Subscribe:

Ads 468x60px

05 أغسطس، 2008

العرب ضيعوا فرصتهم في إفريقيا

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 4 شعبان 1429 – 5 أغسطس 2008
العرب ضيعوا فرصتهم في إفريقيا -‏ فهمي هـويدي

من مفارقات حياتنا السياسية‏,‏ أنه في حين تتنافس الدول الكبري علي إفريقيا‏,‏ فإن عالمنا العربي لايزال يتمنع عليها‏,‏ برغم أن عشرا من الدول الإفريقية دول عربية‏.‏


حين زار الرئيس مبارك الأسبوع الماضي جنوب إفريقيا وأوغندا‏,‏ احتل اسم إفريقيا مكانة علي الصفحات الأولي من الصحف المصرية علي الأقل‏,‏ وهو ما استمر طوال أربعة أو خمسة أيام‏,‏ الأمر الذي استصحب نشر تعليقات عنه تحدثت عن التعاون والتكامل في مجالات عدة‏,‏ تجارية وزراعية ومائية‏,‏ وتلك لغة جديدة نسبيا في إعلام المرحلة الراهنة‏,‏ الذي أصبحت إفريقيا تذكر فيه مقترنة بأخبار المجاعات والحروب الأهلية‏,‏ وغير ذلك من الكوارث التي تحيق بالبشر‏(‏ تستثني من ذلك مباريات كأس إفريقيا لكرة القدم‏),‏


ولم يكن ذلك موقفا من الإعلام بقدر ما كان مرآة للحاصل في السياسة‏,‏ ذلك أننا ينبغي أن نعترف بأن الشأن الإفريقي تراجع في أولويات السياسة المصرية خلال العقود الثلاثة الأخيرة‏,‏ وليس معروفا ما اذا كان التطور الأخير تعبيرا عن تصويب للرؤية الاستراتيجية ـ وهو ما نتمناه ـ أم أنه أوثق صلة بالحسابات السياسية المرحلية‏.‏


للدقة فإن التراجع ليس مقصورا علي مصر وحدها‏,‏ وإنما هو حاصل علي المستوي العربي أيضا‏,‏ الذي لم نلمس له اعتناء بتوثيق العلاقات مع بقية دول القارة الإفريقية‏,‏ ويعد الدور الليبي في هذا السياق حالة خاصة في دوافعه ومقاصده‏,‏ وبرغم أنه دور مقدر في كل أحواله‏,‏ فإنه يتأثر كثيرا بالتقلبات السياسية‏,‏ إضافة الي أنه يظل محدودا ومحكوما بسقف القدرات الليبية‏,‏ التي اذا تميزت علي صعيد التمويل‏,‏ إلا أنها تعاني القصور في القدرات البشرية والفنية‏.‏


لا مفر في هذا الصدد من الاعتراف أيضا‏,‏ بأن العالم العربي لم يستطع أن يستثمر الميزات النسبية التي توافرت لعلاقته مع القارة الإفريقية‏,‏ وعلي رأسها الجوار الجغرافي‏,‏ الذي يشكل عنصرا بالغ الأهمية في توفير النجاح لتحقيق المصالح المشتركة‏,‏ خصوصا علي الصعيد الاقتصادي والتجاري‏,‏ إضافة الي الروابط التاريخية والدينية مع مسلمي شرق وغرب إفريقيا‏.‏


واذا كان مصطلح المصالح يساق في معرض الحديث عن العلاقات العربية ـ الإفريقية‏,‏ إلا أن مصطلح المصير هو الأدق في التعبير عن صياغة العلاقات المصرية ـ الإفريقية‏,‏ لسبب جوهري هو أن مياه النيل ـ شريان الحياة لمصر ـ تأتي كلها من قلب إفريقيا‏,‏ و‏84%‏ من تلك المياه تصل إليها من دولة واحدة هي إثيوبيا‏.‏


‏(2)‏في الستينيات‏,‏ لم تكن مصر بحاجة لمن يذكرها بعلاقة المصير التي تربطها بالقارة السوداء‏,‏ فقد كانت حاضرة بقوة في مختلف أنحاء القارة من خلال دورها في مساندة حركة التحرر الوطني من الاستعمار‏,‏ الذي كان مخيما علي القارة آنذاك‏,‏ وفي تلك المرحلة الناصرية كان الدور السياسي موازيا لحضور اقتصادي قوي من خلال شركة النصر للتصدير والاستيراد‏,‏ التي كان لها نشاطها الكبير في كل إفريقيا‏,‏ وفي غربها بوجه أخص‏.‏


لدي السيد محمد فائق مدير مكتب الرئيس عبدالناصر للشئون الإفريقية ثم وزير الإعلام في وقت لاحق‏,‏ قصص لا حصر لها عن التحرك المصري الواسع في مختلف أرجاء القارة وقتذاك‏,‏ وعن اهتمام الرئيس عبدالناصر بتفاصيل هذا الدور‏..‏
فهو يروي أن رئيس جمهورية الصومال شارمآركي كان في زيارة لأوروبا‏,‏ وأبلغ بأن الشركات الإيطالية رفضت شراء الموز محصول البلد الرئيسي ومصدر تمويل موازنته‏,‏ وكانت تلك الشركات مازالت متحكمة في اقتصاد الصومال بعد رحيل الاستعمار الايطالي‏,‏ جاء الرجل الي القاهرة وعرض المشكلة علي الرئيس عبدالناصر فقرر أن تشتري مصر كل الموز الصومالي‏,‏ وما إن أعلن النبأ‏,‏ حتي سارعت الشركات الايطالية الي رفع الحظر‏,‏ واشترت الموز بالسعر الذي حدده المنتجون‏.‏


يتحدث الأستاذ فائق أيضا عن الجهد الذي بذل علي مدي عدة سنوات للدخول الي الأسواق الإفريقية‏,‏ وهو ما اقتضي إجراء تعديل علي ماكينات النسيج لتوفير أحجام القماش المصدر للأثواب التي يرتديها النيجيريون‏,‏ وإجراء تعديل آخر علي معاصر الزيوت لتصنيع زيت النخيل الذي تتوافر ثماره في العديد من دول القارة‏,‏ وكانت نتيجة ذلك الجهد أن شركة النصر للتصدير والاستيراد استطاعت تسيير بواخر تحمل البضائع المصرية الي المواني الإفريقية‏,‏ الأمر الذي أدي الي توفير السلع الهندسية والدراجات والمنسوجات ومختلف المنتجات المصرية في العديد من الدول الإفريقية‏.‏


من النجاحات التي حققتها مصر في تلك المرحلة‏,‏ أنها قاومت بشدة الفكرة الاستعمارية الرامية الي التفرقة بين جنوب الصحراء وشمالها‏,‏ أو بين العرب والأفارقة‏,‏ وعملت علي ضم قادة القارة وزعماء حركات التحرر فيها الي حركة عدم الانحياز‏,‏ كما فتحت أبواب القاهرة لممثلي تلك الحركات‏,‏ الذين تحولوا الي ركيزة الخطاب السياسي الذي عبرت عنه الاذاعات الموجهة‏.‏‏


(3)‏في غياب مصر حدث تطوران مهمان للغاية‏,‏ الأول هو التمدد الإسرائيلي في أنحاء إفريقيا‏,‏ الذي من تجلياته أن إسرائيل أصبح لها الآن‏45‏ سفارة في إفريقيا‏,‏ وهو رقم يعادل بالضبط عدد السفارات المصرية هناك‏,‏ وهذا التمدد رصدته رسالة ماجستير مهمة نوقشت قبل أسبوعين في معهد الدراسات الإفريقية أعدها الباحث حسين حمودة حول العلاقات الإسرائيلية ـ الإفريقية منذ تأسيس الدولة العبرية‏,‏ بتركيز خاص علي الفترة التي أعقبت عام‏1991,‏ وحتي الوقت الراهن‏,‏


وقد تتبع الباحث الدور الإسرائيلي في مختلف الأقطار الإفريقية‏,‏ ولاحظ أنه برغم الانتشار الواسع لها في القارة فإن‏3%‏ فقط من التجارة الخارجية الإسرائيلية مع إفريقيا‏,‏ في حين أن‏70%‏ من تجارتها مع أوروبا‏,‏ وخلص من ذلك إلي أن إسرائيل في إفريقيا مهتمة بالعائد السياسي بأكثر من اهتمامها بالعائد الاقتصادي‏,‏ ونبه الي أن إسرائيل التي نافست بلجيكا في تصنيع الألماس الإفريقي المستخرج من الكونجو‏,‏ مهتمة باستخراج الثروات الطبيعية وبالاستثمار المباشر أو بالاشتراك مع طرف غربي آخر‏,‏ ثم أنها أقامت كيبوتسات في كينيا لتصدير بعض السلع‏(‏ منها الورد‏)‏ لكي تفوت فرصة رفض منتجات بعض الكيبوتسات في أوروبا بحجة أنها مقامة علي أرض محتلة‏,‏ ومن الملاحظات المهمة التي أبداها أن السياسة الغربية والأمريكية الحريصة علي فصل شمال القارة عن جنوبها‏,‏ واعتبار الشمال ضمن الشرق الأوسط‏,‏ والجنوب هو إفريقيا السوداء لها هدف خبيث يستبعد عشر دول عربية من القارة ويقحم معها إسرائيل واعتبارها جزءا من الشرق الأوسط‏.‏


التطور الآخر المهم في إفريقيا‏,‏ هو ذلك التنافس علي كنوز القارة وثرواتها المعدنية والنفطية بين الدول الكبري‏,‏ واذا كانت فرنسا وانجلترا هما الدولتين اللتين كانتا لهما اليد الطولي في استعمار إفريقيا ونهب ثرواتها‏,‏ فإن المتنافسين الجديدين هما الولايات المتحدة الأمريكية والصين‏(‏ ثمة تقدير يري أن ربع احتياجات الولايات المتحدة من النفط خلال العشرين سنة المقبلة سيكون مصدره إفريقيا‏,‏ وأن واشنطن تريد من ذلك أن تقلل من اعتمادها علي نفط الشرق الأوسط‏).‏


للدكتور فرج عبدالفتاح أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة بحث أخير سلط فيه أضواء قوية علي العلاقات العربية ـ الإفريقية‏,‏ ومن الملاحظات التي سجلها أن الولايات المتحدة أصدرت عام‏2000‏ قانون الفرص والنمو‏,‏ الذي فتح الأبواب لاستيراد الصادرات الإفريقية بلا ضرائب جمركية واشترط فقط أن تكون الدول المصدرة أكثر انفتاحا وديمقراطية‏,‏ وقد استفادت‏25‏ دولة إفريقية جنوب الصحراء من هذه التسهيلات‏,‏ ولأن الصين تنافسها إفريقيا فأنها قررت في سنة‏2006‏ رفع الضرائب عن‏190‏ سلعة من الصادرات الإفريقية‏,‏ زاد عددها بعد ذلك حتي أصبحت‏440‏ سلعة الآن‏,‏ وهو ما أوصل حجم تجارة الصين مع إفريقيا الي‏45‏ مليار دولار في سنة‏2007.‏


من الملاحظات أيضا‏,‏ أن الولايات المتحدة أصبحت الشريك الاقتصادي الأول للقارة الإفريقية‏,‏ تليها في الترتيب دول الاتحاد الأوروبي‏,‏ أما الصين فتأتي في المرتبة الثالثة‏,‏ وبعدها الهند التي تحاول تنشيط حضورها في الأسواق الإفريقية‏,‏ وتعتبر جنوب إفريقيا الشريك التجاري الرئيسي لها في القارة‏,‏ وللعلم فإن الهند عقدت في شهر ابريل من العام الحالي مؤتمر قمة إفريقية ـ هندية‏,‏ اسقطت فيه نسبة غير قليلة من ديونها علي دول القارة‏,‏ وقررت تقديم‏500‏ مليون دولار سنويا للتنمية في دولها‏,‏ وقبل ذلك في عام‏2006‏ عقدت في بكين قمة صينية ـ إفريقية‏,‏ وشهدت لشبونة في العام الذي يليه‏(2007)‏ قمة إفريقية ـ أوروبية‏,‏ وأخيرا شكلت الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها القيادة المركزية الإفريقية إفريكوم‏.‏


‏(4)‏تشير الأرقام الي أن‏7%‏ فقط من التجارة العربية تذهب الي إفريقيا‏,‏ وأن‏10%‏ فقط من تجارة الدول العربية يوجه الي القارة ذاتها‏,‏ وهو يجسد المفارقة التي سبقت الإشارة إليها‏,‏ متمثلة في تمنع مصر والدول العربية عن استثمار الفرص الكبيرة المتاحة في إفريقيا‏,‏ التي تتنافس عليها الدول الكبري في الغرب والشرق‏,‏ وهو ما عقب عليه زميلنا أحمد النجار رئيس تحرير التقرير الاقتصادي الاستراتيجي‏,‏ بقوله إن عرب النفط بوجه أخص ضيعوا فرصة تاريخية نادرة كان يمكن الإفادة منها في إحداث طفرة اقتصادية كبيرة‏,‏ حينما توافرت لهم فوائض مالية هائلة في السنوات الأخيرة‏,‏ كان يمكن توجيه بعضها لاستثمار الموارد المتوافرة في إفريقيا‏,‏ وهي ذات الفرصة التي أفادت منها اليابان‏,‏ حين استفادت من قاعدة الموارد المعدنية الموجودة في شرق وجنوب شرق آسيا‏,‏ في تطوير صناعات عملاقة‏,‏ جعلتها مثلا في صدارة الدول المنتجة للألومنيوم‏,‏ برغم أنها لا تملك أية خامات لتلك الصناعة‏.‏


لا غرابة في أن تسعي الدول الكبري الي اختراق الأسواق الإفريقية الغنية بمواردها الطبيعية والهيمنة عليها‏,‏ فهذه الدول لها استراتيجياتها ومخططاتها التي تخدم مصالحها‏,‏ ونحن نخطئ اذا استسلمنا للغضب والاحتجاج إزاء ما يفعلونه‏,‏ لأن السؤال المهم هو‏:‏ أين استراتيجيتنا المقابلة ورؤيتنا السياسية الخاصة‏,‏ ولماذا نظل نمد أبصارنا إلي الغرب دائما‏,‏ ولا نحاول أن نتطلع الي مواقع أقدامنا؟


إن المشكلة تكمن في خلل رؤيتنا الاستراتيجية وغياب القرار السياسي‏,‏ بأكثر منها في مخططات الآخرين ومؤامراتهم‏.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar