Subscribe:

Ads 468x60px

02 أغسطس، 2008

حياد مصري مشكوك فيه

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 29 رجب 1429 - 1أغسطس 2008

حياد مصري مشكوك فيه - فهمي هويدي


أتفهم جيدًا الأسباب التي دفعت مصر إلي التعبير عن الاستياء وعدم الارتياح إزاء ما تردد عن مساعي حركة حماس لإشراك وساطات أوروبية في قضية مبادلة الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليط بأعداد من الأسري الفلسطينيين لدي إسرائيل، فالملف الفلسطيني هو قضية أمن مصري بالدرجة الأولي، وما يحدث في غزة بوجه أخص لابد أن يظل شاغلاً رئيسيًا للقاهرة، علي الأقل بحكم الجوار الجغرافي المباشر، وقد كنت ومازلت من القائلين بأن الحروب التي خاضتها مصر علي تلك الجبهة لم تكن تضحيات من جانبها لصالح الآخرين، بقدر ما أنها كانت دفاعًا عن الأمن القومي للبلد.
لهذا السبب فإن الدور المصري في القضية هو فرض عين ينبغي عدم التقليل من شأنه، وأحسب أنه لا خلاف بين مختلف الفصائل الفلسطينية علي ذلك، الأمر الذي يجعل الرعاية المصرية للحوار الفلسطيني أمرًا طبيعيًا، لكن المشكلة أن الحسابات المصرية تسحب الكثير من دورها كطرف راع للحوار، يفترض فيه أن يكون محايدًا ومحتفظًا بمسافة واحدة إزاء الجميع، وإذا أضفنا إلي ذلك مكانة مصر كدولة لها ثقلها المشهود وشقيقة كبري للجميع، فإن ذلك يعزز من أهمية حيادها لضمان نجاحها في أداء دورها.


لقد تمكنت السعودية من عقد اتفاق مكة لأنها كانت وقتذاك ممدودة اليد لحركتي حماس وفتح، ولم يتردد ملكها في استقبال رئيس المكتب السياسي لحماس (وهو ما لم يفعله الرئيس المصري أو رئيس الوزراء الذي لم يستقبل إسماعيل هنية حين زار مصر في العام الماضي) وهذا ما فعلته اليمن في الاتفاق الأخير، وهو أيضًا ما فعلته الدوحة حين رعت الاتفاق بين الفصائل اللبنانية، ومن قبل (في عام 89) استضافت السعودية مؤتمر الطائف لأن جسورها كانت ممتدة مع الجميع، لكنها حين انحازت إلي طرف دون آخر بعد حرب عام 2006، فإنها فقدت جدارتها باستقبال القوي اللبنانية في عام 2008، وقامت قطر بهذه المهمة.


في الموضوع الفلسطيني ثمة ثلاث نقاط ضعف في الموقف المصري، أولي هذه النقاط أن مصر ظلت محكومة بعقدتها إزاء الإخوان المسلمين، في كل تعاملاتها مع حركة حماس.. ولذلك فإنها قاطعتها سياسيًا منذ اللحظات الأولي لاشتراكها في الحكومة، وظل الاتصال بقادة الحركة مقصورًا علي القنوات الأمنية دون غيرها، وحتي الآن لا يزال أعضاء حماس سواء كانوا في الحكومة أو غيرها تعاملهم مصر كمشتبهين، حتي في المرور بمعبر رفح.


لقد سبق أن ذكرت في هذه النقطة أن مصر فشلت فيما نجحت فيه سوريا، التي تعاملت مع حماس كحركة مقاومة بالدرجة الأولي، وأخرجت من المعادلة علاقتها بحركة الإخوان، التي تعاقب القوانين السورية المنتمين إليها بالسجن أو الإعدام، في الوقت ذاته فإن مصر مازالت تتعامل مع حماس كفرع للإخوان، لاغية كونها حركة مقاومة وكونها فصيلاً أصبح شريكًا في الحكم باختيار الشعب الفلسطيني.


هذه العقدة جعلت مصر تتخلي عن حيادها وتنحاز إلي الطرف الآخر في رام الله، وهذه هي النقطة الثانية، ورغم أن التصريحات الرسمية تتحدث عن علاقات مصرية متوازنة مع الجميع، إلا أن الحاصل علي الأرض يقول بعكس ذلك علي طول الخط، وفي تصرفات الحكومة المصرية ما لا حصر له من الشواهد الدالة علي ذلك، بدءًا بمقاطعة وزراء حماس وانتهاءً باشتراك مصر في حصار غزة، ومرورًا باحتماء بعض القيادات الفلسطينية الهاربة من غزة بالقاهرة، واستخدامها مقرًا لممارسة العديد من الأنشطة المناهضة للحكومة في غزة.


نقطة الضعف الثالثة في الموقف المصري تتمثل في تأثره بالضغوط الأمريكية والإسرائيلية بحكم انخراط القاهرة فيما سمي بمعسكر «الاعتدال»، الذي يميل إلي موالاة الأمريكيين والإسرائيليين، واشتراك مصر في حصار غزة تعبير عن ذلك، والتركيز المصري في كل الاجتماعات التي عقدتها مع ممثلي حماس علي إطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير وعلي وقف الصواريخ التي تطلق من غزة دليل آخر، الأمر الذي يعني أن المطالب الإسرائيلية أصبحت تحتل موقعًا خاصًا في الأجندة المصرية، حتي أصبحت مهيمنة علي الاجتماعات المصرية الفلسطينية.


إذا صح هذا التحليل، فهو يعني أن حياد مصر في رعاية الحوار لا يُطمأن إليه تمامًا، الأمر الذي يبرر لحركة حماس أن تبحث عن وسطاء آخرين أكثر إنصافًا، علي الأقل في مسألة تبادل الأسري مع الإسرائيليين.. قد لا يبدو ذلك أمرًا مريحًا، لكن إذا عرف السبب بطل العجب!

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar