Subscribe:

Ads 468x60px

31 يوليو، 2008

اللعب بالقضاء

صحيفة الدستور المصريه الخميس 28 رجب 1429 - 31 يوليو 2008
اللعب بالقضاء - فهمي هويدي

اتصل بي أحد القضاة هاتفياً قائلاً: إن القضاء أصبح من ضحايا عبّارة الموت، وحين سألته كيف؟! كان رده أنه استخدم لتبرئة مالك العبّارة وتبييض صفحته، وتحمل أمام الرأي العام وزر هذه الفضيحة، دون أن ينتبه كثيرون إلي أن الأسلوب الذي اتبع في تقديم القضية حاصر القاضي، بحيث لم يدع له فرصة التعامل مع موضوعها الأساسي المتمثل في قتل أكثر من ألف مواطن مصري بسبب الإهمال والفساد، بالتالي لم يكن أمامه سوي الحكم ببراءة ممدوح إسماعيل وفريقه، وكانت النتيجة أن القضاء ذبح وتمت التضحية به لصالح الرجل، حتي بدا للرأي العام أن المتهم والجاني هما القاضي وليس المتسبب في الكارثة.

كنت قد أشرت أمس إلي هذا المعني، حين نبهت إلي أن تحقيقات النيابة وجهت إلي ممدوح إسماعيل تهمة التقصير في الإبلاغ عن غرق السفينة، مما أدي إلي التراخي في إنقاذ ركابها، من ثم تم استبعاد كل ما يتعلق بسوء حالة السفينة وقصور إجراءات السلامة والأمن فيها، والفساد الذي سمح بتشغيلها وهي بحالتها البائسة، مما أدي إلي وقوع الكارثة، وهذا التكييف لا يختلف كثيراً عن حالة الرجل الذي قتل آخر، فقدم إلي المحاكمة بتهمة إطلاق أعيرة نارية في داخل المدن، واستبعدت من القضية جريمة القتل وحمل السلاح دون ترخيص!

صحيح أنه كان بوسع القاضي أن يعالج القصور في التكييف القانوني للقضية ووضع الجرم في إطاره الصحيح، من خلال ما يعرف عند القانونيين بإعادة القيد والوصف، لكنه لم يفعل ذلك لسبب أو لآخر، صحيح أيضاً أن الباب يظل مفتوحاً لرفع دعاوي تطلب التحقيق في التهم التي تم تجاهلها، ولم يقدم بشأنها المتسبب في الكارثة، إلا أن ما يهمنا في السياق الذي نحن بصدده الآن، هو مبدأ اللعب في التحقيقات والقضايا بشكل عام، التي تمارس السلطة التنفيذية من خلالها هيمنتها علي السلطة القضائية وعدوانها المستمر علي استقلالها، وهي مسألة خطيرة تتعدد شواهدها، فضلاً عن أن ما جري في قضية العبارة يدل عليها، وكما ذكرت أمس فإنه حين تم توجيه التحقيق في مسار معين استبعد عناصر الإدانة في القضية، فقد ترتب علي ذلك تبرئة الجاني الذي لا تخطئ أي عين أ دلة إدانته، وكله بالقانون!

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

إن قانون السلطة القضائية يجعل النيابة العامة تابعة لوزير العدل، الأمر الذي يفتح الباب لإمكان تحكم السلطة التنفيذية في مسار التحقيقات، في الوقت ذاته فإن وزير العدل هو المسئول عن التفتيش القضائي، الذي يراقب أعمال القضاة ويحاسبهم، ويوقع الجزاءات التأديبية عليهم، وهو الذي يسهم في تعيين رؤساء المحاكم الابتدائية، وهؤلاء تفوضهم الجمعيات العمومية في تشكيل الدوائر، وذلك ـ كله ـ يعني أن السلطة التنفيذية ـ من خلال وزير العدل ـ أصبحت لها اليد الطولي في ممارسات السلطة القضائية.

في السابق كانت بعض الأنظمة تلجأ إلي تعليق الدستور وتعطيل القوانين، لتضمن إطلاق يدها في التعامل مع المجتمعات، لكن حين تزايد الوعي بقيمة القانون والحريات العامة في حقوق الإنسان، فإن تلك الأنظمة طورت من أسلوبها في ممارسة السلطة المطلقة، عن طريق التلاعب بالدساتير والقوانين، وإعادة صياغتها بما يلائم أهواءها ويلبي مطالبها، بالتالي فإن الاستبداد لم يعد مضطراً لتعليق الدستور أو القانون، وإنما بات يصمم الاثنين علي النحو الذي يروق له، بحيث يمارس الاستبداد في ظل حماية الاثنين.

إن شئت فقل إن التعديلات التي تجريها الدولة في هذه الحالة تقنن الاستبداد وتضفي عليه شرعية، بحيث يصبح رفضه أومقاومته خروجاً علي الشرعية.

هذه الخلفية تفسر لنا الكثير مما يجري في ساحة القضاء، الذي لم تتوقف الجهود الرامية إلي بسط هيمنة السلطة التنفيذية عليه، بما يحوله إلي عصا في يدها بدلاً من أن يظل ميزاناً لإحقاق الحق وإقامة العدل، وهي أيضاً تفسر لنا سر الأزمة والتوتر المستمرين بين وزير العدل ـ ومن ورائه السلطة التنفيذية ـ ونادي القضاة الذي يحاول الحفاظ علي استقلال السلطة القضائية، وما تبقي منه.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar