Subscribe:

Ads 468x60px

23 سبتمبر، 2008

السياسة فن الاستمرار

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 23 رمضان 1429 – 23 سبتمبر 2008

السياسة فن الاستمرار – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/682741.html

السياسة عندنا ليست فن الممكن كما يقال في الادبيات المعاصرة، وليس كل ما من شأنه جلب المصالح ودرء المفاسد كما يقول الاصوليون، ولكنها فن التمكين والاستمرار، وموضوعها ليس ادارة المجتمع ولكنه خضاعه، وهي ليست تكليفا يثقل كاهل السياسي ويحمله هموم الناس الذين يسوسهم ولكنها تشريف يغرق صاحبه في بحر الوجاهة والثراء ومختلف صور الاستمتاع بالحياة وارضاء النزوات، وهذه كلها من مقومات الدولة السلطانية، التي تختلف تماما عن الدولة الديموقراطية، والأولى تقوم على السلطان الفرد الذي ليس كمثله فرد آخر في المجتمع، في حين ان الثانية دولة كل المواطنين، الذين ينتخبون من يسوسهم ويدبر أمورهم، فإن أحسن بقي وان أساء ذهب لحال سبيله.

في القرآن ان الله سبحانه وتعالى يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء وصياغة الشق الأخير من العملية لابد ان تستوقفنا، لأن التخلي عن السلطة ليس بالأمر السهل، وإنما هي لابد ان «تنتزع » من صاحبها، وهذا الانتزاع قد يكون بأمر القانون، او بضغط من المجتمع، اذا توافرت له مقومات العافية، أو بقرار إلهي لا حيلة لأحد فيه، والتشبث بالسلطة ليس أمرا استثنائيا ولكنه جزء من الطبيعة الإنسانية، في حين ان الذين يزهدون في السلطة هم الاستثناء والشذوذ،ولكن طموح الاستمرار يظل مشروعا مادام ذلك في حدود القانون وقائما على رضا الناس، وتسقط تلك المشروعية اذا سوغ الاستمرار بالاحتيال على القانون وتم ذلك رغما عن

انف الناس، وهذا الاحتيال على القانون اصبح سمة للدول السلطانية المعاصرة، التي ادركت هبوب رياح التعددية والديموقراطية وحقوق الإنسان فتخلت عن نهجها القديم في تحدي كل ذلك والعصف به، وبدافع الرغبة الغريزية في الاستمرار، فإنها اختارت ان تميل مع الريح، بحيث تستخدم نفس العناوين لكي تغطي بها ممارستها لنفس السياسات، وهو ما وصفته في مقام آخر بأنه من قبيل تغيير طلاء البناية، مع الابقاء على كل الشقوق والشروخ والاعطال التي تتخللها، واعتبرته نوعا من الاصلاح السياحي وليس السياسي.

ولا سبيل لانجاح الاحتيال على القانون الا من خلال احراق البدائل واضعاف المؤسسات التي يفترض تمثيلها للمجتمع، وتلك من ضرورات تمهيد الطريق لتمرير التلاعب بالقانون وتزييف الحياة السياسية، بحيث تتوافر لها كل الهياكل اللازمة لإقامة الشكل الديموقراطي، وفي الوقت ذاته تنزع الصلاحيات والفاعلية من تلك الهياكل، ان شئت فقل ان الدولة السلطانية لا تكف طوال الوقت عن اخصاء المجتمع ومؤسساته، عن طريق إماتة خلاياه الفاعلة، ووحدها دولة المواطنين هي القادرة على الفاعلية والحيوية.

في مرحلة انحطاط الدولة العثمانية كان السلاطين يتخلصون من أية بدائل لهم تلوح في الأفق، بالتصفية الجسدية حينا وبسجنهم وحجبهم عن الانظار حينا، وبتشويههم عن طريق افقادهم البصر مثلا، في حين

ثالثة، وهذا كله يتم الآن بوسائل أخرى تحقق المراد ولكن بقفازات ناعمة..

لقد تحدثت أمس عن الجمود في حياتنا السياسية، الذي حول البلاد الى بحيرة راكدة ماتت فيها الحياة، وفقدت القدرة على التقدم الى الأمام، بحيث لم تعد تتحرك فيها سوى تلك المحاولات المستمرة لتغيير الطلاء للإيحاء بأن ثمة جديدا في المشهد وان هناك انجازا يتم، ومشكلة هذا المسلك لا تكمن فقط في خداع الناس وبيعهم الوهم، لكنها تكمن ايضا في انه في عالم اليوم فإن الذي لا يتقدم الى الامام لا يبقى في مكانه بل يتراجع الى الوراء.

اننا لن نستطيع ان نعيد الى المجتمع حيويته الا اذا طوينا صفحة الدولة السلطانية واسسنا دولة المواطنين، وينبغي ألا نعول في ذلك على تصاريف القدر وحدها، وانما لا بديل عن ايقاظ وعي المواطنين، واحتشاد نخبهم والتفافهم حول ذلك الهدف، واعتباره اولوية اولى، ينبغي أن يعلو صوتها فوق أي صوت آخر.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar