Subscribe:

Ads 468x60px

02 ديسمبر، 2008

هذا مايريده السودان من مصر

المقال الاسبوعى (بعد ترك فهمي هويدى الأهرام لمضايقات عديده ) منشور فى الشرق القطريه و الخليج الاماراتيه و الوطن الكويتيه و مدونة مقالات فهمي هويدي و مدونة مقالات فهمي هويدي

الثلاثاء 4 ذو الحجة 1429 – 2 ديسمبر 2008

هذا مايريده السودان من مصر – فهمي هويدي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_02.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/741202.html

ماذا يريد السودان من مصر؟ الإجابة عن هذا السؤال هي محور هذه الرسالة التي تلقيتها من الدكتور حسن مكي عميد البحوث والدراسات العليا بجامعة إفريقيا العالمية في الخرطوم. وهو بهذه الرسالة يكمل الصورة التي قدمها الدكتور السيد فليفل العميد السابق لمعهد الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة. والصورتان توفران لجهات القرار في البلدين "خريطة عمل" لمن يريد حقاً أن يعمل لأجل مصر والسودان والعرب أجمعين.

بقلم الدكتور حسن مكي عميد البحوث والدراسات العليا بجامعة إفريقيا العالمية


(1)

مع أن زيارة الرئيس مبارك للسودان استغرقت ساعات، إلا أنها بمقياس العائد كان لها مردودها السياسي المؤثر والكبير على العقل والنخبة في الخرطوم، لأنها جاءت في ظرف صعب يجتازه السودان، ويحتاج فيه إلى المؤازرة والدعم والنصيحة. ومع أن زيارة الرئيس مبارك سبقت زيارة الرئيس الإفريقي امبيكي، إلا أن الأخير وجد نفسه خارج السلطة في جنوب إفريقيا بعد أسبوع من عودته إلى بلاده. ومهما يكن من دور لجنوب إفريقيا في إفريقيا والسياسة السودانية، إلا أن دورها ضئيل حتى على مستوى جنوب السودان، ولا مجال للمقارنة بين نفوذ مصر وجنوب إفريقيا. إن قلة من النخبة في مصر والسودان يدركون أن السودان الحديث أحد مشاريع النخبة التركية المتمصرة بقيادة الخديو محمد على (باشا). ذلك أنه لم توجد دولة اسمها السودان قبل مجيء محمد على وأحفاده إلى منابع النيل، حيث كانت الدولة التي تجاور مصر جنوباً هي سلطنة التويخ التي تمتد حدودها ما بين وادي حلفا وتخوم سنار، وإلى غربها كانت توجد سلطنة كردفان بقيادة المندوم مسلم، ثم سلطنة دارفور التي كانت تتواصل مع مصر عن طريق درب الأربعين- أي درب الأربعين يوماً، حيث تحتاج القوافل إلى اجتيازه خلال أربعين يوما للوصول إلى الحدود المصرية في الفاشر، وجنوباً كانت القبائل الجنوبية تعيش كما خلقها الله سبحانه وتعالى كتجمعات لا تعرف الدولة أو السلطة المركزية، ولكل لهجته وعاداته وطرائقه في الحياة.

(2)

تمكنت مصر من لم هذه المكونات الجغرافية والبشرية على مراحل مختلفة، ابتداء من عام 1820 إلى عام 1874. ثم أطلق عليها الخديو إسماعيل في أحد فرماناته اسم السودان المصري، واستمر الحال كذلك إلى أن اندلعت الثورة المهدية، التي لم يسع برنامجها الروحي والسياسي إلى قطيعة مع مصر، بل إلى زيادة التواصل معها عن طريق إقامة دولة إسلامية متحدة بين مصر والسودان. وسواء كان البرنامج واقعياً أم غير واقعي، فالمهم فيه هو ما عبر عنه من تطلع وشوق لإقامة دولة متحدة على وادي النيل، بعيدا عن تأثيرات ونفوذ القوى الاستعمارية، التي كان من أهداف المهدي تحرير مصر وشد أزر الثورة العرابية ومؤاخاتها، على درب إقامة نواة لحكم العالم الإسلامي. سقط مشروع الثورة المهدية، ليتسع الطريق أمام دولة الحكم الثنائي ابتداء من عام 1899، والتي كانت في حقيقتها حكماً إنجليزياً روحاً وإدارة، ولم يكن لمصر من نصيب في إدارة السودان إلا دفع تكاليف إدارة شؤون البلاد من الخزينة المصرية. لذلك فإن مشروع السودان الحديث الذي أقامه الإنجليز، وما فيه من سكك حديدية ومدارس ومشاريع زراعية وجيش نظامي، وغير ذلك من مطلوبات الدولة إنما تم سداد تكاليفه من الخزينة المصرية، باعتبار أن السودان كان يعد آنذاك إقليما مصرياً. في حين أن الإدارة الإنجليزية كانت ترمي إلى هدف آخر هو أن يكون السودان للسودانيين. ولم يكن ذلك حباً في السودان ولكنه كان تطبيقاً لسياسة "فرق تسد". وحتى لا يقوم مشروع دولة وادي النيل، التي تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى الأدغال السودانية. ذلك أن السودان بحجمه الراهن ليس دولة عادية، وإنما يمكن أن يشكل قاعدة لدولة إمبراطورية، بما توفر له من موارد زراعية ومعدنية وثروات ومياه.

(3)

لقد قامت جمهورية السودان في 1/1/1956، وكان منسوب العلاقات السياسية والاقتصادية أقل بكثير مما هو متاح وما هو مطلوب، خصوصاً أن الثورة المصرية لم تعمل لإنجاز رؤية في المسألة السودانية نتيجة للضغوط الخارجية وفشل مشروع الوحدة مع سوريا، وحرب اليمن وهزيمة 1967، ثم حرب أكتوبر وصلح كامب ديفيد الذي قسم العرب، ومع ذلك فإن الفترة ما بين عامي 1978و1985 كانت من أطيب المراحل في العلاقات المصرية السودانية، نتيجة تطبيق سياسات التكامل ما بين مصر والسودان برعاية ودفع من الرئيسين السادات والنميري. للأسف فإن هذه العلاقات ما لبثت أن أخذت في التدهور، نتيجة لأحداث سودانية خرقاء طالبت باستعادة الرئيس نميري من مصر ووصلت إلى حد حرق العلم المصري. ثم جاءت خطوة أخرى خرقاء حين ألغى السيد الصادق المهدي (رئيس الوزراء آنذاك) اتفاقيات التكامل. ثم وصل التصعيد الأخرق منتهاه بعد المحاولة الإجرامية لاغتيال الرئيس مبارك الأمر الذي فتح ملف قضية حلايب، الأمر الذي أسهم في تدهور العلاقات المصرية السودانية.


وحقيقة الأمر فإن مسألة حلايب ليست مهمة لا للسودان ولا لمصر، ولكن تكمن أهميتها في أنها ترمومتر لقياس العلاقات صعوداً وهبوطاً.


اللافت للنظر فإن خط العلاقات بين البلدين آخذ في الصعود منذ عام 2000، بإجازة اتفاقيات الحريات الأربع والزيارات المتبادلة، بما فيها زيارتان قصيرتان للرئيس مبارك. واتضح للسودانيين أن ظهرهم سيكون عارياً في المسرح الدولي دون المساندة المصرية، وللأسف فقد جرت أكبر هندسة سياسية لإعادة تشكيل السودان بعيداً عن مصر وعن الدبلوماسية والخبرة المصرية، ومن سخريات القدر أن هذه الهندسة تمت مابين نيروبي وأسمرا وأبوجا، في ظل دول لا تعرف شيئاً عن السودان، ولم تسهم في تشكيل السودان، كما أن حجمها في السياسة الإقليمية والدولية لا يكترث به كثيراً. (4) لقد خرج السودان من مشاريع التدويل والحروب والمؤامرات مثخناً بالجراح. مهدداً في وحدته، ومهدداً في نسيجه الاجتماعي ومهدداً في ثرواته، ومهدداً في رئيسه وخياراته السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي ظل هذه الظروف يطرح السؤال الكبير: ماذا يريد السودان من مصر؟


في الرد على السؤال يمكننا أن نقول إن للسودان مطالب آنية، وأخرى مرحلية، وثالثة إستراتيجية، يمكن إجمالها في الآتي:


• أولاً على الصعيد الآني والمستعجل، فإن السودان يحتاج إلى الخبرة والدبلوماسية المصرية والعربية للخروج من أزمة دارفور، التي أصبحت في ظرف سنوات قليلة القضية الأولى على المستوى العالمي. وتستمد قضية دارفور أهميتها من ارتباطها بالنفوذ الفرنسي والأمريكي في غرب إفريقيا، وخوف فرنسا من زوال إمبراطوريتها الفرانكوفونية، نتيجة للتحولات العميقة السكانية والعسكرية والثقافية في إقليم دارفور، ونتيجة لأخطاء حكومة الخرطوم في إدارة معركتها هناك، في ظل حرب أهلية أصبحت خارج نطاق السيطرة.


تريد الخرطوم أيضاً من القاهرة المساندة للخروج من فخ أوكامبو، الذي هو أشبه بفخ غزو الكويت الذي نصب للرئيس صدام حسين وأشبه بفخ قطع الاتصال الخارجي عن الرئيس عرفات بعد صلح أوسلو، والنتيجة كانت كارثية على المستويين العراقي والفلسطيني، ويمر السودان بذات الظروف، لأن توقيف الرئيس البشير يعني إنهاء السيادة السودانية، وإعادة تشكيل الخريطة السودانية السياسية من الخارج. ولذلك تأثيره الكبير على مصر والعالم العربي ودول الجوار، لأن السودان يعاقب أساساً لأنه جنوب مصر، وللإحاطة بمصر، وللتمكين لمشاريع معادية للوحدة والمصير المشترك، الذي إذا كان السودان قد فرط فيه، إلا أن فاتورته الكبيرة قد تقوم مصر بدفعها.


كذلك يريد السودان تصفية الآثار السلبية لوضعية حلايب، خصوصاً أن التيارات الانعزالية في السودان قد تتخذها قميص عثمان لإفساد العلاقات بين البلدين. وليتها تعالج بإعلان تحويلها إلى منطقة تكامل، في ظل إدارة مشتركة ومشاريع مشتركة، حتى تكون رصيداً للوحدة ورصيداً لمشاريع الحريات الأربع.


كذلك يتطلع السودانيون إلى المعاملة بالمثل في تنفيذ اتفاقيات الحريات الأربع، وما فيها من حرية للانتقال وتحويل الأموال والبضائع وحرية التملك والعمل. وقد طبق السودان البند المتعلق بالتنقل، بإلغاء التأشيرات تماماً للمصريين. وتجني العمالة المصرية ثمار هذا الإنجاز، بعدما أصبح العامل المصري في فترة وجيزة عماد حركة الإنشاءات والبناء، ويتم الآن توفير ما يعادل 500 فرصة عمل للمصريين كل أسبوع في ذلك القطاع الحيوي، في حين لا تزال السلطات المصرية تتردد في إزالة حاجز التأشيرة عن أهم شريحة سودانية، أعني شريحة الشباب من الذكور ما بين 18 إلى 50 عاماً. كذلك يريد السودانيون فتح الجامعة المصرية وفرص الدراسات العليا لهم، بمعاملتهم ذات معاملة المصريين، فيما يخص إلغاء الرسوم وتعقيدات الموافقة الأمنية وغيرها.


يريد السودانيون أيضاً الإسراع بتنفيذ المشاريع التعليمية التي وعدت بها مصر، مثل مشروع الجامعة التقنية وجامعة الإسكندرية في جوبا، مع التوأمة مع الجامعات السودانية.


• أما مرحلياً، فالمطلوب إكمال مشروع قناة جونقلى، خصوصاً أن الظروف السياسية والأمنية مواتية، مع إجراء التعديلات المطلوبة، لأن الرعاة في جنوب السودان امتعضوا لأنها كانت خالية من الجسور، مما أدى إلى تعويق حركة الماشية. وهذه الجسور تعد صمام حركة الحياة وبدونها لا يتم انتقال البشر. ومعروف أن قناة جونقلى حاضرة وسليمة، وتم إنجاز ثلثيها قبل حرب الجنوب الأخيرة. ولم يبق إلا إكمال الثلث المتبقي، وإعادة تطهيرها لتتدفق المياه وتبدأ الملاحة وينطلق التواصل، حيث ستختصر الطريق ما بين يور إلى ملكال من أسبوعين إلى يومين أو ثلاثة. على الصعيد المرحلي أيضاً، مطلوب إنجاز مشروعات الري المعلقة، والمشاريع الزراعية التي تستوعب الأيادي العاملة السودانية والمصرية، الأمر الذي يوفر الأمن الغذائي لشطري الوادي ويمهد الطريق للتكامل المنشود على مختلف الأصعدة.


* من الناحية الإستراتيجية، مطلوب التفكير في مشاريع الري العملاقة لدارفور ومصر من البحيرات الجوفية، ومن القنوات التي يمكن مدها من خط تقسيم المياه ما بين الكونغو والسودان. مطلوب أيضاً تبني أيديولوجية للوحدة السودانية المصرية، نابعة من خصوصيات السودان وتنوعه، ومؤمنة لاحتياجات مصر المختلفة. وفي هذا الإطار فإننا نرنو للعلم الواحد والجيش الواحد، والرؤية الأمنية المشتركة.


صحيح أن بعض هذا الكلام يبدو الآن آمالاً بعيدة المدى، ولكن خبرة التاريخ علمتنا أنه إذا ما توافرت الإرادة وصدق العزم فإن الأحلام يمكن أن تتحول إلى حقائق بغير عناء.
....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar