Subscribe:

Ads 468x60px

03 أغسطس، 2008

فيلم مصري في تونس

صحيفة الدستور المصريه السبت 1 شعبان 1429 – 2 أغسطس 2008

فيلم مصري في تونس - فهمي هويدي

الريادة المصرية في طبخ الانتخابات الرئاسية أثبتت جدارتها في تونس، ذلك أن مجلس النواب هناك وافق في الأسبوع الماضي علي تعديل دستوري يسمح بمنافسة الرئيس زين العابدين بن علي في الترشيح للانتخابات الرئاسية التي يفترض أن تجري في الخريف القادم، وكان الدستور في صيغته السابقة يشترط في أي مرشح للرئاسة أن يحصل علي تأييد ثلاثين نائبًا أو رئيس بلدية، ولأن الحزب الدستوري الحاكم يسيطر علي 80% من مجلس النواب والمستشارين، كما أن رؤساء البلديات معينون من قبل الحكومة، فقد كان مستحيلاً علي أي شخص أن يستوفي هذا الشرط، إلا إذا كان عضوًا في الحزب الحاكم أو مرضيًا عنه من الحزب، وبموجب التعديل الجديد تم إلغاء شرط تأييد المتقدمين للترشيح من قبل النواب ورؤساء البلديات، وسمح لأمناء أربعة أحزاب معارضة بالترشح، لكن تم إقصاء الأمين العام السابق للحزب الديمقراطي التقدمي المحامي أحمد نجيب الشابي -64 سنة- الذي كان المؤتمر العام لحزبه قد اختاره مرشحًا للانتخابات المقبلة.

والسماح لأمناء أربعة أحزاب فقط بالترشح لمنافسة الرئيس، أمر ليس جديدًا، لأن من غرائب الانتخابات الرئاسية التونسية أن الرئيس هو الذي يختار منافسيه، الذين يطمئن إلي أن أحدًا منهم لن يكون منافسًا حقيقيًا، بالتالي فإن دور هؤلاء المرشحين المختارين لا علاقة له بمنافسة الرئيس بن علي، وإنما هو مقصور علي تجميل صورة الرئيس، من خلال إضفاء شكل تعددي أو ديكور ديمقراطي علي عملية انتخابه، إن شئت فقل إن أولئك المرشحين ليسوا أكثر من «كومبارس» يتراصون في الخلفية وراء بطل الرواية.

في عام 1999 استصدر الرئيس بن علي قانونًا استثنائيًا في مجلس النواب لإفساح المجال أمام ترشيح رئيسي حزبين ممثلين في البرلمان لمنافسته في الانتخابات التي جرت في ذلك العام، وحقق فيها بن علي فوزًا «كاسحًا». وفي الانتخابات الرئاسية التالية «عام 2004» استصدر الرئيس قانونًا استثنائيًا آخر أتاح لمرشحي ثلاثة أحزاب برلمانية منافسته، وحقق الرئيس فوزه «الكاسح» عليهم حتي فاز بأكثر من 95% من الأصوات، هذه المرة سمح الرئيس لممثلي أربعة أحزاب أن ينافسوه، ولأن الأمين العام السابق للحزب الديمقراطي أحمد الشابي كان يمكن أن يصبح منافسًا حقيقيًا فقد تم استبعاده علي الفور.

لقد تولي الرئيس بن علي السلطة في عام 1987 أي منذ واحد وعشرين عامًا، وقام بتعديل الدستور عام 2002 لإلغاء النص الذي يحدد مدة شغل الرئيس لمنصبه لولايتين فقط، لكي يطلق مدة بقائه في السلطة، ولأنه مقبل علي ولاية خامسة «أيضًا» فإن أجهزته قامت بالتعديل الدستوري الأخير لإيهام الرأي العام في الداخل والخارج بأن نطاق التعددية والمنافسة علي منصب الرئاسة يتسع، وأن الانفراج الديمقراطي قادم في الطريق، وهو ما أصبحت الأبواق الحكومية تبشر به وتهلل له، لكن أحدًا لا يستطيع أن ينسي الذي جري للأستاذ المنصف المرزوقي -رئيس رابطة حقوق الإنسان - الذي تجرأ ذات مرة ورشح نفسه لمنافسة الرئيس في عام 94، فقد ألقي القبض عليه بسبب «تهوره» وأمضي أربعة أشهر في السجن ثم أطلق سراحه وهو حر في بيته، بعد أن فصل من وظيفته و سحب جواز سفره وقطعت عنه حرارة الهاتف وصودر الفاكس، وظل تحت رقابة مشددة، تصيدت له ورقة بحثية نشرت له عام ألفين بالمغرب حول أوضاع حقوق الإنسان في تونس، فاتهم بنشر معلومات كاذبة لتحريض الرأي العام ضد السلطة، وحُكم عليه بالسجن مدة سنة، قضي منها تسعة أشهر قبل أن يطلق سراحه، ليظل تحت المراقبة طول الوقت، وما حدث مع الأستاذ المرزوقي يعد نقطة في بحر الانتهاكات وعملية القمع التي تلاحق كل الناشطين في تونس، خصوصًا الذين يدافعون عن حقوق الإنسان وحرية التعبير.

إن الأنظمة القمعية والبوليسية ملة واحدة، تنضوي تحتها مذاهب مختلفة، ويظل القاسم المشترك الأعظم بينها هو الاحتيال علي الديمقراطية لتسويغ احتكار السلطة «النموذج التونسي يضيف الثروة» من جانب الأسرة والسلالة حتي قيام الساعة، إذا استطاعوا.
هو فيلم واحد، يتم إخراجه في كل بلد بشكل مختلف، لكن حقوق الريادة المصرية في هذا «الفن» ينبغي أن تظل محفوظة


0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar