Subscribe:

Ads 468x60px

16 أكتوبر، 2008

وجع دماغ ديموقراطي

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 15 شوال 1429 – 15 أكتوبر 2008
وجع دماغ ديموقراطي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_16.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/702140.html

حالنا مع الديموقراطية كحال المصريين حين فوجئوا بالحملة الفرنسية على بلدهم في نهاية القرن الثامن عشر،وهي التجربة التي كانت أول احتكاك للغرب بالعالم الإسلامي. ذلك أنهم جميعا بُهروا بأداء الفرنسيين في نظامهم العسكري وتقدمهم العلمي، وقد كان الجبرتي،المؤرخ الشهير، واحدا من أولئك المبهورين، حتى كتب يقول في يوميات الحملة إنه من عجائب الفرنجة أنهم إذا قال لهم كبيرهم «مارش »فإنهم يمشون!

شيء من هذا القبيل نستشعره الآن حين نرى في البلاد الديموقراطية أن رؤساءهم عندما تنتهي ولايتهم يمشون، أو أن هناك مرشحين للرئاسة يُستَدعَون أمام الرأي العام فيُمتحنون ويخُتبرون. أو أن الانتخابات تجري فلا تعُرف نتائجها إلا بعد انتهاء فرز الأصوات، ولا يحُتجز المرشحون المعارضون في المعتقلات والسجون، الى غير ذلك من العجائب التي نقرأ عنها في ذلك الكوكب الآخر الذي لا ننتمي إليه.

ولئن كانت تلك العجائب شائعة في الديموقراطيات المختلفة، إلا أن عجائب الأميركيين تنفرد بأمور لا نظير لها في البلاد الأخرى. من ذلك مثلا أنهم حين تقارب ولاية ساكن البيت الأبيض على الانتهاء، فإن المجتمع ينشغل بمعركة المتنافسين على المنصب، لكن جهاز الإدارة ينشغل بشيء آخر إضافي هو: كيف يمكن ترتيب أمر الفترة الانتقالية ما بين انتخاب الرئيس الجديد في الرابع من شهر نوفمبر وبين تسلمه السلطة قبل ظهر العشرين من شهر يناير التالي؟ وهي مدة 77 يوماً يكون الرئيس المغادر خلالها كالبطة العرجاء، عاجزا عن اتخاذ أي قرار مهم، في حين يظل الرئيس المنتخب واقفا بالباب ينتظر الدخول، بمعنى أن الرئيس القائم يصبح غائباً في حقيقة الأمر، والرئيس القادم لا يكون حاضرا يصرف الأمور على النحو الذي يريد.

صحيح أن ذلك يحدث في كل انتخابات رئاسية، لكن الفترة الانتقالية القادمة أكثر حساسية من أي فترة سابقة بسبب تنامي الهواجس الأمنية لدى الأجهزة الأميركية، بسبب أحداث 11 سبتمبر التي وقعت في مستهل عهد الرئيس بوش الذي تقول التقارير الصحافية إنه وقتذاك لم يكن قد فرغ من تشكيل فريقه للأمن القومي، وإنما كان قد عين 30 ٪ فقط من أعضاء ذلك الفريق رغم مضي ثمانية أشهر على تنصيبه. المرشحان الديموقراطي والجمهوري عُينِّ كل منهما من الآن وقبل شهر من الانتخابات ممثله في قيادة الفريق الذي سيتولى إدارة المرحلة الانتقالية، أوباما اختار جوني بوديستا الذي كان كبير موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وهو أستاذ في القانون، قالت «نيويورك تايمز » إنه أسس مركزا يعد بمنزلة حكومة منفى تنتظر أن يستعيد الديموقراطيون السلطة، أما ماكين فقد اختار لرئاسة فريقه وليام تيمونز صاحب الخبرة الطويلة في ذلك المجال، وكان قد عمل مع كل الرؤساء الجمهوريين قبل ذلك، منذ ريتشارد نيكسون.

ذكرت «نيويورك تايمز » أن مسؤولين في البيت الأبيض اجتمعوا مع ممثلي كل من أوباما وماكين لمناقشة تفاصيل الإجراءات المطلوبة في المرحلة الانتقالية، والتي على فريق المرشح الفائز أن يباشرها فور ظهور النتائج. وكان بوش قد طلب من الكونجرس في فبراير الماضي اعتماد 35 مليون دولار لتمويل المرحلة الانتقالية، بينها 8.5 ملايين دولار لإدارة الخدمات العامة التي توفر المكاتب وأجهزة الكمبيوتر والهواتف ونفقات السفر لفريق عمل تلك المرحلة، ولكن الكونجرس لم يتجاوب مع الطلب، معتبرا أن الرئيس الفائز عليه أن يستخدم التبرعات الانتخابية لتمويل تلك الفترة، وطبقا لقانون الانتخابات فإن كل مرشح مطالب بأن يستخرج تصريحات أمنية لأعضاء محتملين في الإدارة الانتقالية قبل موعد الانتخابات العامة لمساعدتهم في أداء مهمتهم، وقد رشح كل من أوباما وماكين فريقا يضم 100 شخص لهذه الغاية.

وللعلم فإن الرئيس الجديد في الولايات المتحدة عليه أن يعيِّن حوالي 1100 موظف حكومة في أجهزة الدولة المختلفة، لكي يحقق الانسجام بين مختلف العناصر التي تمثل إدارته، وهناك تفاصيل كثيرة في هذا الصدد أرهقتني متابعتها، حتى ضقت بها ذرعا في نهاية الأمر، وأدركت أن الديموقراطية تسبب وجعا حقيقيا للدماغ أراحتنا منه أنظمتنا العتيدة، بحيث أبقت على كل شيء ساكنا ومحنطا، في البيت الأبيض وفي فريق العمل.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar