Subscribe:

Ads 468x60px

28 أكتوبر، 2008

أخيرا ارجنكون في القفص

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 28 شوال 1429- 28 أكتوبر 2008
أخيرا ارجنكون في القفص – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_28.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/711453.html

تسجل تركيا هذه الأيام صفحة جديدة في تاريخها‏,‏ بعدما أمسكت بأهم خيوط الحكومة الخفية‏,‏ التي ظلت تتحكم في مصير البلد طوال نصف القرن الأخير علي الأقل‏.
‏‏(1)‏ هو زلزال سياسي بكل المعايير‏,‏ تلمس أصداءه فور وصولك الي استنبول‏,‏ التي تجري علي أرضها محاكمة العصر‏.‏ اذ لايزال كثيرون غير مصدقين ان كابوس الحكومة الخفية الممثلة في منظمة أرجنكون بصدد الزوال‏.‏ وهي التي ظلت تتربص بالحياة السياسية منذ منتصف القرن الماضي‏,‏ محركة عددا من الأحداث الكبيرة أو الغامضة‏,‏ التي ظلت تهز البلاد وتصدم الرأي العام بين الحين والآخر‏,‏ من الانقلابات العسكرية الاغتيالات والتصفيات‏,‏ مرورا بزرع المتفجرات وإطلاق المظاهرات‏.
‏وصلت الي استنبول مع بدء المحاكمة الكبري‏(‏ الأثنين‏10/20)‏ التي جرت بضاحية سيلفيري بالقسم الأوروبي من استنبول‏.‏ ومن الواضح أن الحكومة حرصت علي أن تطلع الرأي العام أولا بأول علي تفاصيل القضية‏,‏ حتي يعرف الجميع حقيقة ما كان يجري في تركيا خلال العقود الخمسة السابقة‏,‏ فنشرت علي موقع بالانترنت أسماء كل المتهمين‏(84‏ حتي الآن وقد ألقي القبض علي‏25‏ آخرين في الأسبوع الماضي‏).‏ كما نشرت لائحة الادعاء المقدمة ضدهم التي وردت في‏2500‏ صفحة‏.‏ وقيل إن هناك‏5‏ ملايين وثيقة تؤيد الادعاءات والجرائم المنسوبة اليهم‏.‏
أكثر ما أثار الانتباه في قائمة المتهمين أن علي رأسهم ثلاثة من جنرالات الجيش المتقاعدين‏,‏ ورئيس جامعة استنبول السابق وأحد كبار الصحفيين‏.‏ إضافة إلي أعداد من رجال الجيش والشرطة‏,‏ والقوميين المتطرفين المنخرطين في منظمة حماية الأفكار الاتاتوركية‏.‏ وأي متابع للمحاكمة التركية يعرف أن القبض علي الجنرالات خط أحمر‏,‏ باعتبار أن الاصل في النظام السائد ان يقبض الجنرالات علي البلد وعلي المواطنين‏.‏ وكان لابد أن تحدث معجزة خارقة حتي يحدث العكس‏.‏‏
(2)‏وحدهم المتابعون للحالة التركية ـ فضلا عن عموم الاتراك بطبيعة الحال ـ الذين يدركون دلالة إلقاء القبض علي الجنرالات ومحاكمتهم‏.‏ ذلك أن الجيش هناك محاط بهالة من القداسة‏,‏ وجنرالاته يعتبرون أنفسهم ورثة أتاتورك وحماة العلمانية والاوصياء علي الجمهورية‏.‏ لكن دولة الجيش لم تستمر وسلطانهم تراجع بمضي الوقت‏,‏ خصوصا بعدما اشترط الاتحاد الأوروبي علي تركيا ان تقلص دور الجيش في الحياة السياسية‏,‏ حتي أصبحت الاغلبية في مجلس الأمن القومي للسياسيين المدنيين‏,‏ وحين غلت يد العسكر عن القرار السياسي‏,‏ صار المجتمع أكثر جرأة في التعامل معهم‏.‏
تجلت تلك الجرأة حين أصدر رئيس الاركان الحالي بيانا هاجم فيه بشدة الصحف التي انتقدت إهمال الجيش في الدفاع عن أحد المراكز الحدودية في جنوب شرقي البلاد‏,‏ كان قد تعرض لهجوم من قبل حزب العمال الكردستاني في بداية الشهر الحالي‏,‏ وحينذاك رد عليه رئيس تحرير صحيفة طرف أحمد الطاق بمقال عنيف كان عنوانه من أنت أيها الجنرال حتي تهددنا؟ كان المقال جريئا في مفرداته وفي لغته‏,‏ فلم يسبق ان خوطب الرجل بصفته جنرالا‏.‏ إذ كان يشار اليه عادة باعتبار الباشا‏(‏ القائد‏)‏ أو رئيس الأركان‏,‏ كما لم يسبق لأحد ان سأله من أنت‏,‏ ولا بماذا تهددنا بل إن الكاتب سخر منه حين سأله عما إذا كان سيوجه طائراته النفاثة اف‏16‏ لقصف مقر جريدة طرف؟ في الوقت ذاته فان الصحف انتقدت بشدة قائد القوات البرية لانه مشغول بلعب الجولف أثناء مراسم دفن أحد الجنود الذي قتلته غارة حزب العمال الكردستاني علي المركز الحدودي‏.‏‏
(3)‏كنت قد سمعت بمنظمة‏(‏ ارجنكون‏)‏ قبل أحد عشر عاما‏,‏ حيث حدثني عنها أحد الخبراء المتخصصين في ملفها‏,‏ وقد طلب مني حينئذ ألا أذكر اسمه‏,‏ ونشرت في‏21‏ مايو‏1997‏ مقالا كان عنوانه الحكومة الخفية في تركيا‏,‏ ركز علي نفوذ الجيش في الخريطة السياسية‏,‏ باعتباره الحليف الرئيسي للمنظمة‏,‏ قيل لي إن كلمة ارجنكون لها رنينها الخاص في الذاكرة التركية‏,‏ اذ تقول الاسطورة ان الصينيين حين هاجموا القبائل التركية اثناء وجودها في وسط آسيا‏,‏ موطنها الاصلي‏,‏ فانهم سحقوهم وقضوا عليهم‏,‏ بحيث لم يبق من الجنس التركي إلا عدد قليل من الناس‏,‏ احتموا بواد عميق باسم ارجنكون وهناك ظلوا مختفين ومتحصنين سنين عددا‏,‏ تكاثروا خلالها حتي ضاق بهم المكان‏,‏ ولم يعرفوا كيف يخرجون منه‏,‏ حتي ظهر في حياتهم الذئب الأغبر الذي دلهم علي طريق الخروج‏,‏ ومن ثم أتيح لهم ان ينفتحوا علي العالم ويقيموا دولتهم الكبري‏.‏ وإذ اصبح الذئب الأغبر رمزا عن القوميين الأتراك فان كلمة ارجنكون أصبحت رمزا للحفاظ علي الهوية وبقاء الجنس اذ لولاه لاندثر الأتراك ولم يعد لهم وجود‏.
‏في مقال الحكومة الخفية الذي نشر لي قبل أحد عشر عاما استعرت عنوانا رئيسيا نشرته صحيفة يني شفق آنذاك تساءلت فيه‏:‏ من صاحب القرار في تركيا؟ ذلك أن رئيس الوزراء انذاك كان نجم الدين اربكان زعيم حزب الرفاه الاسلامي‏,‏ لكن رئاسة الأركان نازعته سلطته وظلت تمارس ضغوطها عليه حتي اضطرته للاستقالة في نهاية المطاف‏.‏
تحدثت في المقال عن أنني حاولت أن أتحري حقائق ذلك العالم الخفي الذي يتحكم في الحياة السياسية التركية‏.‏ ونقلت عن بعض الباحثين الاتراك الذين لقيتهم قولهم لي‏:‏ لا تجهد نفسك كثيرا في محاولة التعرف علي الحقيقة‏,‏ لأنها لا تستعصي علي المراقب القادم من الخارج فحسب‏,‏ وأنما تستعصي علي الأتراك أنفسهم‏..‏ الذين يعرفون أن الخفي منها والمجهول أكثر من المعلوم‏.‏‏
(4)‏ منذ صعود القوي ذات الخلفية الاسلامية الي مواقع متقدمة في الحياة السياسية التركية استنفر العلمانيون المتطرفون قواهم وأصبح شغلهم الشاغل هو كيفية قطع الطريق عليهم وإفشال تجربتهم‏,‏ باعتبارهم يمثلون تهديدا مباشرا للعلمانية والتراث الكمالي‏.‏ وأصبحت هذه المهمة أحد أهداف منظمة ارجنكون‏,‏ التي تتعدد الأقوال في منشئها‏,‏ فمن قائل انها امتداد لجماعة الاتحاد والترقي التي خلعت السلطان عبدالحميد وقضت علي الخلافة الأسلامية‏,‏ وقائل إنها كانت ذراعا لحلف الناتو الذي انضمت اليه تركيا في بداية الخمسينيات‏,‏ وانها كانت ضمن المنظمات التي شكلتها المخابرات المركزية في أوروبا لمكافحة الشيوعيين في مرحلة الحرب الباردة‏,‏ لكن الذي لا يختلف عليه احد أن أصابعها كانت هناك في أغلب القلاقل والاضطرابات التي شهدتها تركيا‏.‏ وانها انتشرت في مختلف مفاصل الدولة حتي قدر أحد الخبراء اعضاءها بنحو‏40‏ ألف شخص‏.‏
ثمة حادث وقع في شهر نوفمبر من عام‏1996‏ يسلط الضوء علي مدي قوة وانتشار تلك المجموعة الخطيرة‏,‏ ذلك أن سيارة مرسيدس سوداء كانت تسير مسرعة علي أحد طرق غرب تركيا‏,‏ فخرجت عليها سيارة شحن كبيرة صدمتها وقتلت ثلاثة من ركابها‏,‏ أحدهم كان مدير الأمن السابق لمدينة استنبول‏,‏ والثاني أحد زعماء المافيا الخطرين والمطلوبين محليا ودوليا‏,‏ والثالثة ملكة جمال سابقة لتركيا كانت عشيقة الثاني‏.‏ أما الرابع الذي جرح فقط فقد كان شيخ عشيرة كرديا يتمتع بالحصانة البرلمانية‏,‏ في التحقيق تبين ان المجموعة كانت قادمة من أزمير‏,‏ عقب اجتماع عقدته مع وزير الداخلية في الحكومة‏,‏ وان السيارة كانت تحمل سلاحا‏,‏ وحيث قدمت الاستخبارات تسجيلاتها التي تتبعت بها بعض ركاب السيارة‏,‏ تبين ان السيدة تانسو شيللر نائبة الوزراء في الحكومة كانت علي اتصال مع واحد منهم‏,‏ هي وزوجها الذي لا يقل أهمية عن ذلك ان القضية تمت لفلفتها حيث اختفت البصمات من ملف القضية‏,‏ وصدرت احكام مخففة لحق الذين اتهموا فيها وأفلتت احدي خلايا منظمة ارجنكون من العدالة‏.‏ وكان أحد الأسباب التي أدت إلي ذلك ان الحكومة كانت ضعيفة في مواجهة الجيش‏(‏ رئيس الاركان وقتذاك احتج ورفض مساءلة مدير الدرك‏,‏ معتبرا ان ذلك من اختصاص الجيش وحده‏).‏
هذه المرة وقعت المصادفة في ظل وضع اختلفت فيه موازين القوة في تركيا‏.‏ فقد دأبت بعض الأبواق الاعلامية علي اتهام الحكومة بأنها تسعي لتطبيق الشريعة في البلاد‏,‏ وكان ذلك مبررا لتنظيم بعض مظاهرات الاحتجاج باسم الدفاع عن العلمانية‏.‏ في هذه الاجواء القيت قنبلتان علي فناء صحيفة الجمهورية المتطرفة‏(‏ مدير تحريرها متهم في القضية‏),‏ للإيحاء بأن الاسلاميين يريدون تخويفها‏.‏ وبعد ذلك قتل أحد المحامين قاضيا في المحكمة العليا‏,‏ وقال القاتل في التحقيق إنه أقدم علي فعلته لأن الرجل من معارضي السماح للمحجبات بالدراسة في الجامعة‏,‏ وبطبيعة الحال فان الابواق العلمانية استشهدت بما جري‏,‏ وراحت تحذر من مغبة السياسة التي تتبعها الحكومة‏.‏
الحادثان وقعا في السنة الماضية‏,‏ التي كانت أجهزة الأمن تراقب خلالها شقة سكنية في ضاحية العمرانية باستنبول‏,‏ وحين اقتحمت الشقة وجدت فيها مخزنا للاسلحة وعدة وثائق بالغة الأهمية‏.‏ إذ اكتشفت أن بها قنابل من نفس الطراز الذي ألقي علي صحيفة الجمهورية‏,‏ وعثرت علي صورة لقاتل القاضي مع أحد الجنرالات المتقاعدين‏,‏ وصورة أخري لقائد الشرطة العسكرية السابق‏,‏ الذي يعد أحد اهم خمسة قيادات عسكرية في البلاد‏,‏ وصورة لجنرال ثالث مع مؤسس جمعية الدفاع عن الأفكار الاتاتوركية وكانت تلك الوثائق هي الخيوط الأولي التي تتبعتها أجهزة الأمن والتحقيق التي كشفت عن حلقات أخري في التنظيم الجهنمي‏,‏ واشارت الي علاقة لارجنكون بحزب العمال الكردستاني الانفصالي الداخل في صراع مع حكومة أنقرة‏.‏ وهناك شكوك يرددها البعض عن علاقة لعبدالله أوجلان بالتنظيم‏(‏ حماه كان مسئولا كبيرا في الاستخبارات‏)‏ الذي يكتشف فيه جديد كل يوم لا أحد يعرف بالضبط حجم الجزء الغاطس منه‏.‏
أحد الخبراء قال لي انهم لا يستبعدون أن يرد التنظيم بتوجيه ضربة من أي نوع للحكومة التي دخلت معهم في مواجهة مكشوفة لأول مرة في التاريخ التركي المعاصر‏.‏ وقد تأتي الضربة من حركة مفاجئة داخل الجيش‏,‏ ولا يستبعد ان يتعرض رئيس الوزراء أردوجان للاغتيال‏,‏ كما لا يستبعد ان يلقي رئيس الجمهورية عبدالله جول المصير ذاته‏,‏ بحيث يتكرر معه ما جري مع الرئيس الاسبق توركوت اوزال‏,‏ الذي تتواتر الروايات عن أن تنظيم ارجنكون قام بتسميمه عام‏1993,‏ لكن الأهم في الأمر أن ارجنكون أصبحت اخيرا في قفص الاتهام‏,‏ وأن المحاكمة بدأت منذ اسبوع وقد تستمر لسنة أو سنتين‏.‏

2 التعليقات:

☼♫♪ عمــاد الدين يــوسف ☼♫♪ يقول...

عزيزي م . محمود فوزي

اولا : اشكر لك مجهودك الرائع في نقل مقالات استاذنا النجيب الى هاهنا ليتسنى لكل القراء متابعة الاستاذ

ثانيا : في شأن ارجنكون اقول كثرت ارجنكونات بلاد العرب والمتحكم واحد ولا يخفى علينا انه قطعا هناك صفوف ثانيه بخلاف الاولى التي تعتبر واجهه زخرفيه لا غير وان المتحكم في الخفاء وخلف الستر
تنفذ سطوته الى مواقع صنع القرار يشكلها بما يواتي اهوائه وتوجهاته التي غالب الظن هي ضد امننا القومي ، وهذه ما عهدنا عليه اوطاننا من ضعف ووهن وانعدام الشفافيه وفي ظل هذا وذاك وتلك يتيه المواطن البسيط على وجهه تحت وطأت الظروف المحيطه غير عابئ بالرياح التي تسير السفن .

وحسبنا الله ونعم الوكيل

م/محمود فوزى يقول...

الاخ الكريم عماد
جزاكم الله خيرا على كلامكم
بالفعل توجد مثل منظمات ارجنكون

نتمنى ان تنصلح الاحوال وتختفى مثل تلك المنظمات

ربنا يرحمنا

Delete this element to display blogger navbar