Subscribe:

Ads 468x60px

05 أغسطس، 2008

الشعب يرد الجميل

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 3شعبان 1429 - 4 أغسطس 2008
الشعب يرد الجميل - فهمي هويدي

مازلت عاجزًا عن العثور علي تفسير مقنع لإصدار القانون الجديد للمرور، الذي أبصم بأصابعي العشرة علي فشله، إلا في حالة واحدة هي أن يخصص شرطي لكل سيارة في البلد، وحتي هذا الاستثناء غير مضمون لسبب جوهري هو أن دخل الشرطي مما يمكن أن يتقاضاه نظير غض بصره عن تحرير قائمة المخالفات التي أشك في أن لها نظيرًا في العالم، سيفوق بمراحل راتبه الذي يتقاضاه من الحكومة.


لقد امتلأت الصحف خلال الأيام الثلاثة الماضية التي بدأ فيها تطبيق القانون بأخبار وصور جهاز الشرطة الذي جندت كل قياداته لمراقبة حركة المرور في البلد، وقرأنا أن مساعد أول وزير الداخلية قام بنفسه بتحرير 30 مخالفة في يوم واحد، وأنه ضبط حالتي رشوة من مخالفين لرجال الشرطة. كما نشرت الصحف أن حصيلة الغرامات علي الطرق السريعة وحدها يوم الجمعة الماضي بلغت 49 ألف جنيه، وأنه في اليوم الثاني لتطبيق القانون تم تحرير 15 ألف مخالفة للسائقين.


لا أظن أن استنفار جهاز الشرطة لتقويم سلوك السائقين يمكن أن يستمر طويلاً، لأن خبراتنا علمتنا أن هذا التشدد سوف يستمر لبعض الوقت، باعتبار أن لكل «غربال جديد شدة». وبعد أشهر معدودة سيعود كل شيء إلي سابق عهده، وتركن ريمة إلي عادتها القديمة.


الشيء الثابت الوحيد أن أموالاً كثيرة ستتدفق علي خزينة الشرطة من حصيلة الغرامات، رغم أننا نعلم أنها في الأصل متخمة بالأموال، وأن الداخلية تنفق بغير حساب، بعدما أصبحت أهم وزارة في بر مصر. ولا أستبعد أن يقل تدفق هذه الأموال بمضي الوقت، لأن بعض رجال الشرطة قد يستسهلون وضعها في جيوبهم بدلاً من توريدها إلي خزينة الوزارة ليستأثر الكبار ببعضها.


الخلاصة أن عوائد قانون المرور سوف تستخدم في نهاية المطاف لتحسين أحوال رجال الشرطة، بالطرق المشروعة أو غير المشروعة، وهو ما يسرنا بطبيعة الحال، لأن الشعار المرفوع طوال السنوات الماضية كان يتحدث عن «الشرطة في خدمة الشعب». وبعد الذي أسدته الشرطة لنا من خدمات جليلة خلال تلك الفترة، يشهد بذلك كل الذين استضافتهم الشرطة أو تم تصويرهم في الكليبات الشهيرة، فقد حان الوقت لكي نرد الجميل ونرفع من الآن فصاعدًا شعار «الشعب في خدمة الشرطة».


أما ما قيل عن استفادة بعض المستوردين من بيع المثلثات البلاستيكية والحقائب الطبية، وما تردد عن تسريب معلومات القانون قبل صدوره، وإسراع بعض الواصلين إلي استيراد هذه المستلزمات من الصين، فهذا أمر لا غرابة فيه. ذلك أن هذه التقاليد أصبحت من السمات المعروفة في جهاز الإدارة المصري، حيث كل الفرص للواصلين أما غيرهم فلهم الفتات إن وجد.إن ما نفهمه من القانون أن الشرطة بعد أن ظلت طول الوقت تعمل علي «تأديب» الشعب المصري فإنها انتقلت في ظل القانون إلي مرحلة التهذيب والإصلاح، وإذا كان التأديب أمرًا مقدورًا عليه، لأن أساليبه معروفة، وقد أجادتها الشرطة وتفوقت فيها، حتي أزعم أنها لم تعد تجيد شيئًا غيرها.

أما التهذيب والإصلاح فذلك مما لا تقدر عليه، لأنه وثيق الصلة بالسلوك الاجتماعي والبيئة والتقاليد التي يعيش الناس في ظلها، وتصويب ذلك السلوك أو تغيير البيئة ومنظومة القيم السائدة من الأمور التي يعجز عنها قانون المرور، وتتجاوز بكثير حدود أجهزة الأمن كلها.


إن التسيب الحاصل في الشارع المصري هو من تجليات انهيار سلطة القانون والنظام العام في البلد، وهذا الانهيار لا يُسأل عنه الناس. وإنما تُسأل عنه السلطة التي لم تحترم القانون يومًا إلا إذا صادف هوي لها، وإذا لم يصادف هواها فإنها إما أن تدوس عليه وتهدره أو تحتال عليه بواسطة «الترزية» الذين تعرفهم. إنك لا تستطيع أن تعيد النظام أو ترد الاعتبار للقانون في الشارع فقط في حين تقوض أركان النظام ويهان القانون في كل مكان آخر.


إن الأنظمة تربي الشعوب بسلوكها والنموذج الذي تقدمه، وإذا ساء أدب الشعوب فينبغي أن يُسأل المربون، بحيث يكونون أول من يُحاسب ولا يكون الشعب أول من يُعاقب.


0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar