Subscribe:

Ads 468x60px

16 ديسمبر، 2008

الهروب العربي الكبير (2من2)

ملحوظة : لقراءة الهروب العربي الكبير (1 من 2) ادخل على الرابط التالى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/12.html

الثلاثاء 18 ذو الحجة 1429 – 16 ديسمبر 2008
الهروب العربي الكبير – فهمي هويدي

رغم أن إسرائيل لم تقبل المبادرة العربية رسميا، إلا أن الأمر المؤكد أنها كانت مازالت أكثر الأطراف سعادة بها، لأنها تحولت إلى قسيمة زواج "عرفي" فتحت البيت وسوغت الدخول.
(1)
من باب التذكرة فقط، أنبه إلى أن المبادرة التي أطلقت في عام 2002 أصبحت مقدمة الآن باسم الدول العربية والعالم الإسلامي، أي أنها تلوح لإسرائيل بأنها ستفتح لها أبواب التطبيع على مصراعيها في 57 دولة. وتلك جائزة كبرى لا ريب. أنبه أيضاً إلى أن المبادرة أعلنت بعد تولي أرييل شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية في عام 2001. وهي تدعو إسرائيل إلى إعلان أن السلام العادل هو خيارها الاستراتيجي (وهو ما فعلته مصر منذ 30 سنة). وتطالبها بالانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، التي تشمل الضفة وغزة والجولان وجنوب لبنان. كما تطالبها بحل عادل لمشكلة اللاجئين يتفق عليها، وبقبول قيام دولة مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو 1967 في الضفة والقطاع وتكون عاصمتها القدس الشرقية، وإذا ما استجابت إسرائيل لهذه الطلبات فإن الدول العربية في هذه الحالة ستقوم بأمرين، أولهما اعتبار "النزاع" العربي الإسرائيلي منتهياً، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل. وثانيهما إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل.
(2)
عند القراءة الثانية لنص المبادرة يلاحظ المرء أنها قدمت إلى إسرائيل مجموعة من الهدايا المجانية التي تتمثل فيما يلي: * الاعتراف المفتوح الذي قررته الدول العربية. وقد اعتبر ذلك الاعتراف مضموناً وجاهزاً، لكنه مؤجل، وينتظر القبول من جانب إسرائيل التي ستحدد هي موعد سريانه.

* وصف ما بين العرب وإسرائيل بأنه "نزاع" وليس صراعاً كما هو التعبير الأدق والأصوب. والفرق بين المصطلحين أن النزاع مصطلح يصف اختلافاً بين حقين، في حين أن الصراع وصف للتدافع الحاصل بين الحق والباطل أي أن الضحية المجني عليها والغاصب المعتدي. وليس مفهوماً لماذا انحازت المبادرة مرتين في تعبيرها إلى الوصف الأول الذي يزور حقيقة الصراع.
* النص على انتهاء الصراع بين العرب والإسرائيليين في حالة موافقة الأخيرين على المبادرة. الأمر الذي يعرض تطوعا بالتنازل المجاني عن فلسطين التاريخية التي اغتصبت إسرائيل 88% من مساحتها، والإقرار بإسقاط كل جرائم الإبادة والنهب والترويع التي تعرض لها الشعب الفلسطيني طوال قرن من الزمان. وخطورة هذه النقطة تتضح أكثر إذا قارنا هذا العرض المفرط في التسامح غير المبرر بموقف إسرائيل من ألمانيا، ذلك أنها مازالت تعتصر الدولة الألمانية وتبتزها ماليا حتى هذه اللحظة في حين ما برحت تجلد الضمير والذاكرة الألمانية بسبب ما تعرض لها اليهود تحت حكم النازيين في أربعينيات القرن الماضي. وقد نشر موقع مجلة "ديرشبيجل" الألمانية في 23/11/2007 أن حكومة بون دفعت تعويضات لإسرائيل عن معاناة اليهود بلغت 88 بليون دولار حتى عام 2007 وفي شهر أكتوبر من هذا العام قررت وزارة المالية الألمانية تخصيص 250 مليون دولار أخرى خلال السنوات العشر القادمة لتغطية نفقات 6 آلاف يهودي لا يزالون أحياء بعد نجاتهم من "المحرقة". أما الجريمة المستمرة بحق الفلسطينيين، التي تعادل أضعاف ما حل باليهود في ألمانيا فإن المبادرة تعرض نسيان فصولها تماما بالمجان، مبدية استعداداً مذهلاً وغير قابل للتصديق لاعتبار كل الفظائع التي جرت لم تكن!

* إسقاط حق اللاجئين في العودة من خلال النص على "حل عادل يتفق عليه".وهو نص ملغوم ظاهره الرحمة وباطنه مسكون بالعذاب والشقاء. كما يذكر الدكتور سلمان أبو ستة المنسق العام لمؤتمر حق العودة في دراسته العديدة حول الموضوع ذلك أن الكلام عن حل عادل يعني أن الموضوع قابل للمساومة، في حين أن عودة اللاجئين حق غير قابل للتصرف كفله القانون الدولي أكثر من مائة مرة، من ثمة فالمطلوب هو تنفيذ الحق وليس المساومة عليه، علماً بأن الإشارة إلى أنه "يتفق عليه" لا تعني إلا شيئاً واحداً هو أن تم ذلك مع الإسرائيليين الذين رفضوا منذ عام 1948 عودة اللاجئين إلى ديارهم.

إن إسقاط حق العودة يعني قبول المبادرة بأن يبقى 70% من أبناء الشعب الفلسطينية البالغ عددهم 11مليوناً في المخيمات والمنافي، لأن 30% فقط من الفلسطينيين هم الذين يعيشون على أرض فلسطين الآن، ولا يخلو الأمر من مفارقة، لأن المبادرة التي أسقطت حق العودة، نصت على رفض توطين اللاجئين في البلاد العربية، الأمر الذي يثير التساؤل التالي: إذا كان على 70% من الفلسطينيين أن يحرموا من العودة إلى بلادهم، وإذا كان توطينهم في البلاد العربية مرفوضاً، فهل يعني ذلك أن يحكم عليهم بالتشرد الأبدي في مختلف أصقاع العالم البعيدة؟
(3)
لم تقبل إسرائيل الهدية التي طمأنتها إلى أن النظام العربي أشهر إفلاسه بحيث لم يعد قادراً على أن يسترد الحق الذي سلب منه بالقوة. بالتالي فإنها أصبحت تستجدي السلام وتتهافت عليه، بعدما غدت عاجزة عن أن تفرضه على نحو يحفظ كرامتها وحقوقها، وفي هذه الحالة فإن المبادرة تحولت إلى مسكن ومهدئ لخواطر الإسرائيليين، وإلى مخدر للعرب. وكانت النتيجة أن الذين هدأت خواطرهم اطمأنوا إلى تأمين ظهورهم فاندفعوا في تنفيذ مخططاتهم. أما الذين تعاطوا المخدر فقد التحفوا بالمبادرة وغطوا في نوم عميق ومن ثم فإنهم أصبحوا جزءا من المشكلة وليس طرفا في حلها!

إننا إذا رصدنا الممارسات الإسرائيلية منذ أن أطلقت المبادرة العربية في عام 2002 وحتى نهاية العام الحالي (2008)، فسوف نكتشف أن الرسالة المعطرة التي بعث بها إليهم القادة العرب في قمة بيروت، استقبلت في تل أبيب بدرجات مختلفة من الازدراء والتجاهل.

يسلط التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2007، الذي أعده مركز الزيتونة في بيروت، أضواء قوية على "إنجازات إسرائيل" في ظل المبادرة العربية، التي منها ما يلي:

* في ذات العام الذي أطلقت فيه المبادرة (2002) شرعت حكومة إسرائيل برئاسة آريل شارون في بناء الجدار العازل. وخلال الفترة الواقعة بين سنتي 2002 و 2007 تم بناء 450 كيلو مترا من ذلك الجدار. وهو ما أدى إلى عزل 274607 كيلو مترات مربعة من أراضى الفلسطينيين، وتهجير 27841 فرداً. وقد تسبب الجدار في إغلاق 3551 منشأة اقتصادية للفلسطينيين. كما كان سببا في مصادرة 49291 دونماً لصالح عملية البناء.

* طبقاً لمعلومات مركز معهد الأبحاث التطبيقية – القدس(اريج) فإن إسرائيل قامت في الفترة من 2001 إلى 2007 بإقامة 122677 وحدة سكنية في المستوطنات، وأن عام 2007 شهد حركة استيطانية مكثفة، إذ تمت خلاله إقامة 32064 وحدة سكنية حتى شهر سبتمبر ذلك العام.

* تم هدم 725 منزلاً للفلسطينيين في القدس، كان يعيش فيها 3554 فلسطينياً، بينهم 2131 طفلاً.

خلال تلك الفترة أيضا أعادت إسرائيل احتلال الضفة بالكامل، وأخلت مسؤوليتها كدولة محتلة عن قطاع غزة، وقامت بتنشيط عملية تهويد القدس، وحاصرت الرئيس ياسر عرفات وقتلته بالسم. في الوقت ذاته فإنها رفعت شعار الدولة اليهودية، في التمهيد لطرد عرب 48 واقتلاعهم من أرضهم وديارهم. وشغلت الفلسطينيين بسلسلة من الألاعيب السياسية التي أوهمتهم بأنهم سيقيمون دولتهم في نهاية عام 2008. وظلت تلوح لهم بتلك "الجزرة" عبر المفاوضات العبثية في حين كانت تحدث انقلاباً في خرائط الواقع بما يجعل تحقيق ذلك الحلم مستحيلاً.

وأخيرا نجحت إسرائيل في اختراق الصف العربي والانخراط في نسيجه السياسي، على نحو صرف الانتباه عن الجريمة التي تجسدها وعن الخطر الذي تمثله على الأمن القومي العربي، بحيث أشاعت بين بعض الدوائر العربية أنها (وهى مازالت تفترس فلسطين وشعبها) لا تشكل خطراً على العالم العربي، وأن إيران هي مصدر ذلك الخطر. ومن مفارقات الأقدار وسخريتها، أن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة بطبيعة الحال، قسمت العرب إلى معسكرين، أحدهما للمعتدلين الذين يصطفون معها ويحذرون من الخطر الإيراني، والثاني للمتطرفين الذين يعارضون سياستها ولا يزالون يعتبرونها الخطر الأول. وبهذا الاختراق فإن إسرائيل ذهبت إلى أبعد، وتحولت إلى لاعب مؤثر في السياسة العربية.
(4)
في نهاية نوفمبر الماضي وجه حوالي 500 من كبار جنرالات الجيش الإسرائيلي المتقاعدين والمسؤولين الأمنيين والدبلوماسيين نداء إلى الحكومة الإسرائيلية لكي تنتهز "الفرصة التاريخية" التي وفرتها مبادرة السلام العربية بإعلان الموافقة عليها والتوصل إلى صفقة نهائية مع العرب والمسلمين تنهي المشكلة خصوصاً مع الفلسطينيين والسوريين.
وهذا المديح للمبادرة سمعناه مؤخراً على لسان الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز الذي رحب بها ودعا إلى إدخال "بعض التعديلات" عليها. وهو أمر مفهوم، يظهر في العلن مدى السعادة التي استشعرها الإسرائيليون حين وجدوا أن الزعماء العرب دب في نفوسهم اليأس واستسلموا للوهن، وقرروا بعد ستين عاماً من الصراع أن يسلموا لإسرائيل أهم ما تريد، الأمر الذي وفر لها درجة من الأمان الاستراتيجي لم تعرفها منذ تأسيس الدولة العبرية في عام 48.

من حق أي أحد أن يطرح السؤال التالي: إذا كانت المبادرة قد وهبت لإسرائيل كل تلك الجوائز التي سبقت الإشارة إليها، فلماذا لم تنتهز الفرصة وتعلن قبولها ؟ ردي على ذلك أن إسرائيل بعد أن ضمنت المبادرة، وأدركت أنها آخر ما عند العرب، في ظل انهيار النظام العربي وانبطاح دوله، فإنها آثرت الانتظار، لأن الوقت في صالحها على طول الخط. فهي تتمدد على الأرض يوماً بعد يوم، ومستمرة في تهويد القدس والتخلص من العرب المقيمين بين ظهرانيها بمختلف السبل (في الأسبوع الماضي نشر الموقع الإلكتروني لصحيفة "معاريف" إعلاناً ملوناً وجذاباً عن أن الإدارة الأمريكية تدعو خمسين ألفا من المقيمين داخل إسرائيل للهجرة إلى الولايات المتحدة والحصول على تصريح العمل والإقامة الدائمة (البطاقة الخضراء). ولأن الإعلان الذي تضمن الشروط والتفاصيل مكتوب باللغة العربية، فلم يكن هناك شك في أنه يستهدف عرب 48 دون غيرهم. وفوق هذا كله وذلك، فإن إسرائيل مستمرة في تدمير حياة الفلسطينيين، خصوصاً عناصر المقاومة بينهم، سواء من خلال التنسيق الأمني مع السلطة القائمة في رام الله، أو بواسطة الحصار الوحشي المفروض في غزة.

ثمة خطاب سياسي عربي يعتبر أن الانقسام الفلسطيني ضيع القضية الفلسطينية وأسقط هيبتها. وهذا كلام إذا كان فيه بعض الصحة إلا أنه غير دقيق لأن الضرر الذي أحدثه الانقسام يأتي في المرتبة التالية بعد الجناية التي أحدثها انهيار القطاع العربي واستسلام دوله لهيمنة الإدارة الأمريكية، التي تسلمت من العرب ملف القضية في مؤتمر "أنا بولس"، بعدما وقعوا صك الاستقالة منها في مبادرة السلام، ومن ثم انتقلوا من موقع الراعي المساند إلى مقاعد المتفرجين الذين أصر بعضهم على الجلوس مغمض العينين. يشهد بذلك الحاصل في قطاع غزة.
..............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar