Subscribe:

Ads 468x60px

12 أغسطس، 2008

المشكلة ليست في القارئ

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 11 شعبان 1429 – 12 أغسطس 2008

المشكلة ليست في القارئ -فهمي هويدي

حجب أي صحيفة هو دعاية مجانية حكومية لها، ودليل على ان الاعلام المقروء لم يفقد سحره، ولاتزال كلماته العزلاء قادرة على استنفار السلطة وإثارة قلقها، رغم كل ما تملكه من عناصر القوة وأساليب التخويف والقهر، وفي كل الأحوال فإنني أفضل ان يسأل الناس لماذا اختفت الصحيفة ذات صباح بدلاً من يسألوا لما صدرت الصحيفة اصلاً، تماماً كما انه بكل المعايير فإن الافضل ان يتساءل الناس لماذا لم يكتب فلان بدلاً ان يتساءلوا لماذا يكتب وما هي الواسطة التي مكنته من ان يفرض نفسه على القراء كل صباح.

حين ظهر التلفزيون وذاع امر الانترنت وغيره من تجليات ثورة الاتصال، تنبأ كثيرون بأن تكون هذه نهاية الصحافة المطبوعة في العالم لكن التجربة اثبتت ان المقولة ليست مطلقة، صحيح أن توزيع الصحف تأثر في الدول الغربية الأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية إلا أن الأمر ليس كذلك في الدول النامية التي شهدت ظاهرة معاكسة حيث زادت فيها معدلات توزيع الصحف رغم أنها ليست معزولة تمامًا عن ثورة الاتصال على الاقل فهذا ما اكده تقرير صدر في يونيو الماضي للجمعية العالمية للصحف التي تمثل هذه الصناعة ولها مقرها في باريس، اذ طبقاً للأرقام التي اوردها التقرير فإن مبيعات الصحف في البرازيل زادت في العام الماضي بنسبة 12% وخلال السنوات الخمس الأخيرة ارتفع معدل التوزيع بنسبة 22% وفي الهند ارتفعت المبيعات بنسبة 15% في العام الماضي مما جعل نسبة الزيادة خلال السنوات الخمس الماضية تصل الى 25% أما في باكستان فإن سوق الصحف نما بنفس النسبة تقريباً وهذا هو الاتجاه ايضاً في مناطق اخرى في آسيا وإفريقيا واميركا اللاتينية.

ذكر التقرير في تفسير ذلك ان الطلب على الصحف يزيد مع التحاق الناس بقوى العمل، وكسب المزيد من المال واستثماره الأمر الذي يعني انهم اصبحوا مقتنعين بأن لهم دوراً وحصة في المجتمع اذ ارتفعت معدلات الالمام بالكتابة والقراءة مع تزايد الثروة فضلاً عن ذلك فإن حملات محو الأمية التي تقوم بها الحكومة والمنظمات الأهلية اسهمت بشكل ملحوظ في زيادة مبيعات الصحف الهندية حتى ان الصحف والمجلات الجديدة الصغيرة اصبحت تظهر كل يوم في مختلف الولايات اما الصحف اليومية الوطنية فقد كانت اربعاً في عام 2006 واصبحت ستاً اليوم. وستظهر صحيفة سابعة في وقت لاحق هذا العام.

ويعزو الناشرون ارتفاع التوزيع الى سبب اساسي هو اجواء الحرية السائدة في الهند التي اضفت على الصحف حيوية جاذبة للقراء الذين يعتبرونها صوتهم الحقيقي امام السلطة. في أحيان أخرى فإن الصحف تزدهر في حالات تكون الحكومات غير قادرة على مراقبتها بسبب ضعف إمكاناتها كما هو الحاصل في «مالي» غرب افريقيا ورغم احكام الرقابة نسبياً في الصين فإن الصحف المطبوعة مزدهرة هناك إذ خلال السنوات الخمس الأخيرة زادت مبيعاتها بنسبة تجاوزت 20% بحيث وصلت هذا العام الى 107 ملايين نسخة يومياً (للعلم مبيعات الصحف اليومية في أميركا تصل الى 50 مليونا) هذا الازدهار تفسره الثروة المتنامية التي شهدتها الصين والمستوى المرتفع من الإلمام بالقراءة والكتابة الذي انجزته تجربة الحزب الشيوعي في التعليم إضافة الى ان الصحف هناك تباع بأثمان رخيصة لانها مملوكة للدولة ولأن الحكومة شديدة الحرص على مكافحة الفساد فإنها منحت الصحف قدراً من الحرية لمتابعة هذا الملف معتبرة انها حليفة لها في مكافحة الفساد.

تحدث التقرير عن الارجنتين التي قفز فيها توزيع الصحف في العام الماضي بنسبة 7% ولم تختلف عن ذلك معدلات التوزيع في أغلب دول اميركا اللاتينية ورغم انني لم أجد إشارة واضحة الى الموقف في العالم العربي إلا أن المؤشرات التي سجلها تقرير الجمعية العالمية لتوزيع الصحف تجعلنا نطمئن إلى أننا لسنا أسوأ حالاً من الهند وباكستان ومالي والأرجنتين وغيرها، بالتالي فلا قلق من القارئ لكن القلق كل القلق من أجهزة السلطة التي تتربص بالصحف وتحاول خنقها، وتعجيزها وإماتتها.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar