الخلاصة التي يخرج بها المرء من متابعة مثل هذه القضايا تتلخص في أن نفوذ مراكز القوى الصغيرة والكبيرة استشرى، بحيث لم تعد له حدود يقف عندها، حتى ساد الاقتناع لدى أولئك الأقوياء بأن بوسعهم أن يقترفوا أي شيء، دون أن يتعرَّضوا للحساب أو المساءلة.

وما اللعب بالأدلة وتلفيق التهم للأبرياء لكي يفلت المجرمون الحقيقيون من العدالة إلا تجسيد عملي لهذه الحالة، ولا ننسى أننا نتحدث عما صار معلوما وانفضح أمره من قضايا، وان حدوث ذلك التلاعب في بعض القضايا الكبيرة يفتح الباب واسعا وبقوة لوجود مثل ذلك التلاعب في الأصغر من القضايا اليومية الصغيرة.

قبل أن تقع الواقعة ويفقد الناس ثقتهم بصورة نهائية في سير العدالة، ومن ثم يضطرون إلى تحصيل حقوقهم والدفاع عن أنفسهم بأنفسهم بما يستتبع ذلك من انفلات وفوضى. فإن الأمر يستدعي تدخُّلا حاسما يوقف العدوان على قيمة العدالة في البلد. فقد دهشت للغاية مثلا حين لم يتحرَّك احد بعد ثبوت براءة المتهم في مذبحة بني مزار، إذ لم نسمع أن أحدا حُوسب من ضباط المباحث الجنائية الذين لفَّقوا التهمة للرجل البريء او من رجال النيابة الذين تستروا عليهم او اهملوا في تحقيق ادلة القضية، رغم هول ما فعله الطرفان ـ ما الحل؟ ـ نحاول الإجابة عن السؤال غدا بإذن الله.

.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar