Subscribe:

Ads 468x60px

10 أغسطس، 2008

بصمات الدولة البوليسيه

صحيفة الدستور المصريه الأحد 9شعبان 1429 - 10 أغسطس 2008
بصمات الدولة البوليسيه– فهمي هويدي


فوجئت باحتجاج رئيس نادي القضاة على حضور ضابط مباحث أمن الدولة الاجتماع الذي عقده رئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الاعلى مع قضاة محافظة اسيوط، وهو الخبر الذي نشرته صحف الجمعة (8 أغسطس)، ولم يتم نفيه حتى الآن، ولست أخفي أن الخبر إذا كان قد نشر دون الإشارة إلى احتجاج المستشار زكريا عبدالعزيز لما أثار الانتباه ولمر دون أن يحدث أي صدى.


ما جرى في اسيوط وضعنا امام صورتين، احداهما مالت مع الريح السائدة واستسلمت لما هو كائن، والثانية عبرت عما يجب أن يكون، وذكرتنا بالأصول والتقاليد التي ينبغي مراعاتها. في الأولى وجدنا أن رئيس نادي القضاة في أسيوط وجّه الدعوة الى ضابط امن الدولة في المحافظة لحضور الاجتماع، ولا أظن أنه فعل ذلك دون أن يكون قد احاط رئيس محكمة النقض بالأمر ووجد أنه أيد فكرته، لذلك جاء الرجل، وراقب المشهد من الألف فيه إلى الياء، أما في الصورة الثانية فقد وجدنا ان رئيس نادي القضاة دهش لما جرى واستنكره، معبرا بذلك عن احتجاج القضاة واستيائهم مما جرى، إن شئت فقل إننا في اللقطة الأولى شاهدنا صورة لقضاة «الموالاة»، اما في الصورة الثانية فقد سمعنا أصوات القضاة المدافعين عن استقلالهم.


وأرجح أن الضابط المذكور لم يكترث بشيء مما صدر عن قضاة الموالاة، لكنه أنصت جيدا لما قاله الآخرون. ولابد من أنه ركز في تقريره على مضمون أحاديثهم، ليكون الجهاز على إحاطة كافية بموقف كل قاض، الأمر الذي له علاقة بمستقبل الواحد منهم الوظيفي، وبطبيعة الجهات التي يندب لها او القضايا التي تعرض عليه.


لأن حضور مباحث أمن الدولة في مختلف الأنشطة أصبح أمراً مألوفا، فقد بدا كلام المستشار زكريا عبدالعزيز مفاجئاً، ولا أستغرب إذا علمت ان مسؤولي المباحث أعربوا عن دهشتهم لما قاله الرجل، أو اعتبروا انه تكلم بلغة غريبة على أسماعهم، بعدما اعتبروا أنهم اوصياء على البلد، وأن عيونهم ينبغي أن تكون حاضرة في كل موقع وأن ذلك الحضور أصبح الأصل، وما عداه شذوذ واستثناء. هذه الظاهرة شديدة الوضوح في قطاعات المثقفين بوجه اخص، والجامعات على رأسها، فلا يعين عميد لأي كلية إلا بموافقه أجهزة الأمن، ولا تستقبل الكلية زائرا من خارجها إلا بعد الموافقة المسبقة، كما أن لهذه التقارير رأيا في رؤساء الأقسام وترقيات الأساتذة وإيفادهم الى البعثات والمؤتمرات أو المهام العلمية، أما انتشار هذه الأجهزة في أوساط الطلاب ومراقبة أنشطتهم، والتحكم في انتخابات اتحاداتهم، فأمر مفروغ منه ولا مجال لاستعراض تفاصيله.


في إحدى المرات وجهت عميدة لإحدى الكليات المرموقة خطابا رسميا الى واحد من شيوخ الصحافة المصرية ومراجعها، دعته فيه إلى الالتقاء بطلاب الكلية وإجراء حوار معهم، وبعد وصول الخطاب اتصل بها الصحافي الكبير هاتفيا واقترح عليها ان «تستأذن» أولا، قبل أن تضع نفسها في موقف يسبب لها حرجا، خصوصا أن للكلية سجلا في منع المثقفين من مخاطبة أساتذتها وطلابها، تفهمت العميدة كلامه وطلبت منه أن يمهلها بعض الوقت حتى «تستأذن»، وبعد أيام قليلة عادت للاتصال به هاتفيا، وقالت بصوت ملؤه الحرج إن ثمة «مشكلة» في الموضوع، وبعد أن سكتت لحظة طلبت منه أن يرد إليها خطاب الدعوة الذي أرسلته، وأوفدت على وجه السرعة من قام باسترداد الخطاب!


عندي قصص كثيرة من هذا القبيل، إحداها رواها أستاذ جامعي عين في منصب كبير بدار الكتب، وفوجئ في اليوم التالي لتسلمه منصبه بزائر يطلب شرب فنجان قهوة معه، ودهش حين علم أنه ضابط أمن الدولة في الدار، ولست أشك في أن الناشطين في مجالات العمل الأهلي والنقابي لديهم من القصص أكثر مما عندي، الأمر الذي يدل على أنه في ظل استمرار الطوارئ طوال ربع القرن الأخير، تمددت أصابع جهاز أمن الدولة في كل مفاصل المجتمع، الأمر الذي يرسخ المعنى الحقيقي وليس المجازي للدولة البوليسية، الذي تصبح فيه وزارة الداخلية هي الحاكم الحقيقي للبلد، وفي ظل استمرار هذا الوضع فلا غرابة في أن يعتبر ضباط أمن الدولة حضورهم اجتماعات القضاة أمرا عاديا، يمهد لطور آخر يجلس فيه الضابط على المنصة، في حين يصطف رئيس النقض وزملاؤه في القاعة حتى يحتل كل طرف موقعه الطبيعي.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar