Subscribe:

Ads 468x60px

11 أغسطس، 2008

إعادة تعريف الأمن القومي

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 10 شعبان 1429- 11 أغسطس 2008

إعادة تعريف الأمن القومي – فهمي هويدي


أصبح مصطلح الأمن القومي بحاجة إلى إعادة تعريف، حيث يبدو أن باب الاجتهاد فيه أصبح فضفاضا على نحو أصبح يتسع لأمور تتجاوز المفهوم الأصلي له، ذلك أننا نعرف أن الأمن القومي هو امر يتصل بالوطن ومصيره، وأن كل ما يتصل بإضعاف الوطن والنيل من عافيته يدخل في صميم الأمن القومي، لذلك فإن خبراء الاستراتيجية والباحثين الجادين ينبهون دائما إلى ان الأمن القومي أمر يتجاوز بكثير طاقة ووظيفة وحدود اجهزة الأمن. بالتالي فهو ليس شأن العسكر وحدهم، وثمة كلام كثير في هذا الباب يبدو أننا بحاجة إلى التذكير بأهميته، لأن ما كان إجماعاً في مفهوم الأمن القومي اختلف في مصر الآن حتى تحول المفهوم إلى وجهة نظر واجتهاد يحتمل قراءات واجتهادات أخرى.


صحيح ان مصطلحات كثيرة مما هو متداول في حياتنا السياسية والثقافية أصبحت في ظل الهرج الثقافي والسياسي الراهن بحاجة إلى إعادة تعريف، وهو ما أشرت إليه قبل أيام بمناسبة الحديث عن الاستقرار، وذكّرت بعناوين أخرى مثل الاعتدال والتطرف والسلام والتحرير والاصلاح السياسي وغير ذلك، وقلت ان مضمون هذه العناوين بات يحتاج إلى تحديد وضبط، لأن الاجتهادات في تعريفها تفاوتت كثيراً، حتى وصلت الى حد التناقض، ورغم اقتناعي بذلك إلا أنني أزعم أن مصطلح الأمن القومي هو أخطر من كل تلك العناوين، لأننا اذا احتملنا العبث بها لبعض الوقت، فإن العبث بمفهوم الأمن القومي يتعذر احتماله تحت أي ظرف.


ومع الاحترام لأصحاب الاجتهادات الجديدة في مسألة الأمن القومي، الا ان التركيز على ضمان عافية الوطن ينبغي ان يظل مسألة محورية ومنطلقا لا غنى عنه في تناول الموضوع، وحين يستخدم الشعار لحماية افراد أو مراكز القوى فإن ذلك يعد ضوءا أحمر ينبه إلى ان ثمة انحرافا في مفهوم الأمن القومي تتعين المسارعة إلى وقفه، ليس فقط لكي لا تتبدل القيمة، ولكن ايضا لأن من شأن ذلك صرف الانتباه إلى التحديات التي تهدد حقا أمن المجتمع ومصير البلد.


جدير بالذكر في هذا الصدد أن الحالة المصرية تستدعي العديد من علامات الاستفهام والتعجب في التعامل مع مسألة الأمن القومي، إذ في حين اهتزت معايير ومعادلة التعامل مع مقومات وعناصر الأمن الخارجي التي دفعت مصر إلى التصالح مع اسرائيل والتخاصم مع سورية وإلى السكوت عما يهدد مياه النيل في السودان، فإن حسابات الأمن الداخلي أصابها بدورها الخلل، إذ تجاوز الأمن عدم الاكتراث بقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان وخدمات الصحة والتعليم والسكن، وتلك كلها ثغرات أضعفت كثيراً جدار الوطن، وأصبح أمن أركان النظام وأعوانه هو محور الاهتمام ومناط التركيز، ولابد أن نفرق هنا بين حماية أمن أركان وأعوان النظام، وهو أمر مفهوم ومبرر، وبين التستر على عوراتهم، إذ بمعيار المصلحة الوطنية فإن الأمن القومي للبلد يتحقق بكشف العورات والانحرافات، لأن ذلك الكشف يوقف السوس الذي ينخر في عظام الوطن ويطهر فضاءه من مظان الفساد ومظاهره.


مما يبعث على القلق أن مراكز القوى الجديدة الصاعدة في مصر -يتقدمها تحالف بعض السياسيين مع رجال الأعمال- أقامت شبكة من العلاقات أساءت كثيرا إلى وجه الوطن (نموذج العبّارة لايزال حاضرا في الأذهان)، ويبدو أن هذا النموذج مرشح للتكرار هذه الأيام رغم الجهود الكبيرة التي تبذل لاحتواء الشائعات ومصادرة قنوات التعبير، خصوصا أننا في زمن انهارت فيه الحواجز وكسرت ثورة الاتصال جدران الصمت، بحيث أصبح التفنن في مصادرة الصحف أو منع تداولها عملا ساذجا يتحرك خارج العصر، وسيظل مثيرا للدهشة أن يُزج بالأمن القومي في هذا السياق، الأمر الذي يدعونا الى المطالبة برد الاعتبار له، والتأكيد على تعريفه بما لا ينال من معناه الجليل الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.


إن أخطر ما في محاولة التستر على الانحرافات بدعوى حماية الأمن القومي أنها تفتح أعيننا على حقيقة أن التحالفات القائمة أصبحت مستعدة للتضحية بأي شيء مقابل الحفاظ على مصالحها الخاصة، بما في ذلك مصلحة الوطن ذاته.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar