Subscribe:

Ads 468x60px

16 ديسمبر، 2008

تأميم الصحفيين بعد الصحافة

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 17 ذو الحجة 1429 – 15 ديسمبر 2008
تأميم الصحفيين بعد الصحافة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_16.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/752597.html

هذا تقليد أصبح شائعا ومستقرا في مصر، حين يسافر أي مسؤول كبير، وزير أو غيره، الى الخارج، فإنه يحرص على ان يصطحب معه صحافيا او اكثر «لتغطية» رحلته. والتغطية هنا ليس المقصود بها الستر، ولكنها تعني متابعة الرحلة وابراز «انجازاتها» في وسائل الاعلام، لكن مهمة «التغطية» كثيرا ما تغطي بدورها اهدافا اخرى. فقد تكون لتلميع المسؤول خصوصا اذا كان ممن يحرصون على تسويق انفسهم لتحقيق طموحات معينة في مدارج السلطة. وقد يكون الهدف منها هو شراء الصحافي واغواءه، ومن ثم إقناعه بان رضا المسؤول عنه يوفر له فرصا ومزايا لا يحلم بها، في حين ان سخطه يحرمه منها.

اعرف مسؤولين لم يعودوا يتحركون الا في ظل موكب اعلامي يضم مندوبين للصحف القومية والمعارضة والتليفزيون. ومن هؤلاء من رفع سقف فريق التغطية، بحيث اصبح يدعو كتابا ورؤساء تحرير سابقين، لا ينشرون اخبارا، وانما يدبجون مقالات ويسجلون تأملات، تصب في وعاء التمكين او التلميع المباشر وغير المباشر.

هذا التقليد استدعى ظاهرة مسكونة بأكثر من مفارقة، ذلك انه ازاء التأثير القوي لوسائل الاعلام، فإن المسؤولين اصبحوا يوجهون اهتمامهم لما ينشره الاعلام عنهم، باكثر من اهتمامهم بما ينجزونه على ارض الواقع. وفي حالات عدة قد لا تكون هناك انجازات تذكر، ولكن المسؤول يخترعها ويسربها الى وسائل الاعلام، كما هو الحاصل في اكتشافات النفط والغاز، التي لو صحت لوضعتنا حصيلة ما اعلن عن اكتشافه منها في مصاف الدول النفطية الكبرى. ولأن الصحف القومية بوجه اخص ادمنت التهليل للحكومة والمبالغة في اي انجاز ينسب اليها، فإنها ما برحت تنفخ في اخبار تلك الانجازات الموهومة لتجميل وجه الحكومة بمناسبة وغير مناسبة.

المفارقة الاخرى ان مهمة «التغطية» هذه أصبحت وسيلة لاسكات أصوات صحف المعارضة وكسر عين مندوبيها في الوزارات. اعرف وزيراً ضاق بما تنشره احدى الصحف الحزبية فرتب للمندوب الذي دأب على انتقاده دعوة لحضور احد المعارض في دبي، واصطحبه معه في رحلة الى اليابان، ورحلة اخرى الى فرنسا، وبهذا الاسلوب حل مشكلته مع الصحيفة وتم تدجين الصحافي وتحييده على الأقل.

يشجع الوزراء على «استيعاب» بعض مندوبي صحف المعارضة، ان الموارد المالية لتلك الصحف محدودة واجور العاملين فيها متواضعة، الامر الذي يجعل دعوات السفر وصحبة الوزراء والاقامة في الفنادق الكبرى من مصادر الغواية التي تصعب مقاومتها عند اولئك المندوبين، خصوصا اذا كانوا من الشبان حديثي الالتحاق بالمهنة. وبذلك تكون الحكومة قد أممت الصحف الرئيسية في مرحلة ثم جاء الوزراء في وقت لاحق لكي يؤمموا بعض الصحافيين في مرحلة اخرى.

كنت قد اثرت الموضوع في وقت سابق وتحدثت عن استخدام المسؤولين للصحافيين في الصحف القومية بعدما تفشت ظاهرة تعيين بعض مندوبي الصحف في وظائف «مستشارين» للوزراء، واحيانا موظفين ملحقين بادارات العلاقات العامة. وكان ذلك احد مظاهر التآكل والتراجع في تقاليد المهنة، وهي المظاهر التي تجلت في ساحات اخرى من ابرزها تحول المحررين الى مندوبين للاعلانات، واخضاع الصحافة لخدمة السياسة واستخدامها احيانا لمصلحة اجهزة الامن، الى غير ذلك من الممارسات التي افقدت ثقة القراء في وسائل الاعلام، مما ادى الى تحول مليون شخص عن قراءة الصحف خلال السنوات الثلاث الاخيرة، كما تشير بعض الدراسات.

التراجع في تقاليد المهنة. والسعي المستمر لتطويعها لمصالح السياسة ليسا مقصورين على الصحافة وحدها، ولكنهما يمثلان ظاهرة عامة في مصر الراهنة، التي تغول فيها دور السلطة حتى مدت أذرعتها واصابعها لاحتواء مختلف خلايا المجتمع، الامر الذي عطل نموها وعوق أداءها لرسالتها، هذا اذا لم يسرب اليها بذور الفساد ومقدمات التحلل. وهو ما يؤيد قول القائل بأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
..........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar