Subscribe:

Ads 468x60px

29 أكتوبر، 2008

في فراغنا يتقدمون

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 27 شوال 1429 – 27 أكتوبر 2008
في فراغنا يتقدمون – فهمي هويدي
كلما زرت تركيا عدت منها بمشاعر الدهشة والحزن، الدهشة لأنهم يخططون ويتحركون وينجزون كل حين، والحزن لأننا نملك الكثير، لكن حركتنا تتسم بالعشوائية، وحصيلة الإنجاز إن وُجِدت، فإنها لا تكاد تمثل تقدما إلى الامام. حضرت في اسطنبول منتدى الاعمال الدولي، استجابة لدعوة حرصت على تلبيتها لكي أعرف كيف يفكر رجال الأعمال في العالم الإسلامي في ظروف الأزمة المالية الراهنة.
وأثار انتباهي في البداية أن رجال الأعمال الفلسطينيين قد أقاموا بدورهم منتدى خاصا بهم، عقد أول اجتماعاته في اليوم السابق على افتتاح منتدى الأعمال الدولي. وإذا سألت لماذا يذهب واحد مثلي ليس له في المال أو الأعمال الى ملتقيات من هذا القبيل، فردي اختصره في السؤال التالي: من منا ظل بعيدا عن الاقتصاد، بعدما أُجبرنا على متابعة تطوراته، حتى أصبحت مصطلحاته ومفرداته ومؤشراته مقررة علينا جميعا، وصرنا نتلقى فيها دروسا في نشرات الأخبار صباح ومساء؟
من الأفكار التي ترددت بقوة في المؤتمر وحوارات المشاركين (2300 رجل أعمال معهم 24 وزيرا من أنحاء العالم الاسلامي) أن ما جرى يعزز ثقة المسلمين في نظامهم الاقتصادي الذي يجرِّم الربا ويشجع على المرابحة، خصوصا بعدما تبين أن فوائد القروض العقارية كانت احد أسباب الكارثة التي بدأت بالـولايات المتحدة ولا يزال صداها يتردد في أنحاء العالم. وإذ تحدث البعض عن تكاتف الدول الغربية من أجل تجاوز الأزمة، فإن الدول العربية والإسلامية أصبحت أحوج ما تكون إلى مراجعة نظامها الاقتصادي وتطويره، وإلى مد جسور التعاون فيما بينها، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لتخفيف تأثير الأزمة العالمية على اقتصادياتها. كانت تركيا تقدِّم نفسها باعتبارها نموذجا اقتصاديا ناجحا للنهوض والانتشار، حيث اصبح ترتيبها السابع عشر بين الدول الصناعية في العالم، كما أصبحت القوة الاقتصادية السادسة في اوروبا. وقد استطاعت أن تصل بصادراتها الى 200 دولة بقيمة 200 مليار دولار، والى جانب ذلك فإنها تسهم في تنفيـذ مشروعات للإعمـار في 7 دولة بقيمة 110 مليارات دولار.
ولفت نظري أن تركيا تتجه بصادراتها الى الجنوب بصورة تدريجية، فقبل عام كانت صادراتها تتجـه إلى دول الاتحـاد الاوروبي بنسبة 57 ٪، وقد انخفضت الى 48 ٪ هذا العام، في الوقت الذي زادت صادراتها الى العالم العربي خلال العام الاخير بنسبة 44 ٪، وقد احتلت صادراتها الى دولة الامارات رأس القائمة، حتى أصبحت اكبر شريك تجاري لها، حيث تضاعفت الصادرات 4 مرات خلال السنتين الأخيرتين.
قال الأتراك إنهم منذ سنة 2000 وضعوا ثلاث أولويات لنشاطهم الاقتصادي الخارجي، فاحتلت دول الجوار المرتبة الأولى، وبعدها الدول العربية والإسلامية، ثم الدول الأفريقية، وان كانوا قد قطعوا أشواطا طيبة في علاقاتهم مع دول الجوار والعالم العربي والإسلامي، فإنهم انفتحوا هذا العام على أفريقيا، وأنجزوا الكثير معها حتى أن الحكومة التركية قررت فتح عشر سفارات جديدة لها في أنحاء القارة، حين وجدوا أن السوق هناك مفتوحة بشكل كامل، واكتشفوا أن إقامة السفارات العشر كلفتهم أعباء مالية تقل عما تتكلفه سفارة واحدة في أوروبا.
حينما سمعت هذا الكلام، ظللت أردد بين الحين والآخر: إن هذه أسواقنا في مصر، فتحناها ونشطنا فيها حينا من الدهر، ثم انسحبنا منها بصورة تدريجية، وتمدد الأتراك في فراغنا، ولا غرابة في ذلك، لأن الذي حدث في الاقتصاد كان انعكاسا للسياسة التي انسحبنا منها، فتقدم غيرنا ليملأ الفراغ الذي تركناه، وكانت النتيجة أننا عجزنا عن النهوض بالبلد واستقلنا من النهوض بالدور في الدوائر المحيطة بنا، وذلك لعمري سبب كاف للشعور بالحزن والغم. وغدا نواصل.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar