Subscribe:

Ads 468x60px

27 أكتوبر، 2008

الهجرة داخل الوطن

صحيفة الدستور المصريه الأحد 26 شوال 1429 – 26 أكتوبر 2008
الهجرة داخل الوطن – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_27.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/710570.html

حين وجه مذيع قناة الجزيرة سؤالا إلى وزير السياحة المصري بلغة عربية فصيحة، فإن الوزير رد عليه بالعامية ولم يستطع ان يخاطبه باللغة نفسها، صحيح ان المذيع جميل عازر كان متمكنا من الفصحى بحكم خبرته الطويلة في الاذاعة البريطانية الناطقة بالعربية، التي تتشدد في إلزام المذيعين بقواعد اللغة، الا ان الوزير كان معبرا بدوره عن حالة عناصر النخبة في مصر الذين اصبحوا يجيدون اللغات الاجنبية، الانجليزية بوجه أخص، في حين يتعثرون في الحديث بالعربية الفصحى.

شهدت مؤتمرا في دبي حضره رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف، وألقى فيه كلمة مكتوبة، التقطت أذني فيها أربعة أخطاء نحوية، وحين وجه اليه رئيس الجلسة الأميركي الجنسية سؤالا باللغة الانجليزية، فإنه رد بطلاقة أثارت الانتباه، حتى بدا وكأن الانجليزية وليست العربية هي لغته الأم. وفي احتفال أقيم بأحد فنادق القاهرة الكبرى لتقديم جائزة الشعر للفائزين بها، وقف السيد فاروق حسني ليلقي كلمة الافتتاح، ولكنه لم يستطع وهو وزير للثقافة أن يتكلم بالفصحى لأكثر من ثلاث دقائق، وكانت عباراته ركيكة ومرتبكة، الأمر الذي اضطره الى إنهاء كلامه بسرعة، خصوصا ان مستمعيه كانوا جميعا من المهتمين بالشعر واللغة العربية.

الظاهرة تدعو إلى القلق، ليس فقط لان النخبة يعانون من الفقر في حصيلتهم اللغوية العربية، ولكن ايضا لانهم افراز نظام تعليمي وحالة ثقافية لم يحترم أي منهما لغة البلد الذي ينتمون اليه، ووجدوا في اجادتهم للغات الاجنبية تميزا لا يحصله الذين اكتفوا بالفصحى، وحتى لا يساء فهم كلامي فإنني تماما مع الاحاطة باللغات الاجنبية واجادتها، بشرط واحد هو الا يكون ذلك على حساب تعلم الفصحى والتمكن منها.

الادهى من ذلك والأمر ان هذه النخب التي نعيب عليها الضعف في التعامل مع الفصحى، يبدو انهم افضل حالا من اجيال جديدة ليست ضعيفة في الفصحى ولكنها جاهلة بها في الاساس، ذلك انه في ظل انهيار العملية التعليمية في مصر، فإن كل القادرين على إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة لم يترددوا في إلحاقهم بها، في الوقت ذاته، فإن نسبة كبيرة من تلك المدارس تركز على التعليم بالانجليزية، وتعتبر ذلك ميزة وعنصر جذب لأولياء الأمور الذين يعتبرون أن التمكن من الانجليزية يهيئ لأبنائهم فرصا أفضل في المستقبل. وإزاء ذلك فمن الطبيعي ان تخرج لنا هذه المدارس اجيالا مقطوعة الصلة باللغة الأم، قد لا تجهل الفصحى فحسب، ولكنها تحتقرها أيضا.

إن السؤال الذي يطرح نفسه، في هذه الحالة هو: أين دور الحكومة؟ وما موقف السياسة التعليمية من هذه الظاهرة؟ اننا لا نكاد نجد موقفا واضحا من هذه المسألة، كما اننا لا نلمس اثرا لسياسة تعليمية حازمة، تعنى بتربية الاجيال الجديدة تربية سوية تصقل شخصيتها وتعتبر الاعتزاز باللغة من مظاهر الكبرياء الوطني والاعتزاز بالذات، والعكس صحيح بطبيعة الحال، لان احتقار اللغة هو من مظاهر احتقار الذات.

والامر كذلك فلعلي لا أبالغ اذا قلت ان تدهور أوضاع اللغة والازدراء بها هو في حقيقته تعبير عن الهزيمة الحضارية، وقد نبهنا ابن خلدون الى ان المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب، ليس في سلوكه وعاداته فحسب، ولكن في لغته ايضا. وقديما قيل ان اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال، الامر الذي اذا صح فإنه يدلنا على ان المشكلة ليست في ألسنة اعوجت ولغة تدهورت، وإنما هو استسلام للهزيمة والانكسار، وشعور باليأس من الحاضر والمستقبل، يدفع البعض الى الهجرة خارج الوطن، ويدفع آخرين الى الهجرة مع الاستمرار في داخل الوطن.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar