Subscribe:

Ads 468x60px

13 أغسطس، 2008

موريتانيا ذكرتنا بما نسيناه

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء12 شعبان 1429 – 13 أغسطس 2008
موريتانيا ذكرتنا بما نسيناه – فهمي هويدي

لم تعد كلمة «الانقلاب» تسمع في العالم العربي إلا في أخبار موريتانيا، التي شهدت منذ استقلالها في عام 1960 خمسة عشر انقلابا (أحدثها ما وقع يوم الاربعاء الماضي 6/ 8) بمعدل انقلاب كل ثلاث سنوات ونصف تقريبا، ورغم ان الانقلابات العربية ظاهرة شرقية اساسا، كانت سورية «رائدة» فيها، حيث شهدت في الاربعينيات سلسلة من الانقلابات، بمعدل انقلاب كل مئة يوم، إلا أن الظاهرة تسللت إلى منطقة المغرب العربي.. وكانت البداية انقلاب العقيد هواري بومدين على الرئيس الجزائري أحمد بن بيللا في عام 65، وتلاه انقلاب العقيد القذافي على نظام الملك ادريس السنوسي في ليبيا سنة 69، وفي عام 1987 انقلب وزير الداخلية في تونس الجنرال زين العابدين بن علي على الرئيس الحبيب بورقيبة وخلال تلك الفترة فشل انقلاب دبره الجنرال اوفقير في عام 72 ضد الملك الحسن الثاني في المغرب لكن الانقلابات المغاربية توقفت تماما منذ عقدين من الزمان، لكن الظاهرة ظلت مستمرة بمعدل شبه منتظم في موريتانيا، التي أصبحت استثناء على حالة «الجمود» العربي.

الظاهرة توقفت تماما في المشرق الذي لم تتعرض انظمته لتغيير يذكر، إذا استثنينا الانقلابين اللذين شهدتهما السودان في عامي 85 (سوار الذهب) و 89 (عمر البشير) والتغيير الذي حدث في قطر عام 95، والتقلبات التي شهدتها جزر القمر خلال عامي 2007 و 2008 خارج هذه الدائرة الصغيرة، بوسعنا ان نقول ان انحسار الظاهرة في المغرب استمر في المشرق ايضا، رغم استمرار الاوضاع الداخلية والخارجية التي تدهورت في بعض الاقطار وأسهمت في تحريك عوامل الانفجار الداخلي والانقلاب على انظمتها وهي الاسباب التي تتراوح بين شيوع الفساد والاستبداد والخضوع لهيمنة الدول الكبرى، الذي يؤجج المشاعر الوطنية، تماما كما كان يفعل الاستعمار في السابق.هذه الخلفية تستدعي سؤالين كبيرين هما: لماذا توقفت الانقلابات في العالم العربي، رغم توافر اسبابها الموضوعية؟ ولماذا أصبحت موريتانيا استثناء على حالة الجمود السياسي في العالم العربي؟

قبل ان أحاول الاجابة ارجو ان يكون واضحا انني ضد الانقلابات العسكرية ولست ادعو إليها، لكنني ادعو إلى فهم ما يجري في العالم العربي ومحاولة تفسيره، في الوقت ذاته فانني واحد من كثيرين يفضلون ان يتحقق أي تغيير في المجتمع بالاساليب السلمية والديموقراطية ومن خلال المؤسسات والقنوات الشرعية، أما اذا عطلت تلك المؤسسات وتم سد القنوات الشرعية، فعلى كل نظام ان يتحمل مسؤولية السياسة التي ينتهجها، وان يجني ثمار ما زرعه.

اما لماذا توقفت الانقلابات في العالم العربي، فلذلك اسباب عدة منها القوة الجبارة التي أصبحت تتمتع بها الدول الحديثة، خصوصا ما توافر لها من امكانات متطورة للغاية في الرصد والقمع.

والى حد كبير فقد نجحت الدولة الحديثة في اضعاف المجتمع المدني الذي يعد عنصرا مهما في قوى التغيير، منها ايضا التحول الذي طرأ على النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كثيرا ما كانت القوى المتمردة تحتمي به، حال انقلابها على الانظمة القائمة. منها كذلك ان القوى الغربية التي كانت تسهم في تحريك الانقلابات احيانا لم تعد بحاجة الى ذلك، بعدما نجحت في بسط نفوذها على اهم دول المنطقة. منها ايضا ان «العولمة» صنعت اذرعا للدول الكبرى مكنتها من الضغط على الدول التي يلوح فيها شبح الانقلابات، وأصبحت المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن وصندوق النقد وغيرهما. في مقدمة ادوات ذلك الضغط (ثم تعليق عضوية موريتانيا في منظمة الوحدة الافريقية بعد الانقلاب الأخير).

اما لماذا تعددت الانقلابات في موريتانيا، فأحسب ان لذلك سببين رئيسيين اولهما ضعف جهاز الدولة وتخلف امكاناتها التكنولوجية، وفي مقابل ذلك الضعف فإن المجتمع بدا قويا، بسبب تركيبته القبلية والعرقية، اضافة الى ارتفاع المستوى الثقافي بين نخبه، الامر الذي احدث خللا في علاقات السلطة والمجتمع، وفتح الباب لحدوث الاضطرابات بين الحين والآخر، السبب الثاني ان موريتانيا لا تزال حتى الآن خارج دائرة المصالح الاستراتيجية الغربية (التي أصبحت تنحصر في النفط واسرائيل)، الامر الذي جعل القوى الغربية المهيمنة «تتسامح» معها، ولا تكترث بما يجري فيها سواء كانت انتخابات حرة أو انقلابا عسكريا. والله أعلم

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar