Subscribe:

Ads 468x60px

24 ديسمبر، 2008

درس في الموازنات

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 26ذوالحجة 1429 – 24 ديسمبر 2008

درس في الموازنات – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_24.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/758617.html

بعض المتدينين الغيورين لم يستريحوا لما كتبته في هذا المكان يوم الأحد الماضي (21/12) عن الجهد المبذول في تركيا لانصاف كمال أتاتورك، ودعوت فيه إلى إعادة تقييم التجربة الناصرية لانصاف الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.

ملاحظات اولئك الغيورين كان محورها السؤال التالي: كيف يغفر لاتاتورك انه ألغى الخلافة وحارب الإسلام واذل المتدينين وفصل تركيا عن تاريخها حين استبدل الحرف اللاتيني بالعربي، وفرض التغريب على ذلك البلد المسلم، حتى بدا كأنه يريد اقتلاعه من محيطه وثقافته؟ كان واضحاً فيما تلقيته من اصداء ان عتاب الاسلاميين تركز على إنصاف اتاتورك وليس على الدعوة لإنصاف عبدالناصر. ووجدت ان ذلك شيء ايجابي بصورة نسبية، لان اتاتورك خاض معركته ضد دور الاسلام في المجتمع وضد انتماء الاتراك إلى الامة الاسلامية. اما معركة عبدالناصر فكانت ضد الاخوان بوجه اخص وليست ضد الاسلام، في حين كان اعتزازه شديدا بالانتماء إلى العروبة وكانت الدائرة الاسلامية احدى دوائر استراتيجية ثورة يوليو (لا ننسى ان تطوير الأزهر واذاعة القرآن الكريم تما في عهده).

ابرز الذين اتصلوا بي هاتفياً بخصوص هذا الموضوع كان الدكتور أحمد العسال، العالم الزاهد الذي كان مديراً للجامعة الإسلامية في إسلام اباد، وبعد ان ادى مهمته هناك عاد إلى مصر، مؤثرا البقاء في الظل، وان كان لايزال يسهم قدر طاقته في الدفاع عن دين الله والدعوة اليه. وقد عدد على مسامعي ما ارتكبه كمال اتاتورك بحق الإسلام والمسلمين في تركيا، لكنني قلت ان ذلك مما يحسب عليه فعلاً، وليس لدي اي دفاع عنه فيما اقترفه،

لكن التيار الجديد في تركيا يحاول ان يذكر ما له ايضا إلى جانب ما عليه. ودعاته لا يحاولون نسيان الاخطاء الجسيمة التي ارتكبها، لكنهم يحاولون التذكير بالانجازات الكبيرة التي حققها. فهو ان كان قد اجرم بحق الإسلام والمسلمين، الا انه خدم البلد على جبهة اخرى، حيث لا ينبغي ان يقلل من دوره كقائد انقذ تركيا من الانكسار والانفراط، ذلك ان اتاتورك ظهر في الافق في وقت كانت الدولة العثمانية فيه قد تضعضعت وأصابها الوهن، حتى أصبحت نهباً للقوى الكبرى التي طمعت في تركة «الرجل المريض» التي قسمتها روسيا وفرنسا وبريطانيا فيما بينها سنة 1915، ولكن خروج روسيا من الحرب (العالمية الاولى) حال دون تنفيذ الاتفاق. وجاءت بعد ذلك معاهدة سيفر (سنة 1920) التي وضعت المضائق العثمانية تحت الرقابة الدولية. ووضعت مدينة اسطنبول تحت نظام الاحتلال الجماعي للحلفاء، وحصلت ايطاليا على منطقة في جنوب الاناضول، واعطيت جزر بحر ايجه لليونان، وتم اعلان استقلال ارمينيا.

ازاء هذه الصورة البائسة، لا ينبغي ان يقلل من دور كمال اتاتورك في المحافظة على استقلال الجمهورية والابقاء على تماسكها. فقد كان هو الذي قاد صد زحف الغزاة، الامر الذي اعاد لتركيا لحمتها وجنَّبها مصير الانفراط الذي سعت اليه دول التحالف الغربي. وهذا كله لا يلغي او يغفر ما فعله الرجل بحق الاسلام والمسلمين، لكن ينبغي ان يذكر له في اي محاولة عادلة لتقييم دوره وتجربته.

قلت لاستاذنا الدكتور العسال ان الاختلاف في تقييم تجربة اتاتورك، هل يقاس بموقفه ازاء الإسلام والمسلمين ام بدوره في الحفاظ على استقلال تركيا ووحدتها، يذكرنا بما اورده القرآن في سورة طه. اذ تطرقت السورة إلى قصة سيدنا موسى الذي غاب عن قومه لبعض الوقت، وتركهم في عهدة اخيه هارون، وفي غيبته فتن الناس في دينهم وعبدوا العجل، الامر الذي فاجأ سيدنا موسى عليه السلام فصب غضبه على أخيه واشتبك معه. فما كان منه الا ان قال له ـ حسب النص القرآني ـ( قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي » (طه ـ الآية 94) وحسب السياق فإن النبي موسى قبل منه هذا العذر. الذي بمقتضاه مرر سيدنا هارون لحظة الانحراف العقيدي الذي اصاب بني اسرائيل، مستهدفا بذلك الابقاء على وحدة الجماعة وتماسكها وهي الحالة التي استند اليها الدكتور يوسف القرضاوي فيما كتبه على فقه الموازنات والاولويات.

ذلك ان المفاضلة فيها كانت بين فتنة عارضة في الدين ووحدة الجماعة، باعتبارها نموذجاً للموازنة بين المفسدة المؤقتة التي تغتفر لجلب مصلحة دائمة او بعيدة المدى. وهو المعيار الذي احتكمنا اليه في التعامل مع ملف اتاتورك فقد نغفر له خطاياه حتى وان لم ننسها، لانه اساء إلى الدين لبعض الوقت لكنه حافظ على وحدة البلد طوال الوقت.

........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar