Subscribe:

Ads 468x60px

24 نوفمبر، 2008

«اكتشاف» في الوقت الضائع

صحيفة الدستور المصريه الحد 25 ذوالقعدة 1429- 23 نوفمبر 2008
«اكتشاف» في الوقت الضائع - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_24.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/733692.html

هل لابد أن يموت المرء حتي يعرف الناس قدره وقيمته؟.. هذا السؤال يخطر لي هذه الأيام، كلما قرأت المراثي التي نشرتها الصحف عن زميلنا الراحل الأستاذ صلاح حافظ، لم يبالغ الذين امتدحوه وتحدثوا عن فضائله كإنسان وكصحفي شريف وعفيف، لم يجامل ولم يداهن، واختار أن يقف طول الوقت بعيدا عن مواكب المنافقين والمهللين، ثم إنه ظل مهموماً بقضايا الوطن ومصير الأمة وحلمها، الأمر الذي دفعه إلي الوقوف في صف المدافعين عن الديمقراطية والحرية، والرافضين للتطبيع وأهله، والمنحازين إلي المقاومة والوحدة والاستقلال الوطني.
الذين كتبوا رثاءهم للرجل، قالوا هذا الكلام وأكثر منه، وأشادوا باستقامته ونزاهته وثباته، ومن ثم فإنهم أنصفوا الرجل وأعطوه حقه و«اكتشفوه» بعد مماته، حتي الذين خاصموه وتجاهلوه وأنكروا عليه في حياته، احترموه غائبا وذكروه بالخير، الأمر الذي يجدد السؤال الذي بدأت به الكلام: لماذا لابد أن يموت الرجل حتي يُنصف وينال حقه من التقدير؟!.
حين أصبح صلاح حافظ كاتبا محترما، فقد كان ذلك بقلمه وخلقه وموقفه، وحين انتخب أمينا عاما لنقابة الصحفيين المصريين، فإن ذلك كان انتخاب زملائه له، وحين تقلد منصب الأمين العام للصحفيين العرب، فقد كان ذلك تعبيرا عن تقدير الصحفيين العرب له، وحين كرمته نقابة الصحفيين المصريين، ومنح جائزة علي ومصطفي أمين وجائزة نادي دبي للصحافة، فإن ذلك ظل تعبيراً عن حفاوة مجتمع المهنة به.
الجهة الوحيدة التي لم تأبه به، ولم تقدره حق قدره كانت الدولة المصرية، ذلك أن الصفات التي خُلعت عليه، والخصال التي ذُكرت له، والقدرات التي اكتشفت فيه، والمواقف النبيلة التي نسبت إليه، ذلك كله كان يؤهله لأن يحتل موقعا متميزا في خريطة الإعلام المصري، بحيث يمكن توظيف تلك الفضائل والشمائل والقدرات في موقع متميز يهيأ له أو مؤسسة صحفية يتولي قيادتها، لكن الذي حدث كان العكس تماماً، إذ ظل صلاح حافظ واقفا في الخلاء مع غيره من الصحفيين المستقلين والشرفاء، وقد تجاهله الذين يرسمون الخرائط ويوزعون الحظوظ علي أبناء المهنة، حتي أزعم أن قائمة الفضائل التي وردت في مرثياته بعد وفاته، حسبت في حياته عليه وليس له، وظلت خصما ًمن رصيد حظوظه المهنية وليس إضافة إليها، وأكاد أتخيل أن بعض المسئولين الذين توافدوا علي سرادق العزاء فيه، وقالوا في حقه كلمات طيبة تعلي من شأنه، وتعبر عن فداحة الخسارة لغيابه، هؤلاء لم يفعلوا ما فعلوه إلا حين اطمأنوا أنه قد دفن فعلا، وأنه قد تم إحكام إغلاق القبر علي جثمانه، ليس لأن الرجل كان مخيفا أو مزعجا، ولكن لأنه كان مستقلا وشريفا.
حالة صلاح حافظ شهادة تفضح بعض عورات زماننا، فالرجل حين حظي بتقدير الناس وحبهم، لأنه ظل حتي آخر رمق متمسكاً باستقلاله وعفة قلمه، فإن السلطة تجاهلته ونفرت منه، الأمر الذي يسلط ضوءاً كاشفاً علي حظوظ الشرفاء في هذا البلد، الذين يتعين عليهم أن يدفعوا ثمن استقلالهم واعتزازهم بكرامتهم، في حين أن تلك الحظوظ توزع بسخاء لا حدود له علي الأتباع والمرضي عنهم، من أصحاب الولاءات الشخصية والارتباطات الأمنية، الذين يجيدون فنون النفاق ويتنافسون في الارتماء علي أعتاب السلطة والسلطان.
ستقول لي إن محبة الناس وتقديرهم فيهما الكفاية، وأنا أوافقك تماما، وأعتبر أن تلك هي الجائزة الكبري التي يمكن أن يفوز بها أي كاتب، ولكني أقول إن ذلك لا يقتضي بالضرورة أن يعيش الإنسان الشريف «شهيداً» في حياته، ولا يذكر له فضل أو تنتصب له قامة إلا بعد وفاته. صحيح أن صلاح حافظ ترك لأسرته سيرة عطرة فقط، لكنه ربما رقد مستريحا في قبره لو أنه استطاع أن يترك لهم شيئا آخر فوق ذلك، وهو ما لم يستطع أن يحققه في رحلة حياته. لقد مات فقيرا لأنه أراد أن يعيش شريفا، رحمه الله وأجزل له العطاء في الآخرة.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar