Subscribe:

Ads 468x60px

06 أغسطس، 2008

المقابر الأكثر استقرارًا

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 4شعبان 1429 - 5 أغسطس 2008
المقابر الأكثر استقرارًا –فهمى هويدي

بعدما شاع التلاعب بالمصطلحات والعناوين وتحولت الإنجازات ومؤشرات الإصلاح السياسي إلي قضايا لغوية تغطي بكلمات كبيرة ورنانة لم يعد مفيدًا كثيرًا أن تجيب علي السؤال ماذا، دائمًا أصبح الأهم أن تحصل علي إجابة للسؤال كيف؟!، فقبل يومين علق زميلنا الأستاذ إبرهيم عيسي علي مصطلح الاستقرار، الذي يتمناه كل أحد ولا يختلف عليه أحد، وعدد شواهد كثيرة خلص منها إلي أن المصطلح يوظف هذه الأيام للإبقاء علي كل شيء علي حاله، بحيث يظل احتكار السلطة كما هو والفساد كما هو وكل الخلل الذي نراه في بر مصر، لا يتراجع خطوة واحدة إلي الوراء، لذلك فلم يعد كافيًا أن تلح الأبواق المختلفة علي مسألة الاستقرار، دون أن يقال لنا كيف يتحقق وما المراد به في حقيقة الأمر؟!

أكثر من مرة حذرت من اللعب بحكاية الاستقرار، وقلت إن الجبانات والمدافن هي أكثر الأماكن استقرارًا في العالم، وإذا استثنينا اللصوص الذين يعبثون بها لسبب أو لآخر، فيفترض ألاَّ يتحرك في المقابر شيء حتي تقوم الساعة، وأي متابع لأحوال السياسية المصرية لا يشك لحظة في أن أهل السلطة حين يتحدثون عن الاستقرار فإنهم لا يقصدون سوي مفهوم الموات الذي يرتبط مباشرة بالمقابر، ولا يخطر علي بالهم أي معني آخر متصل بتجنيب المجتمع الهزات السياسية والاجتماعية عن طريق إشراك الشعب في السلطة وتضييق الفجوة بين الطبقات وإفادة مجتمع القانون والمؤسسات وكفالة الحريات العامة، وغير ذلك من الركائز التي تكفل استقرارًا إيجابيًا للمجتمع.

لدي قائمة طويلة من العناوين الجذابة التي ينتهك مضمونها ويغتصب، بحيث نري لها في التطبيق العملي وجهًا قبيحًا ومنفرًا، الأمر الذي يؤكد مضمون المثل الإنجليزي القائل: «بأن الشيطان يكمن في التفاصيل»، وهو ليس مثلاً فقط ولكنه مدرسة في السياسة الإنجليزية تخصصت في إتقان زرع الشياطين في ثنايا الاتفاقيات والقرارات السياسية.

العبث المقيت بمفهوم الاستقرار له مثيله في مصطلحات السلام والاعتدال والتحرير، فقد رأينا منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، كيف تحولت إلي كمين أدي إلي عزل مصر وإضعاف العالم العربي، ووجه ضربة قاصمة للقضية الفلسطينية، التي لم تتقدم خطوة واحدة منذ ذلك التاريخ، حتي السلطة الفلسطينية التي أقيمت في غزة والضفة تحولت إلي قناع تسترت به إسرائيل لمواصلة ابتلاع الأرض وتقنين الاحتلال، أما الاعتدال فيكفي أنه تحول إلي معسكر تحتشد فيه بعض الدول العربية مع الولايات المتحدة وإسرائيل لضرب المقاومة ومواجهة إيران، وهذه التعاسة الكامنة وراء مفهوم الاعتدال، لها مثيلها مع مصطلح «التحرير» الذي باسمه تم تدمير العراق ونهب ثرواته وتحويل أبنائه إلي لاجئين، الأمر الذي اغتال المعني الجليل في المصطلح.


حتي مصطلح في نبل «حقوق الإنسان» تحول إلي سلاح لملاحقة المعارضين للسياسة الأمريكية وتصفيتهم، كما أصبح ذريعة للتدخل والاعتداء علي سيادة دول أخري، كما أننا رأينا في مصر كم الانتهاكات والاعتداءات التي مورست ضد الحريات العامة بدعوي الإصلاح السياسي، والتي في ظلها تم تعديل الدستور علي النحو الذي ضيق من ضمانات الحريات وعزز مكانة القضاء العسكري «الاستثنائي».

القائمة طويلة تكاد تشمل أغلب المصطلحات المستخدمة في الخطاب السياسي، الذي شاع تقاليد العبث بمضمونها وتفريغها من محتواها، ومن ثم توظيفها في اتجاه علي النقيض تمامًا مما يوحي به ظاهرها، ولا سبيل إلي مكافحة هذا العبث إلا بالتعامل الحذر مع مختلف المصطلحات التي تطلق في الفضاء السياسي والإلحاح علي التدقيق في مضمونها للتأكد من استبعاد الجوانب الشيطانية والأهداف الشريرة من محتواها، ذلك أننا ضللنا كثيرًا وخدعنا كثيرًا، ولدغنا من ذات الحجر مرة واثنتين وثلاثة، وآن لنا أن نفيق، حتي لا يظلوا يراهنون دائمًا علي براءتنا وبلاهتنا.



0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar