Subscribe:

Ads 468x60px

21 أكتوبر، 2008

مراجعات هناك وتراجع هنا- ممنوع

مقال ممنوع من النشر فى الأهرام المصريه ونشر فى الشرق القطريه والخليج الاماراتيه والوطن الكويتيه ومدونة مقالات فهمي هويدي ومدونة مقالات فهمي هويدي

الثلاثاء 21 شوال 1429 – 21 أكتوبر 2008
مراجعات هناك وتراجع هنا- ممنوع -فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_21.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/705711.html

لم يعد هناك شك في أن العالم مقبل على تحولات ومراجعات مهمة، ليس هناك ما يدل على أن العالم العربي سيكون جزءاً منها.
(1) بعض هذه التحولات ماثل تحت أعيننا الآن، فانهيار الاقتصاد الأمريكي، أفقد الولايات المتحدة سيطرتها على الأسواق العالمية، وانهى دورها كقوة اقتصادية عظمى، الأمر الذي فتح باب الاجتهاد في أسس النظام الرأسمالي والفكر الليبرالي، وأعاد إلى الواجهة مبدأ تدخل الحكومات في الاقتصاد وأهمية دور القطاع العام، في حين وجه ضربة قاضية إلى الإدعاء الذي استمر طويلاً، مؤكداً أن الأسواق قادرة على ضبط نفسها بصورة تلقائية.

ما هو اقتصادي في التحولات والمراجعات أصبح معلوماً للكافة، من خلال الكتابات اليومية والحوارات المفتوحة حول الأزمة الراهنة واحتمالاتها، التي أعادت إلى الأذهان شبح أزمة الكساد الكبير الذي ضرب الولايات المتحدة عام 1919م، كما أعادت مناقشة أفكار كارل ماركس في كتابه "رأس المال"، وكتاب أوزوالد شبنجلر حول "أفول الغرب".

إلى جانب مناقشة الأفكار فإن مراجعات السياسات شملت جانباً يهم العالم العربي، ودوله النفطية بوجه أخص. ذلك أن الأزمة التي تمر بها الولايات المتحدة. فتحت أعين خبرائها على أهمية إعادة النظر في سياسة الاعتماد على النفط المستورد الذي وصلت أسعاره في النصف الأول من العام الحالي إلى معدلات أثقلت كاهل المواطن الأمريكي. ذلك أن الولايات المتحدة تستهلك ما يزيد على 20 مليون طن برميل يومياً، يتم استيراد 12 مليوناً منها. ووفق الأسعار التي سجلت في النصف الأول من العام الحالي (2008) فإن الولايات المتحدة ظلت تحول لحساب الدول المصدرة للنفط حوالي بليون و300 مليون دولار في اليوم. أي ما يعادل 475 مليار دولار في السنة. الأمر الذي نبه الخبراء إلى أن ذلك وضع يتعذر استمراره خصوصاً ان الأزمة مرشحة للاستمرار لعدة سنوات قادمة.

هذه الخلفية الضاغطة على الاقتصاد والسياسة في الولايات المتحدة، دفعت المخططين إلى التحذير من خطورة استمرار الوضع الراهن، والدعوة إلى الإقلال من الاعتماد على النفط المستورد، الذي يعلم الجميع أن عمره محدود (لا يتجاوز ما بين عقد أو عقدين). ذلك أنه إلى جانب الضغط على الموازنة الأمريكية، فإن الخبراء الأمريكيين تحدثوا عن أن المبالغ الكبيرة التي تحول إلى الدول المنتجة للنفط وفرت لها قوة اقتصادية، جعلتها قادرة على تحدي الإدارة الأمريكية. على الأقل فذلك حدث مع روسيا وفنزويلا وإيران.
وللدبلوماسي الأمريكي المخضرم ريتشارد هولبروك مقالة مهمة في هذا الصدد، نشرتها مجلة السياسة الخارجية (فورين افيرز) في عدد أول سبتمبر الماضي. (للعلم فإن عدة شركات كبرى لصناعة السيارات أعلنت أنها خلال سنتين أو ثلاث ستنتج سيارات تعمل بالطاقة الكهربائية ولا تعتمد على النفط، في مقدمة هذه الشركات فولكس واجون ورينو وشيفروليه و بي. ام.دبليو)
(2) في بداية الشهر الحالي قدم بول وولفويتز رئيس مجلس مستشاري الأمن الدولي بالخارجية الأمريكية ونائب وزير الدفاع السابق دراسة وقع عليها 17 من الباحثين في الشؤون الاستراتيجية، تحدثت عن أن الصين تمثل التحدي الحقيقي والخطر الذي يهدد الولايات المتحدة في القرن الحالي. واستندت في ذلك إلى التنامي الملحوظ في موازنتها وقدرتها العسكرية والتقدم الذي أحرزته على صعيد التسلح النووي (ذكرت الدراسة أن لدى الصين مائة رأس نووية على الأقل)، إضافة إلى محاولتها الانتشار خارج حدودها من خلال قواعدها العسكرية ومشروعاتها الاقتصادية وهذا التحذير من القوة العسكرية الصينية لم يغفل قوتها الاقتصادية المتعاظمة.
هذه الإشارة إلى دور الصين و"خطرها"، حين يتبناها رجل من مهندسي غزو العراق ظل طول الوقت يحذر من خطر الإرهاب، ويعتبره التحدي الأكبر للولايات المتحدة، تعني فيما تعني أن ثمة تحولاً في ترتيبات الأولويات في دوائر صنع القرار الأمريكية. علماً أننا سمعنا هذا العام تصريحات أمريكية تحدثت عن أن الحرب ضد العراق اختارت الجبهة الغلط في مواجهة الإرهاب، وأن مخططي تلك الحرب كان ينبغي أن يتجهوا إلى أفغانستان وليس العراق.
وفي الوقت الذي تطلق فيه تلك التصريحات لتغطية الانسحاب الأمريكي من العراق. ومحاولة الخروج من مستنقعه، فإن الدول الأوروبية تبذل جهداً موازياً للخروج من مستنقع أفغانستان، وسحب قواتها من ذلك البلد الذي تورطت قواتها فيه أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وما برحت تبحث عن مخرج من هذه الورطة.
مثل هذه الإشارات إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الحرب على الإرهاب لم تعد تمثل أولوية فى الأجندة الغربية. وهو ما تم التوصل إليه من خلال المراجعات التي تمت في دوائر صنع القرار في عواصم الغرب.
من التحولات المهمة التي شهدها العام الحالي أيضاً عودة الروح إلى الدور الروسي، الذي توارى خلال السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي. وهذه العودة تمثلت في الجهد المبذول لتحديث القوات المسلحة، والإعلان عن إطلاق صاروخ بعيد المدى قادر على اختراق أنظمة الدفاع الأمريكية. كما تمثلت في حملة التأديب الروسية لجورجيا، وذهبت إلى حد إجراء مناورات روسية فنزويلية، وتحرك موسكو في أمريكا اللاتينية لدرجة دفعت نائب رئيس الحكومة الروسية إيجور سيشين إلى توجيه ”نصيحة“ إلى واشنطن دعاها فيها إلى الكف عن الاعتقاد بأن أمريكا اللاتينية هي بمثابة "حديقة خلفية" للولايات المتحدة، ترتب لها حقوقاً خاصة فيها. إلى غير ذلك من الشواهد التى لا تعيدنا حقاً إلى سنوات الحرب الباردة، ولكنها على الأقل لا تعزز احتمالات تحقيق الوفاق الدولي وتقسيم مناطق النفوذ بين الجانبين.
(3) يتعذر على المرء أن يستعرض فى الحيز المتاح مختلف مظاهر التغير في الخرائط السياسية وموازين القوى التي تتحرك في ظلال الأزمة الاقتصادية الراهنة، لكن أكثر ما يعنينا فيها أمران، أولهما وجودها كحقيقة تتشكل على الأرض، وثانيهما تأثيرها على العالم العربى. أما الأولى فقد ثبتت شواهدها بالفعل. وما ذكرته تواً يمثل بعض مظاهر ذلك الوجود. وأما الثانية فهي ما تحتاج منا إلى بعض التحليل، الذي يساعدنا على المضي فيه الملاحظات التالية:

إن الولايات المتحدة ما زالت تتعامل مع العالم العربي باعتباره حديقة خلفية لها. تتمتع فيه بكلمة مسموعة تفوق في تأثيرها كلمتها في أمريكا اللاتينية. عند الحد الأدنى فإن الخرائط السياسية في أمريكا اللاتينية. أفرزت مجموعة من الأنظمة التي جهرت بتمردها على الإملاءات الأمريكية، حتى مدت جسورها مع موسكو على النحو الذي سبقت الإشارة إليه، في حين أن العالم العربي لم يشهد تطوراً مماثلاً، حيث تظل "موالاة" السياسة الأمريكية هي الأصل، حتى أصبحت بعض الخطوات والتحركات السياسية التي تتم في العالم العربي محكومة بطبيعة الأضواء الصادرة من واشنطن، وما إذا كانت حمراء أم خضراء أم صفراء. وهو ما تجلى مثلاً في القمة العربية بدمشق، التي كان لواشنطن رأيها حتى في مستوى تمثيل بعض الدول العربية بالمؤتمر.

إن العلاقات المتأرجحة بين واشنطن وموسكو لها تأثيرها في خرائط المنطقة. فإذا اتجهت إلى التفاهم فإن ذلك قد يؤدي إلى الاعتراف بالمصالح الاستراتيجية لروسيا مع بعض الدول ذات العلاقات التاريخية معها. مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر. أما إذا اتجهت تلك العلاقات إلى التفاقم والتخاصم. فإن ذلك سيدفع موسكو إلى التصرف بصورة منفردة ومحاولة إثبات وجودها بوسائل أخرى، بحيث تعود روسيا إلى تعزيز وجودها في قاعدة طرطوس البحرية السورية، وإلى مد جسورها مع الجزائر والسودان، وقد تكرر زيارات اسطولها للموانئ الليبية (رغيد الصلح- الحياة اللندنية 16-10)

من الواضح أن السياسة الأمريكية بصدد إجراء محاولة للتفاهم مع عناصر المقاومة في المنطقة التي فشلت في القضاء عليها خلال ما سمي بسنوات الحرب ضد الإرهاب. وهو الحاصل مع حركة طالبان في أفغانستان، والمقاومة المسلحة في العراق، والمحاكم الإسلامية في الصومال. والرسالة الشفوية التي أبلغت إلى حماس في الأسبوع الماضي تدخل في هذا السياق. وهي إذا كانت لا تعد من قبيل الضوء الأخضر بسبب التحفظات الاسرائيلية، إلا أنها تمثل ضوءاً أصفر عند الحد الأدنى.

إن الإدارة الأمريكية الراهنة تتأهب لإخلاء البيت الأبيض للوافد الجديد الذي سيتم انتخابه في الشهر القادم، وإذا صحت التوقعات بفوز المرشح الديمقراطي باراك أوباما، فأغلب الظن أن سياسة المواجهة العسكرية التي اتبعها الرئيس بوش سوف تتراجع، لتحل محلها سياسة التفاهم المباشر أولاً. وهو ما أعلنه أوباما فيما يخص إيران وسوريا على الأقل.
فى كل الاحوال فان الموقف الامريكى من الصراع العربي - الإسرائيلي لن يتغير في جوهره ومقاصده، وما قد يتغير هو وسائله فقط. وهذه هي الرسالة التي نقلها إلى الأطراف المعنية بعض أعضاء فريق أوباما للسياسة الخارجية، الذين قاموا بجولة في بعض العواصم العربية في بداية العام، أثناء إعدادهم لبرنامج أوباما فيما يخص السياسة الخارجية.
(4) فيما هو ظاهر على الأقل، فلا تكاد توجد دلائل على أن فكرة "المراجعة" واردة في الخطاب السياسي العربي، سواء فى الشأن الداخلي او الخارجى. أذ يظل السكون سيد الموقف، او الجمود ان شئت الدقة. ذلك أن المراجعة لا تنطلق من فراغ، ولكنها ثمرة تفاعل الخلايا الحية في جسم المجتمع. وهي الحيوية التي توفر للمجتمع قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات وكفاءة في تجاوزها، وتحويل الصدمة إلى فرصة كما يقول الصينيون. لهذا السبب فإنني لست مع المهللين الذين احتفوا في العالم العربي باعصار الانهيار الاقتصادي. وقلت في مقام آخر ان المجتمعات الغربية تتمتع بحيوية تمكنها من تجاوز الأزمة، وان الذين يجيدون السباحة لا يخشى عليهم من الغرق. وان الفرق بيننا وبينهم أننا لا نجيد السباحة، ولا نريد ان نتعلمها. ولذلك فإننا سرعان ما نغرق في شبر المياه، كما يقول المثل العامي في مصر. يجب الا ننسي أن الخائبين وحدهم الذين يعلقون نجاحهم على سقوط غيرهم، لأنهم في هذه الحالة يعتبرون انتظار المصادفات السعيدة خيارهم الوحيد. وهو خيار العاجزين والمفلسين في كل حين.

قال لي مسؤول أمريكى متقاعد من وظيفته الحساسة انه حضر في واشنطن حلقة مناقشة حول الأوضاع السياسية في أهم الأقطار العربية، واشترك في المناقشة مسؤول أمني كبير في تلك الدولة. وبعد استعراض الخيارات المختلفة التي طرحت أفكاراً عن المشاركة والاحتواء. جاء الدور على المسؤول العربي الذي كان من رأيه أنه لا سبيل إلى تحقيق شيء من ذلك، وحين سئل ما العمل إذن؟ كان رده أن الاستئصال هو الحل، ولا بديل عن استمرار العمل للقضاء على تلك الفئة العصية على الاخضاع. وهو ما فوجئ به المحاورون، فتبادلوا النظرات وانهوا الجلسة في هدوء.

إن الجمود السياسى في أجواء الحركة السريعة التي يشهدها العالم في تحولاته ومراجعاته لا يعد استقراراً ولا ثباتاً، ولكنه يخرجنا من موقع الفعل إلى دائرة الصدى. ثم إنه يصبح تراجعاً وارتداداً إلى الوراء، يوسع المسافة ليس فقط بيننا وبين المجتمعات التى تنشد العافية وتتحرى اسبابها، ولكن أيضاً بين المجتمعات والأنظمة في بلادنا ذاتها.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar