Subscribe:

Ads 468x60px

17 أكتوبر، 2008

إهانة للذاكرة الوطنية

صحيفة الدستور المصريه الخميس 16 شوال 1429 – 16 أكتوبر 2008
إهانة للذاكرة الوطنية - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_17.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/702513.html

لو كنا في بلد آخر يحترم نفسه وتاريخه وذاكرة شعبه لحاسب وزير الثقافة وحاكمه سياسياً، هو ومن أذن له بافتتاح معرض في باريس يحتفي باحتلال نابليون لمصر، ويتستر علي الجرائم التي ارتكبها هو وجيشه بحق المصريين، طوال 38 شهراً قضتها حملته البائسة وهي تعيث فساداً في طول البلاد وعرضها.
المشهد يبعث علي الخجل والخزي من نواح متعددة، فالصحف المصرية نشرت في الأسبوع الماضي أن السيد فاروق حسني وزير الثقافة سافر إلي باريس لحضور افتتاح معرض حول نابليون في مصر بعنوان: «أضواء وظلال» وتحدثت عن أن مصر أسهمت بسبع وأربعين قطعة أثرية عن الحياة في مصر قبل وبعد حملة بونابرت، ونقلت الصحف عن مدير معرض العالم العربي في باريس قوله: إن العرض يسجل معالم وصور وآثار المواجهة والتعاون بين فرنسا والعالم العربي خلال الحملة الفرنسية علي مصر في عام 1798.
عنوان المؤتمر لم يكن «أضواء وظلال» لأن العنوان الحقيقي كان «نابليون في مصر» وكلمتا أضواء وظلال كانتا عنواناً فرعياً ولا أستطيع أن أفترض البراءة في إغفال هذه الإشارة، وتعمد تخفيف إيقاع العنوان لدي القارئ والحرص علي ألا يعدم العنوان الأساسي.
أدري أن نابليون لا يزال شخصية أسطورية في فرنسا، وأن أمجاد «الحقيقة والوهمية» العسكرية لاتزال، تلهب الخيال والوجدان لدي الجماهير الفرنسية، علي نحو كاد يطغي علي صورة الرجل الذي ما أن عاد من مصر «في عام 1799» حتي استولي علي السلطة وقمع الحريات العامة، حين ألغي الانتخابات وأغلق الصحف، وتحول إلي ديكتاتور مستبد، قاد بلاده إلي الخراب بعد أن توج نفسه إمبراطوراً.
هذا شأن الفرنسيين، وهم أحرار فيه بطبيعة الحال، لكن نابليون في مصر ليس أكثر من قائد مغامر، احتل البلد واجتاح جيشه مدنه وقراه، ولم يتردد في ارتكاب كل الجرائم الموجهة ضد الإنسانية لكي يضمن لجيشه السيطرة ويعزز قبضته علي البلد المحتل، فقام بتدمير القري وإحراقها وقتل وصلب كل من اعترض طريق جيشه أو رفض الانصياع لأوامره في الجباية أو الاستسلام وفي الوقت ذاته فإن هؤلاء لم يكفوا عن نهب ثروات البلد واغتصاب نسائه، والعربدة في أنحائه، وهذا السجل الأسود عرضته الدكتورة ليلي عنان ـ أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة في ثلاثة كتب صدرت قبل عشر سنوات تقريباً في سلسلة «كتاب الهلال» وقد أقدمت علي تأليفها حين تنادي بعض المثقفين «الفرانكوفونيين في عام 1998 إلي «الاحتفال» بمرور 200 سنة علي الحملة الفرنسية علي مصر، رفض الدعوة التي استفزت أغلب المثقفين الوطنيين، الذين اعتبروا الاحتفال بهذه المناسبة إهانة للذاكرة المصرية وعملا شاذًا ومشينًا، باعتبار أنه لا يمكن بأي معيار أن يحتفل بلد بذكري احتلاله واغتصابه.
الفكرة المهينة والمشينة تغطيها بعض الأكاذيب التي روجت لدور تنويري قامت به الحملة الفرنسية في مصر. وقد ردد نفر من المثقفين تلك الأكاذيب، وأشار إليها وزير الثقافة، حين قال إن الحملة كانت لها جوانبها «المضيئة»، التي مهدت لنهضة محمد علي باشا، وهذه فكرة غاية في الغرابة من حيث المبدأ، لأن الاحتلال يظل جريمة بغرض النظر عن أي «إضاءات» يستصحبها. وبالمناسبة فإن أمثال تلك «الاضاءات» المزعومة كانت الذريعة التي أطلقها الساسة الأوروبيون تبريرًا لاحتلالهم بلادنا، بحجة «تحضيرها». ولذلك أطلقوا علي حملاتهم وصف الاستعمار من العمران، ولا أحد ينكر أنهم فعلوا أشياء إيجابية، وهذه لم تكن لوجه الله ولا لخدمة الأهالي، ولكنها كانت موجهة أساسًا لخدمة جيوشهم وتسهيل إقامتهم وتحركاتهم (السكك الحديدية التي أقاموها دليلاً علي ذلك). وهذا بالضبط ما فعله الفرنسيون في مصر، حين أحضروا معهم مطبعة لطبع منشوراتهم ثم أخذوها معهم أثناء المغادرة، وأسسوا المعهد العلمي ثم أغلقوه أثناء رحيلهم، أما اكتشافهم لحجر رشيد والأحرف الهيروغليفية، فقد تم بالمصادفة التي لم يكن لهم فيها فضل أو قصد.
إن وزير الثقافة أبدي استعدادًا مرنًا لتجاهل ذلك كله، والتغاضي عن إهانة الذاكرة المصرية، لكي يعزز فرصته في الفوز برئاسة اليونسكو، وهو عذر أقبح من ذنب. وخطأ ينبغي ألا يمر دون مُساءلة أو حساب.

2 التعليقات:

حسن مدني يقول...

الحقيقة أنني أخالف أستاذنا في مسألة فرعية هنا، وهي أن نابليون لم يعد أسطورة في فرنسا كما كان. فقد قام المؤرخون الجدد في فرنسا بتشريح تاريخ الرجل، وفضح الكثير من أكاذيبه، ولم بيق من الأسطورة إلا ما يتعلق بمحاولة غزو مصر.
ولكن من الواضح ان هناك حرص على إظهار الغزو الفرنسي في صورة وهمية، وإضفاء المزايا عليه، وليس له منها شيء.

م/محمود فوزى يقول...

الاخ الكريم حسن
جزاكم الله خيرا على التعليق
للاسف مازال لدينا فى مصر من يحتفى بفرنسا مهما عملت ووصل بهم الامر بأنهم يمجدوا للاحتلال الفرنسي

هؤلاء لديهم انتماء لفرنسا بشكل كبير جدا
ربنا يهدينا ويهديهم

Delete this element to display blogger navbar