Subscribe:

Ads 468x60px

15 ديسمبر، 2008

أين عقولنا الكبيره

صحيفة الدستورالمصريه الأحد 16 ذو الحجة 1429 - 14 ديسمبر 2008
أين عقولنا الكبيره - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_15.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/751810.html


أين توجد العقول الكبيرة في مصر؟ ولماذا لا نرى لها حضورا في رسم السياسات وصنع القرارات التي تهم مستقبل البلد؟ هذا السؤال الكبير بشقيه يلح علي منذ سمعت الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما وهو يقول في خطبة اخيرة له: ان الولايات المتحدة لكي تجتاز الازمة التي زلزلت اركانها الاقتصادية يجب ان تجند لهذه المهمة اكبر العقول لديها. أكبرت في الرجل اعلانه عن انه بحاجة الى عون وهمة اكبر العقول، وانه لن يستطيع وحده ان يتصدى للازمة التي تواجهها بلاده. وربما بدا ذلك امرا عاديا في الولايات المتحدة التي يعرف دارسوها جيدا الى اي مدى هم متفوقون في فن الادارة، وكيف ان الاستعانة بأكبر الخبراء في اي مجال يواجه مشكلة هو دأب الذين يأخذون الامور على محمل الجد، وهم في المقدمة منهم،

ولكن الامر ليس كذلك في بلادنا كما تعلم، فرئيس البلاد هو ليس الحاكم الاوحد فقط، ولكنه الحكيم الاوحد ايضا، ولانه كذلك فإن مصطلح اكبر الخبراء يثير حساسيته، لان فيه شبهة الشك في تفرده بذروة المعرفة والحكمة. في الوقت ذاته فإن العقول الكبيرة لا يعترف بها استنادا الى موهبتها وعطائها، لان الولاء والثقة مقدمان على العلم والخبرة. وهذا الاعتراف لا يشهر ويكتسب الشرعية الا اذا اجازته المقامات العليا وشملته بالرضا والعطف. وما لم يحدث ذلك فإن الكبير مهما علا مقامه سيظل فاقدا الشرعية رسميا وقابعا في الظل، لا يسمع له صوت ولا ترى له صورة.


إننا إذا خرجنا من دائرة التوصيف والتنظير، وحاولنا ان نرصد الواقع في مصر، فقد تساعدنا على ذلك اجابة السؤال الذي بدأت به الكلام، ذلك اننا اذا تطلعنا في الواجهات المحيطة بنا، فسنجد أن بعضا من أصحاب تلك العقول الكبيرة هجروا البلد واختاروا أن يستثمروا طاقاتهم وكفاءاتهم العلمية في بيئات أخرى قدرتهم وشجعتهم وكافأتهم. البعض الآخر سنجدهم يحاولون جاهدين ان يفعلوا شيئا في داخل البلد، ولكنهم يؤدون عملهم كأفراد يتحركون في دوائر ضيقة ومحدودة في مشاريع خاصة غالبا، لا يعلم بأمرها إلا أهل الاختصاص ولا يأبه بها أولو الأمر.


هناك فئة أخرى من الكبار قبعوا في الظل واعتزلوا الحياة تعففا واستعلاء فوق طرق الأبواب، وآثروا ان يقضوا بقية أعمارهم في هدوء وسكينة، ثمة شريحة رابعة ألحق افرادها بالمجالس القومية المتخصصة التي تحولت إلى فرق عمل سرية تجتمع وتنفض ولا أحد يعرف بالضبط ماذا تفعل ولا أين يذهب ما تفعله. هناك فئة خامسة يملك افرادها الصحة والحماس والغيرة، لكنهم بعد أن بحت أصواتهم ولم يجدوا لكلامهم صدى، اقتنعوا بأنهم يؤذنون في مالطة، فدب اليأس في نفوسهم وآثروا ان يحتفظوا بكرامتهم وكبريائهم وجلسوا في بيوتهم يتفرجون.

أدري أن هناك عقولا تشارك في اللجان الوزارية واخرى جرى حشدها في لجنة السياسات، لكن ثمار جهودهم لا تقنعنا بأن هؤلاء من أكبر العقول في مصر، ولا استبعد أن يكون بينهم بعض الكفاءات، لكن كفاءاتهم تظل عند حدود معينة لا تتجاوزها، أولا لان اختيارهم قدمت فيه الثقة على الخبرة، وثانيا لانهم يتحركون في حدود ما هو مرحلي وتنفيذي، ولا شأن لهم بما هو استراتيجي. ولا تسألني من فضلك عن الاستراتيجيات، ليس فقط لانني لا أعرف بالضبط أين ترسم، ولا أريد أن أجازف بالتخمين، ثم انني في بعض الحالات لا أعرف ان كانت هناك استراتيجيات أم لا.

لكي أقرب الصورة فإنني اذكر بالمقولة التي يرددها بعض الخبراء الاميركيين، وخلاصتها ان القادة من الطراز الاول يلجأون الى اعوان من الطراز الاول. اما القادة من الطراز الثاني فإنهم يلجأون الى اعوان من الطراز الثاني او الثالث، بمعنى ان الكبار يختارون الكبار والصغار يختارون الاصغر. وهي الملاحظة التي قد تفسر لنا لماذا يتراجع دور الكبار في صناعة القرار او وضع الخطط، ولماذا يقدم عليهم في ظروف تاريخية معينة متوسطو الكفاءة والهواة الذين يقفزون الى الصدارات فجأة، ومن حيث لا يحتسب احد.

انني احلم بيوم نرى فيه اكبر العقول المصرية وقد اصبح لها دور في صياغة استراتيجية هذا البلد في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية.. الخ. وهو حلم يبدو الآن بعيد المنال، وليس هناك في الافق ما يدل على امكان تحقيقه في الاجل المنظور، للسبب الذي ذكرته توا، وهو اننا بحاجة اولا الى قادة من الطراز الاول. وتلك احدى اهم المشكلات واكثرها استعصاء.
.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar