Subscribe:

Ads 468x60px

14 نوفمبر، 2008

الوقاية خير من العلاج

صحيفة الدستور المصريه الخميس 15 ذو القعده 1429- 13 نوفمبر 2008
الوقاية خير من العلاج – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/11/blog-post_14.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/11/725622.html

دُعيت إلى حلقة تلفزيونية لمناقشة موضوع القنوات الهابطة وكيفية احتواء تأثيراتها السلبية في المجتمعات العربية. وكان ذلك بمناسبة انعقاد مؤتمر حول الموضوع شهدته الدوحة في الأسبوع الماضي، دعت إليه الشيخة موزة بنت ناصر قرينة أمير قطر، واشترك فيه نحو 300 من الخبراء والمتخصصين من العرب والأجانب.

وكان رأيي أن ثورة الاتصال قطعت أشواطاً بعيدة، بحيث جعلت عملية البث والتواصل بين البشر خارجة على السيطرة. وذلك مفيد سياسيا لأنه أتاح لكثيرين أن يتنفسوا بعيدا عن تحكم الأنظمة المستبدة، خصوصا في العالم العربي، وهي الأنظمة التي أزعجها كثيرا هذا التطور وما برحت تحاول إخضاع برامج التلفزيون لرقابتها، وكانت وثيقة تنظيم البث الفضائي التي أقرها أخيرا وزراء الإعلام العرب من أبرز تجليات هذه المحاولة.

صحيح أن الوثيقة تمسّحت في موضوع الأخلاق والفضائل، لكن عين الذين طبخوها كانت على السياسة، بدليل أنهم يشرفون على قنوات لم تقصر في إشاعة الخلاعة والميوعة بين الناس، واحتفظت بالخطوط الحمراء للأمور السياسية وحدها. قلت أيضا إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا يتمثل في كيفية الاحتفاظ بإيجابيات ثورة الاتصال ومحاصرة سلبياتها، وكيف يمكن ألا تؤثر جهود الحصار تلك على حرية الإعلام في التعبير عن هموم الناس وأحلامهم. وهو الحاصل الآن في الديموقراطيات العربية التي تدرس باستمرار كيف يمكن الحد من أضرار البث المفتوح، بعدما تبيّن أن البعض استخدموا تقنيات في ارتكاب الجرائم والاتجار بالبشر.

الصعوبة ليست فقط في إساءة استخدام عمليات البث، ولكنها تكمن أيضا في اختلاف ضوابط ومعايير القيم في المجتمعات المختلفة. ذلك أن مفهوم الأخلاق والآداب العامة، بل حتى مفهوم الأسرة ذاته، أصبح مختلفا تماما في الغرب عنه في العالم العربي وفي المقدمة منه الأقطار الخليجية. ينبغي أن نعترف بأننا لن نستطيع القضاء على المشكلة، ولكننا فقط نتمنى أن نخفف من أضرارها، ببساطة لأن كل ما يراقَب أو يُمنع في عالمنا العربي يظل في متناول الجميع، لأن الباحث عنه سيجده في قنوات أخرى متاحة للكافة. لذلك فإن الجهد الذي يُبذل في الوقاية ينبغي أن يكون أسبق وأن ينال اهتماما أكبر من ذلك الذي يُبذل في محاولة العلاج.

ما أقصده بالوقاية هو أن نسعى إلى تحصين الأجيال الجديدة بالقيم والسلوكيات والمعارف التي تجعلهم أقل عرضة للانحراف والاختراق. وهذا التحصين هو مسؤولية أطراف عدة تبدأ بالبيت وتنتهي بالمدرسة وتمر بوسائل الإعلام المحلية، التي تملكها أو تساهم فيها الدولة. والمشكلة أن هذه الأطراف الثلاثة لا تقوم بالدور الذي يفترض أن تنهض به في هذا الصدد، فالآباء والأمهات أصبحوا يلهثون وراء توفير متطلبات الحياة، ويعملون طوال النهار خارج البيت، والقادرون منهم تركوا أطفالهم لكي تتولى المربيات رعايتهم (على الأقل فذلك حاصل في أغلب دول الخليج)، وتكون النتيجة أن الأجيال الجديدة تتأثر بالتلفزيون والمربيات والأقران في الشارع. أما المدارس وأجهزة الإعلام الخاضعة لسلطات الدولة، فإنها لن تقوم بما عليها إلا إذا كانت الدول لديها إستراتيجية واضحة إزاء مسألة التربية والدفاع عن الهوية. ولأن هذه الإستراتيجية مغيبة في الغالب، فإن الأجيال الجديدة تُترك للتغريب والتلفزيون وتظل بلا حصانة.

على صعيد آخر فإن جهدا يجب أن يُبذل لتقديم برامج تلفزيونية مبتكرة وراقية تجذب الشباب والأجيال الجديدة إليها، وتصرفهم عن متابعة ما هو هابط ومبتذل في القنوات الأخرى.

أما وسائل العلاج الأخرى فينبغي أن تتوافق عليها قنوات البث في العالم العربي، من خلال حوارات خبرائها ووزارات الإعلام فيها، التي مازالت مشغولة بأمن الأنظمة، ولا تشغلها كثيرا مسألة أمن المجتمعات، وأثبتت التجربة أنها معنية بإخضاع الشعوب أكثر من عنايتها بتربيتها.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar