Subscribe:

Ads 468x60px

03 ديسمبر، 2008

السلطة والشرطة والشعب

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 5 ذوالحجة 1429 - 3 ديسمبر 2008
س: ما الذي يجب أن نفعله لكي نستعيد ثقة الشعب في الشرطة؟
جـ - على الشرطة ان تحترم الشعب أولا لكي تكسب ثقة الناس.
السؤال سهل والإجابة سهلة كما رأيت، ولكن خرائط الواقع جعلت الأمر أصعب كثيراً مما تتصور، ولا أعرف إن كانت معالم ذلك الواقع قد ذكرت بصراحة في المؤتمر الموسع الذي دعا إليه محافظ أسوان أم لا، ولكن ما أعرفه جيداً أن هذا الموضوع أصبح مشكلة تؤرق المصريين وتشوه سمعة البلد، وما لم تناقش بمنتهى الصراحة، فلا سبيل إلى حلها.
مناسبة فتح هذا الملف مجدداً، هو ما جرى في أسوان، حيث داهمت الشرطة منزلاً لتفتيشه أثناء التحقيق في عملية تهريب للمخدرات، وحين اعترض طريقها صاحب البيت علي عبدالواحد عبدالرازق، فإن ضابط الشرطة الذي رأس قوة التفتيش اطلق عليه الرصاص، فأرداه قتيلاً وسط أسرته، وحين ثار أهالي القتيل، فإن قوات مكافحة الشغب تصدت لهم، واطلقت عيارات نارية، وغازاً مسيلاً للدموع، مما أدى إلى مقتل آخر هو يحيى عبدالحميد مغربي، الأمر الذي زاد الموقف اشتعالاً، وأدى إلى حدوث مظاهر للفوضى والتخريب في المدينة، ولم يكن ذلك حدثاً فريداً في بابه، ولكنه حلقة في سلسلة طويلة من أعمال العنف والقسوة التي لجأت إليها الشرطة في التعامل مع الناس، الذين ردوا على العنف بمثله، وعلى قسوة الشرطة بتخريب الممتلكات العامة، والانتقام من السلطة من خلال الاعتداء على كل ما ينتسب إليها.
صحفنا المستقلة نشرت في 28/11 خلاصة لتقرير منظمة العفو الدولية الذي صدر بمناسبة أحداث أسوان، استنكر «الاستخدام المتزايد للقوة المفرطة» من جانب الشرطة وقوات الأمن في المنطقة، وأعرب عن القلق من أن «ذلك النمط من أعمال القتل والاستخدام المفرط للقوة سوف يتواصل، ما لم يقدم المسؤولون عنه إلى العدالة. وتصدر أوامر واضحة إلى الشرطة وقوات الأمن بعدم اللجوء إلى مثل هذه الأساليب التي تنتهك حقوق الإنسان وتتعارض مع التزامات مصر الدولية في هذا الصدد».
المشكلة ليست في الناس، ولكنها في الشرطة التي أدمنت الاعتداء على كرامات الناس والاستهانة بحياتهم، بعدما اطلقت قوانين الطوارئ أيديهم في الاعتقال والتحقيق والتعذيب. وجاءت سياسة وزارة الداخلية التي وفرت الحماية للمتورطين في تلك الممارسات، ولم تعد تتدخل إلا عند الضرورة القصوى، وفي الحالات المفضوحة التي يتعذر احتواء تداعياتها.
لا استطيع أن أقول إن كل رجال الشرطة أشرار، وإن كل المواطنين ضحايا وأبرار. لكن الذي لا يمكن أن ينكره أحد أن قسوة بعض رجال الشرطة وفظاظتهم شوهت صورة الجميع وسودت من صفحة الشرطة، وان لجوء الناس إلى الفوضى والتخريب عادة ما يكون ردة فعل لممارسات الشرطة، التي تعمدت في حالة المحلة الكبرى مثلاً استفزاز الناس لكي يثيروا الفوضى ويلجأوا إلى التخريب، الأمر الذي يوقعهم في الغلط ويبرر اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة لذلك السبب.
هذا التحليل ليس جديداً، فقد أشرت اليه من قبل وتحدث فيه آخرون، لكننا اكتشفنا بمضي الوقت انه لا سبيل إلى تغيير سلوك الشرطة في ظل الأوضاع الراهنة. ذلك أن سياسة تقييد الحريات وقمع المعارضين المتبعة في البلد ليس لها إلا شرطة من هذا القبيل، التي نستهجن أساليبها، ولا تتوقف عن إهدار كرامات الناس والاعتداء على حياتهم، أو على حد تعبير إخواننا اللبنانيين فـ « هيك نظام بدو هيك شرطة»، الأمر الذي يعني أن المشكلة أكبر من الشرطة وألصق بطبيعة النظام السائد، إن شئت فقل إنها فرع عن أصل. والاعوجاج في الأول لا قيمة له إلا إذا عولج اعوجاج الثاني،
لذلك فلعلي لا أبالغ إذا أضفت على الإجابة التي أوردتها في مستهل الكلام ان احترام الشرطة للشعب مرهون باحترام النظام السياسي لإرادته، ومادامت استمرت السلطة في احتقار الشعب والاستهانة به، فلا تتوقع من الشرطة أن تحترم الناس، وأن تكسب ثقتهم.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar