Subscribe:

Ads 468x60px

23 ديسمبر، 2008

يسألونك عن التهدئة

المقال الاسبوعى (بعد ترك فهمي هويدى الأهرام لمضايقات عديده ) منشور فى الدستور المصريه والشرق القطريه و الخليج الاماراتيه و الدستور الأردنيه و الوطن الكويتيه و السفير اللبنانيه و مدونة مقالات فهمي هويدي و مدونة مقالات فهمي هويدي

الثلاثاء 25 ذوالحجة 1429 – 23 ديسمبر 2008

يسألونك عن التهدئة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_1389.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/757728.html

هل يعد انتهاء التهدئة في غزة الإشارة الأولى لإرهاصات العواصف الهوجاء التي تتوقع المراصد السياسية هبوبها في العام الجديد؟

(١)
القرار كان سباحة ضد التيار بامتياز. إذ حين تعلن من غزة فصائل المقاومة الأربعة (حماس والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية) رفض تمديد اتفاقية التهدئة التي عقدت مع إسرائيل في 19-6 من العام الحالي، فإنها تتخذ قرارا متعارضا مع رغبات كل الأطراف ذات الصلة بالموضوع. فرئاسة السلطة في رام الله أرادت التهدئة التي خففت عنها الضغوط الفلسطينية المزعجة، وجنبتها حرجا سوغ لها استمرار المفاوضات مع إسرائيل. وإسرائيل أرادت التهدئة لكي تهدئ من غضب المستوطنين الذين أزعجتهم الصواريخ المنطلقة من القطاع، ولكي تتفرغ لمهام أخرى توليها أولوية خاصة (مواجهة إيران بالدرجة الأولى). ومصر كانت تريد التهدئة، التي توسطت فيها من البداية، انطلاقا من حسابات كثيرة تتصل بدورها في العملية السلمية. وكان ذلك أشد وضوحا في ورقة «المصالحة» المصرية التي قدمت لإقرارها من الفصائل الفلسطينية (رفضتها حماس والجهاد)، ونصت على ”الحفاظ على التهدئة“، معتبرة ذلك ضمن «المشروع الوطني الفلسطيني.» والرباعية الدولية تحمست بشدة للتهدئة لأنها تخفف الضغوط على إسرائيل، وتجنب المنطقة التصعيد المسلح. والسيد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة أعرب عن قلقه من الأخبار التي تسربت في الأسبوع الماضي عن احتمال إنهاء التهدئة، معتبرا أن هذه الخطوة من شأنها أن تؤدى إلى ”عواقب وخيمة تهدد المدنيين في إسرائيل وغزة كما تهدد استمرار العملية السلمية.“

في هذا السياق لا تفوتنا ملاحظة قرار مجلس الأمن الذي صدر في الأسبوع الماضي (16 -12) داعيا إلى تدعيم مسيرة السلام في المنطقة من خلال استمرار المفاوضات بين السلطة وإسرائيل، في الإطار الذي حدده مؤتمر أنابولس في ديسمبر عام ٢٠٠٧. ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي قدمت مشروع القرار مستهدفة في ذلك أمرين، أحدهما تبني مجلس الأمن لما تحقق في أنابولس، الذي كان مبادرة أمريكية بالأساس، والثاني تأكيد استمرار المفاوضات كخيار وحيد لتسوية القضية. وإذا ما تحقق ذلك فإنه يعنى «تنويم» القضية لبعض الوقت، على نحو يحقق «تهدئة» تسمح للرئيس الأمريكي الجديد أن ينصرف إلى معالجة مشاكله الداخلية الملحة، دون إزعاج تسببه القضايا الخارجية المتفجرة - وفى الوقت ذاته فإنه لا يعطل شيئا من المخططات الإسرائيلية، التي لم تتوقف عن التمدد والتوسع وممارسة قمع الفلسطينيين، في ظل استمرار «المحادثات»، التي ترحب بها كثيراً. باعتبار أنها في النهاية «مكلمة» يمكن أن تستمر طول الوقت، بما يخدر الفلسطينيين، ويوهمهم بأنهم يفعلون شيئا، في حين لا يوقف شيئا للإسرائيليين. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير، قد أعلن عن ذلك صراحة أثناء انعقاد مؤتمر مدريد (في سنة ١٩٩١)، حين قال إنهم مستعدون لمباحثات تستمر ١٠ أو ١٥ سنة.


إزاء كل ذلك فإن قرار وقف التهدئة الذي أعلن يوم الخميس الماضي 18 -12 يصبح إشارة غير مريحة للأطراف المعنية بالموضوع. ذلك أنها تلوح بضوء أحمر في الأفق، يربك بصورة نسبية الحسابات الموضوعية على الطاولة. ومن ثم يفتح الأبواب لكافة الاحتمالات.

(2)

خبرتنا مع الإسرائيليين علمتنا أنهم ليسوا على استعداد لدفع شيء في مقابل ما يحصلون عليه، ويعتبرون أنهم في أي اتفاق مستثنين من أي التزام، إلا إذا كان ذلك الالتزام يحقق مصلحة لهم. وشواهد هذا الدرس ثابتة منذ صدور قرار بتقسيم فلسطين في عام ١٩٤٧ وحتى مؤتمر أنابولس في ٢٠٠٧، فالتهدئة قصد بها تجميد الموقف الراهن مؤقتا، ربما أملا في أن تسوى الأمور عبر المفاوضات الجارية. وبمقتضاها اتفق على وقف إطلاق الصواريخ من غزة، مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية وفتح الممرات ورفع الحصار عن القطاع- وهو ما التزمت به السلطة في القطاع، لكي تخفف من معاناة سكانه، وتحسن من أوضاع السجن كما قيل وقتذاك. فأوقفت إطلاق الصواريخ من جانب حماس، ولاحقت الذين أطلقوا بعض الصواريخ في ظروف معينة، لكنها وجدت نفسها مغلولة اليد في الحالات التي أطلقت فيها صواريخ فلسطينية ردا على غارات أو اعتداءات إسرائيلية.


في مقابل ذلك خرقت إسرائيل الاتفاق ١٩٥ مرة، حسب إعلان حركة الجهاد الإسلامي. وذكرت «قدس برس» أنه منذ بدء التهدئة في 19-6 وحتى أول ديسمبر الحالي، قتلت إسرائيل ٤٣ فلسطينيا. وطبقا لبيانات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن معبر رفح خلال ١٢٨ يوما (من 26-6 إلى 30-10 ) ظل مغلقاً طيلة ١٢٢ يوما وفتح جزئيا عدة أيام. وهو ما ترتب عليه حرمان ٤،٦٠٠ مواطن من سكان القطاع من السفر خارج القطاع، للعلاج أو مواصلة الدراسة. كما ظل معبر بيت حانون مغلقا بالكامل طوال تلك الفترة.


معبر المنطار (كارنى) أغلق في وجه الصادرات والواردات من والى قطاع غزة طول ١٠٦ أيام بصورة كلية (بنسبة ٨٣٪) وفتح لإدخال كميات محدودة لمدة ٢٢ يوما (أي نحو ١٧٪) خلال الفترة التي تناولها التقرير- معبر ناحل عوز (المخصص لإمداد قطاع غزة بالوقود) أغلق بشكل كلي لمدة ٤١ يوما. وفتح ٨٧ يوما أدخل خلالها ٣٩.٦٪ من حاجة القطاع من الوقود. أما معبر صوفا المخصص لدخول المساعدات الإنسانية فقد أغلق بشكل كلى لمدة ٤٥ يوما، وفتح لمدة ٨٣ يوما. معبر كرم أبو سالم أغلق لمدة ٨٨ يوما وفتح لمدة ٤٠ يوما.

لنا ملاحظتان على هذه الأرقام، الأولى أن معبر رفح الذي يصل القطاع مباشرة مع العالم الخارجي، دون أي تدخل إسرائيلي مباشر، ظل الأكثر إغلاقا، حيث فتح لمدة ستة أيام فقط من بين ١٢٨ يوما (في الفترة من 26-6 إلى 31-10). الملاحظة الثانية، أن المعابر الخمسة الأخرى الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية ظلت تمرر الحد الأدنى من البضائع والاحتياجات الفلسطينية لكي يظل سكان القطاع عند حدود الكفاف دائما. وهى حين تتحكم فيما يسمح بدخوله من تلك المعابر فإنها تتحكم في الوقت ذاته في نمط حياه المليون إنسان الذين يعيشون فيه. فتحدد لهم السلع التي يستهلكونها وحجم الدقيق والوقود الذي يستخدمونه، وعدد الأيام التي يعم فيها الظلام بالقطاع، وتلك التي يتم خلالها تشغيل مولدات الكهرباء بحيث تضاء البيوت وتعمل المخابز وغرف العناية المركزة وحضانات الأطفال الخ.

الخلاصة أن فصائل المقاومة الفلسطينية أدركت أن التهدئة إذا كانت قد سمحت لسكان القطاع بالتقاط أنفاسهم لبعض الوقت، إلا أنها لم تغير كثيرا في إصرار إسرائيل على إذلالهم وحصارهم، في حين أنعشت مجتمعات المستوطنين في جنوب الدولة العبرية. وهو ما يعني أن الطرف الفلسطيني ظل خاسرا، أما الطرف الإسرائيلي فقد كان الرابح الأكبر منها. ولذلك كان منطقيا أن تقرر تلك الفصائل وقف التهدئة بعدما أدركت أنه لم يعد لدى الفلسطينيين ما يخسرونه.

(٣)
الموضوع أثار جدلا في إسرائيل، عبرت عنه الصحف التي عكست آراء الأجهزة المختلفة. واتفقت تلك الصحف على أن إسرائيل على شفا القيام بعملية عسكرية كبيرة في غزة. وأن الخطط اللازمة لذلك جاهزة، لكنها تنتظر القرار السياسي. فقد ذكرت صحيفة «معاريف» في (19-12) أن التهدئة لم تنجح في تخفيف التوتر أو إقامة التعايش مع حركة حماس، كما أنها لم تؤد إلى تحرير الجندي الأسير جلعاد شاليط. رغم أنها منحت مستوطنة سيدروت ومحيطها هدوءا نسبيا لعدة أشهر. وذكرت أنه من الصعب الدخول إلى قطاع غزة في ذروة حملة الانتخابات الإسرائيلية. وفى كل الأحوال فمن المحتمل جدا أن تقع عملية كبيرة في النهاية، ولكن القرار بشأنها لن يتخذ إلا عندما يكون هناك إحساس حقيقي بأنه لا يوجد بديل آخر، وأن السيف موضوع على الرقبة. وفى حديث أجرته «هاآرتس» مع وزير الحرب إيهود باراك قال إن إسرائيل لن تتردد في القيام بعمل عسكري إذا اقتضى الأمر ذلك، لكنها لن تهرول نحوه، وستختار المكان والزمان المناسبين. في نفس اليوم (19/12) نقلت «يديعوت احرونوت» عن أوساط أمنية إسرائيلية قولها إن مداولات أذرع المؤسسة الأمنية أفضت إلى أن الجيش الإسرائيلي لن يقوم بعملية عسكرية كبيرة في القطاع، إلا في حال وقع عدد كبير من القتلى الإسرائيليين نتيجة قصف الصواريخ الفلسطينية. وكتب المعلق العسكري للصحيفة اليكس فيشمان قائلا إن ”الوقت أصبح متأخرا لتقوم إسرائيل بهجوم على القطاع. فالخيول هربت من «إسطبلاتها» برعاية التهدئة“- كناية على استعدادات المقاومة لصد أي عدوان.

وإذا جاز لنا أن نلخص، فسنجد أن مؤيدي اقتحام القطاع يستندون إلى الاعتبارات التالية: أن مواصلة إطلاق الصواريخ يشكل ضغطا جماهيريا على الحكومة والجيش- أن إسرائيل غير مستعدة لتمديد التهدئة حسب الشروط التي تتحدث عنها حماس- أن توجيه ضربة قوية إلى سلطة القطاع من شأنه أن يؤدي إلى إسقاط حكومة حماس، وهو ما يقوي مركز أبو مازن في رام الله بما يسمح له بتجديد ولايته التي تنتهي في ٩ يناير المقبل- أن حسم الوضع قبل أن تتولى إدارة باراك أوباما الحكم سوف يجنب الإدارة الحرج ويضعها أمام أمر واقع جديد- صحيح أن حزب كاديما والعمل يخشيان شن عملية عسكرية في القطاع خشية التورط في عملية مكلفة تؤثر على فرصهما في الفوز، إلا أن تواصل إطلاق الصواريخ وعدم تحرك إسرائيل للرد عليها سيكون سببا للمس بشعبيتها ويعزز موقف الليكود.


أما الذين يتحفظون على العمل العسكري ضد القطاع، فإنهم يستندون إلى الاعتبارات التالية: أن حماس عززت قوتها في القطاع بما يخشى منه أن تؤدي المواجهة معها إلى سقوط عدد كبير من الجنود الإسرائيليين خشية أن تؤدي العملية الكبيرة إلى إعادة احتلال القطاع ، بما يؤدي إلى تحميل إسرائيل بالمسؤولية عن إدارته وتوفير احتياجات سكانه، وهذا عبء اقتصادي كبير تريد إسرائيل أن تتحلل منه خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية- خشية إسرائيل من سقوط أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين على نحو يشوه صورتها في الخارج ويدفع إلى اتهامها بارتكاب جرائم حرب- إثارة الرأي العام العالمي جراء الفظائع التي يمكن أن تحدث، بما قد يرتب ضغوطا دولية لوقف الحملة قبل تحقيق أهدافها - تعريض حياة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط للخطر في هذه الحالة، مما قد يسبب حرجا كبيرا للحكومة.

(٤)
أغرب ما رددته الصحف الإسرائيلية في هذا الصدد أن الدولة العبرية شرعت في حملة دبلوماسية للحصول على تغطية عربية لمخططاتها، سواء فيما يخص الحملة العسكرية أو في حالة ما لجأت إلى اتخاذ إجراءات تصفية لقيادات حماس. وهذا ما أشارت إليه بوضوح صحيفتا «يديعوت احرونوت» و«معاريف» يوم الاثنين ١٥/ ١٢. فقد ذكر اليكس فيشمان المعلق العسكري لـ«يديعوت» أن إسرائيل تولي أهمية كبرى لإقناع العالم العربي ”المعتدل“ -خصوصا مصر- بتفهم مخططات إسرائيل العسكرية إزاء حركة حماس. وأشار إلى أن ذلك كان الهدف من الزيارة التي قام بها عاموس جلعاد مدير الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الإسرائيلية للقاهرة قبل عشرة أيام. ونقل فيشمان وكذلك بن كاسبيت المعلق السياسي لصحيفة «هاآرتس» عن مصادر في وزارة الحرب الإسرائيلية قولها إن المبعوث الإسرائيلي وجد في القاهرة غضبا شديدا على حماس أكثر من أي وقت مضى، حتى أنه سمع ممن التقاهم أثناء زيارته أوصافا لها ”غير مسبوقة“ (كما ذكر كاسبيت). وادعى الكاتبان أن عاموس جلعاد وجد في القاهرة تفهما لما قد تتخذه إسرائيل من إجراءات للتعامل مع الموقف في القطاع.

لا نستبعد أن يكون الهدف من هذا الكلام هو الدس بين القاهرة وحماس، استثمارا لأجواء التوتر الحاصل بينهما، لكنه لا ينفي حقيقة أن إسرائيل في تصرفها بعد انتهاء التهدئة تستخدم قنواتها الدبلوماسية الممدودة مع أكثر من عاصمة عربية ”معتدلة“ لتوفير غطاء لخطواتها المقبلة التي قد تبدأ بتصفية الوضع في غزة، وتنتهي بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، وما قد يستتبع ذلك من أصداء وتداعيات لا يعلم مآلاتها إلا الله.

................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar