Subscribe:

Ads 468x60px

10 أكتوبر، 2008

العفو لا يعني البراءة

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 10 شوال 1429 – 10 أكتوبر 2008
العفو لا يعني البراءة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_10.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/696754.html

لاأريد أن أطفئ أنوار فرحة إبراهيم عيسى ومحبيه بالعفو الرئاسي. لكن فقط اذكّر بأنه من الناحية القانونية فإن ابراهيم لايزال مدانا في التهم الثلاث التي وجهت اليه: الترويج لشائعات كاذبة عن صحة الرئيس، وتكدير الرأي العام وإزعاجه، والاضرار بالاقتصاد القومي. ذلك ان العفو الذي صدر بحقه ينصب على العقوبة (الحبس شهران)، وليس على «الجريمة» التي ارتكبها صاحبنا. وهو ما يعني ان العفو اوقف تنفيذ الحكم فقط لكنه لم يسقط الجريمة. ولهذا فربما كان الوصف الاقرب للدقة القانونية ان قرار رئيس الجمهورية لم يكن في حقيقته عفوا ولكنه حكم مع وقف التنفيذ.

أبصم بأصابعي العشرة على ان قرار الرئيس حسم مسألة الحبس (هذه المرة فقط بطبيعة الحال)، لان نص المادة 149 من الدستور ينص على انه «لرئيس الجمهورية حق العفو عن العقوبة او تخفيفها، اما العفو الشامل فلا يكون الا بقانون». وظاهر المادة ان الرئيس مارس حقا فيما اقدم عليه، لكن رجال القانون لهم رأي في نطاق استخدام الرئيس لذلك الحق. وقد قال لي احد قضاة محكمة النقض ان قرار الرئيس على العين والرأس، ويجب احترامه في كل الحالات. لكن احترام قرار الرئيس ينبغي ألا يكون على حساب استقلال القضاء. طلبت منه تفسيرا فقال ان الرئيس له ان يستخدم حقه في العفو بعد ان تكون القضية قد استوفت مراحل الطعن المختلفة، بما في ذلك الطعن امام محكمة النقض، ذلك ان الطعن امام النقض قد ينتهي ببراءة المتهم، ومن ثم لا يكون بحاجة إلى استصدار عفو رئاسي، وحين يصدر الرئيس قرارا بالعفو قبل ان تقول محكمة النقض كلمتها، فإنه بذلك يسلب المحكمة حقها في نظر القضية.

هذا المعنى سجلته محكمة النقض في ثلاثة احكام على الأقل خلال القرن الماضي (في سنوات 37 و67 و1982)، وفي الحكم الأخير قررت المحكمة انه «اذا كان العفو قد صدر فعلا عن العقوبة المحكوم بها قبل ان يفصل في الطعن بطريق النقض في الحكم الصادر بالعقوبة، فإن ذلك يخرج الأمر من يد القضاء، مما تكون معه محكمة النقض غير مستطيعة المضي في نظر الدعوى، ويتعين عليها التقدير بعدم جواز الطعن، ولما كان من المقرر ايضا ان العفو عن العقوبة لا يمكن ان يمس الفعل ذاته، ولا يمحو الصفة الجنائية التي تظل عالقة به.. فإن العفو ينصرف إلى الدعوى الجنائية وحدها، ويقف دون المساس بما قضي به في الدعوى المرئية التي تستند إلى الفعل في ذاته، لا إلى العقوبة المقضي بها عنه».

خلصت محكمة النقض في حكمها إلى ان العفو يسقط الدعوى الجنائية وحدها، لكنه لا يحول دون نظر الطعن في الدعوى المدنية (المتعلقة بالتعويض)، لكن فقهاء القانون المصريين لم يؤيدوا هذا التمييز بين ما هو جنائي وما هو مدني، واتفقوا على انه كان يتعين على محكمة النقض ان تعتبر العفو الرئاسي غير قائم، وان تمضي في نظر الدعوى، دون ان يعد ذلك تدخلا في عمل السلطة التنفيذية، لأن صدور العفو قبل ان تقول محكمة النقض كلمتها في الطعن المقدم إليها هو ما يعد تدخلا في عمل السلطة القضائية.

عند فقهاء القانون ـ الدكاترة محمود مصطفى، ود.السعيد مصطفى، ومحمود نجيب حسني وغيرهم ـ فإن عدم سقوط الطعن بالعفو حتى في شقه الجنائي لا يحمي استقلال السلطة القضائية فحسب، لكنه يحمي المتهم أيضا في بعض الحالات، لأن ذلك يغلق الباب أمام احتمال تلاعب السلطة التنفيذية في حالة وجود حكم بالادانة، حين تتبين ان محكمة النقض يمكن ان تقضي فيه بالبراءة، فتعمد في هذه الحالة إلى تخفيف الحكم سنة مثلا، لتسقط بذلك الطعن وتبقي على الادانة. معلوماتي ان الاستاذ سمير حافظ المحامي والمستشار السابق اعد طعنا في الحكم الصادر ضد ابراهيم عيسى سيقدم هذا الاسبوع طلب فيه تبرئة ابراهيم عيسى مما نسب إليه، معتبرا ان العفو اعلان عن حسن النية اما البراءة فهي إعلان للحقيقة.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar