Subscribe:

Ads 468x60px

12 أغسطس، 2008

الخطأ والخطيئة في قراءة الأزمة الفلسطينية

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 11 شعبان 1429 – 12 أغسطس 2008

الخطأ والخطيئة في قراءة الأزمة الفلسطينية – فهمي هويدي


الخطأ إن نختزل الازمة الفلسطينية في الصراع بين رام الله وغزة‏,‏ والخطيئة ان نتجاهل مسئوليتنا عما يجري وننفض ايدينا من الموضوع‏,‏ ونتحول إلي مراقبين ومتفرجين‏.‏

طوال الاسبوع الماضي احتلت احداث مخيم الشجاعية في غزة عناوين وصدارة الصحف العربية‏,‏ وتصدي للتعليق علي ماجري عدد غير قليل من الكتاب‏,‏ الذين منهم من ارتدي ثياب الوعاظ والناصحين‏,‏ ومنهم من اختار دور الشتامين والجلادين‏,‏ وهؤلاء وهؤلاء لم يكونوا سوي اسري الانفعال باللحظة التاريخية فحسب‏,‏ وانما انطلقوا ايضا من وجهة نظر واحدة‏,‏ قدمت لما جري قراءة اما منقوصة أو مغلوطة‏.‏

لقد حاولت خلال اسبوع الاحداث الأخيرة ان أتتبع ماحدث من مصادر خارج دائرة فتح وحماس هي التي نبهتني إلي مدي التغليط والتحيز في نسبة كبيرة من المعلومات المتداولة في الاعلام العربي‏,‏ هذه الاتصالات التي شملت مصادر في عمان ودمشق وبيروت‏,‏ وفرت لي قراءة مغايرة للاحداث الأخيرة في غزة أوجز معالمها فيما يلي‏:‏

ان ماحدث في مخيم الشجاعية يعد استكمالا لعملية الحسم التي وقعت في شهر يونيو من العام الماضي‏2007‏ وبالتالي فإن من شأنه بسط سيطرة الحكومة المقالة علي القطاع‏,‏ ويطوي صفحة جيوب التمرد علي السلطة‏,‏ ذلك ان ما سمي بالمربع الأمني في داخل المخيم تحول إلي مصدر لتحريك عوامل الفلتان‏,‏ كما اصبح مأوي لأعداد من الهاربين من وجه العدالة‏.‏

ان ذلك المربع الأمني يسيطر عليه ويديره جناح فتح في عائلة حلس‏,‏ التي يتوزع افرادها علي مختلف الفصائل الفلسطينية‏,‏ خصوصا حماس والجهاد والجبهة الشعبية وغيرها‏150‏ من ابناء العائلة ضمن مقاتلي حماس‏,‏ غير‏20‏ شهيدا سقطوا في مواجهة الاحتلال وغير هؤلاء وهؤلاء فلم تخل العائلة من فرع اشتغل بالتهديد والبلطجة وفرض الاتاوات علي الجيران‏.‏

ابرز الفتحاويين في العائلة هو احمد حلس‏,‏ الذي اصبح قياديا في التنظيم‏,‏ والذي كان قد رحب بالحسم الذي جري في القطاع قبل أكثر من عام‏,‏ ليس تعاطفا معه‏,‏ ولكن لانه اطاح بخصمه اللدود محمد دحلان المسئول عن الامن الوقائي‏,‏ وبعد غياب الأخير عن المسرح‏,‏ سعي احمد حلس إلي قيادة المعارضة الفتحاوية المسلحة‏,‏ واصبحت المنطقة التي تقطنها اسرته في مخيم الشجاعية رمزا لتحدي السلطة‏.‏

الاجهزة الأمنية في القطاع لم تكن بعيدة عن المربع الأمني‏,‏ ولكنها ظلت تتابع ما فيه‏,‏ خلال العام الأخير بوجه اخص‏,‏ وهناك تقارير رصدت السلاح الذي يكدس فيه والاموال التي يتلقاها وهذه التقارير ارسلت إلي جهات في العالم العربي معنية بما يجري في غزة‏,‏ وحذرت من ان استمرار ذلك الوضع قد يستدعي مواجهة أخري يفضل تجنبها‏,‏ لكن احدا من الوسطاء لم يتحرك إلا بعد ان وقعت الفأس في الرأس‏.‏

(2)‏ حين تم تفجير سيارة علي الشاطئ كانت تقل اربعة من قيادات كتائب عزالدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس حدث امران اثارا الشكوك والارتياب‏,‏ الأمر الأول ان بيانا صدر عما سمي بكتائب العودة‏,‏ تبني العملية‏,‏ في الوقت الذي احتفت بها بعض قيادات فتح في رام الله‏.‏

فقد ظهر علي التليفزيون سمير المشهراوي نائب دحلان في الأمن الوقائي وقال إنه تمني ان يكون من بين ضحايا السيارة التي تم تفجيرها سعيد صيام وزير الداخلية في غزة وأحمد الجعبري قائد كتائب القسام استشهد أولاده الخمسة وزوج ابنته في عملية إسرائيلية‏,‏ وصرح نبيل أبوردينة الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية بأن حدوث تلك التفجيرات سيظل امرا طبيعيا طالما بقيت حماس في غزة‏,‏ واذاع تليفزيون السلطة في رام الله اناشيد الثورة وفي خلفيتها صور تفجير الشاطئ الأمر الذي جاء دالا علي ان رام الله في الصورة‏,‏ وليست بعيدة عنها‏.‏

الأمر الثاني المهم ان تحريات سلطة القطاع دلت علي أن المسئولين أو المشتبهين في حادث التفجير احتموا بمربع حلس الأمني‏,‏ فوجهت إليه رسالة طلبت تسليم‏40‏ شخصا‏,‏ وخضع الأمر لتفاوض ادي إلي حصر المطلوبين في سبعة أشخاص‏,‏ بعضهم من خارج العائلة‏,‏ فوافق حلس علي أن يسلم سبعة من غير المطلوبين‏,‏ وحين احتدم الجدل حول الموضوع اطلقت نيران من المربع الأمني قتلت اثنين من جنود القوة التنفيذية التابعة للداخلية‏,‏ وكانت تلك بداية المواجهة المسلحة التي استمرت‏9‏ ساعات‏,‏ وانتهت باقتحام المكان واقتياد المطلوبين‏.‏

المعركة اسفرت عن قتل‏7‏ أشخاص اربعة منهم من آل حلس‏,‏ والجرحي تجاوز عددهم‏150‏ شخصا‏,‏ بعضهم اصيب اثناء الاشتباك‏,‏ واغلبهم اصيبوا في أقدامهم بسبب اطلاق الإسرائيليين النار عليهم‏,‏ لانهم اقتربوا اكثر من اللازم من الحدود الإسرائيلية‏,‏ وحين اصيب احمد حلس‏,‏ فان ابنا له اتصل باحد عناصر حركة الجهاد لاسعافه‏,‏ وارسلت بالفعل سيارة اسعاف لنقله إلي مستشفي غزة‏,‏ لكنه رفض نداء ابنه وفضل الاحتماء بالإسرائيليين‏.‏

اختم هذه النقطة بالتنبيه إلي مفارقة‏,‏ خلاصتها ان صحفية إسرائيلية محترمة هي عميره هاس‏,‏ لاحظت منذ وقت مبكر ان ثمة تحيزا في التغطية الإعلامية لما يجري في الأرض المحتلة‏,‏ يلح دائما علي شيطنة مايجري في غزة‏,‏ وكتبت مقالا بعنوان لماذا يتجاهلون القمع ضد حماس في الضفة؟ هاآرتس‏2007/9/19‏ عددت فيه قائمة طويلة من عمليات القمع والانتهاكات اليومية التي تحدث في الضفة‏,‏ والتي يتجاهلها الاعلام لاسباب ليست بريئة بطبيعة الحال‏.‏

(3)‏ بين يدي شهادتان مهمتان في تشخيص الازمة لاثنين من الشخصيات الوطنية الفلسطينية‏,‏ النزيهة والمحايدة والاقرب تاريخيا إلي فتح ـ هما الاستاذ بلال الحسن والدكتور سلمان أبو ستة‏,‏ الأول نشرت له صحيفة الشرق الأوسط مقالا في‏2008/7/13‏ تحت عنوان ماذا يريد الرئيس محمود عباس‏,‏ والثاني نشرت له صحيفة الحياة اللندنية في‏7/12‏ مقالا تحت عنوان‏:‏ البحث عن مرجعية واحدة للشعب الفلسطيني‏,‏ اهمية الشهادتين مستمدة من انهما مشغولتان باحتشاد الصف الوطني الفلسطيني وتعزيز قوته‏,‏ لمواجهة العدو والتحدي الحقيقي المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي‏.‏

في مقالته سجل بلال الحسن الملاحظات التالية‏:‏
ان الرئيس محمود عباس طرح مبادرة للحوار الفلسطيني ثم ارتد عليها‏,‏ اذ استغرق اطلاق المبادرة بضع دقائق ولكن الارتداد عليها استغرق اياما واسابيع‏,‏ وكانت المبادرة مختصرة وموجزة‏,‏ لكن الارتداد عليها تضمن اشتراطات واقتراحات اغرقتها في بحر الكلمات‏.‏

ان الرئيس الراحل ياسر عرفات منذ تسلم قيادة المنظمة في عام‏1969‏ ظل شغله الشاغل ان يضم اليه كل الوان الطيف الفلسطيني‏,‏ في حين ان الرئيس أبومازن يعد أول رئيس يرفض انضمام الناس إليه‏,‏ بل ان الشروط التي يعلنها تعبر عن رغبة عميقة في التخلص من حركة حماس‏,‏ واخراجها تماما من العملية السياسية‏.‏

فضلا عن ان ذلك مطلب يستحيل تحقيقه من الناحية العملية‏,‏ فان نتيجته تؤدي إلي حدوث انقسام حاد في الساحة الفلسطينية‏,‏ حيث ستوجد منظمة التحرير ذات اللون الواحد في جانب وحركة حماس ذات الشعبية الاكيدة في جانب آخر‏,‏ بالتالي يفتقد الشارع الفلسطيني منظمة التحرير كاطار يضم الجميع‏,‏ ويفتقد صفتها كممثل شرعي‏,‏ ووحيد للشعب الفلسطيني‏.‏

انه اذا كانت هناك رغبة جادة لتحقيق الوحدة الوطنية وضمان شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني مع احترام المتغيرات التي طرأت علي وضعه الداخلي‏,‏ فيتعين علي الرئيس أبومازن الا يضع شروطا مسبقة للحوار الوطني‏,‏ لانه رئيس الجميع مؤيدين‏,‏ ومعارضين‏,‏ وللرئاسة مسئوليات لابد من تحملها ولو بمرارة‏.‏

المسألة المحورية في مقالة الدكتور سلمان أبوستة‏,‏ هي دعوته إلي توفير مرجعية واحدة للشعب الفلسطيني الذي يبلغ تعداده الآن احد عشر مليون نسمة‏30%‏ فقط منهم في الارض المحتلة‏,‏ في حين ان‏70%‏ يعيشون خارج فلسطين‏,‏ وصوتهم مغيب تماما في تقرير المصير الفلسطيني‏,‏ ذلك ان نصف الشعب الفلسطيني ولد بعد اجتماع المجلس الوطني في الجزائر عام‏1988,‏ ومنذ ذلك الحين تغيرت أمور كثيرة في الواقع الفلسطيني‏,‏ لم يكن لها اي تعبير أو صدي في المجلس الوطني‏,‏ الذي لم يجتمع منذ عشرين عاما‏,‏ وطوال هذه المدة لم تتوقف المؤتمرات الممثلة لشرائح الشعب الفلسطيني عن المطالبة بتمثيلها في المجلس‏,‏ وبرغم الاتفاق في القاهرة عام‏2005‏ بين كل الفصائل الجديدة والقديمة علي آلية تنفذها اللجنة التحضيرية لانتخاب مجلس وطني جديد‏,‏ إلا ان هناك تسويفا متعمدا وعراقيل توضع امام العملية‏,‏ لان هناك فئات ممن احتكرت القرار الفلسطيني حريصة علي ألا تدعي اللجنة التحضيرية‏,‏ وألا يشكل المجلس الوطني من جديد بما يوفر مرجعية حقيقية للشعب الفلسطيني‏.‏

(4)‏ ثمة بعد يغيبه كثيرون ممن يوجهون إلي الفلسطينيين الوعظ والتقريع والتبكيت يتمثل في تجاهل مسئولية الوضع العربي عما يحدث في الارض المحتلة‏,‏ ذلك ان الانهيار في الوضع الفلسطيني‏,‏ هو انعكاس لانهيار النظام العربي‏,‏ حتي ازعم ان خرائط العالم العربي تتوزع بدورها بين معسكرين احدهما مع المقاومة غزة والثاني مع التسوية السلمية رام الله الانقسام هو الانقسام والتراشق قائم بين المعسكرين بدرجة أو اخري‏,‏ وكما لاتوجد مرجعية واحدة للفلسطينيين كذلك لم تعد هناك مرجعية واحدة للعالم العربي‏,‏ واذا كان البعض هناك يراهن علي واشنطن دون غيرها‏,‏ فعندنا ايضا من يراهن علي واشنطن إلي ابعد مدي‏,‏ الافدح والاخطر ان الرؤية الاستراتيجية في العالم العربي أصابها الخلل‏,‏ حتي اصبحنا نسمع من بعض العواصم ان ايران هي العدو في حين يصرخ اخرون بأن إسرائيل هي العدو‏.‏

ان العالم العربي عجز حتي الآن عن رفع الحصار عن الفلسطينيين‏,‏ وبعض دوله مشاركة فيه‏,‏ وقرار وزراء الخارجية العرب في شهر يوليو‏2007‏ بكسر الحصار تبخر بعد‏24‏ ساعة من صدوره‏,‏ كذلك فان العالم العربي فشل في اجراء مصالحة بين الفلسطينيين‏,‏ وكل ما قيل في هذا الصدد كان كلاما لم يحقق نتائج ملموسة‏,‏ علما بأن الاتصالات بهذا الخصوص توقفت مؤخرا ولاينتظر لها ان تستأنف قبل شهرين علي الأقل‏.‏

ان ممارسة النقد الذاتي للوضع العربي هي المقدمة الطبيعية لتصحيح الوضع الفلسطيني‏,‏ لاننا لانستطيع ان نضمن عافية اطراف الجسم طالما ظل القلب عليلا أو معطوبا‏.‏

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar