Subscribe:

Ads 468x60px

09 أكتوبر، 2008

قرار يريحنا ويقلقنا

صحيفة الدستور المصريه الخميس 9شوال 1429 -9 أكتوبر 2008
قرار يريحنا ويقلقنا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/10/blog-post_09.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/10/695983.html

قرار إلغاء حبس إبراهيم عيسى يطمئننا عليه، حتى إشعار آخر على الأقل، لكنه يقلقنا أيضاً، ذلك أن أحداً لا يستطيع أن يقنعني بأن الإلغاء تم لأسباب إنسانية، لكي يقضي إبراهيم عطلة عيد الفطر وسط أسرته، ذلك أن آلاف المحتجزين في السجون بغير حق، كل واحد منهم يعيش مأساة إنسانية، ولم نسمع أن أحداً منهم شملته أمثال تلك «اللفتات الإنسانية» التي يشار إليها في الصحف بين الحين والآخر.

هو قرار سياسي بالدرجة الأولى، اتخذ في لحظة أدركت فيها الجهات المعنية أن حبس ابراهيم عيسى يضر ولا ينفع، أو على الأقل فإنه إذا كانت الرسالة فيه هي تأديب الرجل وترهيب غيره من الصحافيين، فإن اصداء القضية التي يمكن ان تترتب على تنفيذ الحبس من شأنها أن تحدث آثارا سلبية تجعل من عملية التأديب والترهيب «إيجابية» بلا قيمة، حدودها لا تتجاوز الداخل، أما أصداء الفضيحة فسوف تتردد في كل مكان خارج مصر، خصوصا في أوساط المنظمات المعنية بالحريات العامة وحقوق الإنسان، وهو ما حدث بالفعل بعد النطق بالحكم، لذلك فإن الحكمة والموازنة المقترحة بين المصلحة والمفسدة رجحتا كفة إلغاء الحبس، والاكتفاء بشدة الأذن التي تمثلت في إصدار الحكم، وهي حكمة مقدرة تجلت في الوقت المناسب، ومررت العاصفة بسلام.

وإن جاز لي أن أذهب في الاستنتاج الى أبعد، فإنني ازعم ان إلغاء حبس ابراهيم عيسى كان «خطوة تصحيحية» لاحتواء نتائج تقديم البلاغ ضده والادعاء عليه في مسألة ترويج الشائعات والتأثير علی الاقتصاد القومي وبلبلة الرأي العام في مصر، ثم توجيه الاتهام إليه ومحاكمته بعد ذلك، وهي امور لا أشك في انها مرتبة من الألف إلى الياء، لأننا نعيش في بلد تشيع فيه الفوضى حقاً، لكن هناك أمورا مستثناة من ذلك، أمن النظام في مقدمتها، أعني ان تقديم البلاغات ضد المعارضين واستدعاءهم إلى النيابة وتقديمهم للمحاكمة، ذلك كله لا يتم بدافع محبة رموز النظام والغيرة عليهم، ولكنها أساليب تجيد أجهزة الأمن تدبيرها لترهيب المعارضين والإيقاع بهم، مستخدمة في ذلك خليطا من الأبرياء والانتهازيين. هذه المحاولات تصيب أحياناً فتمر، لكنها قد تخيب في أحيان اخرى فتضر بأكثر مما تنفع، والنجاح أو الفشل وثيق الصلة بكفاءة تقدير الموازنات والنتائج المترتبة على الفعل،

وفي حالة إبراهيم عيسى، فقد أدركت السلطة أنها ينبغي ان تغسل يديها من المسألة، ووجدت أنه من الأفضل أن يتسلم الرسالة وهو قاعد في بيته، بدلا من ان يتسلمها وهو قابع في زنزانة، وقد تحول الى ضحية وشهيد في الداخل، ومصدر للصداع ووجع الدماغ في الخارج.. بكلام آخر فإن العفو عن إبراهيم في نهاية المطاف كان علاجا لخطأ في الحساب وقع في بداية المشوار.

إن ما جرى يعطينا انطباعاً بأحد أمرين، إما ان مثل هذه الأمور لا تدرس جيداً قبل اتخاذ قرار بشأنها، فلا ترصد بشكل كافة النتائج المترتبة على القرار بما يسمح بالموازنة بين المصالح فيها والمفاسد، الأمر الثاني ان يكون هناك تعدد في مراكز القرار، بحيث تقرر جهة ما اتخاذ خطوة معينة، ثم تأتي جهة اخرى فتعدل عن القرار وتتجه به وجهة أخرى. إذا صح ذلك التحليل، الذي لا يستند الى اي معلومات، لكنه مجرد تفكير بصوت عال واستنتاج يحتمل الخطأ والصواب، فإنه يحير واحدا مثلي يعذر إن لم يعرف بالضبط كيف تتخذ أمثال هذه القرارات التي تتعلق بمصائر الأفراد، وأحيانا بمصير البلد ذاته،

وهذه الحيرة راجعة الى سببين، أولهما ان عقوبة الحبس ألغيت فيما يخص إبراهيم عيسى، لكنها مازالت مصلتة فوق رقاب كل الصحافيين، وثانيهما ان هناك حالات عدة اتخذت فيها قرارات مشابهة او مماثلة، وكان الضرر فيها اكثر من النفع، وتعذر احتواء ذلك الضرر في الوقت المناسب. يحضرني في هذا الصدد نموذجا أيمن نور والدكتور سعد الدين ابراهيم، والقائمة طويلة تتصدرها قرارات تمديد الطوارئ لخامس مرة وتعديل المادة 76 من الدستور والعبث في القوانين والدستور بما يخدم أهدافا عارضة، ويضيق من ضمانات الحريات ويوسع من اختصاص المحاكم العسكرية الاستثنائية، إلى غير ذلك من الاجراءات التي أساءت إلى صورة مصر وسمعتها، وكان المضرور الأول منها هو النظام ذاته.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar