Subscribe:

Ads 468x60px

24 سبتمبر، 2008

في كوكب آخر

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 24 رمضان 1429 – 24 سبتمبر 2008

في كوكب آخر – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/09/blog-post_24.html

بعض التطورات السياسية التي تتحدث عنها صحف الدول الأخرى باعتبارها أخباراً عادية تبدو عندنا من عجائب الدنيا وغرائبها، وربما من علامات الساعة الصغرى،

ينطبق ذلك مثلا على التقرير الذي بثته وكالات الأنباء هذا الأسبوع (9/20) من جنوب افريقيا، وتحدث عن قرار حزب المؤتمر الوطني الافريقي الحاكم اعفاء رئيس الجمهورية ثابو مبيكي من منصبه، قبل انتهاء فترة رئاسته في نهاية شهر ابريل من العام المقبل، وكان مبيكي قد حكم جنوب افريقيا عام 1999 خلفا لزعيمها التاريخي نيلسون مانديلا، ولكن احدى المحاكم اتهمته اخيراً بالتدخل في سير القضاء من اجل توريط وإدانة خصمه وزعيم الحزب جاكوب زوما. وبعد اعلان قرار المحكمة عقدت قيادة الحزب اجتماعا لتقييم الموقف وانتهت الى ان الرئيس الذي يتدخل في سير القضاء يفقد شرعيته، وليس أمامه في هذه الحالة إلا أن يتخلى عن منصبه، وحين اعلنت قيادة الحزب هذه النتيجة سارع مبيكي الى التصريح لوسائل الإعلام بأنه سيمتثل للقرار.

فكرة قيام قيادة الحزب بإقالة رئيس الجمهورية بسبب تدخله في القضاء تدهش القارئ العادي في بلادنا، الذي تعلم ان رئيس الجمهورية هو الذي يقيل الحزب وليس العكس، ثم إنه لا يتدخل في القضاء فحسب، ولكنه يأمر بتفعيل قضاء استثنائي خاص (عسكري) لكي يتولي معاقبة غير المرضي عنهم، تأديبا لهم وتهذيباً.

ينطبق ذلك ايضا على مطالبة الرئيس الباكستاني الجديد آصف علي زرداري البرلمان بتقليص صلاحياته، خصوصا تلك التي تسمح له بحل الجمعية الوطنية وإقالة الحكومة. وكان العسكر قد عزلوا الدستور لإدخال تلك الاختصاصات ضمن صلاحيات الرئيس.وهذه ايضا من العجائب، لاننا لا نعرف رئاسة تطلب من المجلس التشريعي تقليص صلاحياتها، حيث العكس هو المألوف تماما. والتعديلات الدستورية التي أجازها برلماننا «الموقر» خير شاهد على ذلك.

خذ أيضا تلك العجيبة التي حدثت في ماليزيا، ذلك أن وزير العدل زيد ابراهيم قدم استقالته من الحكومة، بسبب قيام أجهزة الأمن بإلقاء القبض على ثلاثة اشخاص (نائب معارض في البرلمان وصحافي ومدوِّن معروف) واستندت الأجهزة في ذلك الى قانون الأمن الداخلي الذي يسمح بالاحتجاز دون محاكمة. وقالت صحيفة «نيوستريتس تايمز» إن وزير العدل اعتبر احتجاز الاشخاص بمنزلة إساءة لاستخدام السلطة واعتداء صارخ على القانون، وبالتالي فإن الرجل وجد نفسه مضطرا إلى الاستقالة من منصبه، حيث لم يقبل أن يظل عضوا في حكومة يمارس في ظلها الاعتداء على القانون، في حين أنه مسؤول أمام الرأي العام عن حراسته، وهي القصة التي لن أعلق عليها لأن وزير العدل عندنا لم يحرِّك ساكنا حين قلصت التعديلات الدستورية من دور القضاء العادي ولم نسمع أنه استنكر استمرار العمل بقانون الطوارئ او احتج بأي صورة على الاعتقالات شبه اليومية التي تتم بمقتضاه.

القصص المدهشة المماثلة كثيرة منها نجاح أحزاب المعارضة الباكستانية في إجبار الرئيس برويز مشرف على الاستقالة، ومنها قيام المحكمة الدستورية العليا في تركيا باستجواب رئيس الجمهورية ومحاكمته بتهمة تهديد العلمانية، ومنها توجيه الاتهام بالفساد لرئيس وزراء اسرائيل ايهود اولمرت واستجوابه واضطراره الى الاستقالة من رئاسة الحكومة والحزب، ومنها أيضاً استقالة وزير شؤون اسكتلندا من عضوية الحكومة البريطانية احتجاجاً على سياسة رئيسها، منها كذلك احتدام الصراع بين رئيس الجمهورية في تنزانيا وزعيم المعارضة، واضطرار الرئيس الى تقاسم السلطة مع زعيم المعارضة، مع تقليص بعض سلطات الاول وضمها إلى الثاني الذي شغل منصب رئيس الوزراء.

لا شيء من كل ذلك له نظيره في مصر طوال ربع القرن الاخير على الاقل، لكننا عرفنا العكس تماما، إذ في مقابل الحيوية السياسية المستمرة في تلك الاقطار، فإن كل شيء عندنا راكد ومجمد، كأننا نعيش على كوكب آخر مختلف ولا صلة لنا بذلك العالم الذي يموج بالحركة.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar